Indexed OCR Text

Pages 41-60

من تعرّف إلى العلماء والأعيان ، وإنشاء علاقات ودية في بيئة ما تزال جديدة
عليه . وكان من أولى المحاولات التي قام بها ، زيارته للعز الاربلي ، أحد
أبناء بلده ، واسمه الحسن بن محمد بن أحمد بن نجا الغنوي ، وشعر بالحرج
من هذه الزيارة ، فان العزّ كان ما يزال يعدّه ذلك الفتى الناشىء الذي لم
يحرز تقدماً في العلم والمعرفة ، بينا كان ابن خلكان، قاضي قضاة الديار الشامية،
يرى نفسه في غير تلك المرآة ، ولهذا كانت هي الزيارة الوحيدة ، ولم يعد
بعدها للقائه إباء وصوناً للنفس عما يخدشها ١ .
ولم يكن من الممكن لابن خلكان أن يقوم بالتدريس في جميع المدارس
التي وكل أمرها إليه ، فنزل عن بعضها لبعض العلماء ، واعتمد في بعضها
الآخر على المعيدين ؛ وأول مدرسة تخلى عنها هي الركنية الملاصقة للفلكية ،
فقد نزل عنها لأبي شامة ، وفي ١٢ محرم ٦٦٠ ابتدأ أبو شامة بذكر الدرس
فيها من مختصر المزني ، وكان ابن خلكان من المستمعين إلى درسه ٢ . ويبدو
أن العلاقة بين أبي شامة وقاضي القضاة ظلت طيبة ، وأن قاضي القضاة
استطاع أن يكسب ثقة المؤرخ ، ولذلك نجد أبا شامة يلجأ إليه في شرح حادثة
الكمال خضر ابن أبي بكر الكردي بمصر، وهي حادثة أدت إلى شنقه٣، كما
أنه لم يحاول أن يغمز منه في تاريخه على عادته في حال الآخرين. كذلك عيّن
ابن خلكان بدر الدين المراغي المعروف بالطويل شارح طريقة العميدي معيداً
عنده في المدرسة العادلية السيفية ، وكفل له الاقامة بها ، ولكن مدته فيها لم
تطل إذا توفي سنة ٦٦٠ ٤ وفيه يقول أبو شامة: ((وكان قليل الدين تاركاً
١ ذيل مرآة الزمان ٢: ١٦٥؛ وقد توفي العز الاربلي سنة ٦٦٠ ( ذيل الروضتين : ٢١٦).
٢ ذيل الروضتين: ٢١٦، وعقد الجمان، الورقة : ١٣٧ وابن كثير ١٣ : ٢٣٥ ومخطوطة
برلين المذكورة والركنية نسبة إلى ركن الدين منكورس ( انظر الدارس ١ : ٢٥٣).
٣ ذيل الروضتين : ٢١٧ - ٢١٨ وخلاصة الحادثة أن الشهر زورية التفت على المذكور ،
وحاولت مبايعة خليفة من بني العباس كان مع خضر في السجن ، ثم توفي العباسي وخرج
خضر من السجن فسعى لاتمام الأمر لابنه .
٤ الوفيات ٤ : ٢٥٧ - ٢٥٨ ( الحاشية) .
41

للصلاة مغتبطاً بما كان فيه من معرفة الجدل والخلاف على اصطلاح المتأخرين ))١.
وجعل محيي الديوان النواوي نائباً عنه في المدرسة الناصرية فظلّ في وظيفته
حتى سنة ٢٦٦٩
ويهمنا من أحداث سنة ٦٦٠ حادثتان تتصلان اتصالاً جانبياً بابن خلكان :
أولاهما : عودة العساكر المصرية مع ما صحبها من عسكر الشام من غزوة
إلى انطاكية، ودخولهم دمشق في شعبان من ذلك العام٣ واحضارهم - مما
صادوه - أذن حمار وحش عرضوها على ابن خلكان فقرأ عليها رسم (( بهرام))
واستمدّ من ذلك فكرته - التي ربما كانت ممعنة في الخطأ - عن أن عمر
حمار الوحش قد يبلغ مقدار ثمانمائة سنة٤ . والحادثة الثانية هي وصول
العسكر المصري مرة أخرى من مصر في ذي القعدة وعلى مقدمتة عز الدين
الدمياطي، وقبضهم على نائب السلطنة بدمشق الحاج علاء الدين طيبرس الوزيري،
لأنه كان عسوفاً يمكن البدو من شراء الغلال فترتفع أسعارها محلياً ، ويخوّف
الناس بهجوم التتر . فيهربون من مواطنهم ، وتولية الأمير جمال الدين
أقوش المعروف بالنجيبي" الذي أسس مدرسة عرفت بالنجيبية لصق المدرسة
النورية ، ووقف عليها أوقافاً دارة ، وسيكون لهذه المدرسة علاقة بابن خلكان
في مرحلة تالية .
وفي السنة التالية (٦٦١ ) كان الظاهر في الكرك ، لأنه علم أنّ صاحبها
المغيث عمر بن العادل أبي بكر بن الكامل كان يراسل هولاكو ويحثه على
القدوم إلى دمشق مرة أخرى ، وقد أفى الفقهاء بقتله ، واستدعى الظاهر
ابن خلكان وعرض عليه تلك الفتاوى٦ .
١ ذيل الروضتين : ٢١٧ .
٢ الدارس ١ : ١٦١ ٠
٣ ذيل الروضتين : ٢١٩ .
٤ الوفيات ٦ : ٣٥٤ - ٣٥٥.
· ذيل الروضتين : ٢٢٠ - ٢٢١ ؛ وقد توفي النجيبي سنة ٦٧٧ وكان كثير الصدقة محباً
. العلماء (ابن كثير ١٣: ٢٨١ والدارس ١ : ٤٦٨).
٦ ابن كثير ١٣ : ٢٣٨ ومخطوطة برلين.
42

وخلا منصب التدريس بدار الحديث في أواخر جمادى الآخرة ( ٦٦٢ )
اذ توفي المدرس بها جمال الدين ابن الحرستاني ، وصلّى عليه قاضي القضاة
بمجامع دمشق ، ثم عين أبو شامة خلفاً له ، وحين بدأ بذكر الدرس فيها من
تصنيفه خطبة كتاب المبعث ، والحديث والكلام على سنده وفنّه ، كان
إبن خلکان أحد حضور ذلك الدرس١ .
وفي سنة ٦٦٣ كانت احدى غزوات الظاهر الكثيرة ضد قلاع الصليبيين
في بلاد الشام ، وقد وجه همّه في ذلك العام للاستيلاء على قيسارية، فاستولى
عليها في جمادى الأولى ، ثم استولى على أرسوف في رجب، وكانت القاعدة
المتبعة إرسال كتب البشائر إثر كل فتح ، وقد ورد عليه كتاب البشارة
يفتح أرسوف من إنشاء فتح الدين عبد الله بن القيسراني مفتتحه كالآتي :
((جدد اللّه البشائر الواردة على المجلس السامي القضائي وسرّه بما أسمعه،
وأبطل ببركته كيد العدوّ ودفعه ، وجاء بها سبب الخير وجمعه، ولا زالت
التهاني إليه واردة، والمسرّات عليه وافدة، ونعم الله وبركاته لديه متزايدة))
ثم وصف للفتح ، وتوجيه لابن خلكان كي يحدث بهذا النصر الفقهاء والعدول،
ويكاتب نوابه بخبره ، وينشره بين الناس ، ويدعو للملك باطراد النصر٢.
وبعد الانتصار في أرسوف استدعى الملك الظاهر قاضي القضاة وجماعة
العدول ووكيل بيت المال وجماعة من الفقهاء والأئمة ، لكي يشهدوا تمليك
الأمراء ما وزعه عليهم من الاقطاعات؛ وحضر ابن خلكان إلى غزة وكتب
مكتوباً خاصاً بالتمليك ، وهذا بعض نصه ليكون فيه دلالة على أسلوب
ابن خلكان الانشائي: ((أما بعد ... فان خير النعمة نعمة وردت بعد الياس ،
وجاءت بعد توحشها وهي حسنة الايناس ، وأقبلت على فترة من تخاذل
الملوك وتهاون الناس ، وقرعت أبواب الجهاد وقد غلقت في الوجوه ، وأنطقت
ألسنة المنابر وشفاه المحابر بالبشائر التي ما اعتقد أحد أن بها تفوه ، فأكرم
بها نعمة على الإسلام وصلت للملة المحمدية أسباباً ، وفتحت للفتوحات أبواباً ،
١ ذيل الروضتين: ٢٢٩ وابن كثير ١٣: ٢٤٢ والدارس ١ : ٢٣.
٢ ذيل مرآة الزمان ٢ : ٢١٩ - ٣٢٠.
43

وهزمت من التتار والفرنج العدوين ، ورابطت من الملح الأجاج والعذب
الفرات بالبرين والبحرين ... )) وهي رسالة طويلة ، لا يختلف أسلوبها
المسجوع عما درج عليه كتاب ذلك العصر . وبعد أن قرىء هذا الكتاب
على السلطان ، كتب أيضاً كتاب التمليك الشرعي لكل أمير ، وفرقت النسخ
على الأمراء ، وأحسن الظاهر إلى ابن خلكان وخلع عليه١
وأجرى الملك الظاهر في هذه السنة بعد عودته إلى القاهرة أول تغيير
جذري في نظام قضاء القضاة . فقد كان قاضي القضاة بمصر - كما كان
في ديار الشام حتى ذي الحجة من هذا العام - شافعي المذهب ، وصادف أن
كان صاحب هذا المنصب بمصر وهو ابن بنت الأعز يتوقف كثيراً في أمور
تخالف مذهب الشافعيّ ، فأصدر الملك الظاهر أمراً بتعيين ثلاثة قضاة آخرين
مستقلين في الحكم ، يمثلون المذاهب السنية الثلاثة الأخرى٢ ؛ ولكن هذا
القرار لم يجر تنفيذه في ديار الشام إلا في السنة التالية (٦٦٤ ). ففي شهر جمادى
منها وصل المرسوم الشريف الظاهري بأن يكون في دمشق أربعة قضاة ،
ووصلت ثلاثة تقاليد لشمس الدين محمد بن عطاء الحنفي والزين عبد السلام
الزواوي المالكي وشمس الدين عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر الحنبلي ،
ولكل واحد منهم الحق في تعيين نائب أو عدد من النواب ، فأبى المالكي
أن يقبل ، ووافق الحنبلي إلا أنه اعتذر بالعجز ، وقبل الحنفي ، إذ كان
في حقيقة الحال نائباً لابن خلكان . غير أن الظاهر عاد يؤكد على المالكي
والحنبلي بضرورة القبول ، وإلا انتزع ما بأيديهما من الأوقاف ، فأجابا ،
وفي اليوم التالي أشهد المالكي على نفسه بأنه عزل نفسه عن القضاء والأوقاف ،
وتجدد الأمر بالزامه ، فقبل أخيراً إلا أنه ظلّ هو والحنبلي ممتنعين من أخذ
١ كنز الدرر ٨ : ١٠٨ - ١١٤ .
٢ ابن كثير ١٣: ٢٤٥ وذيل مرآة الزمان ٢: ٣٢٤ وهو يعلل ذلك بأن ابن بنت الأعز
توقف في تنفيذ الأحكام وكثرت الشكاوى منه ، وكان جمال الدين ايدغدي يكرهه ، فأشار
باستحداث ثلاثة مناصب أخرى ، وهذا ايدغدي هو الذي أشار من قبل بتولية ابن خلكان .
44

٠٫٠٠٠٠
الجامكية ( أي المرتب ) وقالا : نحن في كفاية ، فأعفيا منها ١ .
وهكذا اجتمع في دمشق على القضاء ((ثلاثة )) شموس : شمس الدين
- عبد الرحمن الحنبلي وشمس الدين محمد بن عطاء الحنفي وشمس الدين ابن
خلكان ، وحدث أن عين ابن خلكان له نائباً لقبه شمس الدين أيضاً ، فأثار
ذلك بعض الظرفاء إلى التهكم من كثرة تلك الشموس ، بينما يعيش الناس
في ظلام :
أهل دمشق استرابوا من كثرة الحكام
وحالهم في ظلام
إذ هم جميعاً شموسٌ
وقيل غير ذلك أيضاً ٢ ؛ ويبدو أن روح الفكاهة هنا قد جارت على
الحقيقة، على الأقل بالنسبة إلى ابن خلكان ، فلم يذكر أحدٌ أنه كان سبباً
في ظلم أو ظلام طوال توليه القضاء بدمشق . ولا ندري كيف استقبل ابن
خلكان هذا التنظيم الجديد الذي قلّص من ظلال وظيفته وأنقص من أطرافها
كثيراً ، ولعله ارتاح إلى الوضع الجديد الذي كفل له إزاحة مسئوليات كثيرة
كانت تثقل كاهله ، وتجعل نشاطه موزعاً في مجالات مختلفة .
وفي عام ٦٦٤ حقق الظاهر انتصارات كثيرة وخاصة أخذه لصفد، فوصل
إلى ابن خلكان كتاب من إنشاء كمال الدين أحمد بن العجمي يتحدث عن
تلك الانتصارات : وستتوالى هذه الانتصارات سنة ٦٦٦ ثم سنة ٦٦٩ وفي
كل مرة كان ابن خلكان يتلقى كتاب بشارة بما تمّ من إنجازات ٣ ، الغرض
١ ذيل الروضتين: ٢٣٥ - ٢٣٦ وعقد الجمان ( نقلا عنه): ١٤٩ وابن كثير ١٣ : ٢٤٦
ومخطوطة برلين المذكورة والدارس ٢: ١١ ( نقلا عن ابن كثير ) : والمنهل الصافي ،
والصفدي ٧ : ٣٠٩ .
٢ ذيل الروضتين : ٢٣٦ وانظر الصفدي ٧ : ٣٠٩.
٣ ذيل مرآة الزمان ٢: ٣٣٨، ٣٤٣؛ ٣٧٥ بعد أخذ يافا والرسالة من انشاء القاضي محيي
الدين ابن عبد الظاهر ؛ ٣٧٧ على أثر فتح الشقيف من انشاء ابن العجمي ؛ ٣٨٢ إثر
فتح انطاكية من انشاء ابن عبد الظاهر ، وهذه كلها سنة ٦٦٦ ؛ أما أحداث ٦٦٩ فهي
الاستيلاء على حصن الأكراد ٢: ٤٤٥ وحصن عكار ٢: ٤٤٨ .
٤ - ٧ ٠
45

منه تعميم النبأ بين الناس .
ومن الصعب أن نحصر نواحي النشاط الذي كان يقوم به ابن خلّكان
أثناء هذه الفترة الشامية التي امتدت عشر سنوات كاملة : ولكن لا ريب
في أن منصبه قد وصله بفئات متنوعة من الناس ، فيهم العالم والأديب وفيهم
- إلى جانب النواب والعدول - كثير من أبناء الفئات الشعبية . وكان حس
المؤرخ لديه يدفعه إلى توثيق علاقته باناس يستطيع أن يجد لديهم الأخبار
والتجارب ، وذلك كان شأنه منذ أن كان نائباً في القضاء بالقاهرة ، فهؤلاء
كانوا يمثلون لديه مصادره السماعية أو الشفوية . فمن معارفه من هذا القبيل
محاسن بن الصوري (- ٦٦٣) عريف سوق الكتب بالقاهرة ( ولا ريب في
أن ابن خلكان كان ذا علاقة وثيقة بالوراقين ودلالي الكتب ) ؛ ولقد لقيه
مرة في الايوان الكبير بدار الوزارة عند البادرائي رسول الديوان فأخبره أنه
دخل تلك الدار ( دار الوزارة ) في أيام شاور ورأى شاور جالساً في صدر
ذلك الایوان١ . وفي دمشق كان ابن خلکان يقبل على مجلس ابن اسفنديار
الواعظ (- ٦٧٦) وكان يحكي له الحكاية ثم يعيدها فيتمنى ابن خلكان
أن لا يفرغ من حكايته وتنميقه٢ . وكان كثيراً ما يجلس إلى أكبر تجار
دمشق الوجيه ابن سويد التكريتي (- ٦٣٠) ويستمع إلى أقاصيصه - فقد
كان من المعمرين - ؛ وقد بلغ من منزلة الوجيه هذا أن متاجره لم يكن يتعرض
لها متعرض وان كتبه كانت نافذة عند ملوك الأطراف وملوك الفرنج بالساحل،
وكان أثيراً لدى الملك الظاهر ، كما كان كثير المكارمة للأمراء والوزراء
وأرباب الدولة يهاديهمٌ ويقضي حوائجهم٣ وقد كان ابن سويد صديقاً لابن
خلكان ، وكان يعتمد على هذه الصداقة في قضاء بعض أعماله ، ومرة
رأى ابن خلكان فيما يريده صديقه تجاوزاً لمبدأ العدالة لديه فاعتذر، فقال له
١ ذيل الروضتين : ٢٣٤ .
٢ الدارس ٢ : ١٦٩ .
٣ أنظر تفصيلات أخرى عن ابن سويد في ذيل مرآة الزمان ٢: ٤٨٧ - ٤٨٩، والمؤلف
يقص عنه حكاية في الوفيات ٦ : ٢٤٧ .
-
46
۔

ابن سويد : ما يكون الصاحب صاحباً حتى يعرق جبينه مع صاحبه في جهنم
فأجابه ابن خلكان : بلى يا وجيه الدين صرنا معك قشلمشاً وما ترضى١ .
وکان شمس الدين قزا أوغلي من معارفه بدمشق ، وقد حدثه عن
الاختلاف في تاريخ ولادته بين ما ذكرته أمه وما ذكره خاله ، وهذه الصلة
كانت فاتحة لإفادته من كتابه ((مرآة الزمان))٢.
ولم تلهه مهماته الكثيرة عن ممارسة بعض أنواع ((الرياضة الأدبية))،
فقد كان ابن خلكان - خضوعاً للروح السائدة في عصره - مغرماً بالألغاز،
ولهذا نجد الرسائل تدور بينه وبين صديقه ابن عدلان الموصلي (٦٦٦) القاطن
بالقاهرة في هذا الأمر٣ . شيء واحد فقط حالت المهمات دون انجازه .
وذلك هو تكملة التاریخ الذي بدأه ، ولکنه مع ذلك لم يكفّ عن اقتناء الكتب
والاطلاع على ما يجده منها في ديار الشام ، واستخراج المادة التي تنفعه من
بعد إذا سمحت الظروف بانجاز مشروعاته التأليفية . ولهذا فانه حين عزل
عن القضاء سنة ٦٦٩ وجد الفرصة سانحة لاستئناف العمل في التأليف .
لماذا عزل ابن خلكان عن القضاء ؟ في ١٥ شوال سنة ٦٦٩ دخل الظاهر
بيبرس إلى دمشق وعزل القاضي ابن خلكان ، فسافر ابن خلكان إلى الديار
المصرية في شهر ذي القعدة ٤ . وليس في المصادر أية إشارة إلى أن هذا العزل
كان ناجماً عن أية تهمة واضحة وجهت إليه ، مما يمسّ عدالته أو دقته في
أداء واجبه . كل ما تذكره المصادر أنّ بهاء الدين ابن حنا وزير الظاهر هو
الذي سعى في أن يولّ عز الدين ابن الصائغ القضاء ، وأقنع الظاهر بذلك ،
فكتب تقليده وهو بظاهر طرابلس قبل أن يصل إلى دمشق ٥ . ويبدو أن
١ الصفدي ٧ : ٣١٠ - ٣١١.
٢ ذيل مرآة الزمان ١ : ٤٢ .
٣ انظر صورة من هذه المراسلة في ذيل مرآة الزمان ٢: ٢٩٣٠٣٩٢.
٤ عقود الجمان: ١٦١ (ومخطوطة برلين المذكورة) وابن كثير ١٣ : ٢٥٩ وذيل مرآة
الزمان ٢: ٤٥٢ .
• المصادر السابقة .
47

بهاء الدين لم يكن يرتاح كثيراً لابن خلكان ويعزى ذلك إلى صلة ابن خلكان
بالأمير أحمد بن حجي ، فقد كان هذا الأمير ينتسب إلى البرامكة وإذا
حضر إلى دمشق ذهب لزيارة ابن خلكان وقال له أنت ابن عمي ، فيضيفه
ابن خلكان ويكرمه ، وكان ابن حجي يثني عليه عند الظاهر ، فاغتاظ من
ذلك الصاحب بهاء الدين وعمل على عزله وذمّه عند الظاهر١. وسنرى من
بعد كيف تعمد اذلاله وإهماله . وقد ذكر ابن حجر أن موسى بن أحمد
ابن خلكان كان فيما يقال سيء السيرة وأن والده كان يطيعه وأنه كان السبب
لذلك في عزل أبيه ، حتى قال فيه ابن ظهيرة :
حكم في لحيته موسی ٢
و کیف یوتی رشده حاکم
ولكن إن كان شيء من ذلك صحيحاً فانه يتصل بالعزل الثاني لا بهذا
العزل الذي وقع سنة ٦٦٩ ، ذلك لأن موسى في هذه الحادثة لم يكن يتجاوز
الثامنة عشرة ، ولم يكن قد طمح بعد إلى منافسة الآخرين في بعض المناصب ،
بحيث تثور بسبب تصرفاته الحفائظ وينسب إليه سوء السلوك .
وحين عاد ابن خلكان إلى القاهرة معزولاً ، أخذ يبحث عن مصدر
للرزق ، فيقال انه وجد منصباً تدريسياً في المدرسة الفخرية ٣ ، ولكن ربما
لم يستطع الحصول على هذا المنصب في أول عودته ، أو انه كان منصباً قليل
العائدة، إذ نجده في القاهرة يعاني ضائقة مادية شديدة ، وهو صابرٌ،وحینعرف
بدر الدينبیلیك الخازندار بما يعانيه أمر له بألفي درهم ومائة إردب قمح فأبى من
قبولها٤ ؛ وزاد جفاء الصاحب بهاء الدين ابن حنا له في تلك الأيام ، وسبب
ذلك فيما يقال أن ابن خلكان عمل للملك الظاهر نسباً ألحقه فيه بجنكزخان ،
١ عيون التواريخ ، الورقة : ١٢٧ .
٢ الدرر الكامنة ٥ : ١٤٣ .
٣ الوفيات ، مقدمة الترجمة الانجليزية ٤: xiii وهذه المدرسة كانت فيما بين سويقة الصاحب
ودرب العداس ، عمرها الأمير الكبير فخر الدين أبو الفتح عثمان بن قزل البارومي
أستادار الملك الكامل محمد بن العادل ( الخطط ٢ : ٣٦٧).
٤ الصفدي ٧ : ٣١١ والمنهل الصافي .
48

فلما وقف عليه الظاهر قال : هذا يصلح أن يكون وزيراً ، اطلبوه . فخشي
الصاحب على نفسه ، وسعى إلى أن أبطل القضية وجعل السلطان يتناساها ١ ؛
وتزيد هذه الرواية شيئاً ربما لم يتفق مع خلق ابن خلكان ونفسيته إذ تنسب
إليه أنه كان كل يوم يركب ويقف بباب القرافة ، ويمشي قدام الصاحب
إلى أن يوصله إلى بيته٢ ؛ وتصوّر مقدار ما بلغته حاله من الفقر بأنه لم يبق
له غير البغلة يركبها وأن عبداً له كان يعمل ويطعمه من كسب يده٣.
ولكن ابن خلكان قضى في القاهرة - بعد العزل - ما لا يقلّ عن سبع سنوات،
وربما كانت هذه الرواية إنما تصوّر حاله في آخر تلك الفترة ، إذ تجعل هذا
الفقر سبباً في إعادته إلى القضاء مرة أخرى ، وعاملاً في اثارة عطف الصاحب
بهاء الدين عليه ؛ ورغم ما قاساه ابن خلكان في هذه الفترة من ضائقة مادية
مضى في اكمال كتابه ، وقراءة كتب جديدة يستمد منها المعلومات والفوائد .
ولما عاد إلى القضاء بدمشق سنة ٦٧٧ كان قد انتهى من تدوين أكثر ما كان
قد أرجأه بسبب زحمة العمل في شئون القضاء .
كتب تقليد لابن خلكان بقضاء دمشق وأعمالها من العريش إلى سلمية ،
على مثل حاله السابق ، في ذي الحجة سنة ٦٧٦ ، وحضر عند السلطان الملك
السعيد (إذا كان الظاهر والده قد توفي ) لابساً للخلعة . وفي السابع والعشرين
من الشهر المذكور توجه إلى دمشق ، فدخلها في ٢٣ محرم سنة ٦٧٧ ؛ وكانت
الأخبار بتوليه القضاء قد وصلت إلى دمشق فامتنع ابن الصائغ عن مباشرة
أعماله ؛ ولم تستطع السنوات السبع أن تنسي أهلها قاضيهم المحبوب ، فخرج
الناس لتلقيه ، حتى وصل بعضهم إلى غزة وبعضهم إلى الرملة ، وآخرون
إلى قطيا ، وكان يوم دخوله مشهوداً ، لم ير ما يشبهه في الاحتفال والزحمة ،
وركب نائب السلطنة عز الدين أيدمر بجميع العسكر لتلقيه ، وتوجه حال
دخوله إلى المدرسة العادلية ، فجلس فيها ، وتوافد الشعراء يهنئونه ، وتبارى
القراء في القراءة ، وألمح كثير من الشعراء إلى أن السنوات السبع كانت
١ الصفدي ٧ : ٣١١ .
٢ المصدر نفسه .
٣ المصدر نفسه .
49

مثل سني يوسف ، عجافاً ، وأن بعد السبع يجيء عام الغوث الذي حلّ عليهم
بقدوم ابن خلكان١ .
وفي سابع عشر صفر افتتحت المدرسة الظاهرية التي أنشأها الملك السعيد
باسم أبيه ، في موضع دار العقيقي ، ولم تكن المدرسة قد كملت بعد ،
وحضر الدرس نائب السلطنة عز الدين ايدمر وبقية القضاة والأعيان، وكانت
المدرسة وقفاً على أصحاب الشافعية والحنفية ، وكان مدرس الشافعية رشيد
الدين اسماعيل الفارقي صديق المؤلف وذو المدائح الكثيرة فيه ، وقد حضر
قاضي القضاة درسه ومعه ابنه موسى ، أما مدرس الحنفية فكان صدر الدين
سليمان الحنفي بعد استعفائه من قضاء القضاة بمصر٢ ، وفي ذي القعدة فتحت
المدرسة النجيبية ، ودرس فيها ابن خلكان أيضاً ثم نزل عنها لابنه كمال الدين
موسى ، وفتحت الخانقاه النجيبية ، وكان صاحب المدرسة والخانقاه ، قد
جعل النظر في أوقافهما إلى ابن خلكان٣ ، وكذلك فعل في سائر ما أوقفه٤ .
وكانت أول رسالة وردت عليه من مصر بعد توليه القضاء هذه المرة ،
رسالة بانشاء تاج الدين ابن الأثير الحلبي تبشر بوفاء النيل (سنة ٦٧٧ ) وفيها
يقول : لا زالت أيامه مستفتحة بالهناء وسعادة الآناء وإشادة الثناء ، إذ كان
أمل غيره من دهره إشادة البناء. وكلمة ((غيره)) هنا تشير فيما يبدو إلى القاضي
الذي كان قبله ، وهو ابن الصائغ ، إذ كان يكثر من القول في مجالسه
١ عيون التواريخ، الورقة ٦٠،٤٦ ومخطوطة كوبريللي (رقم ١١٢١) الورقة: ٨٤ والصفدي
٧ : ٣٠٩ - ٣١٠، وإنباء الأمراء، الورقة: ٣٥ والمنهل الصافي؛ وعقود الجمان
الورقة : ١٧٧ ومخطوطة برلين المذكورة ، الورقة : ٤٤٦ وابن كثير ١٣ : ٢٧٩ -
٢٨٠ .
٢ عقد الجمان، الورقة: ١٧٧ ومخطوطة برلين الورقة ٤٤٦ وابن كثير ١٣: ٢٨٠
والوفيات ٤ : ١٥٦ - ١٥٧ (المتن والحاشية)؛ وقد انفرد المؤلف بقوله ان افتتاحها
كان في ١٧ صفر أما المصادر الأخرى فذكرت أن ذلك كان في ثالث صفر ، والمؤلف
أدرى بذلك لأنه شهد افتتاحها بنفسه .
٣ المصادر السابقة نفسها .
٤ مخطوطة برلين ، الورقة : ٤٤٧ .
50

((عمرت في الأوقاف كذا وبنيت للأيتام كذا))؛ وقد أشار إلى هذا التعريض
ابنه موسى١ .
وقضى ابن خلكان في منصبه الجديد قرابة ثلاث سنوات وهو يصرّف
الأمور دون منغصات ، إلى أن حدثت فتنة سنقر الأشقر ، وخلاصتها أن
سنقر الأشقر تولى نيابة السلطنة بدمشق بعد عزالدين أيدمر الظاهري ، ثم
ادعى لنفسه الاستقلال بالسلطنة ، وتلقب بالملك الكامل وحلف له القضاة
والأعيان ، وكان الذي شجعه على ذلك اضطراب الأمور في مصر حول
الملك السعيد وخلعه من السلطنة وتولية أخيه الملك العادل سلامش ، وعمره
يومئذ سبع سنوات ، ثم عزله ومبايعة المنصور قلاوون الصالحي ، فلم برض
ذلك سنقر الأشقر وأراد الاستقلال بالسلطنة ، وأرسل إليه المنصور قلاوون
يقبح فعله وأن ذلك يفرق الكلمة ويوهن الأمة ، فلم يصغ له . وعندئذ
أرسل إليه المنصور جيشاً بقيادة علم الدين سنجر الحلبي ، فكانت الهزيمة
على سنقر الأشقر٢ .
ويبدو أن ابن خلكان كان في من بايع سنقر الأشقر٣ ، ولذلك فانه
ما كاد يدخل على سنجر الحلبي ليسلم عليه - حين استقر ركابه بدمشق -
حتى قبض عليه واعتقله في علو الخانقاه النجيبية (٢٠ صفر ٦٧٩ ) واستدعى
القاضي السابق ابن سني الدولة من حلب وعهد إليه بالقضاء بدلاً عنه؛ .
وألح سنجر الحلبي على ابن خلكان بأن يخلي المدرسة العادلية ، كي يسكنها
ابن سني الدولة ، فاستدعى ابن خلكان جمّالاً لينقل امتعته إلى جبل الصالحية ،
وبينما كان نقل الأمتعة يجري ، وصلت رسالة من الملك المنصور قلاوون
تتضمن عفواً عن كل من اشترك في فتنة سنقر الأشقر . وجلس سنجر الحلبي
١ الوفيات جـ ٥ : ٣٩٥ - ٣٩٦ ( الحاشية).
٢ ابن كثير ١٣ : ٢٨٨ - ٢٩١ وعقد الجمان، الورقة ١٧٨ وما بعدها، وعيون التواريخ
الورقة ٨٩ .
٣ في كنز الدرر ٨: ٢٣٨ أنه افى بقتال العساكر المصرية.
؛ ابن كثير ١٣ : ٢٩١ وعقد الجمان، الورقة : ١٨٤.
5I

في دهليز بالميدان الأخضر وحضر عنده الأمراء والأعيان من عسكر مصر
والشام وأعيان الناس ، وأخذ يقرأ عليهم كتاب المنصور ، وبعد التهنئة بالظفر
والعتب على من اشترك في تلك الحادثة ورد ذكر العفو العام وفيه مما يخص"
ابن خلكان: « وغير خاف ما يتعين من حق المجلس السامي القضائي شمس
الدين أحمد ابن خلكان ، أعزه الله تعالى ، وقديم صحبته بنا وخدمته علينا
وأنه من بقايا الدولة الصالحية ، سقى الله عهدها ، وقد رسمنا باعادته إلى
ما كان عليه من قضاء القضاة بالشام، وبسطنا يديه في النقض والابرام)) ١.
ومع الرسالة خلعة سنية لابن خلكان ، فركب القاضي من ساعته إلى حيث
كان الأمراء مجتمعين وسلم عليهم ، ثم نزل وباشر الأحكام ، وأحضرت
له خلعة التشريف فلبسها وصلّى بها الجمعة ، وكتب إلى الملك المنصور
رسالة يدعو له فيها ويتتصل مما نسب إليه ويعتذر ، فجاءه جواب الملك
المنصور بالشكر وقبول العذر ، وبعد مدة أضيف له قضاء منطقة حلب
وأعمالها وأذن له أن يستنيب فيها من يختاره٢ ؛ ولا ريب في أن الناس ابتهجوا
بالعفو العام الذي شمل كثيراً منهم ، ولكن الكثيرين ابتهجوا أيضاً لأن
قاضيهم المحبوب كان ممن شملهم ذلك العفو٣.
ولكن يبدو أن تصرف الملك المنصور لم يكن إلا تهدئة للحال ، واسترضاء
للخواطر ، وإلا فانه لم يمر أكثر من شهر ونصف على اضافة منطقة حلب
إلى ابن خلكان حتى جاءه كتاب العزل عن القضاء (٢٨ محرم سنة ٦٨٠ )
وتولية عز الدين ابن الصائغ ٤ ؛ ولا تذكر المصادر شيئاً عن سبب هذا العزل ،
سوى ما يمكن أن يقال عن تأثير ابنه موسى عليه ، مما ألمعت إليه من قبل ؛
١ عيون التواريخ، الورقة ٨٩ - ٩٠ (ونسخة كوبريللي ، الورقة : ١٢٢) وباختصار
في ابن كثير ١٣ : ٢٩١ وعقد الجمان : ١٨٥.
٢ عيون التواريخ: ٩٠، ٩٢ (ونسخة كوبر يللي، الورقة: ١٢٥) وانظر عقد الجمان :
١٨٦ ومخطوطة برلين : ٤٤٩.
٣ ابن كثير ١٣ : ٢٩١ .
٤ عيون التواريخ: ١٠١ وعقد الجمان: ١٨٧ ومخطوطة برلين: ٤٤٩ وابن كثير ١٣ :
٢٩٣ .
52

وكان معنى هذا العزل أنه أيضاً ينحى عن التدريس في المدارس التي كان
يتسلمها في العادة ، وانقطع بالمدرسة النجيبية التي كان يدرس فيها ابنه
موسى ، وبقي له مرتب مقداره ثلاثمائة درهم في الشهر ، ثم أضيفت إليه
المدرسة الأمينية خلفاً لعلاء الدين ابن الزملكاني ١ ، وكان ذلك في العاشر
من صفر سنة ٢٦٨١، واستمر على ذكر الدرس بالأمينية والعود إلى مسكنه
بالنجيبية ، والاجتماع بمن يتردد إليه من العلماء والفضلاء والأدباء ، والبحث
معهم والمذاكرة لهم وبث العلوم والفوائد، حتى ابتدأ به المرض يوم ٢٢ رجب
ثم وافته منيته وقت أذان العصر من يوم السبت ٢٦ رجب سنة ٦٨١ بالمدرسة
الجمالية النجيبية ، ودفن يوم الاحد التالي له ، صلي عليه بجامع دمشق ثم دفن
بسفح جبل قاسيون في الصحراء ، شرقي التربة الصوابية الواقعة بسفح الجبل
من جانبه الغربي٣ .
٤ - ثقافته - مذهبه - شخصيته .
قد مرّ بنا في الفقرة السابقة ذكر بعض ما درسه ابن خلكان في مراحل
حياته التعليمية ، ومنه يتبين لنا أن المصادر قد أبرزت اهتمامه بدراسة الفقه
وأصوله - وخاصة على مذهب الشافعي - ودراسة اللغة والنحو ، واتقانه
لهذه العلوم ، التي لا نعرف له فيها مؤلفاً خاصاً ، ولكنها واضحة في كتابه
كلما عرّج على بعض القضايا الفقهية واللغوية والنحوية ، مؤكدة بشهادة
معاصريه والآخذين عنه ، فقد شهدوا له بالبراعة في الفقه والأصول والعربية
وبالمعرفة بالمذهب ( أي مذهب الشافعي ) وبحسن ما صدر عنه من الفتاوى؛ ؛
١ انظر الدارس ١ : ١٩١، والمدرسة الأمينية قبلي باب الزيادة من أبواب الجامع الأموي
المسمى قديماً باب الساعات ، وبانيها هو أمين الدولة كمشتكين بن عبد الله (الدارس ١٧٧:١).
٢ مقدمة الوفيات ٤: الصفحة (ي) وعيون التواريخ: ١١٣ (ونسخة كوبريللي : ١٢٥).
٣ مقدمة الجزء الرابع من الوفيات: (ي، ط ) وانظر مخطوطة برلين: ٤٥١ وابن كثير
١٣: ٣٠١، والدارس ١ : ١٩٣ .
٤ الدارس ١ : ١٩٣ نقلا عن تاج الدين الفزاري، وانظر كذلك : المنهل الصافي .
53

وتلك المعارف - بالاضافة إلى عناصر أخرى في شخصيته - هي التي أهلته.
لمنصب القضاء، وكفلت له التوفيق في ذلك المنصب، مدة طويلة من الزمن ،
كما كفلت له القيام بأعباء التدريس فيما وكل إليه من مدارس .
غير أن الأخبار التي استطعت جمعها عن تحصيله العلميّ لا تصوّر إلا
جانباً يسيراً من ثقافته ، فقد كان الرجل دائم الاطلاع ، محباً للكتب ينفق
على اقتنائها ، أو يعتمد الاطلاع عليها في المكتبات الموقوفة على المدارس ،
ویکاد کتابه أن یکون مرآة تصوّر تدرّج اطلاعه على تلك الكتب ١ .
ويفصح كتابه عن ميلٍ شديد إلى الشعر وأيام الناس٢، ويغلبه حبه للشعر
أحياناً ويزاحم لديه الحقيقة التاريخية ؛ وقد عرفنا أن ابن خلكان كان يطمح
في أوائل عهده بطلب العلم أن يكون شاعراً ، وقد نظم كثيراً من الشعر
- سيأتي الحديث عنه في موضعه - وربما انتسب إلى جمهرة الشعراء من
أصدقائه أمثال ابن مطروح وابن الخيمي والجزار والبها زهير ، لولا أن
انتسابه إلى القضاء كفل له رزقاً مقرراً ومكانة اجتماعية . وبعد العمل في
القضاء لم تفتر صلته بالشعر والاهتمام به ، وتغذية الذوق الأدبي لديه باستمرار .
وقد قيل فيه إنه كان أعرف الناس بديوان المتنبي في وقته٣ ، وهذا واضحٌ
في كتابه نفسه ، لا من كثرة إحالاته على ديوان المتنبي وحسب ، بل لأنه
عقد بعض التراجم في كتابه (مثل ترجمة فاتك وكافور ) باعتماد كثير على
الديوان . ونقل عن الشيخ تاج الدين الفزاري وغيره أنه كان يحفظ سبعة
عشر ديواناً من الشعر٤ ؛ ولهذا يمكن أن يقال ان الموجه الاول في ثقافته
كان هو نزعته الأدبية التاريخية ، وأن من مكملات تلك الصورة الثقافية
اهتمامه بالفقه والنحو واللغة .
١ انظر فهرست ((مصادر المؤلف)» في الجزء الخاص بالفهارس العامة، وانظر فيما يلي الحديث
عن تأليفه لكتابه ((وفيات الأعيان)) .
٢ انظر أيضاً الدارس ١ : ١٩٣ نقلا عن الفزاري .
٣ المنهل الصافي، وابن قاضي شهبة: ٢١١ (نقلا عن البرزالي) وابن طولون: ٣٥.
٤ ابن قاضي شهبة : ٢١٠ .
54

ويكاد يكون من القول المعاد الوقوفُ عند مذهبه ، فقد تقدّم القول
أنه كان شافعياً ، كما كان سائر أفراد أسرته ، وأنه ولي قضاء القضاة بالشام
منفرداً يوم لم يكن يعين في هذا المنصب إلا شافعي ، ثم ظلّ يلي هذا المنصب
حين عين قضاة لسائر المذاهب السنية ، فلا جدال في أن الرجل كان سنياً
( وهو كرديّ الأصل ) شافعياً . ولكن الذي حداني إلى الوقوف عند قضية
المذهب اتهام أحد المتأخرين له بأنه كان شيعياً يكيد للسنة ، ذلك هو غلام
محمد بن الشيخ محيي الدين بن الشيخ عمر المدعو بالاسلمي صاحب الترجمة
العبقرية ١ وهو يستشهد على اثبات اتهامه باقتباس ابن خلكان للمصادر الشيعية ،
ولعله يومى إلى اهتمام المؤلف بالترجمة للأئمة الاثني عشر ثم بالترجمة لجميع
الخلفاء العبيديين ، ولكن التهمة بالاتكاء على المصادر باطلة ، وسيثبت فهرست
مصادر المؤلف الذي أفردناه في الجزء الخاص بالفهارس أن أكثر مصادر
ابن خلكان إنما هي المصادر المعتمدة عند أهل السنة . ولو شئنا أن نقوي دعوى
صاحب الترجمة العبقرية لقلنا : ومما يدلّ على الميل الشيعي لدى المؤلف أن
كثيراً من أصدقائه كانوا من الشيعة بل من غلاتهم مثل أبي المحاسن الشوّا ،
والشاعر الملقب شيطان الشام ؛ وأنه کان یری في مدح الفرزدق لزين العابدين
- محض مدح - ((مكرمة ترجى له بها الجنة))٢؛ وأنه إذا ذكر معاوية في
كتابه لا يترضى عنه٣؛ ولكنّ كل ذلك لا يدلّ على تشيع أو كيد للسنة.
فنحن نستطيع أن تحمل اهتمامه بالأئمة الاثني عشر وبالخلفاء الفاطميين على
محمل النظرة التاريخية الخالصة ، وصداقته للشيعة وغلاتهم على روح الانصاف
والتسامح في قيام العلاقات الودية بين طرفين مختلفين في الانتماء المذهبي ؛
وإذا كان ابن خلكان لا يترضى عن معاوية فقد ورد بخطه الترضي عن عائشة
١ انظر الترجمة العبقرية والصولة الحيدرية للتحفة الاثنا عشرية (طوبقبوسر أي رقم : ، ٣٨٦
الورقة ٤٨/أ)، والفضل في لفت نظري إلى هذا الكتاب يعود إلى الآنسة وداد القاضي.
٢ الوفيات ٦ : ٩٥ .
٣ وردت ((رضي الله عنه)) مرة واحدة عند ذكر معاوية ٥ : ٣٥٣ والنص غير منقول عن
خط المؤلف ، وإنما كذلك ورد في المختار لابنه ، مما يدل على أن ابنه كان لا يتفق تماماً
مع أبيه في هذا الموقف من الصحابة .
55

وعن طلحة والزبير ، وهم ممن خاصموا علياً وثاروا عليه ، أما انحرافه بعض
الشيء عن معاوية وعمرو بن العاص وقبوله فيهما بعض الروايات الضعيفة ،
فهو موقف لكثير ممن ينتمون إلى المذهب السني ؛ ويكفي أن أشير هنا إلى
إنصافه - في موقف المؤرخ - حين أورد فتوى الكيا الهراسي في حال يزيد
ابن معاوية فانه شفعها بفتوى الغزالي المناقضة لها١ . بل انه - على المستوى
الأدبي - كان شديد الغرام بديوان يزيد حتى حفظه جميعه سنة ٦٣٣ بدمشق ،
وعرف صحيحه من منحوله، وتتبع المنحول حتى رّدّ كل أبيات لصاحبها ،
وأثنى على شعر يزيد وقال انه في نهاية الحسن٢ ؛ وخلاصة القول انه ربما
كان ابن خلكان ميالاً إلى عليّ وآله ، في بعض المواقف ، ولكنه لا يحسب
في الشيعة أو في من يكيدون للسنة ، كما أن ميله ذلك لم يبعد به عن منزلة
الانصاف وتحري العدالة .
وإذا بلغنا الانصاف والعدالة في مناقبه فحري بنا أن نتحدث عن أهم
العناصر التي تميزت بها شخصيته . لقد وصفته المصادر بأنه كان حسن الصورة
فصيح المنطق٣ ؛ كما وصفته بأنه كان جواداً كريماً لا يدخر شيئاً؛ ،
وقد جعلته هذه الصفة مع المنصب القضائي ، قبلة للمدح ، فكان مداحه من
الشعراء كثيرين ، مثل سعد الدين الفارقي ونور الدين ابن مصعب ورشيد
الدين الفارقي ونجم الدين أبي المعالي ابن اسرائيل الشيباني ، ومما مدحه به هذا
الأخير ، رجاء أن يمنحه بيتاً في مدرسته قوله° :
أبوابه تتوجه الرغبات
قاضي قضاة المسلمين ومن إلى
بسناه زال الظلم والظلمات
شمس المعاني والمعالي والذي
أبداً له بفوائد عادات
بحر المعارف والعوارف من جرت
١ الوفيات ٣ : ٢٨٧ - ٢٨٨ .
٢ الوفيات ٤ : ٣٥٤ .
٣ الدارس ١ : ١٩٣ وابن قاضي شهبة: ٢١٠ نقلا عن تاج الدين الفزاري.
؛ عيون التواريخ: ١١٥ /أ.
٥ عيون التواريخ ، الورقة : ٧٥ ب .
56

وكان يجيزهم الجوائز السنية على مدحهم١ .
كذلك وصف بالنزاهة وكمال العقل وثبات الجأش ، وهي خصائص
هامة للقاضي ، مثلما هي هامة في معاملة الناس جملة ، ومن الطبيعي أن يكون
الجدّ هو الصفة الغالبة عليه مع الوقار ، فهما من متطلبات القضاء أيضاً ،
وهذا هو الذي جعل مجلسه حافلاً بالبحث والتحقيق والفوائد العلمية والأدبية ٢
وكان أصحابه يحبون هذا المجلس للاقتباس من فوائده ، على أن ذلك لا ينفي
أنه كان يميل إلى الدعابة المهذّبة في الأغلب . وكان شديد المسارعة إلى خدمة
الآخرين إلاّ أن تؤدي الخدمة إلى ما يمس روح العدالة لديه ، كذلك تحدثت
فيما سبق عن عفة يده عن قبول المساعدات المادية وهو في أشد حالات الضيق ؛
وكل هذه الصفات مع ما عرف به من الرفق ولين الجانب جعلته محبباً إلى
من عرفوه٣ ، وكان شديد التحرّج من أن تجري في مجالسه الغيبة ، ويكره
نقل الأخبار بالنميمة ، وله في هذا الباب حكاية عميقة الدلالة ، ربما ظنناها
اليوم تتعارض مع منصبه القضائي ، فقد حضر إليه ذات يوم رجل يخبره أن
اثنين من الشهود العدول لديه كانا عاكفين على الخمر في مكان ما ، فأرسل
أحد النقباء يأمرهما باصلاح حالهما وتغيير هيئة المجلس ، ثم توجه إلى بيته ،
حتى إذا عرف أن النقيب قد وصل وبلغهما ما أمره به ، استدعى الرجل
الذي أفضى إليه بالسرّ وقال له : أنا أبعث معك النقيب (ثاني النقيبين ) فان
كان حديثك صحيحاً فعلت بهما ما ينبغي وإلا أشهرتك في البلد وقطعت
لسانك؛ فوافق الرجل لتأكده مما رآه، فأخذه النقيب وذهب به إلى ذلك المكان
فلم يجد أثراً لمجلس شراب ، وأسقط في يد الرجل ، واعيد إلى ابن خلكان ،
فأخذه في دهليز ومعه الدرة ، وأخذ يهدده ، فشفع فيه النقيب ، فقبل شفاعته ،
ثم أحضر المصحف وجعله يحلف عليه بألا يعود يقذف عرض مسلم؛ ؛
١ المنهل الصافي؛ وابن طولون: ٣٥ .
٢ ابن قاضي شهبة: ٢١١ والمنهل الصافي؛ وابن طولون: ٣٥.
٣ عيون التواريخ : ١١٥ /أ.
٤ عيون التواريخ: ١١٥ / أب، وشذرات الذهب ٥ : ٣٧١ - ٣٧٢.
57

وربما كان بعض الناس لا يقبل مثل هذا التصرف ويعده غمزاً في عدالة
الرجل وميله إلى التحرّي الدقيق عن أمانة شهوده ، ولكن القصة من ناحية
أخرى تدلّ على مبلغ حرصه على ألا يكشف عورة أحد ، وعلى صدّه
لمتر صدي المزالق في الآخرين .
وقد أثار بعض معاصريه زاويتين أخلاقيتين للطعن في سلوكه الشخصي
- بالاضافة إلى كذبه في نسبه - وهما تعاطيه الحشيشة وميله إلى الغلمان ،
وقد أجاب عن الأولى بأنه لو كان يريد مثل تلك اللذة ، لشرب الخمر ،
وأنه يرى في كل ما كان من قبيل الخمر والحشيشة أمراً محرماً ، وتوقف عن
الاجابة على التهمة الثانية . وذهب بعضهم إلى تعيين محبوبه ، وإلى أنه كان
يتصرف في بعض حالاته في حضور من يطمئن إليه تصرف المتيم الولهان ١ ؛
ومن الصعب أن يقول الباحث الحديث شيئاً في هذه القضية ، فان أكثر
أشعار ابن خلكان التي وصلتنا غزلية ، ولعلّ الذين نسبوا إليه ذلك إنما كانوا
متأثرين بما يسمعونه من شعره ودوبيتاته ؛ على أن التعبير عن أحاسيس النفس
شيء لا تقف دونه روح التدين التي كانت تغلب على سلوكه العام ، وربما
كانت هذه العاطفة ناجمة عن زمام شديد من الورع . وليس لنا أن نقول إنه
إن كان هناك مثل ذلك الميل لديه ، فانه كان مواكباً لعهد الصبا، ذلك لأن
الحديث عن هذا الميل إنما كان في دمشق ، بعد أن عين قاضياً للقضاة ،
وكان قد بلغ الخمسين أو تجاوزها . أياً كان الأمر فان صورة ابن خلكان التي
يمكن رسمها من المصادر تدلّ على الاعتدال والتحرّج ، ومثل هاتين الصفتين
تنبعان عن قوة في الارادة ، وهي صفة تحول دون الاستسلام للتيارات العاطفية
أو الشهوانية .
وقد تجلت روح التدين لديه في كثير من الصفات التي مرت الاشارة
إليها : كالنزاهة والعدالة وكراهية الغيبة ... الخ ؛ وربما اقترنت أيضاً باكثاره
من زيارة القبور ، وذلك أمر كان يفعله منذ أن كان في اربل٢ ؛ ولكنا
١ انظر الصفدي ٧: ٣١٢ والقوات ١ : ١٠٢.
٢ انظر الوفيات ٢ : ٢٣٨.
58

يجب ألا ننسى روح المؤرخ هنا ، فإن زيارته للقبور كانت جزءاً من تعرفه
إلى أماكن الوفاة ، وتدقيق ما يتصل بالتأريخ جملة ١ .
٥ - ابن خلكان الناقد الأدبي والشاعر :
نثر ابن خلكان أحكاماً نقدية كثيرة في مواضع من كتابه تدل كلّها
على النموذج الشعري الرفيع في نظره ؛ ويؤخذ من تلك الأحكام أنه
كان يعتبر شعر البحتري وصرّدر وسبط ابن التعاويذي وابن عنين نموذجاً
لما يراه قمة الشعر العربي ( دون أن ينقص ذلك من اعجابه العام بالمتنبي )
فهو يقول في التعليق على بعض شعر البحتري: ((هذا هو السحر الحلال
على الحقيقة والسهل الممتنع، فلله دره ! ما أسلس قياده وأعذب ألفاظه وأحسن
سبكه وألطف مقاصده ، وليس فيه من الحشو شيء بل جميعه نخب ))٢
ويقول في سبط ابن التعاويذي: (( جمع شعره بين جزالة الألفاظ وعذوبتها
ورقة المعاني ودقتها ، وهو في غاية الحسن والحلاوة ، وفيما أعتقده لم يكن
قبله بمائتي سنة من يضاهيه ، ولا يؤاخذني من يقف على هذا الفصل ، فان
ذلك يختلف بميل الطباع))٣. ويقول في ابن عنين: ((كان خاتمة الشعراء
لم يأت بعده مثله ، ولا کان في أواخر عصره من یقاس به )) ". ولا يقارب
هؤلاء بل ربما تفوق عليهم في بعض شعره سوى مروان بن أبي حفصة في
مثل قصيدته اللامية التي منها :
أسود لهم في بطون خفان أشبل
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم
فقد قال في التعليق عليها : ((هذا لعمري هو السحر الحلال المنقح لفظاً
(( راجع أمثلة ذلك في الوفيات ١: ١٧١، ٢: ٥٠٩، ٣: ١٢٩، ١٣٥، ١٦٢
٢٢٢، ٤: ١٩٢، ٤٦٢ ؛ ٥ : ١٨، ١٩٧ ٠
٢ الوفيات ٦ : ٢٦ .
٣ الوفيات ٤ : ٤٦٦ .
٤ الوفيات ٥ : ١٤ .
59

ومعنى وحقه أن يفضل على جميع شعراء عصره وغيرهم))١ . وكل هذا
يدلّ على أن الشعر المحدث - في الأغلب - هو محط اعجابه ، وأنه يميل
إلى حلاوة السبك الموسيقي المتلاثم مع المعنى دون أن يكون الشعر معتمداً
على حشو٢ ؛ ويتميز هذا اللون من الشعر بسهولة الجريان مثلما يتميز بالاستواء
العام في المعنى، وربما ارتفع إلى مستوى الجزالة المحكمة - دون نظر إلى ما
تحتها من معنى ، ولهذا نجده يرد انتقاد المعري لابن هانىء حين وصف شعره
بأنه يشبه رحى تطحن قروناً فيقول: ((ولعمري ما أنصفه في هذا المقال ،
وما حمله على هذا إلا فرط تعصبه للمتنبي)) ٣ . هذا هو رأيه العام في الشعر
فاذا جاء إلى التخصيص وجدناه يعجب بالمخالص الجيدة والتقسيمات الموفقة
وبعض أنواع الجناس٤ ، وذوقه في هذا لا يفترق عن أبناء عصره ؛ ويمكن
أن نقول إن ((مدرسة البحتري)) هي التي صنعت مقاييسه النقدية ، على تفاوت
المستويات في تلك المدرسة ، حتى حين تصل إلى الجزار وابن مطروح والبه
زهير . ولديه مجموعة من المقاييس النقدية التي أصبحت معتمدة في عصره
كالمفاضلة بين قصيدتين متشابهتين في الوزن والرويّ °، والكشف عن تناوب
الشعراء للمعنى الواحد ، أو الحديث عموماً عن قضية الأخذ والسرقة ،
والتدقيق في تعقب الشعراء للاخلال الجزئي بالمعنى ، إلى درجة الاسراف
أحياناً ٦ .
وتدلّ هذه المقاييس النقدية على المستوى الذي کان يطمح إليه في شعره ؛
فهو شعر يمكن أن يوصف إجمالاً بالرقة والعذوبة ، ولكن ليس له نصيب
من الجزالة ، أو من حلاوة موسيقى البحتري ، كما أنه مشغوف فيه بالتضمين
١ الوفيات ٥ : ١٩٠ - ١٩١ .
٢ راجع الوفيات ٤ : ٤٤١ حيث يبدي إعجابه أيضاً بشعر خالص من الحشو .
٣ الوفيات ٤ : ٤٢٤ .
٤ انظر الوفيات ٤: ٤٦٤، ٤٤١، ١٦١.
• الوفيات ٥ : ١٧ .
٦ انظر نموذجاً من ذلك في الوفيات ٦ : ٢٥٠ - ٢٥٢.
60