Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
قصة صالح نبي ثمود
وذكر ابنُ جرير(١) وغيره من علماء المفسرين : أنَّ امرأتين من ثمودَ اسمُ إحداهما : صدوق ابنة
الحيا بن زهير بن المختار ، وكانت ذاتَ حَسَبٍ ومال ، وكانت تحتَ رجلٍ ممن أسلمَ ، ففارقته ،
فدعت ابنَ عمِّ لها يُقال له : مصرع بن مهرج بن المحيا ، وعرضتْ عليه نفسَها إن هو عقرَ النَّاقةَ. واسم
الأخرى عُنيزة بنت غنيم بن مجلز ، وتُكنَّى أمّ عثمان ، وكانت عجوزاً كافرةً لها بناتٌ من زوجها
ذؤاب بن عمرو ، أحد الرؤساء ، فعرضتْ بناتِها الأربع على قُدَار بن سالف إن هو عقرَ النَّاقَةَ ، فله أيُّ ۔
بناتها شاءَ، فانتُدبَ هذان الشَّابَّان لعَقْرِها، وسَعَوْا في قومِهِم بذلك، فاستجابَ لهم سبعةٌ آخرونَ ،
فصَاروا تسعةً ، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿ وَكَانَ فِى الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ وَلَا
يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨].
وسَعَوْا في بقيَّة القبيلةِ ، وحسَّنوا لهم عقرَها، فأجابوهم إلى ذلك، وطاوعُوهم في ذلك ، فانطلقوا
يرصُدُون النَّاقَةَ، فلما صدرتْ من وِزْدها٢) كمَنَ لها مصرعٌ ، فرماها بسهم ، فانتظمَ عظمَ ساقِها ، وجاء
النساء يزمرن(٣) القبيلة في قتلها وحسرن٤ٌ) عن وجُوهِهِنَّ، ترغيباً لهم في ذلك ، فابتدرَهم قُدارُ بن
سالف ، فشدَّ عليها بالسيف فكشفَ عن عرقوبها٥ُ) ، فخرَّت ساقطةً إلى الأرض ، ورغت(٦) رغاةً واحدةً
عظيمةٌ تُحذِّرُ ولدَها، ثم طعن في لبَّتِها(٧) ، فنحرَها، وانطلقَ سَقْبُها - وهو فصيلُها٨) - فصَعِدَ جبلاً
منيعاً ، ورغا ثلاثاً .
وروى عبد الرزاقُ(٩): عن معمر ، عمَّن سمع الحسنَ ؛ أنه قال : يا ربِّ أينَ أُمِّي ؟ ثم دخلَ في
صَخْرةٍ ، فغابَ فيها . ويُقال: بل اتَّبَعُوه، فعقروه أيضاً. قال الله تعالى: ﴿فَدَوْ صَاحِهُمْ فَعَاطَى فَمَقَّرَ
فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرٍ ﴾ [القمر: ٢٩ - ٣٠]. وقال تعالى: ﴿ إِذِ اُنْبَعَثَ أَشْقَنهَا (١) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ الَّهِ
وَسُقِّيَهَا﴾ [الشمس: ١٢ - ١٣] أي: احذرُوها فكذَّبُوه فعقروها ﴿ فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَتُهُم بِذَئِهِمْ فَسَوَّنَهَا (٦) وَلَا
يَخَافُ عُقْبَهَا ﴾ [ الشمس: ١٤ - ١٥].
قال الإمام أحمد : حدَّثنا عبدُ الله بن نُمَيْر، حدَّثنا هشام - هو ابن عُروة - عن أبيه ، عن عبد الله بن
(١) انظر تفسير الطبري (٥٣٢/٥).
(٢)
صدرت من وردها : ارتوت ورجعت .
(٣)
في الأصل : يذمون - ويذمرن: يحضِّنَّ ويُشجعنَّ على القتال.
(٤)
وحَسَرْنَ : كشفن الغطاء عن وجوههنَّ .
عُزْقُوبها : ما يكون في رجل الدابة بمنزلة الركبة في يدها .
(٥)
رغتْ : صوتت وضجَّت ، والرُّغاء : صوت الإبل .
(٦)
لَبُّهَا : اللبّة : موضع القلادة من العنق.
(٧)
(٨)
فصيلها : الفصيل : ابن الناقة .
(٩) تفسير الطبري (٥٣٥/٥) .

٢٠٢
قصة صالح نبي ثمود
زمعة، قال: خطبَ رسولُ اللهِ وَّةِ، فذكر النَّاقة، وذكر الذي عقرَها، فقال: ﴿ إِذِ اُنْبَعَثَ أَشْقَنْهَا ﴾
[ الشمس: ١٢ ] انبعثَ لها رجلٌ عَارٌ عزيزٌ منيع في رهطه، مثل ابن زمعةُ(١)
أخرجاه(٢) من حديث هشام به . عارم : أي : شهمٌ عزيز ، أي : رئيس منيع ، أي : مطاع في
قومه .
وقال محمد بن إسحاق : حدَّثني يزيدُ بن محمد بن خثيمٌ(٣) ، عن محمد بن كعب ، عن محمد بن
خُثيم، عن يزيد، عن عمَّار بن ياسر، قال: قال رسول الله وَّر لعلي: ((ألا أَحدثّك بأشقى الناس ؟))
قال: بلى . قال : رجلان أحدُهما أُحيمرُ ثمود الذي عقرَ النَّاقة ، والذي يضربُكَ يا عليٍّ على هذا
- يعني : قَرْنه - حتى تَبْتلَّ منه هذه - يعني لحيته - )) رواه ابن أبي حاتم(٤)
وقال تعالى: ﴿ فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَّوْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَصَلِحُ آثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾
[ الأعراف: ٧٧ ] فجمَعُوا في كلامِهم هذا بين كفرٍ بليغٍ من وجوه :
منها أنهم خالفوا الله ورسوله في ارتكابهم النهي الأكيد في عَقْر الناقة التي جعلها الله لهم آية .
ومنها أنهم استعجلوا وقوعَ العذاب بهم ، فاستحقُّوه من وجهين : أحدهما : الشرط عليهم في قوله :
﴿ وَلَا تَمَشُوهَا بِسُوْءٍ فَأْخُذَّكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤] وفي آية ﴿عظيم﴾ [ الشعراء: ١٥٩] وفي الأخرى
﴿أليم﴾ [ الأعراف: ٧٣] والكلُّ حقٌّ. والثاني : استعجالهم على ذلك .
ومنها أنهم كذَّبوا الرسولَ الذي قد قامَ الدليلُ القاطعُ على نبوَّته وصِدْقه ، وهم يعلمون ذلك علماً
جازماً ، ولكن حملَهم الكفرُ والضَّلالُ والعِنادُ على استبعاد الحقِّ ، ووقوع العذاب بهم . قال الله تعالى :
﴿ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَثَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ [ هود: ٦٥].
وذكروا أنَّهم لما عَقَروا النَّاقَة كان أوَّل من سط٥) عليها قُدارُ بن سالف ـ لعنه الله - فعرقَبها، فسقطت
إلى الأرض ، ثم ابتدرُوها بأسيافهم يُقَطَّعُونها ، فلما عاينَ ذلك سَقْبُها - وهو ولدها - شَرَدَ عنهم ، فعلا
أعلى جبلٍ هناك ، ورغا ثلاثَ مرارٍ(٦)
فلهذا قال لهم صالح: ﴿ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [ هود: ٦٥] أي: غير يومهم ذلك ، فلم
(١) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٧)، وهو حديث صحيح .
(٢) أخرجه البخاري (٤٩٤٢) في التفسير، ومسلم (٢٨٥٥) في الجنة وصفة نعيمها وأهلها.
(٣) كذا في ب وهو الصحيح ، وفي المطبوع وأ : خيثم ، مصحف .
ورواه أيضاً أحمد في المسند (٤/ ٢٦٣) وهو حديث حسن .
(٤)
(٥) سطا : بطش بشدّة .
(٦) في المطبوع : مرات .

٢٠٣
قصة صالح نبي ثمود
يُصدِّقوه أيضاً في هذا الوعد الأكيد ، بل لما أمسوا همُّوا بقتله ، وأرادوا فيما يزعمون أن يُلحقوه بالناقة
﴿ قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبِيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] أي: لنكبسنَّه في داره مع أهله فلنقتلنه، ثم لنجحدثّ
قتله، ولننكرنّ ذلك، إنْ طالبنا أولياؤُه بدمه، ولهذا قالوا: ﴿ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِهِ، مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ، وَإِنَّا
لَصَدِفُونَ ﴾ [ النمل: ٤٩].
ـَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
قال الله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
مَكْرِهِمْ أَنَا دَمَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ بِمَا ظَلَمُوْاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
٥٢
وَأَجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَثَّقُونَ ﴾ [ النمل: ٥٠ -٥٣].
وذلك أنَّ الله تعالى أرسلَ على أولئك النفر الذين قصدوا قتلَ صالح حجارةً رضختْهم سلفاً وتعجيلاً
قبلَ قومهم ، وأصبحتْ ثمودُ يومَ الخميس - وهو اليوم الأول من أيام النَّظْرة - ووجوهُهم مُصْفَرَّةٌ ، كما
أنذرهم صالح عليه السلام ، فلمَّا أمسَوا نادَوْا بأجمعِهم: ألا قد مضى يوم من الأجل .
ثم أصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل ، وهو يوم الجمعة ، ووجوهُهُم مُحمَرَّة ، فلما أمسوا
نادوا : ألا قد مضى يومان من الأجل .
ثم أصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع ، وهو يوم السبت ، ووجوهُهم مُسودَّة ، فلما أمسوا
نادوا : ألا قد مضَى الأجل .
فلما كان صبيحة يوم الأحد تحنَّطوا وتأهّبوا وقعدوا ينتظرون ماذا يخُلُّ بهم من العذاب والنَّكال
والنقمة ، لا يدرون كيف يفعل بهم! ولا من أي جهة يأتيهم العذاب ! فلما أشرقت الشمسُ جاءَتْهم صَيْحةٌ
من السماء مِن فوقهم ، ورجفةٌ شديدٌ من أسفل منهم ، ففاضتِ الأرواحُ، وزهقتٍ (١) النفوس ، وسكنتِ
الحركاتُ ، وخَشَعتِ الأصواتُ ، وحقَّتِ الحقائقُ ، فأصبحوا في دارهم جائمين ، جثثاً لا أرواحَ فيها ،
ولا حَرَاك بها . قالوا : ولم يبق منهم أحدٌ إلَّا أن جاريةً كانت مُفْعَدَةً ، واسمها كلية ابنة السلق ، ويُقال
لها : الذريعة ، وكانت شديدة الكفر والعداوة لصالح عليه السلام ، فلما رأتِ العذاب أُطْلِقَتْ رجلاها ،
فقامتْ تسعى كأسرع شيءٍ ، فأتتْ حيّاً من العرب فأخبرتْهم بما رأتْ ، وما حلَّ بقومها ، واستسقتهم
ماءً ، فلما شربتْ ماتتْ .
قال الله تعالى: ﴿كَأَنْ لَّمْ يَغْنَوْ فِيهَا﴾ [هود: ٦٨] أي: لم يُقيموا فيها في سَعة ورزق وغَنَاء ﴿أَلَّ إِنَّ
ثَمُودَأْ كَفَرُواْرَهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ ﴾ [ هود: ٦٨] أي: نادى عليهم لسانُ القَدَر بهذا.
قال الإمام أحمد(٢): حدَّثنا عبدُ الرزاق، حدَّثنا معمر، حدَّثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن
(١) زهقت النفوس : خرجت.
(٢) في المسند (٢٩٦/٣) رقم (١٤٠٩٢).

٢٠٤
قصة صالح نبي ثمود
أبي الزبير، عن جابر، قال: لما مرَّ رسولُ اللهِ وَ بِالحِجْر، قال: «لا تسألوا الآياتِ ، فقد سألها قومُ
صالح ، فكانتْ - يعني الناقة - تَرِدُ من هذا الفَجِّ، وتصدرُ من هذا الفِّ ﴿ فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْ عَنْ أَمْيِ
رَبِّهِمْ ﴾ [ الأعراف - ٧٧] فكانت تشرب ماءَهم يوماً ويشربون لبنَها يوماً ، فعقروها، فأخذتْهم صيحةٌ أهمد
الله عزَّ وجلَّ من تحت أديم السماء منهم إلا رجلاً واحداً كان في حرم الله عزَّ وجلَّ . فقالوا : منْ هُو
يا رسول الله؟ قال: هو أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصابَ قومَه (١) . وهذا الحديث على
شرط مسلم ، وليس هو في شيء من الكتب الستة ، والله أعلم .
وقد قال عبد الرزاق أيض٢ً): قالَ مَعْمر: أخبرني إسماعيل بن أَميَّة: أن النبيَّ وَُّ مِزَّ بقبر
أبي رِغال ، فقال : أتدرون من هذا؟ قالوا : الله ورسولُه أعلم . قال : هذا قبر أبي رِغال ، رجلٌ من
ثمودَ كان في حَرَمِ الله فمنعَه حَرَمُ الله عذابَ الله . فلما خرجَ أصابَه ما أصابَ قومَه ، فدُفن هاهنا ودُفن معه
غُصْنٌ من ذَهب ، فنزلَ القومُ فابتدرُوه بأسيافهم ، فبحثُوا عنه ، فاستخرجوا الغصنَ . قال عبد الرزاق :
قال معمر : قال الزهري : أبو رغال : أبو ثقيف .
هذا مرسل من هذا الوجه .
وقد جاءَ من وجهٍ آخر متصلاً ، كما ذكرَه محمَّد بن إسحاق في السيرة : عن إسماعيل بن أمية ، عن
بجير بن أبي بجير، سمعتُ عبدَ الله بن عمرو، سمعتُ رسولَ الله وَلَ يقولُ حين خرجنا معه إلى
الطائف ، فمررنا بقبرٍ، فقال: (( إن هذا قبرُ أبي رغال، وهو أبو ثقيف، وكان من ثمودَ ، وكان بهذا
الحرم ، يدفعُ عنه ، فلمَّا خرجَ منه ، أصابتْه النقمة التي أصابتْ قومَه بهذا المكان ، فدُفن فيه ، وآية ذلك
أنه دُفن معه غصنٌ من ذهب ، إنْ أنتم نبشتُم عنه أصبتموه معه)) . فابتدرَه النَّاسُ فاستخرجوا منه
الغصن (٣).
وهكذا رواه أبو داو(٤) : من طريق محمد بن إسحاق .
قال شيخنا الحافظ أبو الحجّاج المزِّي - رحمه الله(٥) - : هذا حديث حسن عزيز.
قلت : تفرَّد به بُجَيْر بن أبي بُجَيْر هذا ، ولا يُعرف إلا بهذا الحديث ، ولم يرو عنه سوى إسماعيل بن
١
(١) وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٦١٩٧) الإحسان، والبزار (١٨٤٤) كما في كشف الأستار ، والحاكم في
المستدرك (٣٤٠/٢-٣٤١) .
والفجُّ : الشَّقُّ ، والطريق الواضح بين جبلين .
(٣) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢٩٧/٦).
(٢)
في مصنفه (٢٠٩٩).
(٤) أخرجه أبو داود في سننه (٣٠٨٨) في الخراج والإمارة والفيء .
(٥) تهذيب الكمال (٤/ ١١) .

٢٠٥
قصة صالح نبي ثمود
أمية . قال شيخنا : فيحتمل أنه وَهم في رفعه، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو عن زاملتيه (١)،
والله أعلم .
قلتُ : لكن في المرسل الذي قبلَه، وفي حديث جابرٍ أيضاً شاهدٌ له (٢) ، والله أعلم .
وقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِ وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَّا تُحِبُّونَ
النَّصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩ ] إخبارٌ عن صالح عليه السلام أنَّ خاطبَ قومه بعد هلاكهم، وقد أخذ في
الذَّهَاب عن محلَّتهم إلى غيرها، قائلاً لهم: ﴿يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَفْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبٍ وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ [ الأعراف:
٧٩]: أي جهدت في هدايتكم بكل ما أمكنني وحرصت على ذلك بقولي وفعلي ونيتي ﴿ وَلَكِن لَّا تُحِبُونَ
الَّصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩] أي: لم تكن سجاياكُمْ تَقْبَلُ الحقَّ ولا تُريده ، فلهذا صرتُم إلى ما أنتم فيه من
العذاب الأليم المستمرّ بكم ، المتصل إلى الأبد ، وليس لي فيكم حيلة ، ولا لي بالدفع عنكم يدان ،
والذي وجبَ عليّ من أداء الرسالة والنُّصْح لكم قد فعلتُه وبذلتُه لكم ، ولكنَّ الله يفعلُ ما يريد .
وهكذا خاطبَ النبيُّ بَ ◌َّ أَهل قَلِيْبِ بَدْرٍ بعد ثلاث ليالٍ، وقف عليهم، وقد ركبَ راحلتَه، وأمر
بالرحيل من آخر الليل ، فقال : (( يا أهلَ القَليب ! هل وجدتُم ما وعدَكم ربّكم حَقّاً ، فإني قد وجدتُ
ما وَعدني ربِّي حقاً)) وقال لهم فيما قال: ((بئسَ عشيرةُ النبيِّ كُنتم لنبيّكم، كذَّبتمُوني وصدَّقني النَّاسُ،
وأخرجتموني وآواني النَّاسُ، وقاتلتمُوني ونَصرني النَّاسُ، فبئس عشيرةُ النبيِّ كنتُم لنبيّكم)) فقال له
عمر : يا رسول الله! تخاطبُ أقواماً قد جيفوا؟ فقال: (( والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم
ولكنهم لا يُجيبون)(٣) . وسيأتي بيانُه في موضعه إن شاء الله .
ويُقال : إنَّ صالحاً عليه السلام انتقلَ إلى حَرَمِ الله فأقامَ به حتَّى ماتَ .
قال الإمام أحمد(٤) : حدَّثنا وكيع ، حدَّثنا زمعة بن صالح ، عن سلمة بن وهرام ، عن عكرمة ، عن
ابن عباس، قال: لما مرَّ النبيُّ نَّه بوادي عُسْفان حينَ حجَّ، قال: (( يا أبا بكر! أيّ وادٍ هذا؟ قال :
وادي عُسْفان . قال: ((لقد مرَّ به هودٌ وصالحٌ عليهما السلام على بكرات خُطُمُها اللِّيف، أُزُرُهم العباء ،
وأرديتهم النِّمار، يُلَبُّون، يَحُجُّونَ البيتَ العتيق)). إسناد حسن(٥)
(١) زاملتيْه : الزاملة: ما يُحمل عليه من الإبل وغيرها .
(٢)
قول ابن كثير هذا سقط من أ ، وأثبته من ب .
ذكره الهيثمي في المجمع (٦/ ٩١) من حديث عبد الله بن مسعود وقال : رواه الطبراني ، ورجاله رجال الصحيح.
(٣)
(٤)
في المسند (٢٣٢/١).
(٥) أقول: فيه زمعة بن صالح ضعيف، كما قال الحافظ في ((التقريب)).

٢٠٦
مرور النبي بوادي الحجر من أرض ثمود
وقد تقدَّم في قصَّةُ(١) نوح عليه السلام من رواية الطبراني ، وفيه : نوح وهود وإبراهيم .
مرور النبيِّ بوادي الحِجْر من أرض ثمودَ عام تبوك
قال الإمام أحمد : حدَّثنا عبدُ الصمد ، حدَّثنا صَخْرُ بن جويرية ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال لما
نزل رسولُ اللهِ وَ﴿ بالناس على تبوكَ، نزل بهم الحِجْرَ عند بيوت ثمود، فاستقى النَّاسُ من الآبار التي
كانت تشرب منها ثمود، فعجنُوا منها ، ونصبُوا القُدور [ باللحم ] ، فأمرَهم رسولُ الله فأهراقوا القدورَ ،
وعلفُوا العجينَ الإبلَ ، ثم ارتحلَ بهم حتَّى نزل بهم على البئر التي كانت تشربُ منها النَّاقَةُ ، ونهاهُم أن
يدخلوا على القوم الذين عُذِّبوا فقال: (( إني أخشى أن يُصيبَكم مثلُ ما أصابهم، فلا تدخلوا عليهم)(٢).
وقال أحمد أيضاً : حدَّثنا عفَّن، حدَّثنا عبدُ العزيز بن مسلم، حدَّثنا عبدُ الله بن دينار ، عن
عبد الله بن عمر، قال: قال رسولُ الله ◌ِمَ ◌ّه وهو بالحِجْر: ((لا تدخلوا على هؤلاء المُعذّبين إلا أنْ تكونوا
باكينَ ، فإن لم تكونوا باكينَ فلا تدخلوا عليهم ، أن يُصيبكُم مثل ما أصابهم (٣) .
أخرجاه في الصحيحينُ(٤) من غير وجه .
وفي بعض الروايات : أنه عليه الصلاة والسلام لما مرَّ بمنازلهم قنَّع رأسه وأسرع راحلته ، ونهى عن
دخولٍ منازلهم إلا أن يكونوا باكين، وفي رواية: « فإنْ لم تبكوا فتباكوا ، خشيةَ أن يُصيبَكم مثلُ
ما أصابَهم)) . صلوات الله وسلامه عليه .
وقال الإمام أحمد : حدَّثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا المَسعودي ، عن إسماعيل بن أوسط ، عن محمد
ابن أبي كبشة الأنماري ، عن أبيه - واسمه عمرو بن سعد ، ويُقال : عامر بن سعد رضي الله عنه - قال :
لما كان في غزوة تبوك تسارعَ النَّاسُ إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغَ ذلك رسولَ اللهِص ◌ُّر، فنادى في
النَّاس: الصَّلاةُ جامعة. قال: فأتيتُ النبيَّ ◌َّه، وهو يمسك بعيرَه، وهو يقول: ((ما تدخلون على قومٍ
غضبَ الله عليهم ، فناداه رجلٌ نعجبُ يا رسول الله! قال: أفلا أُنْبئكم بأعجب من ذلك ؟ رجلٌ من
أنفسكم يُنبئكم بما كان قبلكم ، وما هو كائنٌ بعدَكم، فاستقيموا وسدِّدوا ، فإنَّ اللهَ لا يعبأُ بعذابِكم شيئاً ،
وسيأتي قومٌ لا يدفعونَ عن أنفسهم شيئاً)(٥) . إسنادٌ حسنٌ ولم يُخرُجوه .
(١) تقدم ص ١٨٠.
أخرجه أحمد في المسند (١١٧/٢) وإسناده صحيح على شرط الشيخين .
(٢)
(٣)
أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٧٤) وإسناده صحيح على شرط الشيخين .
(٤) أخرجه البخاري (٤٧٠٢) في التفسير، ومسلم (٢٩٨٠) في الزهد والرقائق .
(٥) أخرجه أحمد في المسند (٢٣١/٤). قلت : فيه محمد بن أبي كبشة الأنماري ، وهو مجهول .

٢٠٧
مرور النبي بوادي الحجر من أرض ثمود
وقد ذُكرَ أنَّ قومَ صالح كانت أعمارُهم طويلةً، فكانوا يبنون البيوتَ من المدر(١) ، فتخربُ قبلَ موتٍ
الواحد منهم ، فنحتوا لهم بيوتاً في الجبال .
وذكروا أنَّ صالحاً عليه السلام لما سألوه آيةً ، فأخرجَ اللّه لهم النَّاقةَ من الصَّخرة ، أمرهم بها وبالولد
الذي كان في جَوْفها ، وحذَّرَهم بأسَ الله إن هم نالوها بسوء ، وأخبرَهم أنهم سيعقرونها ، ويكونُ سببُ
هلاكهم ذلك ، وذكرَ لهم صفةَ عاقرها ، وأنَّه أحمرُ أزرقُ أصْهبُ ، فبعثوا القوابلَ في البلد ، متى وجدوا
مولوداً بهذه الصِّفة يقتلنَّه ، فكانوا على ذلك دهراً طويلاً ، وانقرضَ جيلٌ وأتى جيلٌ آخر .
فلمَّا كان في بعضِ الأعصارِ ، خطبَ رئيسٌ من رؤسائهم على ابنه بنتَ آخرَ مثله في الرياسة ، فزَّجه ، فولدَ
بينهما عاقرُ النَّاقة، وهو قُدَار بن سَالف، فلم تتمكَّن القوابلُ من قتله، لشرفِ أبويه وجدَّيْه فيهم، فنشأ نشأةً سريعةً،
فكان يشبُّ في الجمعة كما يشبُّ غيرُه في شَهْرٍ ، حتى كان منْ أمره أن خرجَ مُطاعاً فيهم رئيساً بينهم ، فسؤَلت له
نفسُه عَقْرَ النَّاقةِ، واتَّبعه على ذلك ثمانيةٌ من أشرافِهم، وهم التسعة الذين أرادوا قتلَ صالح عليه السلام.
فلمَّا وقع من أمرِهم ما وقعَ من عَقْرِ النَّاقة ، وبلغَ ذلك صالحاً عليه السلام ، جاءهم باكياً عليها ،
فتلقَّوه يعتذرون إليه ، ويقولون : إن هذا لم يقع عن ملأٍ منا ، وإنما فعل هذا هؤلاء الأحداث فينا ،
فيُقال: إنه أمرَهم باستدراكِ سَقْبها٢) حتى يُحسنوا إليه عوضاً عنها، فذهبوا وراءَه، فصعدَ جبلاً، فلما
تصاعدوا فيه وراءَه ، تعالى الجبلُ حتى ارتفعَ فلا ينالُهُ الطَّيْرُ ، وبكى الفصيلُ ، حتى سالت دموعه .
ثم استقبلَ صالحاً عليه السلام، ودعا ثلاثاً، فعندها قالَ صالح: ﴿تَمَتَّعُواْ فِ دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ
ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ [ مرد ٦٥ ] وأخبرَهم أنَّهم يُصبحون من غَدِهم صُفْراً، ثم تَحْمَرُ وجوههم في
الثاني ، وفي اليوم الثالث تَسْوَدُّ وجوههم ، فلما كان في اليوم الرابع أتتهم صَيْحةٌ فيها صوتُ كلِّ صاعقةٍ ،
فأخذتهم فأصبحوا في دارهم جائمين .
وفي بعض هذا السياق نظرٌ ومخالفةٌ لظاهر ما يُفهم من القرآن في شأنهم وقصتهم ، كما قدَّمنا ، والله
سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .
..
المدر : الطين .
سقبها : الشقْب : ولد الناقة .

٢٠٨
قصة إبراهيم الخليل عليه السلام
قصة إبراهيم الخليل
عليه السلام
هو إبراهيم بن تارخ (٢٥٠)، بن ناحور(١) (١٤٨)، بن ساروغ (٢٣٠)، بن أرغو(٢) (٢٣٩)،
ابن فالغُ(٣) (٤٣٩)، بن عابر(٤) (٤٦٤)، بن شالخُ(٥) (٤٣٣)، بن أرفخشد٦) (٤٣٨)، بن سام
(٦٠٠) ، بن نوح عليه السلام .
هذا نصُّ أهل الكتاب في كتابهم ، وقد أعلمت على أعمارهم تحت أسمائهم بالهندي ، كما ذكروه
من المُددِ ، وقدَّمنا الكلام على عمر نوح عليه السلام فأغنى عن إعادته .
وحكى الحافظُ ابن عساكر في ترجمة إبراهيم الخليل من تاريخه : عن إسحاق بن بشر الكاهلي
صاحب كتاب ((المبتدأ)): أن اسمَ أم إبراهيم (( أميلة)). ثم أورد عنه في خبر ولادتها١) له حكايةً
طويلة١)، وقال الكلبيُّ: اسمها: (( بونا)) بنت كربنا بن كرلي ، من بني أرفخشذ بن سام بن نوح .
وروى ابن عساكر من غير وجه: عن عكرمة؛ أنه قال : كان إبراهيمُ عليه السلام يُكنَّى أبا الضُّيفالُ(٩) .
قالوا : ولما كان عمر تارخ خمساً وسبعين سنة ولد له إبراهيم عليه السلام ، وناحور وهاران ، ووُلد
لهاران لوط .
وعندهم : أن إبراهيم عليه السلام هو الأوسط ، وأن هاران ماتَ في حياة أبيه في أرضه التي وُلد
فيها ، وهي أرض الكلدانيين ، يعنون أرضَ بابل .
وهذا هو الصحيحُ المشهورُ عند أهل السير والتواريخ والأخبار، وصحَّحَ ذلك الحافظ ابن عساكر(١٠)
(١) في أ : باحور.
في أوب : راغو ؛ وأثبت ما في هامش أ . وما يتفق مع تاريخ الطبري ومختصر تاريخ دمشق .
(٢)
(٣)
في نسخة : فالاغ .
(٤)
في نسخة : غيبر ، وفي نسخة : عابار .
(٥ )
في نسخة سالاخ .
(٦)
في نسخة : أرفخشاذ .
(٧)
في أ : ولادها .
أخرجه ابن عساكر ، كما في التهذيب (٢/ ١٤١).
(٨)
(٩) المصدر السابق (١٤٠/٢).
(١٠) المصدر السابق (٢/ ١٣٧).

٢٠٩
قصة إبراهيم الخليل عليه السلام
بعدما روى من طريق هشام بن عمَّار ، عن الوليد ، عن سعيد بن عبد العزيز ، عن مكحول ، عن ابن
عباس ، قال : وُلد إبراهيم بغوطة دمشقَ في قريةٍ يُقال لها : برزة . في جبل يُقال له : قاسيون . ثم قال:
والصحيحُ أنه وُلد ببابل . وإنما نسب إليه هذا المقام لأنَّه صلَّى فيه إذ جاءَ مُعينا للوط عليه السلام.
قالوا : فتزوَّج إبراهيمُ سارَة ، وناحور ملكا ابنة هاران ، يعنون بابنة أخيه .
قالوا : وكانت سارَةُ عاقراً لا تلد . قالوا : وانطلقَ تارخ بابنه إبراهيم وامرأته سارَة وابن أخيه لوط بن
هاران ، فخرج بهم من أرض الكلدانيين إلى أرض الكنعانيين ، فنزلوا حرَّان ، فمات فيها تارخ وله مئتان
وخمسون سنة ، وهذا يدلُّ على أنه لم يُولد بحرَّان، وإنما مولده بأرض الكلدانيين ، وهي أرضُ بابلَ وما
والاها .
ثم ارتحلوا قاصدينَ أرض الكنعانيين ، وهي بلاد بيت المقدس ، فأقاموا بحرَّان ، وهي أرضُ
الكلدانيينُ(١) في ذلك الزمان، وكذلك أرض الجزيرة والشام أيضاً، وكانوا يعبدون الكواكب السبعة .
والذين عمروا مدينةَ دمشق كانوا على هذا الدِّين ، يستقبلونَ القطب الشمالي ، ويعبدون الكواكب
السبعةَ بأنواع من الفِعال والمقال ، ولهذا كان على كل باب من أبواب دمشقَ السبعة هيكلٌ لكوكبٍ منها ،
ويعملونَ لها أعياداً وقرابينَ .
وهكذا كانَ أهلُ حرَّان يعبدونَ الكواكبَ والأصنامَ، وكلُّ من٢) على وجه الأرض كانوا كفَّاراً ، سوى
إبراهيم الخليل وامرأته وابن أخيه لوط عليهم السلام .
وكان الخليلُ عليه السلام هو الذي أزالَ الله به تلك الشرور ، وأبطلَ به ذاك الضلال ، فإن الله سبحانه
وتعالى آتاه رشدَه في صِغَره، وابتعثه رسولًا، واتَّخذه خليلاً في كِبَره، قال تعالى: ﴿﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَاً
إِنَّهِيِمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ، عَلِمِينَ﴾ ( ١- ٥١] أي: كان أهلاً لذلك. وقال تعالى: ﴿وَإِنَزَهِيمَ إِذْقَالَ
لِقَوْمِهِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوّةٌ ذَلِكُمْ خَبِرْ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكَأْ
إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمَلِكُونَ لَّكُمْ رِزْقًا فَأَبْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ الْرِزْفَ وَأَعْبُدُوهُ وَأَشْكُرُواْلَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمٌَّ مِن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَلَغُ الْمُبِينُ في أَوْلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ بْدِىُّ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ
يُعِيدٌُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَبِيْرٌ ﴿يَ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ بَدَأْ الْخَلْقَّ ثُمَّ اللَّهُ بُنِىُّ الَّقْأَةُ الْآَخِرَةُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ ﴿ يُعَذِبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن بَشَاءٌ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٣) وَمَآ أَنْتُمْ بِمُعْجِرِينَ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِى السَّمَاءِ
وَمَا لَكُمْ مِن دُونِ اللَّهِ مِنْ وَإِيٍّ وَلَ نَصِيرِ الَّهَا وَالَّذِينَ كُفَرُواْ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَلِقَآءِهِ، أُوْلَئِكَ بَهِسُواْ مِن رَّحْمَنِ وَأُوْلَكَ
◌َّمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَقْتُلُوهُ أَوْ حَرِقُوهُ فَنَجَنْهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَةٍ لِقَوْمٍ
كذا في أوب ، وفي المطبوع : الكشدانيين .
كذا في أوب : وفي المطبوع : وكلُّ من كان .

٢١٠
قصة إبراهيم الخليل عليه السلام
يُؤْمِنُونَ ﴿٢) وَقَالَ إِنَّمَا أَتَّخَذْتُ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَّا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضِ
﴿ فَامَنَ لَُّ لُوطٌ وَقَالَ إِنِِّ مُهَاجِرُ إِلَى رَبِّ إِنَّهُ هُوَ
٢٥
وَيَلْعَبُّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّنْ نَّصِرِينَ
اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿َ وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبَ وَءَانَيْنَهُ أَجْرَهُ فِ الذُّنْيَا وَإِنَّهُ فِ الْآخِرَةِ لَمِنَ
الصَّلِحِينَ﴾ [ العنكبوت: ١٦ - ٢٧] ثم ذكرَ الله تعالى مناظرته لأبيه وقومِه ، كما سنذكرُه إن شاء الله تعالى.
وكان أوَّل دعوته لأبيه ، وكان أبوه ممن يعبد الأصنامَ ، لأنه أحقُّ النَّاس بإخلاص النصيحة له ، كما
قال تعالى: ﴿ وَأَذْكُرْ فِى الْكِتَبِ إِبْرَهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نِّيًّا (٤) إِذْقَالَ لِأَبِهِ يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ
شَيْئًا ﴿هَ يَأَبَتِ إِنِى قَدْ جَاءَبِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَتَّبِعْنِىّ أَهْدِكَ صِرَطًا سَوِيًّا (١) يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنِّ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ
لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (١) يَأَبَتِ إِنَّيِّ أَخَافُ أَنْ يَمَسََّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِيًّا (٤) قَالَ أَرَاغِبُ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِى
يَاِزَهِيمٌّ لَيِنِ لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْ جُمَنَّكَ وَأَهْجُرْبِ مَلِيًّا (٤) قَالَ سَلَمُ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّ إِنَّهُ كَانَ بِ حَفِيًّا () وَأَعْتَزِلُكُمْ
وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُواْ رَبِّى عَسَىّ أَلَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤١ - ٤٨]. فذكر تعالى ما كان بينه
وبين أبيه من المحاورة والمجادلة ، وكيف دعا أباه إلى الحقِّ بألطفِ عبارةٍ وأحسنِ إشارةٍ وبيَّنَ له بطلانَ
ما هو عليه (١) من عبادة الأوثان، التي لا تسمعُ(٢) دعاءَ عابدِها، ولا تُبصر مكانَه، فكيف تُغني عنه شيئاً
أو تفعلُ له خيراً من رِزقٍ أو نصر؟ ثم قال مُنَبِّها٣ً) على ما أعطاه الله من الهدى والعلم النافع ، وإن كان
أصغرَ سِنّاً من أبيه : ﴿يَأَبَتِ إِى قَدْ جَآءَنِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَتَّبِعْنِىّ أَهْدِكَ صِرَطًا سَوِيًّا﴾ [ مريم: ٤٣] أي:
مستقيماً واضحاً سَهْلاً حنيفا٤ً) ، يُفْضي بكَ إلى الخير في دنياكَ وأُخراكَ، فلما عرضَ هذا الرشدَ عليه ،
وأهدى هذه النصيحةَ إليه، لم يقبلْها منه ولا أخذَها عنه، بل تهدَّده وتوعَّدَه، قال: ﴿أَرَاغِبُّ أَنْتَ عَنْ
ءَالِهَتِ يَِّيْزَهِيِّ لَبِن لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦] قيل: بالمقال، وقيل: بالفعال. ﴿ وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا ﴾
[ مريم: ٤٦] أي: واقطعني، وأطل هجراني، فعندها قال له إبراهيم ﴿سَلَمُّ عَلَيْكٌ ﴾ أي : لا يَصِلُكَ مني
مكروهٌ، ولا ينالُكَ مني أذىّ ، بل أنت سالمٌ من ناحيتي، وزادَه خيراً فقال: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِيِّ إِنَّهُ
كَانَ بِ حَفِيًّا﴾ [ مريم: ٤٧] قال ابن عباس وغيره: أي لطيفاً، يعني في أن هداني لعبادتِه والإخلاص
له ، ولهذا قال: ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُواْ رَبٍِّ عَسَى أَلََّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِ شَفِيًّا﴾ [ مريم: ٤٨]
وقد استغفرَ إبراهيم عليه السلام ، كما وعده في أدعيته ، فلما تبيَّن له أنه عدوٌّ لله ، تَبَّأ منه ، كما قال
تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَّنَ لَهُ، أَنَّهُ عَدُوٌ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ
إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ ﴾ [ التوبة: ١١٤].
(١) في أ : إليه .
(٢) كذا في ب ، وهي في أغير مقروءة .
(٣) كذا في ب ، وهي في أغير مقروءة .
(٤) حنيفاً: مستقيماً على الحق، مائلا عن المعتقدات الباطلة.

٢١١
قصة إبراهيم الخليل عليه السلام
وقال البخاري(١): حدَّثنا إسماعيل بن عبد الله، حدَّثني أخي عبدُ الحميد ، عن ابن أبي ذئب ، عن
سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة، عن النبيِّ بَّرِ قال: ((يلقى إبراهيمُ أباه آزرَ يوم القيامة، وعلى وجهِ آزرَ
فَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ ، فيقول له إبراهيم : ألم أقلْ لكَ: لا تعصني ؟ فيقول له أبوه : فاليوم لا أعصيك . فيقولُ
إبراهيم : يا ربِّ ! إِنَّكَ وعَدْتني أن لا تُخزني يومَ يُبعثون، وأيُّ خزٍ أخرى من أبي الأبعد ؟ فيقولُ الله :
إنِّي حِزَّمتُ الجنَّة على الكافرين . ثم يُقال: يا إبراهيمُ ما تحتَ رِجْلَيْكَ؟ فينظرُ فإذا هو بذيخٍ مُلْتَطِخٍ ،
فيُؤخذُ بقوائمِه فيُلقى في النَّار)) هكذا رواه في قصة إبراهيم منفرداً .
وقال في التفسير(٢) وقال إبراهيمُ بن طَهْمان ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المَقْبُري ، عن أبيه ، عن
أبي هريرة .
وهكذا رواه النسائي(٣): عن أحمد بن حَفْصُ(٤) بن عبد الله، عن أبيه ، عن إبراهيمَ بن طَهْمان ،
به .
وقد رواه البزار(٥): من حديث حمَّاد بن سلمةَ ، عن أيُّوب ، عن محمّد بن سيرين ، عن أبي هريرة ،
عن النبي وَّرَ، بنحوه. وفي سياقه غرابةٌ . ورواه أيضا٦ً): من حديث قتادة ، عن عُقْبة بن عبد الغافر ،
عن أبي سعيد، عن النبي ◌َّهُ: بنحوه .
وقال تعالى: ﴿﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيهُ لِأَبِهِءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًاءَالِهَةَّ إِنَّ أَرَئِكَ وَقَوْمَكَ فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ ﴾ [ الأنعام :
٤ ٧] هذا يدلُّ على أنَّ اسمَ أبي إبراهيم آزر ، وجمهور أهل النسب - منهم ابن عباس - على أن اسم أبيه
تارح ، وأهل الكتاب يقولون تارخ بالخاء المعجمة ، فقيل : إنه لُقِّبَ بصنم كان يعبدُه اسمه آزر .
وقال ابن جرير(٧): والصواب أن اسمَه آزر، ولعلَّ له اسمان علمان، أو أحدهما لقب والآخر علم .
وهذا الذي قاله محتمل ، والله أعلم .
(١) في صحيحه (٣٣٥٠) في الأنبياء .
وقترَة : غبرة شديدة ، بحيث يسوَّد الوجه. وغَبَرة : ما يعلو الوجه من الغبار . بذيخ: الذَّيْخ : ذكرُ الضِّباع .
(٢) من صحيحه ( ٤٧٦٨).
(٣)
في السنن الكبرى (١١٣٧٥) .
في أ : أحمد بن عبد الله بن حفص ، وهو خطأ .
(٥) كما في كشف الأستار ( ٩٧ ).
(٤)
(٦) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٩٤) وقال البزار : لا نعلم رواه إلا التيمي ، ولا عنه إلا ابنه ، وهو حديث
غريب .
(٧) في تفسيره (٢٣٩/٥ - ٢٤٠).

٢١٢
قصة إبراهيم الخليل عليه السلام
ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴿٢) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ
رَءَا كَوْكَبِاْ قَالَ هَذَا رَبِّ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ الْآَفِينَ [َ فَمَّا رَءَا اُلْقَمَرَ بَازِغَا قَالَ هَذَا رَبِّ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَيْنِ لَّمْ يَهْدِنِرِ
◌َ) فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِ هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِى بَرِىٌّ مِّمَّا
لَأَكُونَ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ
ا وَحَآَجَّهُ قَوْمُ قَالَ
تُشْرِكُونَ ﴿٣٢) إِنِى وَجَهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّ
أَتُحَجُونِى فِىِ اللَّهِ وَقَدْ هَدَئِنٍ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ، إِلَّ أَن يَشَآءَ رَبِ شَيْئاً وَسِعَ رَبِّ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًّا أَفَلاَ
تَنَّذَكَّرُونَ (يَا وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِلَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلُ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَعُ
اُلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُ بِالْأَمْنِّ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيَمَنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَبِّكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ
وَتِلْكَ حُجَّتُنَاَ ءَاتَّيْنَهَا إِبْرَهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ، نَرْفَعُ دَرَجَتٍ مَن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٧٥ - ٨٣] وهذا
المقامُ مقام مناظرةٍ لقومه ، وبيان لهم أن هذه الأجرام المُشاهدة من الكواكب النَّيْرة لا تصلحُ للألوهية ،
ولا أن تُعبد مع الله عزَّ وجلَّ، لأنها مخلوقةٌ مربوبةٌ مصنوعةٌ ، مُدَرَةٌ مُسخّرة، تطلعُ تارة، وتأقُل(١)
أخرى ، فتغيب عن هذا العالم ، والربُّ تعالى لا يغيبُ عنه شيءٌ ، ولا تخفى عليه خافية ، بل هو الدائمُ
الباقي بلا زوال ، لا إله إلا هو ، ولا ربَّ سواه .
فبيَّن لهم أولًا عدمَ صلاحيةِ الكواكب(٢) لذلك ، قيل: هو الزهرة، ثم ترقَّى منها إلى القَمر الذي هو
أضوأ منها وأبهى من حسنها ، ثم ترقّى إلى الشمس التي هي أشدُّ الأجرام المشاهدة ضياءً وسناءً وبهاءً ،
فبيّن أنها مُسخَّرة مُقدَّرة مربوبة، كما قال تعالى: ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ الَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرّ لَا تَسْجُدُوا
لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَفَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [ فصلت: ٣٧] ولهذا قال:
فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِعَةً﴾ أي: طالعة ﴿قَالَ هَذَا رَبِ هَذَا أَكْبَرٌ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَنَقَوْمِ إِى بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونَ
أَوَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَنُنَّجُوْنِ فِ
إِى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَّ
اللَّهِ وَقَدْ هَدَئِنٍّ وَلَآَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ، إِلَّ أَن يَشَآءَ رَبِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ٧٨ - ٨٠]. أي: لستُ أبالي في هذه
الآلهة التي تعبدونها من دون الله، فإنها لا تنفع شيئاً ، ولا تسمع ، ولا تعقل ، بل هي مربوبة مُسخّرة
كالكواكب ونحوها ، أو مصنوعةٌ منحوتة منجورة .
والظاهر أنَّ موعظتَه هذه في الكواكب لأهل حرَّان ، فإنهم كانوا يعبدُونها ، وهذا يردُ قولَ منْ زعمَ أنَّه
قال هذا حين خرجَ من السرب لما كانَ صغيراً ، كما ذكره ابن إسحاق وغيره ، وهو مستندٌ إلى أخبار
إسرائيلية لا يُوثَق بها ، ولا سيما إذا خالفتِ الحقَّ .
(١) تأفل : تغيب.
(٢) في الأصل : عدم صلاحية الكوكب ، قيل هو الزهرة لذلك . وأثبت ما في المطبوع .

٢١٣
قصة إبراهيم الخليل عليه السلام
وأما أهلُ بابلَ فكانوا يعبدونَ الأصنامَ ، وهم الذين ناظرَهم في عبادتِها وكسَّرها عليهم ، وأهانَها وبيِّنَ
بطلانها، كما قال تعالى: ﴿ وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَأْ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَبُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَالَكُمْ مِن نَّصِرِينَ﴾ [ العنكبوت: ٢٥].
وقال في سورة الأنبياء: ﴿ ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَآ إِيَزِهِيَمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ، عَلِمِينَ (٤) إِذْقَالَ لِأَبِيْهِ وَقَوْمِهِ، مَا
◌َ قَالَ لَقَدْ كُمْ أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ فِ ضَلَلٍ
٥٢
قَالُواْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَبِدِينَ
هَذِهِ التَّمَاثِلُ الَّتِيِ أَنْتُمْ لَهَا عَكِقُونَ (!
◌ُّبِينٍ (٥
قَالُواْ أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّعِينَ
جَ قَالَ بَلَ رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَى ذَلِكُمْ مِّنَ
فَجَعَلَهُمْ جُدَادًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ
٥٧
وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَمَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدِيِرِينَ
الشَّهِدِينَ
جَ قَالُواْ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِثَالِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الظِّلِمِينَ ﴾ قَالُواْ سَمِعْنَا فَتَّى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: إِبْرَهِيمُ (١) قَالُواْ فَأَتُواْ بِهِ،
يَرْجِعُونَ
قَالُواْ ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِثَالِتِّنَا بَإِبْرَهِيمُ (١) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا
عَلَىَ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ
◌ِ ثُمَّ تُكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ
فَتْثَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ (٥) فَرَجَعُوْاْ إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الَّالِمُونَ
عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ ﴿ قَالَ أَفَتَّعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ ( أُفٍ لَّكُمْ وَلِمَا
قَالُواْ حَرِّفُوهُ وَأَنصُرُوَاْءَ الِهَتَكُمْ إِن كُمْ فَعِلِينَ ﴿قُلْنَا يَنَارُ كُنِى بَزْدًا وَسَلَمًا
تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
عَلَىَ إِنْزَهِيمَ ن وَأَرَادُواْ بِهِ، كَيْدًا فَجَعَلْنَهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١ - ٧٠].
وقال في سورة الشعراء: ﴿وَآَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَّأَ إِبْرَهِيمَ ﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَا تَعْبُدُونَ
قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَامًا
V
◌َ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ﴿ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٣) قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَاءَابَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (بَ قَالَ
فَنَظَلُّ لَا عَكِفِينَ
/٧
◌َ فَإَِهُمْ عَدُوٌّلِ إِلَّ رَبَ الْعَلَمِينَ (َ الَّذِى خَلَقَتِى فَهُوَ يَهْدِينِ(
أَنْتُمْ وَءَآبَاؤُكُمُ الْأَفْدَعُونَ [ِ
أَفَرَءَيْتُم مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ الَّ
وَاَلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِ وَِسَفِينِ
وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
وَالَّذِى يُمِتُِّ ثُمَّ يُحْبِينِ (١) وَالَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيْئَتِى
يَوْمَ الدِّينِ ﴿ رَبِّ هَبْ لِ حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصََّلِحِينَ﴾ [الشعراء: ٦٩ -٨٣].
إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
﴿ وَإِنَّ مِنْ شِيَعَتِهِ، لِإِبْرَاهِيمَ
وقال تعالى في سورة الصافات : ﴿
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ
٨٤
وَقَوْمِهِ، مَاذَا تَعْبُدُونَ
فَقَالَ إِنِ
فَظَرَ نَظْرَةً فِ النُّجُومِ
جَ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ
أَبِفِكًا ءَالِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ
٨٥
فَأَقْبَلُواْ
٩٢
سَقِيمٌ (٤) فَتَوَلَوْ عَنْهُ مُذْبِرِينَ (١٥) فَرَاغَ إِلَى ءَالِهَيِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (١) مَا لَكُمْ لَا تَطِقُونَ (١) فَرَعَ عَلَيْهِمْ ضَرْيَا بِالْيَمِينِ (
إِلَيْهِ يَزِقُونَ (٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِنُونَ (٤) وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (١٥) قَالُواْ أَبْنُواْلَهُ بُنْيَنَّا فَأَلْقُوهُ فِ الْجَحِيمِ () فَأَرَادُواْ بِهِ، كَيْداً
◌َعَلْنَهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٨٣ -٩٨].
يخبرُ الله تعالى عن إبراهيم خليله عليه السلام ، أنَّه أنكرَ على قومه عبادة الأوثان ، وحقّرها عندَهم ،
وصغَّرها وتنقَّصَها ، فقال: ﴿ مَا هَذِهِ التَّمَاثِلُ الَّيِ أَنْتُمْ لَمَا عَكِفُونَ ﴾ [الأنبياء: ٥٢] أي: مُعتكفون عندَها،
وخاضعون لها، قالوا: ﴿ وَجَدْنَاءَابَآءَ نَا لَهَا عَبِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٣] ما كانَ حجَّتهم إلا صنيع الآباء والأجداد،
وما كانوا عليه من عبادة الأنداد ﴿ قَالَ لَقَدْ كُمْ أَنْتُمْ وَءَبَآؤُكُمْ فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ ﴾ [الأنبياء: ٥٤] كما قال تعالى:
﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَاذَا تَعْبُدُونَ ﴿ أَبِفِكًا ءَالِهَةُّ دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ﴿ فَمَا ظَنُّكُمُ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [ الصافات: ٨٥ - ٨٧]

٢١٤
قصة إبراهيم الخليل عليه السلام
قال قتادة : فما ظنكم به أنَّه فاعلٌ بكم إذا لقيتُموه وقد عبدتُم غيره(١) ؟
) قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابََّنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾
وقال لهم ﴿ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٣) أَوْ يَنَفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُونَ (!
([ الشعراء: ٧٢ - ٧٤] سلَّموا له أنها لا تسمعُ داعياً ولا تنفعُ، ولا تضرُّ شيئاً، وإنما الحاملُ لهم على عبادِها
الاقتداء بأسلافهم، ومن هو مثلهم في الضلال من الآباء الجهَّال، ولهذا قال لهم ﴿أَفَرَءَ يْتُم ◌َا كُرْ
جَ فَهُمْ عَدُوٌّ لَِّ إِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧] وهذا برهانٌ قاطعٌ
(٤) أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمُ الْأَفْدَمُونَ
تَعْبُدُونَ
على بطلان إلَهية ما ادَّعَوه من الأصنام ، لأنه تبرَّأ منها وتنقَّصَ بها ، فلو كانت تضرُّ لضرَّته ، أو تُؤَثُِّ لأثَّرَتْ
فيه .
﴿ قَالُواْ أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّعِبِينَ﴾ [ الأنبياء: ٥٥] يقولون: هذا الكلام الذي تقوله لنا وتتنقَّصُ به
آلهتنا، وتطعنُ بسببه في آبائنا، تقولُه مُحقًّ جادًّاً فيه أم لاعباً؟ ﴿ قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الَّذِى
فَطَرَهُرَ وَأَنَاْ عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٦] يعني بل أقول لكم ذلك جادًّاً مُحقّاً، وإنما إلَهكم الله
الذي لا إله إلا هو ، هو ربُّكم وربُّ كلِّ شيءٍ فاطر السموات والأرض ، الخالق لهما على غير مثال سبق ،
فهو المستحقُّ للعبادة وحده لا شريكَ له ، وأنا على ذلكم من الشاهدين .
وقوله: ﴿وَثَللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَمَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّواْ مُدِِّينَ﴾ [ الأنبياء: ٥٧ ] أقسمَ ليكيدنَّ هذه الأصنامَ التي
يَعبدونها بعدَ أن يولُّوا مدبرينَ إلى عيدهم . قيل : إنه قال هذا خفيةً في نفسه . وقال ابن مسعود : سمعَه
بعضُهم وكان لهم عيدٌ يذهبون إليه في كلِّ عام مرَّةً إلى ظاهر البلد ، فدعاه أبوه ليحضرَه ، فقال : إني
سقيم، كما قال تعالى: ﴿فَظَرَ نَظْرَةً فِ النُّجُومِ ◌ِ﴿ فَقَالَ إِنِّىِ سَقِيمٌ﴾ [ الصافات: ٨٨ -٨٩] عرَّض لهم في الكلام
حتى توصَّل إلى مقصوده من إهانة أصنامهم ، ونُصرة دين الله الحقِّ في بطلان ما هم عليه من عبادة
الأصنام ، التي تستحقُّ أن تُكسرَ ، وأن تُهانَ غايةَ الإهانة .
فلمَّا خرجوا إلى (٢) عيدهم، واستقرَّ هو في بلدهم: ﴿ فَرَعَ إِلَىَ ءَالِهَنِهِمْ ﴾ [ الصافات: ٩١] أي : ذهبَ
إليها مُسرعاً مُستخفياً ، فوجدَها في بهوٍ عظيم ، وقد وَضعُوا بين أيديها أنواعاً من الأطعمة قرباناً إليها
◌َ مَا لَكُمْ لَا تَطِقُونَ (٩) فَاعَ عَلَيْهِمْ ضَرْبً بِالْيَمِينِ﴾
﴿ فَقَالَ﴾ لها على سبيل التَّهكُّم والازدراء: ﴿أَلَا تَأْكُونَ
[ الصافات: ٩١ - ٩٣] لأنها أقوى وأبطشُ وأسرعُ وأقهرُ، فكسَّرها بقَدُوم في يده كما قال تعالى: ﴿ فَجَعَلَهُمْ
◌َُادًا﴾ [ الأنبياء: ٥٨] أي: حُطاماً، كسَّرها كلَّها ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٨]
قيل : إنه وضعَ القَدُوم في يد الكبير ، إشارةً إلى أنَّه غارَ أن تُعبدَ معه هذه الصغار ، فلما رجعُوا من عيدهم
ووجدوا ما حلَّ بمعبودهم ﴿ قَالُواْ مَن فَعَلَ هَذَا بِثَالِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٩].
(١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٧٨).
(٢) كذا في ب ، وفي أ : من عيدهم .

٢١٥
قصة إبراهيم الخليل عليه السلام
وهذا فيه دليلٌ ظاهر لهم لو كانوا يعقلون ، وهو ما حلَّ بآلهتهم التي كانوا يعبدُونها ، فلو كانت آلهةً
لدفعتْ عن أنفسها منْ أرادَها بسوءٍ، لكنَّهم قالوا من جهلهم وقلَّة عقلهم ، وكثرةٍ ضلالهم وخَبَالهم
﴿ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِثَالِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (ِ﴾ قَالُواْ سَمِعْنَا فَتَى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: إِبْرَهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٥٩ - ٦٠] أي:
يذكرها بالعيب والتَّنقُّص لها والازدراء بها ، فهو المقيم عليها والكاسرُ لها . وعلى قول ابن مسعود ،
أي: يذكرُهم بقوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْتَمَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّأْ مُدْبِرِينَ ﴾ [الأنبياء: ٥٧] ﴿قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ، عَلَى أَعْيُنِّ
النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٦١] أي: في الملأ الأكبر على رؤوس الأشهاد، لعلَّهم يشهدونَ
مقالتَه ، ويسمعونَ كلامَه ، ويُعاينون ما يحلُّ به من الاقتصاص منه .
وكان هذا أكثرَ مقاصدِ الخليل عليه السلام أن يجتمعَ النَّاسُ كلُّهم ، فيقيمَ على جميع عُبَّاد الأصنام
الحجَّةَ على بُطلان ما هم عليه، كما قال موسى عليه السلام لفرعون: ﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ
ضُحَى ﴾ [ طه : ٥٩ ] .
فلما اجتمعوا وجاؤوا به كما ذكروا ﴿قَالُواْ ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِثَالِتِنَا بَإِبْرَهِيمُ (١) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ
هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٢ -٦٣] قيل: معناه هو الحامل لي على تكسيرها، وإنما عرَّضَ لهم في القول
﴿فَسْئَلُهُمْ إِن كَانُوْ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣] وإنما أرادَ بقوله هذا أن يُبادروا إلى القول بأن هذه
لا تنطقُ، فيعترفوا بأنَّها جمادٌ كسائرِ الجمادات ﴿ فَرَجَعُواْ إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنْتُمُ اُلِّمُونَ ﴾ [ الأنبياء:
٦٤ ] أي : فعادوا على أنفسهم بالملامة ، فقالوا : إنكم أنتم الظالمون ، أي: في تركها لا حافظَ لها ،
ولا حارسَ عندها ﴿ ثُمَّ تُكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمُ ﴾ قال الشُّدي : أي : ثم رجعوا إلى الفتنة فعلى هذا يكون
قولهم ﴿ إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الَّلِمُونَ﴾ أي: في عبادتها . وقال قتادة : أدركتِ القومَ حيرةُ سوء ، أي : فأطرقوا
ثم قالوا: ﴿ لَقَدْ عَلِّمْتَ مَا هَؤُلَاءٍ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥] أي: لقد علمت يا إبراهيمُ أن هذه لا تنطقُ،
فكيف تأمرُنا بسؤالها؟ فعندَ ذلك قال لهم الخليل عليه السلام: ﴿ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا
يَنَفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ ( أُفٍ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [ الأنبياء: ٦٦ -٦٧ ] كما قال:
﴿ فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَرِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] قال مجاهد: يُسرعون. قال: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِمُونَ﴾ [ الصافات: ٩٥]
أي : كيف تعبدون أصناماً أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة ، وتصوِّرونها وتُشكِّلونها کما تُريدون
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [ الصافات: ٩٦] وسواءٌ كانت ما مصدرية، أو بمعنى الذي ، فمقتضى الكلام
أنَّكم مخلوقون ، وهذه الأصنامُ مخلوقةٌ ، فكيف يعبدُ مخلوقٌ لمخلوقٍ مثله ؟ فإنه ليس عبادتكم لها بأولى
من عبادتِها لكم . وهذا باطلٌ ، فالآخر باطل للتحكُّم ، إذ ليست العبادة تصلحُ ولا تجبُ إلا للخالق وحده
لا شريكَ له .
﴿ قَالُواْ أَبُوْ لَهُ يُنْيَا فَأَلْقُوهُ فِى الْجَحِيمِ (١) فَأَرَادُواْ بِهِ، كَيْدًا لَعَلْنَهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [ الصافات: ٩٧ -٩٨] عَدلُوا عن
الجِدال والمناظرة لمّا انقطعوا وغُلبوا، ولم تبقَ لهم حجَّة ولا شُبهة إلا استعمال قوَّتهم وسلطانهم ،

٢١٦
قصة إبراهيم الخليل عليه السلام
لينصروا ما هم عليه من سَفَههم وطُغيانهم ، فكادَهم الربُّ جلَّ جلالُه ، وأعلى كلمته ودينه وبرهانَه ، كما
قال تعالى: ﴿قَالُواْ حَرِّقُوُهُ وَأَنْصُرُوَاْءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ (٤) قُلْنَا يَنَارُ كُنِى بَرَّدًا وَسَلَمًا عَلَىّ إِنْزَهِيمَ (٧) وَأَدُواْ
بِهِ، كَيْدًا فَجَعَلْنَهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [ الأنبياء: ٦٨ - ٧٠].
وذلك أنَّهم شرعوا يجمعون حَطباً من جميع ما يمكنهم من الأماكن ، فمكثُوا مدَّة يجمعون له ، حتى
أن المرأة منهم كان إذا مرضت تنذرُ لئن عُوفيت لتحملنَّ حطباً لحريق إبراهيم . ثم عمدوا إلى جَوْبةُ(١)
عظيمةٍ ، فوضعوا فيها ذلك الحطبَ، وأطلقوا فيه النَّار، فاضْطَّرمتْ وتأجَّجتْ والتهبتْ ، وعلا لها شَرَرٌ
لم يُرَ مثله قط .
ثم وضعوا إبراهيمَ عليه السلام في كِفَّة مَنْجنيقُ(٢)، صنعَه لهم رجلٌ من الأكرادُ(٣) ، ويُقال له :
((هيزن))، وكان أوَّلَ من صنعَ المجانيقَ، فخسفَ الله به الأرضَ فهو يتجلجلُ(٤) فيها إلى يوم القيامة .
ثم أخذوا يُقيِّدونه ويُكَتِّفُونهُ، وهو يقول : لا إله إلا أنت سبحانك ، لك الحمد ، ولك الملك ،
لا شريكَ لك . فلما وُضعَ الخليلُ عليه السلام في كِفَّة المَنْجِنيق مُقَيَّداً مكتوفاً ، ثم ألقَوه منه إلى النار ،
قال: حسبنا الله ونعم الوكيل . كما روى البخاريُّ(٥): عن ابن عباس : أنه قال: حسبنا الله ونعمَ
الوكيل ، قالها إبراهيمُ حين أُلقيَ في النَّار، وقالها محمَّد حين قيل له ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ
فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ لَ فَأَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ بِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٣ .
١٧٤ ] الآية .
وقال أبو يعلى : حدَّثنا أبو هشام الرفاعي ، حدَّثنا إسحاق بن سليمان ، عن أبي جعفر الرازي ، عن
عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ، قال: قالِ مَّرَ: ((لما أَلقي إبراهيمُ في النَّار
قال: اللَّهُمَّ إنك في السماء واحدٌ، وأنا في الأرض واحدٌ، أعبدُك(٦)
وذكر بعضُ السَّلف : أنَّ جبريلٌ عرضَ له في الهواء ، فقال: ألك حاجة؟ فقال: أمَّا إليكَ فلا(٧).
(١) جَوْبة : الجَوْبة : هي الحفرة المستديرة الواسعة، وكلُّ مُنْفتق بلا بناءِ جَوْبة . وبهامش ب : قال الجلال السيوطي
في مختصر النهاية : وصارت المدينة مثل الجوبة ، هي الحفرة الواسعة ، وكل منفتق بلا بناء جوبة .
(٢)
مَنجنيق : بفتح الميم وكسرها : آلة قديمة من آلات الحصار ، تُرمى بها حجارة ثقيلة على الأسوار فتهدمها .
انظر تفسير الطبري (٩/ ٤٢).
(٣)
(٤) يتجلجلُ : يغوص في الأرض حين يُخسف به ، والجلجلة : حركة مع صوت .
(٦) وأخرجه أبو نعيم في الحلية (١٩/١)، والبزار كما في كشف الأستار (٢٣٤٩) وفي سنده عاصم بن أبي النجود ،
(٥)
أخرجه البخاري ( ٤٥٦٣ ) في التفسير .
وهو عاصم بن بهدلة ، وهو صدوق له أوهام . حجة في القراءة ، وحديثه في الصحيحين مقرون .
(٧) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٠) من قول مقاتل وسعيد، وهذا من الإسرائيليات ، من رواية كعب الأحبار ،
وهو غير صحيح ، ومخالف لما رواه البخاري كما تقدم قبل قليل .

٢١٧
قصة إبراهيم الخليل عليه السلام
ويُروى عن ابن عبّاس وسعيد بن جُبَيْر : أنَّه قال : جعل ملَكُ المَطر يقولُ: متى أُومِرُ فأُرسِلُ المَطَرَ ؟
فكانَ أمرُ الله أسرعُ(١).
﴿قُلْنَا يَنَارُ كُنِ بَدَّا وَسَلَمًا عَلَىّ إِنْزَهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] قال عليُّ بن أبي طالب: أي: لا تضرّيه(٢).
وقال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن الله قال ﴿ وَسَلَمَا عَلَى إِنَزَهِيمَ﴾ لأذى إبراهيم بردُها .
وقال كعبُ الأحبار : لم ينتفعْ أهلُ الأرض يومئذٍ بنارٍ ، ولم يُحْرقْ منه سوى وَثَاقِه(٣) .
وقال الضحاك : يروى أنَّ جبريل عليه السلام كان معه يمسحُ العرقَ عن وجههِ لم يصبْه منها شيءٌ
غيره(٤) .
وقال الشُّدِّي : كان معه أيضاً مَلَكُ الظُّل(٥).
وصارَ إبراهيمُ عليه السلام في مثل الجُوبة حولَه النار ، وهو في روضةٍ خضراءَ ، والنَّاسُ ينظرون إليه
لا يَقْدرونَ إلى الوصول إليه، ولا هو يخرجُ إليهم، فعن أبي هريرة أنه قال : أحسنُ كلمةٍ قالها
أبو إبراهيم إذ قال لما رأى ولده على تلك الحال : نعمَ الربُّ ربُّك يا إبراهيم(٦) .
وروى ابن عساكر عن عكرمة ، أنَّ أمّ إبراهيم نظرتْ إلى ابنها عليه السلام ، فنادته : يا بُنيَّ إنِّي أُريد
أن أجيءَ إليكَ، فادعُ اللهَ أنْ يُنجَيَني من حرِّ النَّارِ حولك . فقال: نعم ، فأقبلتْ إليه لا يمُّها شيءٌ من حرِّ
النَّار ، فلما وصلتْ إليه اعتنقتْه وقبّلته ، ثم عادت(٧).
وعن المِنْهال بن عمرو أنَّه قال : أخبرتُ أنَّ إبراهيم مكثَ هناكَ إمّا أربعين وإما خمسينَ يوماً ، وأنَّه
قال : ما كنتُ أياماً ولياليَ أطيبَ عيشاً، إذ كنتُ فيها ، وددتُ أنَّ عيشي وحياتي كلَّها مثل إذ كنت
فيها٨) ، صلوات الله وسلامه عليه .
فأرادوا أن ينتصروا فخذلُوا، وأرادوا أن يرتفعوا فاتَّضعُوا، وأرادوا أن يَغْلُبُوا فغُلبوا . قال الله تعالى:
﴿ وَأَرَدُوْ بِهِ، كَيْدًا فَجَعَلْنَهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٠] وفي الآية الأخرى ﴿الْأَسْفَلِينَ﴾ [ الصافات: ٩٨]
(١) تفسير الطبري (٤٣/٩).
(٢) المصدر السابق (٩/ ٤٣).
(٣) المصدر السابق (٩/ ٤٣).
ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦٤٠/٥).
(٤)
(٥) المصدر السابق (٦٤٠/٥).
(٦) أخرجه ابن جرير في التفسير (٤٣/٩).
(٧) أخرجه ابن عساكر في تاريخه (٢/ ١٤٥) تهذيب.
(٨) أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير (٩/ ٤٣).

٢١٨
قصة إبراهيم الخليل عليه السلام
ففازوا بالخسارة والسفال هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم برداً ولا سلاماً ،
ولا يلقون فيها تحية ولا سلاماً بل هي كما قال تعالى: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦].
قال البخاري(١): حدَّثنا عبدُ الله بن موسى - أو ابنُ سلام عنه - أنبأنا ابنُ جريج ، عن عبد الحميدِ بن
جُبَيْر، عن سعيدِ بن المُسَيِّب، عن أمّ شُرَيْك؛ أنَّ رسولَ اللهِ وَّهَ أمرَ بقتل الوَزَعِ، وقال: (( كانَ ينفخُ
على إبراهيم عليه السلام)).
ورواه مسلمُ(٢) : من حديث ابن جُرَيْج .
وأخرجاه ، والنسائي، وابن ماجه (٣) : من حديث سُفيان بن عُيَيْنة ، كلاهما عن عبد الحميد بن
جُبَيْر بن شَيْبَة به .
وقال أحمد٤) : حدَّثنا محمَّدُ بن بَكْر ، حدَّثنا ابن جُرَيْج ، أخبرني عبدُ الله بن عبد الرحمن بن
أبي أُميَّة، أنَّ نافعاً مولى ابن عمر أخبره، أنَّ عائشةَ أخبرته، أنَّ رسول الله بَ ◌ّه قال: ((اقتلُوا الوَزِغَ، فإنَّه
كانَ ينفخُ النَّارَ على إبراهيم )) . قال : فكانتْ عائشةُ تقتلُهنَّ .
وقال أحمد(٥): حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثنا أيُّوب، عن نافع ؛ أنَّ امرأةً دخلتْ على عائشةَ ، فإذا رمحٌ
منصوبٌ ، فقالت : ما هذا الرُّمحُ؟ فقالت: نقتلُ به الأوزاغ. ثمَّ حدَّثتْ عن رسول الله وَ ◌ّلَ أَنَّ إبراهيمَ لما
أُلقي في النَّار ، جعلتِ الدوابُّ كُلها تُطفىء عنه إلا الوَزَغْ ، فإنَّه جعلَ ينفخُها عليه .
تفرَّد به أحمدُ من هذين الوجهين .
وقال أحمد(٦): حذَّثنا عقَّان، حذَّثنا جريرُ، حدَّثنا نافعُ، حدَّثتني سائبة(٧) - مولاة الفاكِهِ بن
المغيرة - قالت : دخلتُ على عائشةَ فرأيتُ في بيتها رُمحاً موضوعاً ، فقلت : يا أمَّ المؤمنينَ ما تصنعينَ
بهذا الرُّمْحِ؟ قالت: هذا لهذه الأوزاغ نقتلُهنَّ به، فإنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ حدَّثنا أنَّ إبراهيمَ حين أُلقيَ في
النَّار، لم يكنْ في الأرض دَابَّةٌ إلا تُطفَىُ عنه النَّار، غيرَ الوَزِغْ كانَ ينفخُ عليه، فأمرنا رسولُ الله ◌ِّ
بقتله .
(١) أخرجه البخاري (٣٣٥٩) في الأنبياء، والوزع: سامٌ أبرص .
(٢) أخرجه مسلم ( ٢٢٣٧) (١٤٣) في السلام.
(٣) أخرجه البخاري (٣٣٥٩) في أحاديث الأنبياء، ومسلم (٢٢٣٧) (١٤٣) في السلام، والنسائي (٢٠٩/٥) في
مناسك الحج ، وابن ماجه ( ٣٢٢٨) في الصيد .
(٤)
في المسند (٢٠٠/٦).
في المسند ( ٦/ ٢١٧).
(٥)
في المسند ( ٦ / ٨٣)، وهو حديث حسن.
(٦)
(٧) في أ: سمامة، وفي ب: شماسة، والتصحيح من المسند (٦/ ٨٣).

٢١٩
ذكر مناظرة إبراهيم الخليل
ورواه ابن ماجه (١) : عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن يونس بن محمد ، عن جرير بن حازم ، به .
*
ذكرُ مناظرة إبراهيم الخليل مع مَنْ أرادَ أن ينازعَ العظيمَ الجليلَ في إزار العظمة ورداء
الكبرياء ، فادَّعى الربوبيَّة ، وهو أحدُ العبيد الضعفاء
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَاجَّ إِنَّهِمَ فِى رَبِّهِ أَنْ ءَاتَنُهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْقَالَ إَِّهِعِمُ رَبِىَ الَّذِى يُخِيء
وَيُمِيتُ قَالَ أَنَاْ أُخِى، وَأُمِيتٌ قَالَ إِبْرَهِمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرِّ وَاللَّهُ لَا
يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
يذكرُ تعالى مناظرةَ خليله مع هذا المَلكِ الجبّار المتمرِّد ، الذي ادَّعى لنفسه الربوبيةَ، فأبطلَ الخليلُ
عليه السلام دليلَه، وبيَّن كثرةً جَهْلِه، وقِلَّةَ عَقْلِه، وألجمَه الحُجَّة، وأوضحَ له طريقَ المحجَّة .
قال المفسرون وغيرُهم من علماء النسب والأخبار : وهذا المَلكُ هو مَلِكُ بابلَ ، واسمُه النمرود بن
كنعانَ بن كوش بن سام بن نوح ، قاله مجاهد(٢). وقال غيرُه(٣) : نمرود بن فالح بن عابر بن شالخ بن
أرفخشذ بن سام بن نوح .
قال مجاهد(٤) وغيره : وكان أحدَ ملوك الدنيا ، فإنه قد ملك الدنيا فيما ذكروا أربعةٌ ، مؤمنان
وكافران ، فالمؤمنان : ذو القَرْنين وسُليمان . والكافران : النمرود وبختنصر . وذكروا أن نمرودَ هذا
استمرَّ في ملكه أربعمئة سنة ، وكان قد طغى وبغى ، وتجبَّر وعتى وآثر الحياةَ الدنيا .
ولما دعاه إبراهيمُ الخليلُ إلى عبادة الله وحده لا شريكَ له، حملَه الجهلُ والضَّلالُ وطولُ الآمالِ على
إنكار الصانع، فحاجَّ إبراهيمَ الخليلَ في ذلك، وادَّعى لنفسه الربوبية ، فلما قال الخليل: ﴿رَبَِّ اُلَّذِى
يُحِي، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَاْ أُحِى، وَأُمِيثٌ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
قال قتادة والسُّدِّي ومحمد بن إسحاق : يعني أنه إذا أُتي بالرجلين قد تحثَّم قَتْلُهما، فإذا أمرَ بقتل
أحدهما وعفا عن الآخر ، فكأنَّه قد أحيا هذا وأمات الآخر(٥).
وهذا ليس بمعارضةٍ للخليل ، بل هو كلام خارجيٍّ عن مقام المناظرة ، ليس بمنع ولا بمعارضة ، بل
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٢٣١) في الصيد ، وهو حديث حسن.
(٢) تفسير الطبري (٢٥/٣) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢٥/٢).
(٣)
تفسير الطبري ( ٢٥/٣) .
(٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٧/٣) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢٥/٢).
(٥) تفسير الطبري (٢٧/٣) والدر المنثور (٢٥/٢).

٢٢٠
ذكر مناظرة إبراهيم الخليل
هو تشغيب(١) محض ، وهو انقطاعٌ في الحقيقة ، فإن الخليلَ استدلَّ على وجود الصانع بحدوثِ هذه
المشاهداتِ ، من إحياء الحيواناتِ وموتِها على وجود فاعل ذلك الذي لا بُدَّ من استنادِها إلى وجوده
ضرورةً عدم قيامها بنفسها ، ولا بدَّ من فاعلٍ لهذه الحوادث المشاهدة من خَلْقِها وتسخيرها ، وتسيير هذه
الكواكب والرِّياح والسَّحاب والمطر ، وخلق هذه الحيوانات التي تُوجد مشاهدةً ، ثم إماتتُها ، ولهذا
﴿ قَالَ إِثْرَهِمُ رَبِىَ الَّذِى يُحْىِ، وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فقول هذا الملك الجاهل: ﴿ أَنَاْ أُخِى، وَأُمِيثٌ﴾
[ البقرة: ٢٥٨] إنْ عنى أنَّه الفاعلُ لهذه المشاهدة، فقد كابرَ وعاندَ، وإن عنى ما ذكرَه قتادةُ والسُّدِّي
ومحمد بن إسحاق ، فلم يقلْ شيئاً يتعلَّقُ بكلام الخليل ؛ إذ لم يمنع مُقدِّمةً ، ولا عارضَ الدليلَ .
ولما كانَ انقطاعُ مناظرة هذا المَلِكِ قد تخفى على كثيرٍ من النَّاس ممن حضرَه وغيرهم ، ذكرَ دليلاً آخرَ
بَيَّنَ وجودَ الصَّانع ، وبُطلان ما ادَّعاه النمرودُ، وانقطاعَه جهرة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِى بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا
مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أي: هذه الشمس مُسخَّرةٌ كلَّ يوم تطلعُ من المشرقِ كما سخّرها خالقُها
ومُسَيِّرُها وقاهِرُها، وهو الله الذي لا إلهَ إلا هو خالقُ كلِّ شيءٍ، فإن كنتَ كما زعمتَ من أنَّكَ الذي تُحيي
وتُميت فأتِ بهذه الشمس من المغرب ، فإن الذي يُحيي ويُميت هو الذي يفعلُ ما يشاءُ ، ولا يُمانَعُ
ولا يُغالبُ، بل قد قهرَ كلَّ شيءٍ ، ودانَ له كلُّ شيءٍ ، فإنْ كنتَ كما تزعمُ فافعلْ هذا ، فإن لم تفعله
فلستَ كما زَعمْتَ ، وأنت تعلمُ وكلُّ أحد أنَّك لا تقدرُ على شيءٍ من هذا ، بل أنت أعجزُ وأقلُّ من أنْ
تخلقَ بعوضةً أو تنتصرَ منها . فبيَّن ضلالَه وجهلَه وكذبَه فيما اذَّعاه ، وبطلان ما سلكه وتبجَّح به عند جَهلة
قومه ، ولم يبق له كلامٌ يُجيب الخليلَ به ، بل امتنعَ وسكتَ، ولهذا قال: ﴿ فَبُهِتَ اُلَّذِى كَفَرِّ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى
اَلْقَوْمَ الَّلِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
وقد ذكرَ السُّدِّي (٢): أنَّ هذه المناظرة كانت بين إبراهيمَ وبينَ النمرود يومَ خرجَ من النَّارِ ، ولم يكن
اجتمعَ به يومئذٍ ، فكانت بينهما هذه المناظرة .
وقد روى عبدُ الرزاق: عن معمر ، عن زيد بن أسلم ؛ أن النمرودَ كان عندَه طعامٌ ، وكان النَّاسُ
يَفِدُون إليه للميرة ، فوفدَ إبراهيمُ في جملة منْ وفدَ للمِيرة ، فكان بينهما هذه المناظرة ، ولم يُعْطَ إِبراهيمُ
من الطعام كما أُعطي النَّاسُ بل خرجَ وليس معه شيءٌ من الطعام ، فلما قربَ من أهله عمدَ إلى كثيبٍ من
التراب فملأ منه عدليْه(٣) ، وقال : أشغل أهلي إذا قدمتُ عليهم ، فلما قدمَ وضعَ رحالَه وجاء فاتَّكأ فنامَ ،
فقامتْ امرأتُه سارَةُ إلى العِدْلين ، فوجدتهما ملانين طعاماً طيِّياً ، فعملت منه طعاماً . فلما استيقظَ إبراهيمُ
(١) تشغيب : تهييج للشر ، وتشويه للحقيقة.
(٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢٥/٢ -٢٦).
(٣) عدليْه : العِدْل : الكيس والحِمْل يكونُ على أحد جنبي البعير .