Indexed OCR Text

Pages 1-20

كِتَابٌ
الأَرْشِـ
في صَعِ فَةِ عَاءِ الْحَدِيثُ
(مِنْ تَحْرِئَةِ السِّلَفي)
لِحَافِظِ أبِيَعَلَى الْخَلَيْل بْعَدُاللَّهِبْأحْمَدُ
إبنُ الخَلِيْل الْخَلِيْلِالفَرُوْيِّنيّ
٣٦٧ - ٤٤٦ هـ
دِرَاسَة وَتَحِقِيقٍ، وَتخربِّج:
الدكتور محمَّسَعِيد بْن عَادِرِيْ
مكتبة الرشد
الريَاض

الباب الأول
دراسة عن الحافظ الخليلي وعصره
وتشتمل على ثلاثة فصول :
الفصل الأول :
دراسة عامة لعصر المؤلف .
الفصل الثاني :
دراسة تحليلة لحياة المؤلف .
الفصل الثالث :
حياة الحافظ السلفي .
5

الفصل الأول
دراسة عامة لعصر المؤلف
وفيه مبحثان :
المبحث الأول : الأحوال السياسية
المبحث الثاني : الأحوال الاقتصادية

....
.
.

المبحثُ الأولُ : الأحوالُ السياسيةُ :
شَهِدَ الحافِظُ الْخَلِيلِيَّ النَّصْفَ الثَّانِي مِنَ القرنِ الرابعِ الهِجْرِي ، والنّصْفَ
الأولَ مِنَ القرنِ الخامسِ الهجري .
وهو نِهَايَةُ العصرِ الذَّهَبِيِّ مِنْ عَصْرِ التاريخِ الإسلاميِ، وَبِدَايَةُ عَصْرِ
الفِتَنِ ، والقَلاقِل ، والضَّعْفِ .
فَقَدْ ضَعْفَتِ الخِلاَفَةُ العَبَّاسِيةُ فِي بَغْدَادَ ، وَكَانَ نتيجةٌ لِهَذَا الضَّعْفِ أَنْ
قامت عليها الثَّوراتُ، والحَرَكَاتُ ، هُنَا وهناكَ، واسَتَمْرَّ هَذا الضَّعْفُ بالتزايدِ
إلى أَنْ ظَهَرتْ دُوَيْلاتٌ فِي مُختَلفِ الإِمَاراتِ .
فَكانت قُوى القزْنَويين ، والسَّلاحِقَةُ تَتَحكَّمُ في المشرقِ ، ودولة البُويهيينَ
في العراقِ ، والفاطميِّين في مصر والشامِ.
ويمتدُّ نُفوذُهم أحياناً إلى الجزيرةِ الفُراتيةِ ، والشمالِ الأفريقي ، واليَمَنِ ،
والحِجازِ ، وَينْحصِرُ أحياناً إلى مِصْرَ فَقَطِ، تَبَعَاً لِقَوَّتِهِمْ، وَقَوَّةِ خصُومِهِمْ .
أما الخلفاءُ العباسيُّونَ فقد استَبدَّ البُوَيْهِيُّونَ بأُمورِ الدولةِ دُونَهُمْ، وحَصَرُوا
صَلَاحِيَاتِهِم فِي نطاقٍ ضَيِّقٍ ، بل شاركوهم حتى في بعض مظاهرِ الخلافةِ فكان
الأميرُ البُوئِهِيُّ هو الذي يَصْدرُ ((الأوامرَ)) وعلى الخليفةِ ((تَوْقِيعهَا)) لتَكتّسِبَ
((الشَّرْعيةَ)) أمام الرأي العام .!!!
وَلولا عُمْقُ جُذُورِ الخِلاَفةِ العباسيةِ ، وَوَلاَءُ النَّاسِ لَها ، لأسْبَابٍ تَتَّصِلُ
بالعقيدةِ الدينيةِ ، لما أَبْقَى الْبُويْهِيُّونَ على وجودِهَا حتى بالصورةِ الرمزية التي
كانت عليها .

٦
وكان نتيجةً لهذا الاسْتَبدَاد أَنْ عاشَتْ بَغدادُ أَسوأْ ظُروفٍ اقتصاديةٍ ،
واجتماعيةٍ (١).
وقد تعاقب على الخلافة في هذه الفترة من التاريخ ثلاثة من الخلفاء وهم :
الطائع لله ، والقادر بالله ، والقائم بأمر الله .
١ - أما الطائع الله فهو: الخليفة أبو بكر عبد الكريم بن المطيع الله الفضل بن
المقتدر جعفر بن المعتضد . العباسي ، البغدادي .
ولي الخلافة في ذي القعدة من سنة ثلاث وستين ومائتين سنة ٢٦٣هـ. إلى
سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة سنة ٣٩٣هـ . وكانت مدة خلافته ثلاثين
سنة (٢) .
٢ - أما القادر بالله فهو: الخليفة أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر جعفر
ابن المعتضد ، العباسي البغدادي .
ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة سنة ٣٣٦ هـ. وولي الخلافة سنة
إحدى وثمانين وثلاثمائة وله من العمر يومئذ أربع وأربعون سنة .
وبقي في الخلافة إلى سنة ٤٢٢هـ .
ومدة خلافته إحدى وأربعون سنة. وقد كان رجلاً عالماً ، صالحاً
قامعاً للبدعة ، كما وصفه الخطيب بقوله :
((كان من الدين ، وإدامة التهجد ، وكثرة الصدقات على صفة
(١) انظر البداية والنهاية ١١ / ١٨٤، وتجارب الأمم ١ / ٣٣٢.
(٢) انظر ترجمته: تاريخ بغداد ١١ / ٧٩، المنتظم ٧ / ٦٦ - ٦٨، ٢٢٤، الكامل لابن الأثير
٨ / ٦٣٧ وما بعدها. النبراس ص ١٢٤ - ١٢٧. سير أعلام النبلاء. ١٥ / ١٨ - ١٢٦، العبر
٣ / ٥٥ - ٥٦، تاريخ الخلفاء ص ٤٠٥ - ٤١١، شذارات الذهب ٣ / ١٤٣.

٧
اشتهرت عنه وصنف كتاباً في الأصول ، ذكر فيه فضل الصحابة ،
وإكفار مَنْ قال : بخلق القرآن .
وكان ذلك الكتاب يُقرأ في كل جمعة في حلقة أصحاب الحديث ،
ويحضره الناس))(١).
٣ - أما القائم بأمر الله : فهو الخليفة أبو جعفر عبد الله بن القادر بالله أحمد بن
إسحاق بن المقتدر جعفر العباسي ، البغدادي .
ولد سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة ٣٩١ هـ في منتصف شهر ذي القعدة ،
وأمه بدرالدجى الأرمنية ، وقيل قطر الندى .
تولى الخلافة بعد موت أبيه سنة ٤٢٢ هـ . وهو الذي لقبه بالقائم بأمر
الله وكان ورعاً ، ديناً ، زاهداً ، عالماً ، قوي اليقين بالله ، كثير الصدقة
والصبر، ولكنه كان ضعيفاً ، ليس بيده من الأمر شيء .
ومدة خلافته خمس وأربعون سنة ، إلى سنة ٤٦٧ هـ (٢).
تلك مجمل الأحوال السياسية التي كانت في عصر الحافظ الخليلي .
(١) انظر ترجمته: تاريخ بغداد ٤ / ٣٧ - ٣٨، المنتظم ٧ / ١٦٠ - ١٦٥ و٨ / ٦٠ - ٦١، الكامل
لابن الأثير ٩ / ٨٠ وما بعدها . النبراس ص ١٢٧ - ١٣٦.
الفخري: ص ٢٥٤، سير أعلام النبلاء ١٥ / ١٢٧ - ١٣٧، العبر ٣ / ١٤٨ الوافي بالوفيات
٦ / ٢٣٩ - ٢٤١، النجوم الزاهرة ٤ / ١٦٠ وما بعدها، تاريخ الخلفاء: ص ٤١١ - ٤١٧ ،
شذرات الذهب ٣ / ٢٢١ - ٢٢٣ .
(٢) انظر ترجمته: تاريخ بغداد ٩ / ٣٩٩ - ٤٠٤، المنتظم ٨ / ٥٧ وما بعدها الكامل ٩ / ٤١٧ وما
بعدها النبراس: ص ١٣٦ - ١٤٣. الفخري: ص ٢٥٤، البداية والنهاية ١٢ / ٣١ - ٣٢ و١١٠،
سير أعلام النبلاء ١٥ / ١٣٨ - ١٥١، العبر ٣ / ٢٦٤. تاريخ الخلفاء: ص ٤١٧ - ٤٢٣ . شذرات
الذهب ٣ / ٣٢٦ .

٨
المبحث الثاني : الأحوال الثقافية :
أما الأحوال الثقافية فقد كانت على العكس من ذلك ، فعلى الرغم من
الضعف والفوضى التي سادت الأحوال السياسية ، إلا أن الثقافة الإسلامية قد
انتشرت في هذا العصر انتشاراً يدعو إلى الإعجاب ، واتسعت اتساعاً كبيراً
بمؤازرة الأمراء والولاة .
وكثير من المؤرخين يعتبرون القرن الرابع الهجري هو العصر الذهبي
بالنسبة للثقافة الإسلامية .
فكانت بغداد تعتبر من أكبر المراكز العلمية ، وقد ارتفع شأنها بعد فترة
وجيزة من تأسيسها ، واستمرت تنجب أعلام المحدثين على مرِّ القرون .
فكان منها : أحمد بن حنبل (١) ، ويحيى بن معين (٢) في القرن الثالث.
وأبو بكر الآجري (٣)، وأبو الحسن الدارقطني (٤) في القرن الرابع،
(١) ستأتي ترجمته في الإرشاد برقم ٣٠٣ .
(٢) ستأتي ترجمته في الإرشاد برقم ٣٠١ .
(٣) هو الإمام الحافظ محمد بن الحسين بن عبد الله أبو بكر الآجري المتوفى سنة ٣٦٠ بمكة المكرمة .
انظر ترجمته: تاريخ بغداد ٢ / ٢٤٣، طبقات الحنابلة: ص ٣٣٢ - ٣٣٣، الأنساب ١ / ٩٤،
المنتظم ٧ / ٥٥، صفة الصفوة ٢ / ٢٦٥، تذكرة الحفاظ ٣ / ٩٣٦، العبر ٢ / ١٤٩، طبقات
الشافعية للسبكي ٣ / ١٤٩ .
وانظر مقدمتنا الوافية على كتابه ((تحريم الفرد والشطرنج والملاهي)، ص ٢٣ - ٣٨.
(٤) ستأتي ترجمته في الإرشاد برقم ٣٤٠.

والحافظ أبو بكر البرقاني (١)، وأبو القاسم الأزهري (٢) في القرن الخامس.
ومما ساعد على ازدهارها وجود المكتبات العامة ، والمدارس ، ومن
المكتبات الهامة التي كان الطلاب يرتادونها : دار علم الشريف الرضي المتوفى
سنة ٤٠٦ هـ (٢)، ودار العلم بالكَرْخ (٤) التي أنشأها الوزير البويهي سابور بن
أدرشير المتوفى سنة ٤١٦ هـ (٥) . فلما احترقت سنة ٤٤٧ هـ عند دخول السلاجقة
بغداد أوقف غرسي النعمة الصابىء المتوفى سنة ٤٨٠هـ مكتبة التي قيل إنها
ضمت ألف كتاب ، وقيل : أربعة آلاف مجلد .
أما المدارس : فقد عرفت بغداد المدارس الخاصة بالفقه ، أو علوم القرآن ،
أو الحديث منذ أواخر القرن الثالث الهجري ، وكانت هذه المدارس تتخذ من
المساجد مقراً لها .
(١) هو الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الشافعي المتوفى سنة ٤٢٥ هـ .
انظر ترجمته : تاريخ بغداد ٤ / ٣٧٣ ، الأنساب ٢ / ١٥٦ ، تذكرة الحفاظ ٣ / ١٠٧٤ ، العبر
٣ / ١٥٦، طبقات الشافعية للسبكي ٤ / ٤٧، البداية والنهاية ١٢ / ٣٦ طبقات الحفاظ
ص ٤١٨ .
(٢) هو أبو القاسم عبيد الله بن أحمد بن عثمان الأزهري الحجة المقرىء المتوفى سنة ٤٣٥ هـ .
انظر ترجمته : تاريخ بغداد ١٠ / ٣٨٥، العبر ٣ / ١٨٣، البداية والنهاية ١٢ / ٥١ ، غاية
النهاية ١ / ٤٨٥، النجوم الزاهرة ٥ / ٣٧ ، شذرات الذهب ٣ / ٢٥٥.
(٣) هو الشريف أبو الحسن محمد بن طاهر أبي أحمد الرضي الحُسَيْنِي البغدادي ، صاحب الأدب ،
والديوان . المتوفى سنة ٤٠٦ هـ .
انظر ترجمته في: يتية الدهر ٣ / ١٣١، تاريخ بغداد ٢ / ٢٤٦، المنتظم ٧ / ٢٧٩ ، وفيات
الأعيان ٤ / ٤١٤، البداية والنهاية ١٢ / ٣.
(٤) بفتح الكاف وسكون الراء وخاء معجمة. انظر معجم البلدان ٣ / ٥١٧ مادة ( كرخ ) ، مراصد
الاطلاع ٣ / ١١٥٥.
(٥) انظر ترجمته في يتيمة الدهر ٣ / ١٢٤، المنتظم ٨ / ٢٢، الكامل لابن الأثير ٩ / ٣٥٠، وفيات
الأعيان ٢ / ٣٥٤ ، البداية والنهاية ١٢ / ١٩.

١٠
وقد انتشرت مدارس المساجد في القرن الخامس الهجري ، وتقاسمتها
المذاهب الفقهية الثلاث : الحنفي ، والشافعي ، والحنبلي .
وتتميز هذه المدارس عن الحلقات العلمية التي كان العلماء يعقدونها حول
أساطين الجوامع بأنها أكثر تنظيماً ، واختصاصاً .
وقد بلغ عدد المدارس ببغداد نحو تسع عشرة مدرسة .
منها : خمس مدارس للحنفية ، وسبع مدارس للشافعية ، وسبع مدارس
للحنابلة .
فأما مدارس الحنفية : فهي مدرسة مسجد أبي عبد الله الجرجاني ، ومدرسة
أبي سعد السرخسي ، ومدرسة مسجد أبي بكر الخوارزمي ، ومدرسة مسجد
الصَّيْمَري .
ثم أنشأ أبو سعد المستوفي - الوكيل المالي لألب أرسلان السلطان
السلجوقي (١) - مدرسة أبي حنيفة سنة ٤٥٧هـ ، التي أصبحت أبرز المؤسسات
التعليمية عند الحنفية .
وقد ألحقت بها خزانة للكتب سنة ٤٥٩ هـ . وهي تشابه المدرسة النظامية
عند الشافعية في أهميتها ، وتنوع فنونها .
وأما المدارس الشافعية : فكان منها مدرسة مسجد عبد الله بن المبارك (٢)،
حيث كان يدرس فيها أبو حامد الإسفراييني ، ومدرسة مسجد ابن اللبان ،
ومدرسة أبي الطيب الطبري ، ومدرسة مسجد أبي إسحاق الشيرازي ، ومدرسة
(١) انظر ترجمته: في المنتظم ٨ / ٢٧٦، وفيات الأعيان ٥ / ٦٩، العبر ٣ / ٣٥٨ ، البداية والنهاية
١٢ / ١٠٦، النجوم الزاهرة ٥ / ٩٢ .
(٢) ستأتي ترجمته في الإرشاد برقم ٨٣٧ .

١١
أبي بكر الشاشي ، ثم المدرسة النظامية التي أسسها نظام الملك سنة ٤٥٧هـ ،
وألحقت بها خزانة كتب من مختلف العلوم سنة ٤٥٩هـ ، وكانت تدرس الفقه
الشافعي ، ويسيطر عليها الأشاعرة .
وأما مدارس الحنابلة فهي : مدرسة مسجد ابن أبي البقال المتوفى سنة ٤٤٠
هـ ، ومدرسة مسجد أبي يعلى القاضي الفراء ، ومدرسة مسجد ابن زيبيا ،
ومدرسة سكة الخرقي ، ومدرسة مسجد الشريف أبي جعفر ، ومدرسة درب
الديوان ، ومدرسة مسجد ابن القواس .
هذه هي المدارس التي كانت تَذْخَرُ بها مدينة بغداد في ذلك العصر .
وبرزت مدينة نيسابور كمركز هام من مراكز الحديث الشريف .
وقد وَصَفَها السخاوي بأنها ((دار السنة والعوالي)) (١) وذكر عدداً من أعلام
محدثيها ، وأشار إلى كثرة الرحلة إليها ، واستمرارها حتى اكتسحها المغول (٢).
وقد برزت في العلم منذ القرن الثالث الهجري ، حيث بلغ عدد علمائها
والواردين عليها ، الذين ترجم الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في تاريخه خلال
القرن الرابع نحو ( ١٣٧٥ ) عالماً (٢).
وأصبحت تنافس بغداد في كثيرٍ من العلوم ، وخاصة علم الحديث خلال
القرنين الرابع والخامس الهجري . بل إن نيسابور سبقت بغداد في إنشاء
المدارس الأولى في الإسلام ، حيث ذكرت المصادر أسماء بعضها :
وهي : مدرسة أبي بكر أحمد بن إسحاق الصبغي المتوفى سنة ٣٤٢هـ (٤)،
(١) أي الأسانيد العالية .
(٢) الإعلان بالتوبيخ للسخاوي ص ٦٦٦ .
(٣) انظر موارد الخطيب البغدادي للدكتور العمري ص ٢٤.
(٤) ستأتي ترجمته في الإرشاد برقم ٧٤٧ وانظر طبقات الشافعية للسبكي ٤ / ١٥٩.

١٢
المعروفة بدار السنة ، ومدرسة الدارمي ، وهي دار للحديث أنشأها أبو
إسحاق إبراهيم بن محمد الرئيس البسطامي الداري في الثلث الأول من القرن
الرابع الهجري (١) ، ومدرسة القطان ، وهي مدرسة للمالكية كان يدرس فيها
إبراهيم بن محمود بن حمزة الفقيه المالكي (٣) ، ومدرسة أبي الوليد النيسابوري
القرشي الأموي المتوفى سنة ٣٤٩هـ (٢) والمدرسة السعدية التي أنشأها الأمير نصر
ابن سبكتكين أخو السلطان محمود الغزنوي عندما كان والياً على نيسابور (٤)
- تولاها في حدود سنة ٣٨٩هـ (٥) - والمدرسة البيهقية التي أسست قبل سنة
٤٠٨هـ (٦)، ومدرسة محمد بن الحسن بن فورك سنة ٤٠٦ هـ (٧) ، ومدرسة أبي
إسحاق الإسفراييني المتوفى سنة ٤١٨هـ (٨)، ثم مدرسة أبي بكر أحمد بن محمد
البستي المتوفى سنة ٤٢٩هـ (٦) ، ومدرسة أبي سعد إسماعيل بن علي
الإستراباذي (١٠)، ومدرسة أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني المتوفى
سنة ٤٤٩هـ (١١) ، ومدرسة القشيريين التي درس فيها أبو القاسم القشيري المتوفى
(١) المستنصرية وأساتذتها لناجي معروف ص : ١٩.
(٢) المصدر السابق ص ٢٦ .
(٣) المستنصرية وأستاتذتها لناجي معروف ص ٢٦، وطبقات الشافعية ٣ / ٢٢٧ .
(٤) طبقات الشافعية للسبكي ٤ / ٣١٤ .
(٥) تاريخ الإسلام لحسن إبراهيم حسن ٣ / ٨٨ .
(٦) طبقات الشافعية للسبكي ٥ / ١٦٩، ٥ / ٣١٤ .
(٧) طبقات الشافعية للسبكي ٤ / ١٢٨ .
(٨) المصدر السابق ٤ / ٢٥٦ ، ٣١٤، والحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري لآدم متز
١/ ٣١٨ - ٣١٩.
(٩) طبقات الشافعية للسبكي ٤ / ٨٠ .
(١٠) المصدر السابق ٤ / ٣١٤.
(١١) المصدر السابق ٤ / ٢٩٠ - ٢٩٢.
:

١٣
سنة ٥٤٦هـ (١) ، والمدرسة النظامية التي أنشأها الوزير نظام الدين سنة
٤٥٧ (٢)، والمدرسة المشطبية التي درس فيها المبارك بن محمد الواسطي بن
السوادي المتوفى سنة ٤٩٢ هـ (٢).
وقد لعبت هذه المدارس دوراً كبيراً في تنشيط الحركة الفكرية إلى جانب
علم الحديث الشريف .
أما مَدِينةُ قَزْوِين فَكانتْ تُعَدُّ مِنْ مَشَاهير مُدُنِ الرَّي ، وَقَدِ افْتَتَحَهَا
المسلمونَ فيِ زَمَنِ الخليفةِ عُثَانَ بنَ عَفَانٍ رضي اللهُ عنه سنة ٢٤هـ، ثُمَّ جَعَلَهَا
وَالي الكوفَة على عَهْدِ الأَمويَّين سَعِيدُ بنُ العاصِ بْن أَميةَ نُقْطَةَ انطلاقٍ
عَسْكِرِيةٍ لِغَزْوِ بلادِ الدَّيْلِ وَغَيْرِهَا (٤).
وَاهْتَّ بِها المسلمونَ مُنْذُ افْتِتَاحِهَا لِمَوْقعِهَا الخطيرِ مِنْ بلادِ الشَّرقِ من
الناحية العسكرية ، والإداريةِ ، فقامَ الخليفةُ العَباسِيُّ الهادي بِبِنَاء مدينةٍ
مُلاَصِقَةٍ لَها عُرفَتْ بِمَدِينَةِ مُوسى .
وبَنَى بها الخليفةُ هارون الرشيدُ جَامِعاً ضَخْماً ، وكتب اسمَهُ على بَابهِ ،
وابتاعَ بها حوانِيتَ ، وَوَقَّفَها على مَصالِحِ المدينةِ ، وَعمارةِ سُورِها، وَرَفَعَ عَنْهُم
الخراجَ لِمَا يَقُومُ به أهلُها مِنْ جَاهَدةِ العدوّ، وَردّهِ عَنْ دِيَارِ المسلمين (٥) .
وَقَدْ أَصْحَ دَوْرُهَا يَتَعَاظَمُ مُنْذُ ذَلِكَ الوقتِ ، فَأُنشِئَتْ فِيهَا المَدَارِسُ
والمسَاجدُ، وَقَصَدهَا الطَّلاَّبُ مِنْ مُخْتلفِ البلادِ ، يَدُلُّ على ذلِكَ كثرة مَنْ
(١) طبقات الشافعية ٥ / ١٥٩، ٢٧٧ .
(٢) المصدر السابق ٥ / ١٠٧، ١٧١، ١٧٦، ٢٢٧، ٣٠٥.
(٣) المصدر السابق ٥ / ٣١١ .
(٤) انظر فتوح البلدان للبلاذري ٣١٧ - ٣٢١ .
(٥) انظر معجم البلدان لياقوت الحموي ٤ / ٨٨ .
فتوح البلدان للبلاذري ٣١٧ - ٣٢١ .

١٤
نُسِبَ إليها مِنَ العلماءِ الَذكُورِينَ فِي كُتُبِ التَّراجِم. بَحَيْثُ استطاعَ الرافِعِيُّ
المتوفى سنة ٦٢٣هـ أَنْ يُؤْلِّفَ كِتاباً ضَخْاً عَنْ فضائِلها، ومَنْ نُسِبَ إليها مِنَ
الأئمةِ الأعلامِ خِلال القرُونِ السَّابِقَةِ .
الخلاصةُ أن الأحوالَ الثقافيةَ في هَذا العَصْرِ قَدِ ازْدِهَرَتِ ازدِهَاراً كبيراً ،
وَتَقَدَّمَت فيه الدِّراسَاتُ الإِسْلاَمِيةُ في مُخْتَلَفِ الفُنُونِ .
وَقَدْ سَاعَدَ عَلَى هَذَا النَّقَدَّمِ الأُمورُ التالية :
١ - تَشْجِيعُ الأمراء، والولاةِ للحركةِ العلميةِ، والأدبيةِ؛ لأنَّ الإمَاراتِ
الإِسْلاميةِ ، كانَتْ تَتفاخَرُ فِيهَا بَيْنَها بِالعُلماءِ ، والأُدَاءِ .
٢ - الحُريَّةُ الفرديةُ التي كان يتمتعُ بها العلماءُ في ذلك العصرِ.
٣ - إتجاهُ العلماء إلى نَاحيةِ التَّخصَّصِ بِسَبب اتساعٍ تَنَوُّعِ الثَّقَافَاتِ .

الفصل الثاني
دراسة تحليلية للمؤلف
وتشتمل على مباحث :
المبحث الأول : اسمه وتاريخ ولادته .
المبحث الثاني : أسرته .
المبحث الثالث : نشأته .
المبحث الرابع : رحلته في طلب العلم .
المبحث الخامس : مكانته العلمية ، وأقوال العلماء فيه .
المبحث السادس : بعض المآخذ عليه .
المبحث السابع : شيوخه .
المبحث الثامن : تلامذته .
المبحث التاسع : آثاره العلمية ( مؤلفاته ) وفاته .

١٧
المبحثُ الأولُ : اسمه ، وتاريخ ولادته
هو الإمامُ الحافظُ القاضي ، أبو يعلى الخليلُ بنُ عبدِ اللهِ بن أحمدَ بن
إبراهيم بن الخليل الخليلي ، القزويني (١) .
أما تأريخُ ولادَتِهِ فَلَيْس لَدينَا ضبطٌ مُحدَّدٌ لتأريخ ولادَتِهِ ، وإن اتفَقُواْ
في تاريخٍ وَفَاتِهِ كَمَا سَنَّرى . إِذْ لم تُشِرْ جَميعُ المصادرِ التي ترجمتْ له إلا
لتاريخ وفاتِه ، ولكن الذهَيَّ أُشارَ إلى أنَّهُ عِنْدَ وَفَاتِهِ كَان مِنْ أَبناء
الثمانين (٢).
ويُمكِنُنَا أَن نُقدّرَ الفترةَ التي ولِدَ فيها استِنْتَاجاً مِنْ تاريخٍ وَفَاةٍ أول شيخٍ
أُدركَهُ ، وَسَمِعَ مِنْهُ .
فقد ذكر في ترجمة أبي القاسم عبدِ العزيز بن أحمدَ بنِ محمد بنِ عبد العزيز
ابن ماك، المتوفى سنة ٣٧٢ هـ: أنه أدركَهُ وهو صغيرٌ، ثم قال: ((وَقُرِيءَ لي
عليه وَرَقَتَانِ، وهو أُولُ مَنْ سَمِعْتُ مِنْهُ)) (٢).
وَنَفْهَمُ مِن هذا أنّه كان حيًّا قَبْلَ هَذَا التاريخِ ، وَأَنَّ عُمْرَهُ لاَ يَقِلُّ على
(١) مصادر ترجمته :
١ - الإكمالُ لابن ماكولا ٣ / ١٧٤.
٢ - التدوينُ خ ص ٤١٣ - ٤١٤ .
٣ - تذكرةُ الحفاظ ٣ / ١١٢٣ - ١١٢٤.
٤ - سير أعلام النبلاء ١٧ / ٦٦٦ - ٦٦٨.
٥ - اللبابُ ١ / ٣٨٤ .
٦ - دولُ الإسلام ١ / ٢٦٢.
(٢) انظر سير أعلام النبلاء ١٧ / ٦٦٧ .
(٣) انظر الإرشاد ، الجزء السابع رقم ٥٧٠ .
٧ - العبرُ ٣ / ٢١١ .
٨ - التقييد لمعرفة الرواة والسنن والأسانيد ١ / ٣١٩.
٩ - معجم البلدان ٤ / ٣٤٤ .
١٠ - مرآة الجنان ٣ / ٦٣ .
١١ - طبقات الحفاظ ص ٢٣١.
١٢ - شذرات الذهب ٣ / ٢٧٤ .
١٣ - الرسالة المستطرفة ١٣٠ - ١٣١.

١٨
أُقَلِّ تقديرٍ في ذلك التاريخ عن خَمْسِ سَنَواتٍ ، بِدَليلِ قَولِهِ: (( وَهُوَ أُولُ مَنْ
سمعتُ مِنْهُ)).
وهو العُمْرُ الذي حَدَّدَه أَكَثَرُ الْمُحدّثين في صحَّةٍ تَحمُّلِ السَّمَاعِ، مَعَ اعْتَبَارِ
التَّمْييز (١).
فإذا كان حياً قبل هذا التاريخ (٣٧٢ ) بِنَحْوِ خَمسِ سَنواتٍ ، وكانت
وفاتهُ سنة ٤٤٦هـ ، اتضح لنا أنه وُلِدَ سنة ٣٦٧هـ وأنه عاش ٧٩ عاماً، وبهذا
يوافق ما أشار إليه الذهبي ؛ إذ يَقْصدُ بقوله : مِنْ أَبناء الثمانين ، أنه تُوفيَ في
حدُودِهَا . والله أعلم .
المبحث الثاني : أسرته ، واهتمامها بالعلم :
تُعتبرُ أسرة الحافظ الخليلي مِنْ أهمّ العَوائلِ المشهورةِ بالعلومِ الإسلاميةِ لاَسِيما
الحديثِ الشريفِ .
ويبدُو أنها كانت تَتَميَّزُ بمكانةٍ عاليةٍ في قزوينَ .
وقد اتخذتْ هذه المدينةَ سَكَناً لها منذُ النّصفِ الأولِ مِن القرن الثالثِ
الهجري. وبالتحديد في سنة ٢٣٥ هـ. فَقدْ ذكر الخليلي في تَرْجِمةِ والد جدهِ أبي
إسحاق إبراهيم بن الخليل أنه ولد بالري ، وسمع محمد بن عاصم الرازي ، ومحمد
ابن عبد الله بن أبي جعفر، ثم حَمَلَهُ أبوه إلى مدينة قزوين سنة خمس
وثلاثين ومائتين فأقام بها إلى أن مات سنة ٣٠٥ هـ (٢).
وكَانَ جدَّهُ أبو عبد الله أحمدُ بنُ إبراهيم الخليلي أُحَدَ الأُثمةِ البارزين في
(١) انظر الباعث الحثيث ص ٦٠٨ .
(٢) انظر الجزء الثامن من الإرشاد رقم ٦٣٠، التدوين: ١ / ١٢١.

١٩
قزوين ، وقد تكرر اسمُهُ كثيراً في الإرشاد .
وسمع بقزوين مِنْ أبي عبد الله ابنِ مَاجه ، صاحبِ السُّننِ المشهورةِ ،
وَكَتبها بِيَدِهِ ، وسمعَ جماعةً آخرين . وتوفي سنة ٣٢٧هـ (١).
وعُمُّهُ محمدُ بنُ أحمد بن إبراهيم بن الخليل الخليلي أبو علي مَعْدودّ من الحفاظِ
الكبار ، سمع أباهُ ، ومحمدَ بنَ هارون بن الحجاج ، وعليّ بنَ الحجاج ، وعلي
ابنَ مهرويه ، وأبا الحسنِ القَطَّانِ ، وخَلْقاً بقزوينَ ، وبغدادَ ، وَهَمّذَانَ ،
والكوفةِ ، والبصرة، وتوفي وهو شابٌ سنة ٣٤٧هـ (٢).
وعَمَّه الآخرُ إبراهيمُ بنُ أحمد بن الخليل الخليلي ، كان عارفاً بهذا الشأنِ وعلْمِ
الفرائضِ ، سمع أباه ، وعليَّ بنَ مهرويه، وَعَدَداً مِنْ شيوخٍ قزوين . ومات
سنة ٣٦٨ هـ (٢).
أما والدُهُ عبدُ الله بن أحمد بن إبراهيم الخليلي فكان أحدَ الأعْلامِ البَارِزِينَ
بالعِلْمِ ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ في كتابهِ الشيءَ الكثيرَ (٤).
وأخوهُ إسماعيلُ بنُ عبد الله بن أحمد الخليلي كان عارفاً بهذا الشأن ،
حافظاً ، سمع أباهُ ، وأبا الفتحِ الراشدِ ، وأجازَ له الحاكم أبو عبد الله الحافظ ،
وَجَمَاعةٌ (٥).
(١) انظر الإرشاد الجزء الثامن رقم ٦٣١ ، التدوين خ ص ٤٧٠ .
(٢) انظر التدوين خ ص ٦٥٣ .
(٣) المصدر السابق خ ص ٤٨٦ .
(٤) انظر التدوين خ ص ٣ / ٥١٤ .
(٥) المصدر السابق خ ص ٣٩٩ .

٢٠
المبحثُ الثالث : نشأته :
لقد نشأ الحافظ الخليلي في بيت علم وصلاحٍ، وحُبِّبَ إليه هذا
الشأنُ ، وحُضُورُ مجالِسِ العلماء وهو صغيرٌ .
وقد تقدم أنهُ بدأ سَماعَ العِلْمِ في سنَّ مُبكَّرٍ عَنِ أُولِ شَيْخِ لَهُ ، وعمرُهُ لا
يتجاوزُ الخمسَ سَنَواتٍ .
ولا شك أنَّ نُضُوجَ الحَركَةِ العلميةِ في قَزْوينٍ كان لها الأثرُ الكبيرُ في
تَحْصيلهِ العِلْمي ، وخاصةً جَوَّ الأسرةِ التي عاشَ ، وترعْرَعَ فيها حَيْثُ
توجيهات وَالدِهِ، وجَدِّهِ ، وأعمامِهِ ، كلُّ ذَلِكَ قد مَكَّنَهُ مِنْ بلوغِهِ مكانةً
عاليةً ، وَجَعْلِهِ يُشَارُ إليه بالبَنَانِ .
المبحثُ الرابع : رِحْلَتُهُ فِي طَلَبِ العلْمِ :
لاَ شَكَّ أَنَّ لِلرَّحْلَةِ فِي طَلِب العلْمِ أثراً كبيراً في جَمْعِ عِلْمِ البُلْدانِ الْمُخْتَلِفَةِ
وامْتِزَاجِهَا فِي مَصْدَرٍ مُوحَّدٍ .
وَقَدْ كَانَتِ الرَّحْلَةُ مِنْ لوازم طريقَةِ الْمُحدّثِينَ ، ومَنْهَجِهِمْ في التَّحْصيلِ
العِلْمِي ، مُنْذُ أَنْ بَدأَتْ في حِيلِ الصّحابةِ (١).
وَقَدْ بَدَأُ الْخَلِيلِيَّ رِحْلَتَهُ فِي طَلبِ العِلْمِ مُنْذُ فَتْرةٍ مُبكِّرةٍ ، فَاتَّصَلَ
بنيسابورَ بعَالمَهَا ، ومُحدّثِهَا ، الحافظِ أبي عبد الله الحاكم النيسابوري ، ولازَمَهُ
مُدَّة ، وسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنَ العِلَلِ، وَأَفَادَ مِنْهُ إفَادَةٌ عُظْمى بِحَيثُ قَالَ في
تَرجمَتِهِ مِنْ كِتَابِ الإِرْشَادِ: ((لَمْ أَرَ أَوْفَى مِنْهُ)) (٢).
(١) انظر مقدمة الرحلة في طلب الحديث ص ١٨ - ٣١ . للدكتور نور الدين العتر.
(٢) انظر الإرشاد ص ٨٥١ .