Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
فصل فيما ورد في صفة خلق العرش والكرسي
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا
وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةُ وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. وقد تقدَّم في حديث الأوعال (١) أنَّهم ثمانية ، وفوق
ظهورهنَّ العَرْشُ، وقال تعالى: ﴿وَيَجِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَيِذٍ ثَمَنِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] .
وقال شهْرُ بْن حوْشب : حملةُ العرش ثمانيةٌ؛ أربعةٌ منهم يقولون: سُبْحانك اللَّهُمَّ وبحَمْدكَ ، لَكَ
الحَمْدُ على حلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ (٢)، وأربعة يقولون: سُبْحانكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدكَ لَكَ الحَمْدُ عَلَى عَفْوكَ بَعْدَ
قُدْرَتكَ .
فأما الحديثُ الذي رواه الإمام(٣) أحمد(٤): حدَّثنا عبد الله بن محمد هو أبو بكر [ بن أبي شَيْبة }(٥) ،
حدَّثنا عبدة بن سليمان ، عن محمد بن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ؛ أنَّ
رسول الله ◌َّ صدَّق أمية بن أبي الصَّلْت(٦) في شيءٍ من شعره فقال: [ من الكامل]
رجُلٌ وثَوْرٌ تحْتَ رِجْلٍ يَمينهِ والنَّسْرُ للأُخْرَى وَلَيْثُ مُرْصِدْ(٧)
فقال رسول الله مَ له: ((صدق)). فقال: [من الكامل ]
والشَّمْسُ تَطْلع كُلَّ آخِرٍ لَيْلَةٍ حَمْراءَ يُصْبِحُ لَوْنُها يَتَورَّدُ
تَأْبَى فما تَطلع لَنا في رِسْلِها إلا مُعَذَّبَةً وَإِلا تُجْلَدْ(٨)
فقال رسول الله وَ لّ: ((صَدَقَ)). فإنَّهُ حديثٌ صحيحُ الإسناد، رجالُهُ ثقات(٩). وهو يقتضي أنَّ
(١) تقدم الحديث ص ١٥ وإسناده ضعيف .
(٢) في ب : لك الحمد على علمك، وأربعة .. وهو سهو من الناسخ.
(٣) لفظة : الإمام ؛ سقطت من ب .
(٤) مسند أحمد (٢٥٦/١) وهو عند الدارمي في سننه (٢٩٦/٢) في الاستئذان ، باب في الشعر وفيه عنعنة ابن
إسحاق ، وهو مدلس .
(٥) زيادة من ب ، وهو في مصنفه (٥٠٥/٨) .
(٦) شاعر جاهلي معروف ، أدرك الإسلام ولم يسلم ، وكان ينتظر أن تكون النبوّة له لما علم عن خبرها من رهبان
النصارى وأحبار اليهود . انظر دراسة مفصلة عنه في ديوانه ، صنعة الأستاذ الدكتور عبد الحفيظ السطلي .
(٧) البيت مع البيتين القادمين ، في ديوانه ( ص ٣٦٥) وهو من قصيدة طويلة مطلعها :
اعلم بأنَّ الله ليس كصُنْعِهِ صَنْعٌ، ولا يخفى عليه مُلْحد
وهي من شعره المتهم ، كما أشار الدكتور السطلي وسيأتي البيتان أيضاً ص (٥٤).
(٨) أثبتُّ رواية ب ، وهي الموافقة للمصدر الذي ينقل منه المصنف وهو مسند أحمد .
(٩) أقول : لكن فيه محمد بن إسحاق مدلس ، وقد رواه بالعنعنة .

٢٢
فصل فيما ورد في صفة خلق العرش والكرسي
حملة العرش اليومَ أربعةٌ(١)، فيعارضه حديث الأوعال(٢)؛ اللهمَّ إلا أن يُقال: إنَّ إثبات هؤلاء(٣) الأربعة
على هذه الصفات لا ينفي ما عداهم ، والله أعلم .
ومن شعر أميّة بن أبي الصَّلْت في العرش قولُه: [من الخفيف]
رَبُّنا في السَّماءِ أمْسَىْ كَبِير(٤)
مجِّدُوا اللهَ فَهْوَ لِلْمَجْدِ أهْلُ
س وَسَوَّى فَوْقَ السَّماءِ سَرير(٥)
بالبنَاءِ العَاليِ الَّذي بَهَرَ النَّا
شرْجعاً لا يَنالُهُ بَصَرُ العَيْ نِ تَرَى حَوْلهُ الملائِكَ صُوْر(٦)
صُور: جمع أصْور، وهو المائل العنق لنظره إلى العلو(٧) . والشَّرْجعُ : هو العالي المنيف .
والسرير : هو العرش ، في اللغة .
ومن شعر عبد الله بن رَوَاحة - رضي الله عنه - الذي عرَّض به عن القراءة لامرأته حين اتهمته
بجاريته (٨): [ من الوافر ]
وَأَنَّ النَّارَ مَثْوى الكَافِرِينا
شهدْتُ بأنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌ
وفَوْقَ العَرْشِ رَبُّ العَالمينا
وأنَّ العَرْشَ فوْقَ الماءِ طافٍ
مَلائكةُ الإِلّهِ مُسَوَّمينا٩)
وتحملُهُ ملائكةٌ كرَامٌ
ذكره ابن عبد البر(١٠) ، وغير واحد من الأئمة .
في أ : أربع ، وهو سهو من الناسخ .
(١)
(٢) وحديث الأوعال ضعيف أيضاً، على أن لفظ الثمانية في القرآن الكريم .
(٣)
كذا ي ب ، وط . وفي أ : هذه الأربعة .
(٤)
في ديوانه : ... قديرا .
(٥)
في ديوانه : بالبناء الأعلى الذي سبق ...
الأبيات مطلع قصيدة في ديوانه ( ص٣٩٩) وتخريجها فيه ، وهي من شعره المتهم ، كما أشار الدكتور السطلي .
(٦)
الذي في النهاية لابن الأثير . واللسان : صور ، وهو المائل العنق لثقل حمله .
(٧)
في أمالي اليزيدي ( ص ١٠٢) : كانت لعبد الله بن رواحة جارية يستسرها عن أهله ، فقالت له امرأته: لقد رأيتك
دخلت مع جاريتك ، وإنك الآن لجنب، فَجَاحَدَ ذلك . فقالت : فإن كنت صادقاً فاتلُ عليَّ القرآن . فقال :
شهدت ... [الأبيات] قالت: آمنت بالله وكذبت البصر. فأتى ابن رواحة رسولَ الله وَيهِ، فحدَّثه الحديث،
فضحك رسول الله ◌َّله، ولم يغير عليه. وكانت امرأته لا تحفظ القرآن، ولا تقرؤه، فظنته يقرأ منه. وانظر : سير
أعلام النبلاء (٢٣٨/١) والأبيات في ديوان عبد الله بن رواحة (ص ١٦٤).
(٨)
(٩) في أمالي اليزيدي : وتحمله ثمانية شداد . وفي ديوانه ، وأمالي اليزيدي ، والسير : مقرَّبينا .
(١٠) الاستيعاب (١٧١/٦) على هامش الإصابة (تحقيق. د.طه الزيني - القاهرة).

فصل فيما ورد في صفة خلق العرش والكرسي
٢٣
وقال أبو داود(١): حدَّثنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدَّثني أبي، حدَّثنا إبراهيم بن طهمان ، عن
موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، أنَّ النبي ◌َِّ قال: (( أذنّ لي أنْ أُحدِّثَ
عنْ مَلكِ منْ مَلائِكةِ اللهِ عَزَّ وجلَّ منْ حَملِ العَرْشِ: إنَّ ما بينَ شَخْمةٍ أُذُنِهِ إلى عاتِقِهِ مَسِيرةُ سبعمئة
عامٍ(٢).
ورواه ابن أبي حاتم، ولفظه: (( مخفق الطير مسيرة سبعمئة عام)) .
وأمَّا الكُرْسي
فَرَوى ابن جرير (٣) من طريق جويبر - وهو ضعيف - عن الحسن البصري أنَّه كان يقول : الكرسي هو
العَرش . وهذا لا يصح عن الحَسَن ، بل الصحيحُ عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنه غيره .
وعن ابن عباس وسعيد بن جبير أنَّهما قالا في قوله تعالى: ﴿ وَسِعَ كُرْسِتُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضّ﴾
[ البقرة: ٢٥٥]؛ أي علمه(٤) .
(١) أبو داود في سننه ( ٤٧٢٧) في السنة، وإسناده حسن. وانظر جامع الأصول (١٩/٤).
(٢) زاد في ب: وقال محمد بن أبي شيبة: حدَّثنا يوسف بن يعقوب الصفّار، حدَّثنا ابن أبي فُديك ، عن
عبد الرحمن بن عبد المجيد ، عن هشام بن الغاز، عن مكحولٍ ، عن أنس بن مالك أنَّ رسول الله وَّه قال: ((من
قال حين يُصبح وحين يُمسي : اللهمَّ إني أصبحت ؛ أَشهدك وأشهد ملائكتك وحملة عرشك ، وجميع خلقك ؛
بأنَّك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأنَّ محمداً عبدك ورسولك . أعتق الله ربعه من النار . فإن قالها
أربع مرات أعتقه الله من النار )) .
طريق أخرى ، عن صحابي آخر : قال ابن أبي شيبة أيضاً : حدَّثنا عبيد بن يعيش ، حدَّثنا ابن خباب ، حدّثنا حميد
مولى ابن علقمة المكي ، حدّثنا عطاءٍ بن أبي رباح ، عن أبي هريرة ، حدّثني سلمان بن الإسلام قال : قال
رسول الله بَّهُ: ((من قال: اللهمَّ إني أشهدك وأشهد ملائكتك وحملة العرش والسموات ومن فيهنّ والأرضين ،
وأشهد جميع خلقك ؛ بأنَّك أنت الله ، وأكفّر من أبى ذاك من الأولين والآخرين ، وأشهد أنَّ محمداً عبدُك
ورسولك . من قالها مرة أعتق الله ثلثه من النار ، ومن قالها مرتين أعتق الله ثلثيه ، ومن قالها ثلاثاً أعتقه الله من
النار)).
طريق أخرى ، عن صحابي آخر : قال ابن أبي شيبة : حدّثنا عبد الله ويحيى بن الربيع بن أبي راشد حدَّثنا محمود بن
عطية، عن أبيه، عن أبي سعيد، أنَّ رسول اللّهُ مَ ◌ّإِ قال: (( ما من عبد يقول أربع مرات اللهمَّ إني أشهدك - وكفى
بك شهيداً - وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك، وأنا أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأنَّ
محمداً عبدك ورسولك . إلا كتب الله له فكاكه من النار )) وهذه الروايات أسانيدها ضعيفة .
(٣) في تفسيره ، في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ [ البقرة: ٢٥٥] (٨/٣).
(٤) المصدر السابق ( ٧/٣) وفيه كثير من الآراء التي سيذكرها المؤلف هنا .

٢٤
فصل فيما ورد في صفة خلق العرش والكرسي
والمحفوظ عن ابن عباس، كما رواه الحاكم في ((مستدركه(٢) - وقال: إنَّه على شرط
الشيخين ، ولم يخرجاه - من طريق سفيان الثوري، عن عمار الدُّهْنيّ(٣)، عن مسلم البَطينُ(٤) ، عن
سعيد بن جبير ، عن ابن عباسُ(٥) أنّه قال: الكرسي موضع القدمينُ(٦)، والعرش لا يقدر قدره إلا اللهُ
عَزَّ وجلّ(١). وقد رواه شجاع بن مخلد الفلاَّسُ(٨) في (( تفسيره)) عن أبي عاصم النبيل ، عن الثوري ،
فجعله مرفوعاً ، والصواب أنَّه موقوف على ابن عباس . وحكاه ابن جرير(٩) عن أبي موسى الأشعري ،
والضحاك بن مزاحم ، وإسماعيل بن عبد الرحمنُ (١) السّدِّي: السماوات والأرض في جوف الكرسي
(١١)
والکرسي بین یدي العرش
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق الضحاك ، عن ابن عباس أنَّه قال : لو أنَّ السماوات السبع
والأرضين السبع بُسطن ، ثمَّ وُصِلْن بعضهن إلى بعض، ما كُنَّ في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في
المفازة(١) .
وقال ابن جري(١٣): حدّثني يونس، حدّثنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدَّثني أبي قال : قال
رسول الله وَُّ: ((ما السمواتُ السَّبْعِ في الكرسي إلا كَدَراهمَ سَبْعةٍ أُلْقيتْ فِي تُرسٍ)). قال: وقال
أبو ذرّ: سمعتُ رسول الله وََّ يقول: (( ما الكُرْسيُّ في العَرْشِ إلا كَحلْقَةٍ منْ حَديدٍ أُلْقيتْ بَيْنَ
في ب : كما رواه ابن أبي شيبة في كتاب صفة العرش والحاكم ...
(١)
(٢)
المستدرك (٢/ ٢٨٢) .
في أ : المديني . وهو : عمار بن معاوية الدهني البجلي الكوفي ، والدُّهني : بضم المهملة وسكون الهاء : نسبة
(٣)
إلى دُهن بن معاوية بن أسلم بن أحمس ... بطن من بجيلة . تقريب التهذيب ، واللباب .
هو مسلم بن عمران البطين ، ويقال ابن أبي عمران . تقريب التهذيب .
(٤)
(٥)
زاد في ب في قوله : ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضْ﴾ . وقد تقدم هذا قبل قليل .
(٦)
تفسير الطبري ( ٣/ ٧ ) .
قال الطبري في تفسيره (٧/٣): لما نزلت ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَّ﴾ قال أصحاب النبيِ وَله: يا رسول الله؛
(٧)
هذا الكرسي وسع السموات والأرض، فكيف العرش؟ فأنزل الله تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍِ .. ﴾
[ الأنعام : ٩١ ] .
في أ : لدلاس ؛ وهو خطأ .
(٨)
(٩)
تفسير الطبري ( ٣/ ٧ ).
(١٠) قوله: وحكاه ابن جرير ... عبد الرحمن . سقط من ب.
(١١) تتمة الخبر في تفسير الطبري: وهو موضع قدميه . أما قول أبي موسى فهو الكرسي موضع القدمين ، وله أطيط
كأطيط الرحل . وقول الضحاك : كرسيه الذي يوضع تحت العرش الذي يجعل الملوك عليه أقدامهم .
(١٢) في ب: الفلاة. وانظر الدر المنثور (٣٢٨/١) فقد عزى الخبر إلى ابن مردويه، وابن أبي حاتم، ولم أجده في
تفسير الطبري .
(١٣) تفسير الطبري (٨/٣).

٢٥
فصل فيما ورد في صفة خلق العرش والكرسي
ظَهْرِي فَلاةٍ منَ الأرْضِ(١) )).
أول الحديث مرسل ، وعن أبي ذر منقطع . وقد رُوي عنه من طريق أخرى موصولاً ، فقال الحافظ
أبو بكر بن مردويه في (( تفسيره)): أخبرنا سليمان بن أحمد الطبراني، أنبأنا عبد الله بن وهيب الغَزِّي (٢)،
أنبأنا محمد بن أبي السَّري العَسْقلاني ، أنبأنا محمد بن عبد الله التميمي ، عن القاسم بن محمد الثقفي ،
عن أبي إدريس الخَوْلاني، عن أبي ذر الغفاري أنَّه سال رسول الله وَلّر عن الكرسي، فقال رسول الله(٣)
حَ﴿: ((والذي نَفْسي بيدِهِ ما السَّماوات السَّبْعُ والأرَضُون السَّبْعُ عِنْدَ الكُرْسي إلا كَحَلْقةٍ مُلْقاةٍ بأرضٍ فلاةٍ ،
وإِنَّ فَضْلَ العَرْش على الكُرْسِي كَفَضْلِ الفَلاةِ عَلَى تِلْكَ الحَلْقَةِ)(٤) .
وقال ابن جرير في ((تاريخه)(٥): حدَّثنا ابن وكيع [ قال(٦): حدَّثنا أبي ، عن سفيان ، عن
الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير قال : سُئل ابن عباس عن قوله عَزَّ وجلَّ :
﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ على أي شيءٍ كانَ الماء ؟ قال: على متن الريح.
والسَّموات(٧) والأرضون(٨) وكل ما٩) فيهنّ من شيء يحيط بها البحار ، ويحيط بذلك كله الهيكل
ويحيط بالهيكل [ - فيما قيل - ١٤) الكرسي.
وروىُ(١١) عن وهب بن منبه نحوه. وفسَّر وهْبٌ الهيكلَ فقال: شيء١٢ٍ) من أطراف السموات
(١) الحديث في تفسير الطبري (٨/٣).
(٢) في أ : العربي ، وب : الفزي ، وفي ط : المغربي، وكله تصحيف، وما أثبتناه من معجم الطبراني الأوسط
(٤٣٧٠) فما بعد ، والصغير (٥٩٩).
(٣) الحديث في تفسير الطبري ( ٨/٣) بنحوه .
(٤) في نسخة ب، زيادة: وروى محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب ( صفة العرش ) عن الحسين بن
عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أحمد بن علي الأسدي ، عن المختار بن غسان العبدي عن إسماعيل بن مسلم ، عن
أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر قال: دخلت المسجد الحرام، فرأيت رسول الله بَّه وحده ، فجلست إليه ،
فقلت : يا رسول الله ، أيّ آية نزلت عليك أفضل؟ قال: (( آية الكرسي . ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة
ملقاة بأرض فلاة ، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة )) وهو حديث حسن بطرقه .
(٥)
تاريخ الطبري (٤٠/١) .
زيادة في المطبوع : موافقة لنص ابن جرير في تاريخه .
(٦)
في المطبوع : قال . والكلام من قول ابن عباس، أورده ابن جرير كذلك (١/ ٤١).
(٧)
(٨)
في تاريخ الطبري : والأرض .
(٩) في ب ، وتاريخ الطبري : من فيهن .
(١٠) زيادة من المطبوع . موافقة لرواية الطبري .
(١١) أي: الطبري، وانظر قول وهب في تاريخه (٤١/١).
(١٢) في أ: فقال: هو .. ، وفي ب: الهيكل الكرسي فقال: هو. وأثبت لفظ المطبوع، وهو موافق لرواية الطبري.

٢٦
ذكر اللوح المحفوظ
محدق بالأرضين والبحار كأطناب الفسطاط(١).
وقد زعم بعض من ينتسب إلى علم الهيئة أنَّ الكرسي عبارة عن الفلك الثامن الذي يُسَمُّونه فلك
الكواكب الثوابت . وفيما زعموه نظر ؛ لأنه قد ثبت أنَّه أعظم من السماوات السبع بشيء كثير كما ورد
[ في (٢) الحديث المتقدم بأنَّ نسبتها إليه كنسبة حلقة ملقاة بأرض فلاة ، وهذا ليس نسبة فلك إلى فلك .
فإن قال قائلُهم : فنحن نعترف بذلك ، ونسمّيه مع ذلك فلكاً ، فنقول : الكرسي ليس في اللغة عبارة عن
الفلك ، وإنَّما هو - كما قال غير واحد من السلف - : بين يدي العرش كالمرقاة إليه . ومثل هذا لا يكون
فلكاً . وزعمهم(٣) أنَّ الكواكب الثوابت مرضَّعة ، لا دليل لهم عليه . هذا مع اختلافهم في ذلك أيضاً ،
كما هو مقرر في كتبهم . والله أعلم .
ذِكْرُ اللَّوْح المحفُوْظ
قال الحافظ أبو القاسم الطبراني(٤): حدَّثنا محمد بن عثمان(٥) بن أبي شيبة، حدَّثنا مِنْجاب بن
الحارث ، حدَّثنا إبراهيم بن يوسف ، حدَّثنا زياد بن عبد الله ، عن ليث ، عن عبد الملك بن سعيد(٦) بن
جبير [ عن أبيه}(٧)، عن ابن عباس أنَّ نبي الله بَِّ قال: ((إنَّ اللهَ خَلَقَ لَوْحاً مَحْفوظاً مِنْ دُرَّةٍ بَيْضاءَ
صَفحاتُها مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْراءَ ، قَلَمُهُ نُورٌ، وكِتَابُهُ نُورٌ ، للهِ فِيْهِ فِي كُلِّ يَوْمِ سِتُّونَ وَثَلاثُ مئة لحظة(٨) يَخْلُقُ
وَيَرْزُقُ وَيُميتُ وَيُحْيِي وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ وَيَفْعِلُ ما يَشَاءُ)(٩) .
وقال إسحاق بن بشر : أخبرني مُقاتل وابنُ جُرَيْج عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : إنَّ في صَدْر
اللَّوْح: لا إلَهَ إلا اللهُ وحدَهُ (١)، دِيْنُهُ الإسْلام، ومُحمَّدٌ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . فَمِنْ آمَنَ باللهِ وَصَدَّقَ بِوَعْدِهِ
(١) ((الأطناب)): مفردها طُنْبٌ، وهو حبل تشد به الخيمة إلى الأرض، والفُسطاط: بيت من شعر.
(٢) زيادة من ب .
(٣) في ب : وزعم .
(٤)
المعجم الكبير (١٢٥١١) .
في أ : سليمان ، خطأ ظاهر .
(٥)
(٦)
في ب : جي .
(٧) زيادة من ب والمطبوع، والمعجم الكبير الذي ينقل منه المصنف .
في أ، ط: ((نظرة)»، وما هنا من ب، وهو الموافق للمصدر الذي ينقل منه وهو المعجم الكبير للطبراني .
(٨)
(٩) إسناده ضعيف ، محمد بن عثمان ضعيف ، وليث هو ابن أبي سليم ضعيف أيضاً .
(١٠) في ب: اللوح المحفوظ ... وحده لا شريك له ...

٢٧
باب ما ورد في خلق السموات والأرض وما بينهما
واَّبَعَ رُسُلَه، أدْخَلَهُ(١) الجنَّةَ. قال: وَاللَّوْحُ: لَوْحٌ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ. طُولُهُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرضِ ،
وعَرْضُه ما بين المشرِقِ والمغْرب ، وحافتاهُ الدرُّ والياقوتُ، ودفتاهُ ياقوتةٌ حَمراءُ ، وَقَلمُهُ نُورٌ، وكلامهُ
مَعْقُودٌ بِالعَرْشِ ، وأصْلُه في حجر ملك .
وقال أنس بن مالك ، وغيره من السلف: اللَّوْحُ المحفوظ في (٢) جبهةِ إسْرافيل.
وقال مقاتل : هو عن يمين العرش .
* * *
باب
ما ورد في خلق السموات والأرض وما بينهما
قال الله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ النُلْمَتِ وَالنُّورِ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَيِّهِمْ
يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] .
وقال تعالى: ﴿ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامِ﴾ [الفرقان: ٥٩] في غير ما آية من
القرآن(٣).
وقد اختلف المفسرون في مقدار هذه الستة الأيام على قولين : فالجمهور على أنها كأيامنا هذه(٤) .
وعن ابن عبّاس، ومجاهد، والضَّحَّاك، وكعب الأحبار: [ أن](٥) كلَّ يوم منها كألف سنةٍ مما
تَعُدُّون . رواه ابن جرير(٦) ، وابن أبي حاتم . واختار هذا القول الإمام أحمد بن حنبل في كتابه الذي رد
(١) في ب : أدخله الله الجنة .
(٢) في أ : من .
(٣) و [السجدة : ٤].
(٤) قوله : هذه ؛ ليس في ب .
أقول : قال الخازن في تفسيره ( ٢/ ٩٥): فتكامل جميع الخلق في ستة أيام ، كل يوم مقداره ألف سنة ، وهذا قول
جمهور العلماء ، وقيل : في ستة أيام من أيام الدنيا . وقال ابن الجوزي في زاد المسير (٢١١/٣): قوله : في
ستة أيام ، قال ابن عباس : مقدار كل يوم من تلك الأيام ألف سنة ، وبه قال كعب ، ومجاهد ، والضحاك ،
ولا نعلم خلافاً في ذلك ، ولو قال قائل : إنها كأيام الدنيا ، كان قوله بعيداً . وانظر القرطبي ( ٢١٩/٧).
(٥) زيادة من ب .
(٦) تفسير الطبري (١٤٦/٨ - ١٤٧ و١٢٩/١٧) وتاريخه (٤٤/١) وما بعدها: والقرطبي (٢١٩/٧) وابن كثير
( ٢٢١/٢).

٢٨
باب ما ورد في خلق السموات والأرض وما بينهما
فيه على الجَهْمية (١) وابن جرير وطائفة من المتأخرين والله أعلم(٢) . وسيأتي ما يدل على هذا القول.
وروى ابن جرير(٣) عن الضَّخَّاك بن مُزاحم ، وغيره أن أسماء الأيام الستة : أبجد ، هَوَّز ، حطّي ،
كلمن ، سعفص ، قُرشت .
وحكى ابن جرير(٤) في أول الأيام ثلاثة أقوال ، فروي عن محمد بن إسحاق أنه قال : يقولُ أهل
التوراة : ابتدأ الله الخلق يوم الأحد ، ويقول أهل الإنجيل : ابتدأ الله الخلقَ يومَ الإثنين . ونقول نحن
المسلمين، فيما انتهى إلينا عن رسول الله وَله: ابتدأ الله الخلقَ يَوْمَ السبت.
وهذا القول الذي حكاه ابن إسحاق عن المسلمين مال إليه طائفة من الفقهاء من الشافعية ، وغيرهم .
وسيأتي(٥) فيه حديث أبي هريرة (( خَلَقَ اللهُ التربةَ يومَ السَّبتِ)).
والقول بأنه الأحد رواه ابن جرير(٦) عن الشُّدّي ، عن أبي مالك ، وأبي صالح عن ابن عبّاس ، وعن
مُرَّة ، عن ابن مسعود ، وعن جماعة من الصّحابة .
ورواه أيضاً عن عبد الله بن سلام، واختاره ابن جرير(٧) . وهو نص التوراة ، ومال إليه طائفة
آخرون(٨) من الفقهاء، وهو أشبه بلفظ الأحد ، ولهذا كمل (٩) الخلق في ستة أيام، فكان آخرهن
الجمعة ، فاتخذه المسلمون عيدهم في الأسبوع - وهو اليوم الذي أضل اللهُ عنه أهلَ الكتاب قبلنا - كما
سيأتي بيانه إن شاء الله .
(١) انظر ((الرد على الزنادقة والجهمية)) للإمام أحمد بن حنبل صفحة (١١).
(٢) وقيل حديثاً: أما الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض ، فهي غيب لم يشهده أحد من البشر ، ولا من
خلق الله جميعاً ﴿﴿ مَّ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾ [ الكهف: ٥١] وكل ما يقال عنها لا يستند إلى
أصل مستيقن .
إنها قد تكون ست مراحل ، وقد تكون ستة أطوار . وقد تكون ستة أيام من أيام الله التي لا تقاس بمقاييس زماننا
الناشىء من قياس حركة الأجرام - إذا لم تكن قبل الخلق هذه الأجرام التي نقيس نحن بحركتها الزمان -! وقد تكون
شيئاً آخر . فلا يجزم أحد ماذا يعني هذا العدد على وجه التحديد . وكل حمل لهذا النص ومثله على تخمينات
البشرية التي لا تتجاوز مرتبة الفرض والظن - باسم ( العلم! ) - وهو محاولة تحكمية منشؤها الهزيمة الروحية أمام
( العلم ) الذي لا يتجاوز في هذا المجال درجة الظنون والفروض .
(٣)
تاريخ الطبري (٤٢/١).
(٤)
تاريخ الطبري ( ٤٤/١).
( ص٣١، ت : ٧) من هذا الجزء . ويأتي تخريجه والكلام عليه .
(٥)
تاريخ الطبري (١/ ٤٧).
(٦)
تاريخ الطبري (٤٣/١ و٤٥).
(٧)
في ب : وآخرون ؛ وهو خطأ .
(٨)
(٩) في ب : وهو أكمل .

٢٩
باب ما ورد في خلق السموات والأرض وما بينهما
وقالُ(١) تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ أُسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَلَتٍ
وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾[ البقرة: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿﴿ قُلْ أَبِتَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ، أَنَدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ (١) وَجَعَلَ
فِيهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا فِىّ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءَ لِّلِسَّآيِينَ (٥) ثُمَّ أَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَ لْأَرْضِ
أثْنِيَا طَوَعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَآ أَنْنَا طَابِعِينَ ﴿ فَقَضَدُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَاٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَا السَّمَآءَ الدُّنْيَا-
بِمَصَبِيحَ وَحِفْظَأْ ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [ فصلت: ٩ -١٢].
فهذا يدل على أن الأرض خُلقت قبلَ السماء ، لأنها كالأساس للبناء ، كما قال تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى
جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءُ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الَِّبَتِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ
رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾[غافر: ٦٤].
وقال تعالى: ﴿أَ تَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا (١) وَاَلِبَالَ أَوْتَادًا ... ﴾ إلى أن قال: ﴿وَبَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا
وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَاجًا﴾ [النبأ: ٦ -١٣].
١١
وقال تعالى: ﴿ أَوَلَمْيَرَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَنَا رَتْقَا فَفَنَقْنَهُمَّاً وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيَّ
أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، أي: فصلنا ما بينَ السماءِ والأرضِ حتى هَبَّتِ الرِّياحُ ونَزلت الأمطارُ وجرتِ
العيونُ والأنهار وانتعش الحيوان . ثم قال: ﴿ وَحَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا نَّحْفُوظَا وَهُمْ عَنْ ءَنِهَا مُعْرِضُونَ ﴾
[ الأنبياء: ٣٢] أي: عَمَّا خَلَق فيها من الكواكب الثوابت، والسَّيَّاراتِ والنجوم الزاهرات والأجرام
النيرات، وما في ذلك من الدلالة٢) على حكمة خالق الأرض والسماوات . كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيْنِ
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِالَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
مِنْ ءَايَةٍ فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ
فأما قوله تعالى: ﴿،َأَنْهُ(٣) أَشَدُّ خَلْقَا أَمِ السَّمَاءُ بَنَهَا (٤٦َ رَفَعَ سَمَّكَهَا فَوَّنَهَا ﴿ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَنَهَا
٢٥
[ يوسف: ١٠٥ _ ١٠٦ ] .
(٤) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنْهَاَ ﴿ أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَ هَا وَمَرْ عَنْهَا ◌ِبَّ وَالْجِبَالَ أَرْسَنُهَا (٦) مَنَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمْ﴾ [النازعات: ٢٧ -٣٣].
فقد تمسَّك بعضُ الناس بهذه الآية على تقدُّم خلقِ السماءِ على خلق الأرض ، فخالفوا صريْحَ الآيتين
المتقدمتين، ولم يفهموا هذه الآية الكريمة، فإنَّ مقتضى هذه الآيةُ) أنَّ دَخْي الأرض ، وإخراج الماء
على هامش أ ، عبارة : الدليل على خلق الأرض قبل السماء .
(١)
(٢)
في ب : الدلالات .
(٣)
في أ : أهم ؛ وهو خطأ .
في ب : فأخرج ليليها وأغطش ضحاها ؛ وهو خطأ .
(٤)
في ب : الآية الكريمة أن .. .
(٥)

٣٠
باب ما ورد في خلق السموات والأرض وما بينهما
والمرعى(١) منها بالفعل بعد خلق السماء، وقد كان ذلك فيها٢) مقدَّراً بالقوة ؛ كما قال تعالى:
﴿ وَبَرَكَ فِيهَا وَقَّذَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا﴾ [فصلت: ١٠]. أي: هَيّأ أماكن الزرع ومواضعَ العيون والأنهار . ثم لما
أكْمل خلقَ صورةِ العالم السفلي والعلوي ؛ دخَى الأرض فأخرج ما كان مُؤْدَعاً فيها ، فخرجت العيون ،
وجرت الأنهار ، ونبتت الزروع والثمار ، ولهذا فسر الدحي بإخراج الماء والمرعى منها وإرساء الجبال
فقال: ﴿ وَاُلْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنْهَاَ ﴿٢) أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَنْهَا﴾ وقوله: ﴿ وَالْجِبَالَ أَرْسَنَهَا﴾ أي: قرَّرها في
أماكنها التي وضعها فيها وثبَتها وأكدها وأطدها٣).
وقوله: ﴿ وَالسَّمَاءَ بَيْنَهَا بِأَنْيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٦) وَالْأَرْضَ فَرَشْتَهَا فَنِعْمَ الْمَئِهِدُونَ (8) وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَفْنَا زَوْجَيْنِ
◌َعَلَّكُمْ نَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧ - ٤٩]، بأيدٍ، أي: بقوة. ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾(٤)، وذلك أن كلَّ ما علا
اتَّسعَ ، فكل سماء أعلى من التي تحتها فهي أوسع منها . ولهذا كان المرسل أعلى من السماوات ، وهو
أوسع منهن كلهن. والعرش أعظم من ذلك كله بكثير(٥). وقوله بعد هذا: ﴿ وَالْأَرْضَ فَرَشْتَهَا ﴾ أي :
بَسَطْناها وجعلناها مهداً ، أي: قارَّةٌ ساكنة غير مضطربة ولا مائدة بكم. ولهذا قال: ﴿ فَنِعْمَ الْمَِهِدُونَ﴾،
والواو لا تقتضي الترتيب في الوقوع ، وإنما تقتضي الإخبار المطلق في اللغة (٦) . والله أعلم .
وقال البخاري(٧): حدّثنا عُمر بن حفص بن غياث(٨)، حذَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمش، حدَّثنا جامع بن
شدَّاد، عن صفوان بن مُحْرز: أنه حدَّثه عن عِمْران بن حُصَيْن قال: دخلتُ على النَّبيِّ - وَلَ ـ وَعَقَلْتُ
ناقتي بالباب، فأتاهُ ناسٌ من بني تميم، فقال: (( اقبَلُوا الْبُشْرى يا بني تميم)(٩)، قالوا: قد بَشَّرْتَنَا ١٠)
فأعطنا - مَرَّتين - ثم دخل عليه ناسٌ من اليمن فقال: (( اقْبَلُوا الْبُشْرَى يا أهَلَ اليَمن إذ١١ْ) لَمْ يَقْبَلها بَنُو
تميم))، قالوا١٢): قد قبلْنا يا رسولَ الله، قالوا: جئناكَ نسألك عنْ هذا الأمر. قال: ((كانَ اللهُ ولَمْ
يكُنَّ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وكَانَ عَرْشُهُ على المَاءِ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ (١٣) كُلَّ شَيْءٍ وخَلَقَ السَّمواتِ
(١) كذا في ب ، وفي أ: والرعي.
(٢) في ب : ذلك مقدراً فيها بالقوة .
(٣) قوله : وأطدها ، ليس في ب.
(٤) هذا الجزء من الآية سقط من ب .
قال القرطبي (٢١٩/٧) : وخص العرش ، لأنه أعظم مخلوقات الله تعالى.
(٥)
(٦)
انظر : مغني اللبيب (ص ٤٦٣) والجني الداني ( ١٥٣).
(٧)
البخاري (٣١٩٠) في بدء الخلق .
في ب : حدثنا حفص بن عمر ؛ وهو خطأ .
(٨)
(٩) قوله : فقال : اقبلوا البشرى يا بني تميم ، ليس في ب .
(١٠) كذا في ب وهي موافقة للفظ البخاري ، وفي أ : قد قبلنا .
(١١) في ب وهي موافقة لرواية البخاري، وأشار ابن حجر في شرحه إلى رواية المتن.
(١٢) قوله قد ليس في ب .
(١٣) زاد في ب وخلق .

٣١
باب ما ورد في خلق السموات والأرض وما بينهما
والأرْضَ)) ، فنادى منادٍ: ذهبتْ ناقتُك يا ابْنَ الحُصَيْن ، فانْطلقتُ فإذا هي يقطع دُونها السراب ، فوالله
الوَدِدْتُ أني كُنْتُ تركتها ، هكذا رواه هاهنا. وقد رواه في كتاب المغازي(١)، وكتاب التوحيد (٢)، وفي
بعض ألفاظه: (( ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاواتِ والأرضَ ))، وهو لفظُ النَّسائي(٣) أيضاً.
وقال الإمامُ أحمدُ(٤): حدَّثنا حجاج ، حدثني ابن جُريج ، أخبرني إسماعيل بن أمية ، عن أيوب بن
خالد ، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة قال: أخَذَ رسولُ اللهِ لَّه بيدي فقال: (( خَلَقَ
اللهُ التُّرْبةَ يومَ السَّبْتِ، وخَلقَ الجِبالَ فِيْها يومَ الأحدِ ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ فِيْها يَوْمَ الإثنين، وخلقَ المَكْرُوه فيها
يومَ الثَّلاثاءِ، وخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأربعاءِ، وَبثَّ الذَّواب فيها٥) يومَ الخَميسِ، وَخَلَقَ آدَمَ بعْدَ العَصْرِ يَوْمَ
الجُمُعةِ آخرِ الخَلْقِ في آخِرِ ساعَةٍ مِنْ سَاعاتِ الجُمُعةِ فِيْما بينَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ)) .
وهكذا رواه مسلم(٦) عن سُرَيْج بن يونس وهرون بن عبد الله، والنَّسائي(٧) عن هارون ويوسف بن
سعيد ، ثلاثتهم عن حجاج بن محمد المِصِّيصي(٨) الأعور ، عن ابن جُرَيْج ، به مثله سواء .
وقد رواه النَّسائي (٩) في التفسير عن إبراهيم بن يعقوب الجُوْزجَاني(١٠)، عن محمد بن الصَّباحِ ، عن
(١) البخاري (٤٣٦٥) عن أبي نعيم، و (٤٣٨٦) عن عمرو بن علي .
(٢) البخاري (٧٤١٨) عن عبدان.
(٣) أخرجه النسائي في الكبرى ( ١١٢٤٠).
(٤) زاد في المطبوع : ابن حنبل ، والحديث في مسنده (٢/ ٣٢٧).
(٥) كذا في أ، ب وفي مسند أحمد، ومسلم: ((وبث فيها الدواب .. )).
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه ( ٢٧٨٩ ) في المنافقين : باب ابتداء الخلق وخلق آدم عليه السلام .
ورواه أيضاً أحمد في المسند (٢/ ٣٢٧) والبيهقي في الأسماء والصفات صفحة ( ٣٨٣) ونقل تضعيفه عن بعض
الأئمة ، وقد تقدم أن ابن كثير رحمه الله قال : وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم ، وقد تكلم عليه ابن المديني
والبخاري وغير واحد من الحفاظ ، والحديث في صحيح مسلم سنده صحيح، وقد صحَّحه الشوكاني في ((فتح
القدير)) وإنما تكلم عليه بعض العلماء من جهة متنه ، ورأوا أنه معارض للقرآن ، والذي صحح الحديث سنداً ومتناً
رأى أنه لا تعارض بينه وبين القرآن ، فإن الله تعالى ذكر في القرآن أنه خلق السماوات والأرض جميعاً في ستة أيام ،
وخلق الأرض وحدها في يومين ، وهذا الحديث بين أن الله تعالى خلق ما في الأرض في سبعة أيام ، ويحتمل أن
تكون هذه الأيام السبعة غير الأيام الستة التي ذكرها الله تعالى في خلق السماوات والأرض ، وحينئذ لا تعارض ،
وإنما فضَّل هذا الحديث كيفية الخلق على الأرض وحدها ، والله تعالى أعلم .
(٧) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٠١٠).
(١) المصيصي ، بكسر الميم والصاد المشددة: نسبة إلى المصيصة؛ مدينة على ساحل البحر. اللباب (٢٢١/٣)
وضبطها ياقوت بفتح الميم . ( معجم البلدان ) .
(٩) أخرجه النسائي في الكبرى ( ١١٣٩٢).
(١٠) والجُوزَجاني، بضم الجيم الأولى، وسكون الواو، وفتح الزاي: نسبة إلى مدينة بخراسان. الأنساب (٣٦١/٣)
ومعجم البلدان ( جوزجان ) .

٣٢
باب ما ورد في خلق السموات والأرض وما بينهما
أبي عُبيدة الحدَّاد، عن الأخضر(١) بن عجلان، عن ابن جُريج، عن عطاء بن أبي رباح ، عن
أبي هريرة: أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ، أخذَ بِيَدِهِ فقال: (( يا أبا هُرَيْرَةَ إِنَّ اللهَ خَلقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنهما
في ستَّةِ أيَّامٍ ثُمَّ اسْتوى على العَرْشِ يَوْمَ السَّابِعِ، وخَلَقَ التُّرْبةَ يومَ السَّبْتِ )) ، وذكر تمامه بنحوه ، فقد
اختلف فيه على ابن جريجُ(٢) .
وقد تكلم في هذا الحديث علي بن المديني والبخاري والبيهقي ، وغيرهم من الحفاظ (٣).
قال البخاري في (( التأريخ)(٤): وقال بعضُهم : عن كعب ، وهو أصح ، يعني أن هذا الحديث مما
سمعه أبو هريرة وتلقَّاه من كعب الأحبار ، فإنهما كانا يصطحبان ويتجالسان للحديث ، فهذا يُحدِّثُه عن
صحفه، وهذا يحدثه بما يصدّقه عن النبي(٥) - وَ لَ - فكان هذا الحديث مما تلقّاه أبو هريرة، عن كعب،
عن صحفه، فوهم بعضُ الرواة فجعله مرفوعاً إلى النبي - مَ الَهـــ وأكَّدَ رفعَه بقوله: ((أَخَذَ رسول الله - إِّ . -
بيدي)). ثم في متنه غرابة شديدة ، فمن ذلك أنه ليس فيه ذكر خلق السموات(٦) ، وفيه ذكر خلق الأرض
وما فيها في سبعة أيام ، وهذا خلاف القرآن (٧) ، لأنَّ الأرض خُلقت في أربعة أيام ، ثم خُلقت السمواتُ
في يومين من دُخان ، وهو بُخار الماء الذي ارتفع حين اضطرب الماء العظيم الذي خلق من رُبدة ٨) الأرض
بالقدرة العظيمة البالغة ، كما قال إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّي الكبير في خبر ذكره عن أبي مالك ،
وعن أبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب رسول الله
- وَهِ - ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ أَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [ البقرة: ٢٩]
(١) في أ: الأحصن ؛ وفيه تصحيف وتحريف . والأخضر بن عجلان الشيباني من رجال التهذيب ، قال ابن حجر في
التقريب : (١ / ٥٠ ) صدوق .
(٢) زاد في ب : وقد أسنده الحافظ ابن عساكر في ترجمة غنايم بن أحمد : مسلسلاً يقول كل منهم شبك بيدي فلان .
وفي السند غرابة إلى إبراهيم بن أبي يحيى قال : شبك بيدي أيوب بن خالد وقال : شبك بيدي : أبو هريرة وقال :
شبك بيدي رسول الله - 18 - وقال: (( خلق الله آدم يوم الجمعة، والأرض يوم السبت، والجبال يوم الأحد،
والشجر يوم الإثنين ، والمكروه يوم الثلاثاء ، والنور يوم الأربعاء ، والبحار يوم الخميس)) . فهذا إسناد غريب ،
وقد سقط منه عبد الله بن رافع وآخر في المتن ، ففيه نكارة شديدة سنداً ومتناً . والله أعلم .
ورواه الحاكم في علوم الحديث صفحة (٣٣) وأشار الحاكم إلى تضعيفه هكذا مسلسلاً بالتشبيك ، وعلته
إبراهيم بن أبي يحيى ، فإنه متروك وأصله في صحيح مسلم غير مسلسل .
(٣) راجع الموضوع في جامع الأصول (٢٥/٤، ٢٦) وزاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (٢٤٣/٧).
(٤)
راجع تاريخ البخاري (٤١٣/١ - ٤١٤) .
(٥)
في ب : عن رسول الله .
زاد في ب : والأرض .
(٦)
(٧) وقد تقدم التعليق في الصفحة التي قبلها (٣١) أنه لا يخالف القرآن، فانظره.
(٨) الرُّبدة : لون إلى الغُبرة .

٣٣
باب ما ورد في خلق السموات والأرض وما بينهما
قال : إن الله كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئاً مما خلَقَ قبل الماء(١) ، فلما أراد أن يخلُق الخلقَ
أخرج من الماء دخاناً ، فارتفع فوق الماء ، فَسَما عليه ، فسمَّاه : سماءً ، ثم أيبس الماء فجعله أرضاً
واحدة ، ثم فتقها فجعل سَبْع أرضين في يومين (٢): الأحد والإثنين ، وخلق الأرض على حُوت ، وهو
النون الذي قال(٣) الله تعالى: ﴿نْ وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١]. والحوت في الماء، والماء على صفاة ٤)،
والصفاة على ظهر ملك ، والملك على صخرة ، والصخرة في الريح . وهي الصخرة التي ذكر لقمان
ليست في السماء ولا في الأرض ، فتحرك الحوت ، فاضطرب(٥) ، فتزلزلت الأرض ، فأرسى عليها
الجبال فَقَرَّت (٦)، وخلق اللهُ يومَ الثلاثاء الجبالَ وما فيهن من المنافع، وخلقَ يومَ الأربعاء الشجرَ والماءَ
والمدائن والعمران والخراب ، وفتَقَ السماء وكانت رَتْقا٧ً) فجعلها سبعَ سمَاوات في يوم الخميس
والجمعة . وإنما سُمّى: الجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات والأرض. ﴿وَأَوْحَى فِ كُلِّ سَمَاٍ أَمْرَهَا﴾
[ فصلت: ١٢]. قال: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة [ والخلق الذي فيها ]٨) والبحار وجبال البرد
وما لا يعلمه غيره(٩) . ثم زيَّن السماءَ [ الدنيا ] بالكواكب فجعلها زينةً وحفظاً تحفظ من الشياطين . فلما
فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش .
هذا الإسناد يَذْكُرُ به السّدّي أشياء كثيرة فيها غرابة ، وكأن كثيراً منها متلقى من الإسرائيليات ؛ فإن
كعب الأحبار لما أسلم في زمن عمر كان يتحدث بين يدي عمر بن الخطاب(١٠) - رضي الله عنه - بأشياء من
علوم أهل الكتاب ، فيسمع له عمر تأليفاً له ، وتعُباً مما عنده مما يوافق كثيرٌ منه الحقَّ الذي ورد به الشرع
المطهّر ، فاستجاز كثيرٌ من الناس نقل ما يورده كعب الأحبار لهذا ، ولما جاء من الإذن في التحديث عن
بني إسرائيل(١١) ، لكن كثيراً ما يقع فيما يرويه غلط وليس هو منه ، ولكنه من الكتب التي ينقل عنها لأنها
قد دخلها غلط كبير وخطأ كثير .
(١) في تفسير الطبري ، وابن كثير : ولم يخلق شيئاً غير ما خلق قبل الماء ،
(٢) في ب : في يوم الأحد والإثنين : وفي تفسير الطبري ، وابن كثير : في يومين في الأحد والإثنين .
(٣) في الطبري ، وابن كثير : هو الذي ذكره في القرآن .
(٤) ((الصفاة)) : الصخرة الملساء.
(٥) في ب : فاضطربن . ولا توافق لفظ الطبري ، وابن كثير .
(٦) أورده الطبري (١/ ١٥٢) وابن كثير في تفسيره (٦٨/١) في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَا فِ الْأَرْضِ
جَمِيعًا ... ﴾ [البقرة: ٢٩]، وتتمته فيهما يختلف لفظها عما في المتن.
(٧) ((الرتق)) : الالتئام.
(٨) زيادة من الطبري، وابن كثير في تفسيره.
(٩) في الطبري : ... وما لا يعلم ثم ... وفي تفسير ابن كثير: ومما لا يعلم.
(١٠) قول : ابن الخطاب ؛ ليس في ب .
(١١) تقدم الحديث.

٣٤
باب ما جاء في سبع أرضين
وقد روى البخاري في ((صحيحه)(١) عن معاوية أنه كان يقول في كعب الأحبار : وإنْ كُنَّا لنَبَّلُوَ عليه
[ الكذب }٢)، أي فيما ينقله؛ لا أنه يتعمد ذلك . والله أعلم .
ونحن نورد ما نورده من الذي يسوقه كثيرٌ من كبار الأئمة المتقدمين عنهم ، ثم نتبع ذلك من
الأحاديث بما يشهد له بالصحة أو يُكذِّبه ، ويبقى الباقي مما لا يصدَّق ولا يكذَّب ، وبالله المستعان ،
وعليه التُّكلان .
قال البخاري : حدَّثنا قتيبة ، حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القُرشي ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - بَّهَ ــ: ((لمَّا قَضَى اللهُ الخَلْقَ كَتَبَ في كتابِهِ، فهوَ عِنْدَهُ فَوْقَ
العَرْشِ: إنَّ رَحْمتي غَلَبتْ غَضَبِي)(٣). وكذا رواه مسلم، والنَّسائي عن قتيبة به (٤).
ثم قال البخاري(٥) :
باب(٦) ما جاء في سبع أرضين
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ
(١) رواه البخاري كما في الفتح (٢٨٢/١٣) في الاعتصام، باب قول النبي ◌َّر لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء،
بلفظ : وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب .
(٢) من ط ، وهو موافق لرواية البخاري .
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٣١٩٤)، في بدء الخلق: باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِى يَبْدَ ؤُاْ الْخَلْقَ ثُمّ
يُعِيدُمُ وَهُوَ أَهْوَبُ عَلَيْهِ﴾ وقد أورده البخاري أيضاً من طرق عن أبي هريرة رضي الله عنه (٧٤٠٤) ، في التوحيد :
باب قول الله تعالى: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، و(٧٤٢٢) باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ﴾ ﴿وَهُوَ رَبُّ
الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، و(٧٤٥٣) باب: قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ و(٧٥٥٣) باب: قوله
الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ تَجِيدٌ ﴾ فِ لَوْج ◌َّحْفُوظٍ ﴾ .
(٤) مسلم في صحيحه (٢٧٥١)، في التوبة: باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه، وفيه: ((إن رحمتي
تغلب غضبي)) والنسائي في الكبرى (٧٧٥٠). وأخرجه ـ من طرق - ابن ماجه (١٨٩) في المقدمة : فيما
أنكرت الجهمية و(٤٢٩٥) في الزهد: باب ( ٣٥) ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة ، وأحمد في مسنده
(٢٤٢/٢، ٢٥٨، ٢٦٠، ٣١٣، ٣٥٨، ٣٨١، ٣٩٧، ٤٣٣، ٤٦٦) والترمذي (٣٥٤٣) في الدعوات:
باب ( ١٠٠) خلق الله مئة رحمة ، كلهم من حديث أبي هريرة ، بنحوه . وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح
غريب .
(٥) البخاري (٣١٩٥) في بدء الخلق .
(٦) كلمة باب ؛ سقطت من المطبوع.

٣٥
باب ما جاء في سبع أرضين
اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلَّمَا﴾ [ الطلاق: ١٢] ثم قال: حدَّثن(١) عليُّ بن عبد الله، أخبرنا٢) ابن عُلَيَّة، عن
عليّ بن المبارك، حدَّثنا يحيى بن أبي كثير ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن ، وكانت بينه وبين ناس خصومة في أرض ، فدخل على عائشة فذكرَ لها ذلك . فقالت :
يا أبا سلمة! اجتنبِ الأرضَ، فإنَّ رسولَ الله ◌ِوَّ قال: ((منْ ظلمَ قِيْدَ شِبْرِ طُوَّقه منْ سبع أرضينَ (٣).
ورواه أيضاً في كتاب المظالمُ(٤)، ومسلم من طرقٍ(٥) ، عن يحيى بن أبي كثير به .
ورواه أحمد من حديث محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة به ٦) . ورواه أيضاً عن يونس ، عن أبان ،
عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة ، عن عائشة بمثله(٧) .
ثم قال البخاري : حدَّثنا بشر بن محمد ، قال : حدَّثنا عبد الله ، عن موسى بن عقبة ، عن سالم ،
عن أبيه، قال: قال النبيُّ وَ لَّ: ((منْ أخذ شيئاً من الأرض بغير حقِّ خُسِفَ به يومَ القيامةِ إلى سبع
أرضين (٨). ورواه في المظالم أيضا٩ً) : عن مسلم بن إبراهيم ، عن عبد الله - هو ابن المبارك - عن
موسى بن عُقبة به ، وهو من أفراده .
وذكر البخاري هاهنا ١) حديث محمد بن سيرين ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ، قال :
قال رسول الله وَلّ: ((إنَّ الزمانَ قد استدارَ كهيئته يوم خلقَ اللهُ السمواتِ والأرضَ، السنة اثنا عشرَ
شهراً ... )) الحديث. ومراده - والله أعلم - تقرير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾
[ الطلاق : ١٢] أي : في العدد كما أن عدة الشهور الآن اثني عشر مطابقةٌ لعدة الشهور عند الله في كتابه
الأول ، فهذه(١) مطابقة في الزمن ، كما أن تلك مطابقة في المكان .
(١)
في ب : حدَّثني .
في أوب: (( ثنا))؛ وأثبت ما في البخاري والمطبوع .
(٢)
(٣) رواه البخاري في صحيحه (٣١٩٥) في بدء الخلق، و (٢٤٥٣) في المظالم، ومسلم (١٦١٢) في المساقاة.
(٤)
البخاري (٢٤٥٣) في المظالم .
(٥)
مسلم (١٦١٢) في المساقاة .
(٦)
في المسند (٧٨/٦) و(٢٥٢/٦).
(٧)
رواه أحمد في المسند (٦/ ٦٤ ).
(٨) رواه البخاري في صحيحه (٣١٩٦) في بدء الخلق .
(٩) البخاري (٢٤٥٤) في المظالم .
(١٠) أي في كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في سبع أرضين (٣١٩٧).
(١١) في أ : فهن .

٣٦
باب ما جاء في سبع أرضين
ثم قال البخاري(١): حدَّثنا عُبيد بن إسماعيل، حدَّثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن
سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل : أنَّه خاصمته أروى في حقِّ زعمتْ أنه انتقصَه لها إلى مروان ، فقال سعيد
رضي الله عنه: أنا أنتقصُ من حقِّها شيئاً؟ أشهدُ لسمعتُ رسولَ اللهِ لَ يقول: ((منْ أخذَ شِبْراً من الأرض
ظُلماً فإنه يُطوَّقه يومَ القيامة من سبع أرضينَ)) ورواه(٢) .
وقال الإمام أحمد(٣): حدَّثنا حسن ، وأبو سعيد - مولى بني هاشم - قالا: حدَّثنا عبد الله بن لَهيعة ،
حدَّثنا عُبيد الله بن أبي جعفر ، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي ، عن ابن مسعود قال : قلت يا رسول الله !
أي الظلم أعظم؟ قال: ((ذراع من الأرض ينتقصُه المرءُ المسلمُ من حقِّ أخيه ، فليست حصاةٌ من الأرض
يأخذها أحد إلا طُوِّقها يوم القيامة إلى قعرِ الأرضِ ، ولا يعلمُ قعرَها إلا الذي خلقَها)). تفرّد به أحمد ،
وهذا إسناد لا بأس به .
وقال الإمام أحمد(٤) : حدَّثنا عفان ، حدَّثنا وُهيب، حدَّثنا سُهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أنَّ
رسولَ اللهِ ◌ّه قال: (( من أخذَ شِبْراً من الأرض بغير حقُّه طُوِّقه من سبع أرضين)) تفرَّد به من هذا الوجه
وهو على شرط مسلم .
وقال أحمد(٥): حدّثنا يحيى، عن ابن عَجْلان، حدَّثني أبي، عن أبي هريرة عن النبيِّ ◌َّ
قال: (( منِ اقتطعَ شِبْراً من الأرض بغير حقِّه طُوِّقه إلى سبع أرضين)) تفرّد به أيضاً، وهو على شرط
مسلم .
وقال أحمد أيضا٦ً): حدّثنا عفَّان، حدَّثنا أبو عوانة ، عن عمرَ بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن
أبي هريرة، عن النبي ◌َّ: ((منْ أخذَ من الأرض شِبْراً بغير حقِّه طُوِّقه من سبع أرضين)) تفرَّد به أيضاً ،
(١) البخاري في صحيحه (٣١٩٨) في بدء الخلق.
(٢) كذا في الأصول. وفي البخاري : قال ابن أبي الزِّناد، عن هشام ، عن أبيه ، قال : قال سعيد بن زيد: دخلت على
النبي ◌َّر، فلعله يريد : ورواه البخاري معلقاً أو نحوه .
(٣) في المسند (٣٩٦/١)، فيه ابن لهيعة ضعيف، وأبو عبد الرحمن الحُبُلَي - عبد الله بن يزيد - لم يرو عن ابن
مسعود ، وإنما روى عن صغار الصحابة . وذكره الهيثمي في المجمع (٤/ ١٧٤) وقال رواه أحمد والطبراني في
الكبير (١٠٥١٦) وإسناد أحمد حسن ، وحسنه المنذري في الترغيب ( ٢٧٨٥) ولعل التحسين بسب الشواهد
المتقدمة في الصحيحين .
في المسند (٣٨٨/٢) وهو عند مسلم في صحيحه (١٦١١) في المساقاة .
(٤)
(٥)
في المسند (٢/ ٤٣٢).
(٦) في المسند (٢/ ٣٨٧) وانظره في الترغيب ( ٢٧٨٢).

٣٧
باب ما جاء في سبع أرضين
وقد رواه الطبرانيُّ(١) من حديث معاوية بن قُرَّة عن ابن عباس مرفوعاً مثله .
فهذه الأحاديث كالمتواترة في إثبات سبع أرضين ، والمراد بذلك أن كلَّ واحدة فوقَ الأخرى ، والتي
تحتَها في وسطها عند أهل الهيئة ، حتى ينتهيَ الأمر إلى السابعة ، وهي صمَّاء لا جوفَ لها ، وفي وسطها
المركز، وهي نقطة مقدَّرة متوهَّمة . وهو محطُّ الأثقال ، إليه ينتهي ما يَهبطُ من كلِّ جانب إذا لم يُعاوقه
مانع . واختلفوا هل هنَّ متراكمات بلا تفاصل ، أو بين كلِّ واحدة والتي تليها خَلاءُ(٢) ؟ على قولين .
وهذا الخلاف جارٍ في الأفلاك أيضاً .
والظاهر أن بين كل واحدة منهن وبين الأخرى مسافة ، لظاهر قوله تعالى: ﴿ اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ
وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ◌َنَزَّلُ الْأَمُ بَيْنَهُنَّ ﴾ [ الطلاق: ١٢] الآية .
وقال الإمام أحمد(٣) : حدَّثنا سُريج، حدَّثنا الحكم بن عبد الملك ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي
هريرة قال: بينا نحن عند رسول الله وَ طهر إذ مرَّت سحابة، فقال: ((أتدرون ما هذه؟)) قال: قلنا: الله
ورسوله أعلمُ. قال : العَنَان ، ورَوايا٤) الأرض يسوقُه إلى من لا يشكرونَه من عباده ولا يَدْعونه ، أتدرون
ما هذه فوقكم ؟ قلنا : الله ورسوله أعلمُ. قال: الرَّقيعُ(٥)، موجٌ مكفوفٌ وسقفٌ محفوظٌ. أتدرون كم
بينكم وبينها ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم . قال : مسيرة خمسمئة عام . ثم قال : أتدرون ما الذي فوقَها ؟
قلنا : الله ورسوله أعلم . قال : مسيرة خمسمئة عام ، حتى عدَّ سبعَ سموات. ثم قال: أتدرونَ ما فوقَ
ذلك ؟ قلنا : الله ورسوله أعلمُ . قال : العرش. أتدرونَ كم بينَه وبين السماء السابعة ؟ قلنا : اللهُ ورسولُه
أعلمُ . قال : مسيرة خمسمئة عام . ثم قال : أتدرون ما هذه تحتكم ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم . قال :
أرض ، أتدرونَ ما تحتها ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم . قال : أرض أخرى ، أتدرون كم بينهما ؟ قلنا : الله
ورسوله أعلم . قال : مسيرة سبعمئة عام ، حتى عدَّ سبع أرضين. ثم قال: وايم الله لو دلَّيتم أحدكم إلى
الأرض السفلى السابعة لهبطَ. ثم قرأ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالَّهِرُ وَالْبَاِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [ الحديد: ٣].
ورواه الترمذي(٦) : عن عبد بن حميد، وغيرُ واحد عن يونسَ بن محمد المؤدب ، عن شيبانَ بن
عبد الرحمن ، عن قتادةَ ، قال : حدَّث الحسنُ، عن أبي هريرة .. وذكرَه ، إلا أنه ذكرَ أن بُعدَ ما بين كل
(١) رواه الطبراني في الكبير (١٢٩٢١) وذكره الهيثمي في المجمع (٤/ ١٧٥) وفيه محمد بن الفضل بن عطية ، وهو
متروك كذاب، ولفظه: ((من أخذ شبراً من مكَّة ... )).
(٢) في ب والمطبوع : مسافة .
(٣)
في المسند (٣٧٠/٢).
الروايا من الإبل: الحوامل للماء ، واحدتها راوية ، فشبهها بها . انظر النهاية ، لابن الأثير (٢٧٩/٢).
(٤)
الرقيع : السماء ، وقيل : هو اسم سماء الدنيا . انظر جامع الأصول (٤/ ٢٣).
(٥)
(٦) الجامع (٣٢٩٨) في التفسير .

٣٨
باب ما جاء في سبع أرضين
أرضين خمسمئة عام ، وذكرَ في آخره كلمةً ذكرناها١) عند تفسير هذه الآية من سورة الحديد ، ثم قال
الترمذي : هذا حديث غريب من هذا الوجه ، قال : ويُروى عن أيوب ، ويونسَ بن عُبيد ، وعلي بن زيد
أنهم قالوا : لم يسمع الحسن من أبي هريرة(٢).
ورواه أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم في (( تفسيره )) من حديث أبي جعفر الرازي ، عن قتادة ،
عن الحسن ، عن أبي هريرة ، فذكرَ مثل لفظ الترمذي سواء بدون الزيادة في آخره(٣) .
ورواه ابن جرير في (( تفسيره)) عن بشر، عن يزيد ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة مرسلا٤ً) .
وقد يكون هذا أشبه والله أعلم .
ورواه الحافظان أبو بكر البزَّار والبيهقيُّ من حديث أبي ذر الغفاري عن النبي وَّه(٥) بنحوه . ولكن
لا يصح إسناده والله أعلم .
وقد تقدَّمُ(٦) عند صفة العرش من حديث الأوعال ما يُخالف هذا في ارتفاع العرش عن السماء السابعة
وما يشهد له . وفيه : وبعدُ ما بين كلِّ سماءين خمسمئة عام ، وكثفها ، أي : سمكها خمسمئة عام . وأما
ما ذهبَ إليه بعض المتكلِّمين على حديث ((طُوِّقهُ من سَبْعِ أَرْضِيْنَ )(٧) أنها سبعة أقاليم . فهو قول يُخالف
ظاهرَ الآية والحديثَ الصحيح ، وصريحَ كثير من ألفاظه مما يعتمد من الحديث الذي أوردناه من طريق
الحسن عن أبي هريرة . ثم إنه حَمْلٌ للحديث والآية على خلاف ظاهرهما بلا مستند ولا دليل ، والله
أعلم .
وهكذا ما يذكره كثير من أهل الكتاب ، وتلقَّاه عنهم طائفة من علمائنا ، من أن هذه الأرض من
تراب ، والتي تحتَها من حديد ، والأخرى من حجارة من كبريت ، والأخرى من كذا ، فكلُّ هذا إذا لم
يُخبر به ونصح سندُه إلى معصوم فهو مردود على قائله .
(١) انظر تفسير القرآن العظيم؛ لابن كثير (٣٥٩/٤) وقال الترمذيُّ: وفسَّر بعضُ أهل العلم هذا الحديث فقالوا : إنما
هبط على علم الله وقدرته وسلطانه ، وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان ، وهو على العرش ، كما وصف في
کتابه .
رواه الترمذي في جامعه ( ٣٢٩٨) في التفسير ، قلت : وإسناده ضعيف.
(٢)
(٣)
تفسير القرآن العظيم ، لابن كثير ( ٣٠٣/٤) عن الحسن عن أبي هريرة .
(٤) تفسير ابن جرير الطبري (١١ / ٦٧٠).
(٥) تفسير القرآن العظيم (٣٥٩/٤) وقال الحافظ ابن كثير : رواه البزار في مسنده ، والبيهقي في كتاب الأسماء
والصفات ، وفي متنه غرابة ونكارة .
(٦) تقدم الحديث (ص ١٧ ).
(٧) تقدم الحديث (ص ٣٥).

٣٩
باب ما جاء في سبع أرضين
وهكذا الأثر المرويُّ عن ابن عباس أنه قال : في كل أرض من الخلق مثل ما في هذه ، حتى آدم كآدمكم ،
وإبراهيم كإبراهيمكم ، فهذا ذكرهُ ابن جرير(١) مختصراً، واستقصاه البيهقي في (( الأسماء والصفات)(٢) وهو
محمولٌ - إن صحَّ نقلُه عنه - على أنه أخذَه ابن عباس رضي الله عنه عن الإسرائيليات ، والله أعلم .
-
وقال الإمام أحمد : حدَّثنا يزيد ، حدَّثنا العوَّام بن حَوْشب ، عن سُليمان بن أبي سُليمان ، عن
أنس بن مالك، عن النبيِّ وَّهِ قال: ((لما خلق الله الأرضَ جعلتْ تميدٌ(٣)، فخلقَ الجبالَ ، فألقاها عليها
فاستقرَّتْ ، فتعجبتِ الملائكةُ من خَلْق الجبالِ ، فقالتْ: يا ربِّ: هل من خلقكَ شيءٌ أشدُّ من الجبال ؟
قال : نعم الحديدُ . فقالت : يا ربِّ: فهل من خلقك شيءٌ أشدُّ من الحديد؟ قال : نعم النَّار. قالت :
يا ربِّ! فهلُ من خَلقكَ شيءٌ أشدُّ من النَّار؟ ( قالَ: الماء . قالت: يا ربّ! فهل من خلقك شيء أشدُّ
من الماء؟)(٤) ؛ قال : نعم الرِّيحُ. قالت: يا ربِّ! فهل من خلقكَ شيءٌ أشدُّ من الريح ؟ قال : نعم
ابنُ آدَمَ يتصدَّق بيمينهِ يُخفيها من شمالِهِ )) . تفرَّد به أحمدُ(٥) .
وقد ذكرَ أصحابُ الهيئة أعدادَ جبال الأرض في سائر بقاعها شرقاً وغرباً ، وذكروا أطوالَها وبُعدَ
امتدادها وارتفاعها ، وأوسعوا القولَ في ذلك بما يطول شرحه هاهنا . وقد قالَ الله تعالى: ﴿ وَمِنَ الْجِبَالِ
◌ُدَّدٌ بِضُ وَحُمْرٌ تُخْتَلِفٌ أَلْوَنُهَا وَغَاِبُ سُوءٌ﴾ [فاطر: ٢٧ ] قال ابن عباس وغير واحد: الجُدَدُ : الطرائقُ.
وقال عكرمة وغيره : الغرابيب: الجبال الطِّوال السُّود(٦). وهذا هو المشاهدُ من الجبال في سائر
الأرض ، تختلف باختلاف بقاعها وألوانها .
وقد ذكرَ الله تعالى في كتابه ﴿الْجُودِيِّ﴾ [ هود: ٤٤]٧) على التعيين، وهو جبل عظيم(٨) شرقي جزيرة
ابن عمر إلى جانب دجلة ، عند الموصل ، امتداده من الجنوب إلى الشمال مسيرة ثلاثة أيام ، وارتفاعه
مسيرة نصف يوم ، وهو أخضرُ لأن فيه شجراً من البلُّوط ، وإلى جانبه قرية يُقال لها: قرية (( الثمانين)(٩)
(١) تفسير ابن جرير الطبري (١٢ / ١٤٥) .
(٢) الأسماء والصفات، للبيهقي (١٣١/٢) وقال: إسناد هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما صحيح ، وهو شاذ
بمرة ، لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعاً ، والله أعلم .
(٣) تميد : من الميد : وهو اضطراب الشيء العظيم ؛ كاضطراب الأرض . قاله الأصفهاني في مفرداته .
(٤) سقطت من أوالمطبوع ، وأثبتها من ب والمسند .
(٥) رواه أحمد في المسند (١٢٤/٣) ولم يتفرد به ، بل رواه الترمذي في جامعه (٣٣٦٦) في التفسير ، وقال : هذا
حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه . أقول : وإسناده ضعيف .
(٦)
انظر تفسير الطبري ( ٤٠٩/١٠) وتفسير القرآن العظيم؛ لابن كثير ( ٦٧٨/٣).
(٧) قال الله تعالى: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِىَ الْأَمْرُ وَأَسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [ هود: ٤٤] .
(٨) انظر معجم البلدان؛ لياقوت الحموي (١٧٩/٢) .
(٩) معجم البلدان (٢/ ٨٤).

٤٠
باب ما جاء في سبع أرضين
لسكنى الذين نجوا في السفينة مع نوح عليه السلام في موضعها ، فيما ذكره غيرُ واحد من المفسرين (١)،
والله أعلم .
وذكر تعالى ﴿طور سيناء﴾ وقد روى(٢) الحافظُ البهاء ابن عساكر في كتابه (المستقصى في فضائل
المسجد الأقصى ) في ترجمة الجبال المقدسة من طريق عمرو بن بكر ، عن ثور بن يزيد ، عن خالد بن
معدان ، عن أبي هريرة قال: أقسمَ ربنا عز وجل بأربعة أجبل، فقال: ﴿وَأَلِيْنِ وَالزُّونِ ﴿ وَطُورٍ سِنِينَ (3)
وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ١ - ٣] فالتين: طور زيتا مسجدُ بيت المقدس، والزيتون : طور تينا ، وطور
سينين ، وهذا البلد الأمين: جبل مكة(٣) .
(٤)
وقال قتادة : التين جبل عليه دمشق ، والزيتون : جبل عليه بيت المقدس"
.
وروى الحافظ ابن عساكر عن كعب الأحبار أنَّه قال : أربعة أجبل يوم القيامة : جبل الخليل ،
والتين ، والطور، والجودي ، يكون كل واحد منها يوم القيامة لؤلؤة بيضاء تضيء ما بين السماء
والأرض ، يرجعن إلى بيت المقدس حتى تجعل في زواياه ، ويضعُ ( الجبّارُ جلَّ جلاله(٥) عليها كرسيّه
حتى يُقضى بين أهل الجنة والنار ﴿وَتَرَى الْمَلَئِكَةَ حَآَفِينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمٌّ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ
وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾(٦) [ الزمر: ٧٥].
ومن طريق الوليد بن مسلم، حدثنا عمَّار بن أبي العالية ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم
أبي عبد الرحمن قال : أوحى الله إلى جبل قاسيون أن هَبْ ظلَّكَ وبركتكَ لجبل بيت المقدس ، قال :
ففعلَ ، فأوحى الله إليه : أما إذ فعلتَ فإني سأبني لي في حضنكَ بيتاً ؛ يعني مسجدَ دمشق ، أُعْبَدُ فيه بعد
(١) انظر تفسير الطبري (١٢ /٤٨) والقرطبي (٤٤/٩).
(٣) ذكره الشمس السيوطي في ((إتحاف الأخصًا بفضائل المسجد الأقصى)) (٢٢١/١) بلفظ: فالتين مسجد دمشق ،
(٢)
في أ : ذكر .
والزيتون طور زيتا مسجد بيت المقدس ، وطور سنين حيث كلّم الله تعالى موسى عليه السلام ، والبلد الأمين مكة .
وانظره في ((مختصر تاريخ دمشق)) لابن منظور (٢٥٥/١) عن يزيد بن ميسرة بلفظ ((أربعة أجبل مقدسة بين يدي
الله عز وجل : طور زيتا ، وطور سينا ، وطورتينا ، وطور تيمنانا . قال : فطور زيتا : بيت المقدس ، وطور
سينا : طور موسى، وطورتينا: مسجد دمشق، وطور تيمنانا: مكة)).
وحديث البهاء ابن عساكر عن أبي هريرة فيه عمرو بن بكر : ضعيف ، وخالد بن معدان يرسل عن الصحابة الكبار .
(٤) تهذيب تاريخ ابن عساكر: لابن منظور (٢٥٥/١) ولفظه: أقسم الله تعالى بمساجد أربعة: قال: ﴿وَاُلِّينِ﴾ وهو
مسجد دمشق ﴿ وَالزَُّونِ﴾ وهو مسجد بيت المقدس ﴿ وَطُورِ سِينِينَ﴾ وهو حيث كلَّم الله موسى ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾
وهو مكة .
(٥) سقط من ب واستدركته من مختصر تاريخ دمشق .
(٦) مختصر تاريخ دمشق (١/ ٢٨٧).