Indexed OCR Text

Pages 121-140

عيشك ، وإنه لمتخيل في مثل حالك سائر ملوك الأندلس ، وإن له من الولد
والأقارب ممن يؤثرمسراتهم من يودّ له الحلول بما أنت فيه من خصب الجناب،
وقد أودى الأذفونش وجيشه واستأصل شأفتهم وأعدمك منه أقوى ناصر عليه
لو احتجت إليه ، فقد كان لك منه أقوى عضد وأوقى مجن ، وبعد أن فات
الأمر في الأذفونش لا يفتك الحزم فيما هو ممكن اليوم ، قال له المعتمد :
وما هو الحزم اليوم؟ قال : ان تجمع أمرك على قبض ضيفك هذا واعتقاله
في قصرك، وتجزم انك لاتطلقه حتى يأمر كل من بجزيرة الاندلس من عسكره
أن يرجع من حيث جاء حتى لا يبقى منهم بالجزيرة طفل ، ثم تتفق أنت
وملوك الجزيرة على حراسة هذا البحر من سفينة تجري فيه بغزاة له ، ثم
بعد ذلك تستحلفه بأغلظ الإيمان ألا يضمر في نفسه عوداً إلى هذه الجزيرة
إلا باتفاق منكم ومنه، وتأخذ منه على ذلك رهائن، فإنه يعطيك من ذلك ما
تشاء ، فنفسه أعز عليه من جميع ما تلتمس منه ، فعند ذلك يقنع هذا الرجل
ببلاده التي لا تصلح إلا له ، وتكون قد استرحت منه بعدما استرحت من
الأذفونش ، وتقيم في موضعك على خير حال ، ويرتفع ذكرك عند ملوك
الأندلس وأهل الجزيرة، ويتسع ملكك وتنسب بهذا الاتفاق لك إلى سعادة وحزم،
وتهابك الملوك ، ثم اعمل بعد هذا ما يقتضيه حزمك في محاورة من عاملته
هذه المعاملة ، واعلم أنه قد تهيأ لك من هذا أمر سماوي تتفانى الأمم وتجري
بحار الدم دون حصول مثله .
فلما سمع المعتمد كلام الرجل استصوبه وجعل يفكر في انتهاز هذه الفرصة .
وكان للمعتمد فدماء قد انهمكوا معه في اللذات ، فقال أحدهم لهذا الرجل
الناصح: ما كان المعتمد على اللّه، وهو إمام أهل المكرمات ، ممن يعامل
بالحيف ويغدر بالضيف ، فقال له الرجل : إنما الغدر أخذ الحق من يد صاحبه
لا دفع الرجل عن نفسه المحذور إذا ضاق به ؛ قال ذلك النديم : لضيم مع
وفاء خير من حزم مع جفاء . ثم إن ذلك الناصح استدرك الأمر وتلافاه ،
فشكر له المعتمد ووصله بصلة ، وانصرف . واتصل هذا الخبر بيوسف بن
تاشفين فأصبح غادياً، فقدم له المعتمد الهدايا السنية والتحف الفاخرة فقبلها،
١٢١

ثم رحل فعبر من الجزيرة الخضراء إلى سبتة - قلت : وهو المكان المعروف
بزقاق سبتة يعدي الناس فيه من أحد البرين إلى الآخر ، أعني بر الأندلس
وبر العدوة ، وقد تقدم الكلام على هذا المكان .
قال : ولما عبر یوسف إلى بر العدوة أقام عسکره بجزیرة الأندلس ريثما
استراح ثم تبع آثار الأذفونش فتوغل في بلاده . ولما رجع الأذفونش إلى
موضعه سأل عن أصحابه وشجعانه وأبطال عسكره فوجد أكثرهم قد قتلوا ،
ولم يسمع إلا نياحَ الثكالى عليهم ، فلم يأكل ولم يشرب حتى مات هماً
وغماً، ولم يخلف إلا بنتا جعل الأمر إليها ، فتحصنت بمدينة طُلَيْطلة .
وأما عسكر ابن تاشفين فانهم في غارتهم هذه كسبوا من المغانم ما لا يحد
ولا يوصف وأنفذوا ذلك إلى بر العدوة ، واستأذن أميرهم سير ابن أبي
بكر يوسف بن تاشفين في المقام بجزيرة الأندلس وأعلمه أنه قد افتتح معاقل
في الثغور ورتب بها مستحفظين ورجالاً يغنون فيها ، وأنه لا يستقيم لهذه
الجيوش أن تقيم بالثغور في ضنك من العيش تصابح العدو وتماسيه ، وتحظى
ملوك الأندلس من الأرياف برَغّد العيش ، فكتب إليه ابن تاشفين بأمره
باخراج ملوك الأندلس من بلادهم وإلحاقهم بالعدوة ، فمن استعصى عليه
منهم قاتله ولا ينفّس عنه حتى يخرجه، وليبدأ منهم بمجاوري الثغور، ولا
يتعرض للمعتمد بن عباد ما لم يستولٍ على البلاد ، ثم يولي تلك البلاد أمراء
عسكره وأكابرهم. فابتدأ سير ابن أبي بكر بملوك بي هُود من ملوك الأندلس
ليستنز لهم من معقلهم وهي روطة - قلت: هي بضم الراء وسكون الواو ثم
طاء مهملة بعدها هاء ، قلعة منيعة من عاصمات الذرا ، ماؤها ينبوع في أعلاها،
وكان بها من الأقوات والذخائر المختلفات ما لا تفنيه الأزمان - فلم يقدر
عليها فرحل عنها ، ثم جند أجناداً على صور الفرنج وأمرهم أن يقصدوا
هذه القلعة مغيرين عليها ، ويكمن هو وأصحابه بالقرب منها ، ففعلوا ذلك ،
فرآهم صاحب القلعة فاستضعفهم ونزل في طلبهم ، فخرج سير ابن أبي بكر
فقبض عليه وتسلم القلعة . ثم نازل بني طاهر بشرق الأندلس ، فسلموا
إليه ولحقوا بالعدوة . ثم نازل بني صُمادح بالمرية وكانت قلعتهم حصينة ،
١٢٢

إلا أنهم لم يكن عندهم أجناد ولا أتجاد من الرجال فزحفوا عليهم وغلبوهم،
فلما علم المعتصم بن صمادح أنه مغلوب دخل قصره فأدركه أسف قضى
عليه ، فمات من ليلته فاشتغل أهله به ، فسلموا المدينة . ثم نازلوا المتوكل
عمر بن الأفطس ببطْليَوس ، وكان رجلاً شجاعاً عظيم القدر كبير البيت
- وكان أبوه المظفر باللّه أبو بكر محمد بن عبد الله بن مسلمة التجيبي من
فحول العلماء ، وكان ملكاً له تصانيف أعظمها وأشهرها الكتاب المنسوب
إليه وهو ((المظفري)) في علم التاريخ، [وكانت ] مدينته بَطَلْيوس من أجمل
البلاد - لم يذعن ولا أقبل على غير المدافعة والقتال إلى أن خامر عليه أصحابه
فقبض عليه باليد وعلى ولدين له ، فقتلوا صبراً ، وحمل أولاده الأصاغر
إلى مراكش ؛ وسائر ملوك الجزيرة سلموا وتحولوا إلى بر العدوة إلا ما كان
من المعتمد بن عباد ، فإن سير ابن أبي بكر لما فرغ من ملوك الجزيرة ، كتب
إلى يوسف بن تاشفين أنه لم يبق بالجزيرة من ملوكها غير المعتمد بن عباد ،
فارسم في أمره بما تراه ، فأمره بقصده وأن يعرض عليه التحول إلى بر العدوة
بأهله وماله، فإن فعل فيها ونعمت، وإن أبى فنازِلْهُ، فلما عرض عليه سير
ابن أبي بكر ذلك لم يعطه جواباً ، فنازله وحاصره أشهراً ثم دخل عليه البلد
قهراً واستخرجه من قصره قسراً ، فحمل إلى العدوة مقيداً ، فأنزل بأغمات
وأقام بها إلى أن مات ، ولم يعتقل من ملوك الأندلس غيره . وتسلم سير ابن
أبي بكر الجزيرة كلها واستحوذ عليها ، فمات يوسف بن تاشفين في التاريخ
الآتي ذكره إن شاء اللّه تعالى.
وأفضى الملك إلى ولده أبي الحسن علي بن يوسف ، وكان رجلا حليماً
وفوراً صالحاً عدلاً منقاداً للحقّ والعلماء ، تجبى إليه الأموال من البلاد،
لم يزعزعه عن سريره قط حادث ولا طاف به مكروه - قلت : قد تقدم
في ترجمة أبي نصر الفتح بن محمد بن عبيد الله بن خاقان القيسي صاحب
((قلائد العقيان))١ أنه جمع الكتاب المذكور باسم إبراهيم بن يوسف بن تاشفين،
١ أنظر ج ٤ : ٢٤ .
١٢٣

وأن الذي أشار بقتل الفتح المذكور هو علي بن يوسف بن تاشفين المذكور .
ثم ولي بعده ولده تاشفين بن علي بن يوسف وعلى يده انقرض ملكهم ،
وسيأتي شرح ذلك مفصلا إن شاء الله تعالى. وقد تقدم في أوائل هذه الترجمة
أن يوسف بن تاشفين هو الذي اختط مدينة مراكش؛ قال صاحب هذا الكتاب
الذي نقلت منه هذه الترجمة في آخر الكتاب: إن مراكش١ مدينة عظيمة
بناها الأمير يوسف بن تاشفين بموضع كان اسمه مراكش - معناه : امش
مسرعاً بلغة المصامدة - كان ذلك الموضع مأوى اللصوص وكان المارون
فيه يقولون لرفقائهم هذه الكلمة ، فعرف الموضع بها . وقال غير مؤلف
هذا الكتاب : بنى ابنُ تاشفين مدينة مراكش في سنة خمس وستين وأربعمائة،
قاله أبو الخطاب ابن دحية في كتابه الذي سماه ((النبراس)) في خلافة القائم
بأمر الله، قال: وكانت مزرعة لأهل نفيس٢، فاشتراها منهم بماله الذي خرج
به من الصحراء - ونفيس٢: بفتح النون وتشديد الفاء وسكون الياء المثناة من
تحتها، جيل مُطل على مراكش، قلت: وهي بنواحي أغمات في المغرب الأقصى -.
وذلك أنه لما توطنت نفسه على الملك ، وأطاعته قبائل البربر وذهب من يخالفه
من لُمْتُونة سمت همته إلى بناء هذه المدينة ، وكان في موضعها قرية صغيرة
في غابة من الشجر ، وبها قوم من البربر ، فاختطها يوسف وبنى بها القصور
والمساكن الأنيقة ، وهي في مرج فسيح ، وحولها جبال على فراسخ منها ،
وبالقرب منها جبل لا يزال عليه الثلج وهو الذي يعدل مزاجها وحرها.
وفي سنة أربع وستين وأربعمائة نزل يوسف على مدينة فاس ، وكانت
إذ ذاك من قواعد بلاد المغرب العظام ، وضيق على أهلها ثم أخذها فأقر
العامة بها ، ونفى البربر والجند، بعد أن حبس بعضهم وقتل بعضهم، فعند
ذلك قوي شأنه وتمكن بالمغرب الأقصى والأدنى سلطانه ، مع ما صار بيده
من بلاد جزيرة الأندلس كما شرحناه . وكان حازماً سائساً للأمور ضابطاً
١ انظر الاستبصار في الحديث عن مراكش ص -: ٢٠٨ والحاشية
٢ راجع المصدر السابق.
١٢٤

لمصالح مملكته ، مؤثراً لأهل العلم والدين كثير المشورة لهم ، وبلغني أن
الإمام حجة الإسلام أبا حامد الغزالي ، تغمده الله تعالى برحمته ، لما سمع
ما هو عليه من الأوصاف الحميدة وميله إلى أهل العلم عزم على التوجه إليه ،
فوصل إلى الإسكندرية وشرع في تجهيز ما يحتاج إليه، فوصله خبر وفاته، فرجع
عن ذلك العزم ، وكنت وقفت على هذا الفصل في بعض الكتب ، وقد ذهب
عني في هذا الوقت أين وجدته .
وكان يوسف معتدل القامة أسمر اللون نحيف الجسم خفيف العارضين
دقيق الصوت، وكان يخطب لبني العباس ، وهو أول من تسمى بأمير المسلمين ،
ولم يزل على حاله وعزه وسلطانه إلى أن توفي يوم الاثنين لثلاث خلون من
المحرم سنة خمسمائة ، وعاش تسعين سنة ملك منها مدة خمسين سنة
رحمه الله تعالى .
وذكر شيخنا عز الدين بن الأثير في تاريخه الكبير ما مثاله١ : سنة
خمسمائة فيها توفي أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ملك المغرب والأندلس .
وکان حسن السيرة خیراً عادلاً، يميل إلى أهل العلم والدین ویکرمهم ويحكمهم
في بلاده ويصدر عن آرائهم ، وكان يحب العفو والصفح عن الذنوب العظام ،
فمن ذلك أن ثلاثة نفر اجتمعوا ، فتمنى أحدهم ألف دينار يتجر بها ، وتمنى
الآخر عملا يعمل فيه الأمير المسلمين، وتمنى الآخر زوجته، وكانت من أحسن
النساء ، ولها الحكم في بلاده، فبلغه الخبر، فأحضرهم وأعطى متمني المال
ألف دينار ، واستعمل الآخر ، وقال للذي تمنى زوجته : يا جاهل ، ما
حملك على هذا الذي لا تصل إليه ؟ ثم أرسله إليها ، فتركته في خيمة ثلاثة
أيام تحمل إليه في كل يوم طعاماً واحداً ، ثم أحضرته وقالت له : ما أكلت
في هذه الأيام ؟ قال : طعاماً واحداً ، فقالت له : كل النساء شيء واحد ؛
وأمرت له بمال وكسوة وأطلقته .
(385) وأما ولده علي المذكور فانه توفي لسبع خلون من رجب سنة سبع وثلاثين
وخمسمائة ، ومولده في حادي عشر رجب سنة ست وسبعين وأربعمائة ،
١ ابن الاثير ١٠ : ٤١٧ .
١٢٥

وقد سبق ذكر طرف من حديثه في ترجمة محمد بن تومرت المهدي
فیکشف عنه .
ولما خرج عبد المؤمن بن علي - المقدم ذكره١ - قاصداً جهة البلاد المغربية
ليأخذها من علي بن يوسف بن تاشفين المذكور، كان مسيره على طريق الجبال فسير
علي بن يوسف ولده تاشفين ليكون في قبالة عبد المومن ، ومعه جيش فساروا
في السهل وأقاموا على هذا مدة ، فتوفي علي بن يوسف في أثنائها في التاريخ
المذكور ، فقدم أصحابه ولده إسحاق بن علي وجعلوه نائب أخيه تاشفين على
مراكش ، وكان صبياً ، وظهر أمر عبد المؤمن ودانت له الجبال ، وفيها غمارة
وتالدة والمصامدة ، وهم أمم لا تحصى ، فخاف تاشفين بن علي واستشعر
القهر ، وتيقن أن دولتهم ستزول ، فأتى مدينة وَهْران ، وهي على البحر ،
وقصد أن يجعلها مقره ، فإن غُلب عن٢ الأمر ركب منها في البحر إلى بر
الأندلس يقيم بها كما أقامت بنو أمية بالأندلس عند انقراض دولتهم بالشام
وبقية البلاد ، وفي ظاهر وَهْران رُبوة على البحر تسمى صلب الكلب ، وبأعلاها
رباط يأوي إليه المتعبدون . وفي ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة
تسع وثلاثين وخمسمائة صعد تاشفين إلى ذلك الرباط ليحضر الختم في
جماعة يسيرة من خواصه ، وكان عبد المومن بجمعه في تاجرة - وهي
وطنه كما ذكرته في ترجمته ـ واتفق أنه أرسل منسراً إلى وهران فوصلوها
في اليوم السادس والعشرين من شهر رمضان ، ومقدمهم الشيخ أبو حفص
عمر بن يحيى صاحب المهدي ، فكمتوا عشية ، وأعلموا بانفراد تاشفين
في ذلك الرباط ، فقصدوه وأحاطوا به ، وأحرقوا بابه ، فأيقن الذين فيه
بالهلاك ، فخرج تاشفين راكباً فرسه ، وشد الركض عليه ليثب الفرس النار
وينجو، فترامى الفرس نازيا لروعته، ولم يملكه اللجام حتى تردى من جرف
هنالك إلى جهة البحر على حجارة في وَعْر، فتكسر تاشفين وهلك في الوقت،
وقتل الخواص الذين كانوا معه ، وكان عسكره في ناحية أخرى لا علم لهم
بما جرى في الليل .
١٠ انظر ج ٣ : ٢٣٧
هكذا في المسودة
٢
١٢٦

وجاء الخبر بذلك إلى عبد المؤمن ، فوصل إلى وهران ، وسمى ذلك الموضع
الذي فيه الرباط صلب الفتح ، ومن ذلك الوقت نزل عبد المؤمن من الجبل
إلى السهل. ثم توجه إلى تلمسان وهي مدینتان قديمة ومحدثة بينهما شوط فرس،
ثم توجه إلى فاس فحاصرها ، وأخذها في سنة أربعين وخمسمائة ، ثم قصد
مراكش في سنة إحدى وأربعين فحاصرها أحد عشر شهراً وفيها إسحاق بن
علي وجماعة من مشايخ دولتهم قدموه بعد موت أبيه علي بن يوسف بن
تاشفين نائباً عن أخيه تاشفين ، فأخذها وقد بلغ القحط من أهلها الجهد ،
وأُخرج إليه إسحاق بن علي ومعه سير بن الحاج، وكان من الشجعان وخواص
دولتهم، وكانا مكتوفين ، وإسحاق دون البلوغ ، فعزم عبد المؤمن أن يعفو
عن إسحاق لصغر سنه فلم يوافقه خواصه ، وكان لا يخالفهم ، فخلى بينهم
وبينهما فقتلوهما، ثم نزل عبد المؤمن في القصر، وذلك في سنة اثنتين وأربعين
وخمسمائة، وانقرضت دولة بني تاشفين .
قلت: وقد ذكرت في ترجمة المعتمد بن عباد أن يوسف بن تاشفين عاد إلى
الأندلس في العام الثاني من وقعة الزلاقة ، وذكرت ها هنا ما يدل على أنه
ما عاد إليها ، وإنما نوابه هم الذين أخذوا بلاد الأندلس له ، فقد يعتقد
الواقف على هذا الكتاب أن هذا متناقض ، والعذر في هذا أنني وجدته في
ترجمة ابن عباد على تلك الصورة ووجدته في هذه الترجمة على هذه الصورة ،
والله أعلم بالصواب
ثم رأيت في كتاب ((تذكير العاقل)) تأليف أبي الحجاج يوسف البياسي
أن ابن تاشفين لما جاز البحر قصد إشبيلية ، فخرج ابن عباد إلى لقائه ومعه
الضيافة والإقامة ، ثم خرج من إشبيلية بقضُه وقضيضه قاصداً بَطَلْيَوْس،
وجرت الواقعة المذكورة ، ثم عاد ابن تاشفین إلى بلاده ، وان ابن عباد جاز
البحر ومضى إليه في سنة إحدى وثمانين واستنجده على ما يجاوره من بلاد
العدو ، فأكرمه ابن تاشفين وأجابه إلى إنجاده ، ثم عاد ابن عباد إلى
بلاده واستعد للعدو ، ولحقه ابن تاشفين في رجب من سنة إحدى وثمانين ،
ثم خرج الأذفونش في جيش كثيف ، وكان ملوك الأندلس قد اجتمعوا عند
١٢٧

ابن تاشفين فلما رأى ما فعله من الاستعداد بالجمع الكثير رحل عن مكانه ،
وأوهمه خواصه أن ملوك الأندلس يفرون عنه ويخلون بينه وبين الأذفونش
فأصغى إلى كلامهم وعمل في نفسه قولهم ، فأخذ في الحركة إلى البرية ،
وتحرك الجميع بحركته وجاز البحر عائداً إلى بلاده ، وقد وغر صدره على
ملوك الأندلس ، وتبين لهم تغيره عليهم وخافوه ، فشرعوا في تحصين بلادهم
وتحصيل الأقوات ، وراسل بعضهم الأذفونش ليكون عوناً له خوفاً من
ابن تاشفین ، فأجابه الأذفرنش بالإعانة والمساعدة ، وكان قد سپر له هدايا
وألطافاً كثيرة فقبلها منه ، وحلف له على جميع ما التمس منه ، واتصل
ذلك بابن تاشفين فاستشاط غيظاً
ثم إن ابن تاشفين جاز البحر مرة ثالثة وقصد قرطبة وهي لابن عباد ،
فوصلها في جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين ، وقد سبقه إليها ابن عباد ،
فخرج إليه بالضيافة وجرى معه على عادته . ثم ان ابن تاشفين أخذ غَرْناطة
من صاحبها عبد الله بن بلكين بن باديس بن حبوس وحبسه ، فطمع ابن عباد
في غَرْناطة وأن ابن تاشفين يعطيه إياها ، فعرّض له بذلك ، فأعرض عنه
ابن تاشفين، وخاف ابن عباد منه ، وعمل على الخروج عنه فقال له : إنه
جاءته كتب من إشبيلية ، وهم خائفون من العدو المجاور لهم واستأذنه في
العود إليها ، فأذن له فعاد . ثم رجع ابن تاشفين إلى بلاده وجاز البحر في
في شهر رمضان من سنة ثلاث وثمانين ، وأقام ببلاده إلى أن دخلت سنة أربع
وثمانين ، ثم عزم على العبور إلى الأندلس لمنازلة ابن عباد ، وبلغ ذلك ابن
عباد فأخذ في التأهب والاستعداد ، ووصل ابن تاشفين إلى سبتة وجمع
العسا کر الكثيرة وقدّم عليهم سیر بن أبي بکر فجازوا البحر وضایقوا بلاد ابن
عباد ، فاستصرخ بالأذفونش فلم يلتفت إليه ، وكان ما ذكرته ، والله أعلم .
وفي هذه الترجمة ذكر الملثمين فيحتاج إلى الكلام عليه ، والذي وجدته
أن أصل هؤلاء القوم من حمير بن سبأ ، وهم أصحاب خيل وإبل وشاء ،
ويسكنون الصحارى الجنوبية وينتقلون من ماء إلى ماء كالعرب، وبيوتهم من
الشعر والوبر ، وأول مَنْ جمعهم وحرضهم على القتال وأطمعهم في تملك
١٢٨

البلاد عبد الله بن ياسين الفقيه ، وقتل في حرب جرت مع برغواطة ، وقام
مقامه أبو بكر ابن عمر الصنهاجي الصحراوي - المقدم ذكره - ومات في
حرب السودان ، وقد ذكرنا حديث يوسف بن تاشفين وسبب تقدمه ، وهو
الذي سمى أصحابه المرابطين ، وهم قوم يتلثمون ولا يكشفون وجوههم ،
فلذلك سموهم الملثمين ، وذلك سنّة لهم يتوارثونها خلفاً عن سلف، وسبب
ذلك على ما قيل أن حمير كانت تتثم لشدة الحر والبرد يفعله الخواص منهم ،
فكثر ذلك حتى صار يفعله عامتهم . وقيل كان سببه أن قوماً من أعدائهم
كانوا يقصدون غفلتهم إذا غابوا عن بيوتهم فيطرقون الحي فيأخذون المال
والحريم ، فأشار عليهم بعض مشايخهم أن يبعثوا النساء في زي الرجال إلى
ناحية ويقعدوا هم في البيوت ملثمين في زي النساء ، فإذا أتاهم العدو ظنوهم
النساء فيخرجون عليهم ، ففعلوا ذلك وثاروا عليهم بالسيوف فقتلوهم
فلزموا اللثام تبركاً بما حصل لهم من الظفر بالعدوّ
وقال شيخنا الحافظ عز الدين ابن الأثير في تاريخه الكبير ما مثاله :
وقيل إن سبب اللثام لهم أن طائفة من لمتونة خرجوا مغيرين على عدو لهم
فخالفهم العدو إلى بيوتهمّ ، ولم يكن بها إلا المشايخ والصبيان والنساء ، فلما
تحقق المشايخ أنه العدو أمروا النساء أن تلبس ثياب الرجال ويتلثمن ويضيقنه حتى
لا يعرفن ، ويلبسن السلاح ، ففعلن ذلك ، وتقدم المشايخ والصبيان أمامهن
واستدار النساء بالبيوت ، فلما أشرف العدو رأى جمعاً عظيماً فظنه رجالاً
وقالوا : هؤلاء عند حريمهم يقاتلون عنهن قتال الموت ، والرأي أن نسوق
النعم ونمضي ، فإن اتبعونا قاتلناهم خارجاً عن حريمهم . فبينما هم في
جمع النعم من المراعي إذ أقبل رجال الحي ، فبقي العدو بينهم وبين
النساء ، فقتلوا من العدو وأكثروا وكان من قبل النساء أكثر ، فمن ذلك
الوقت جعلوا اللثام سنة يلازمونه فلا يعرف الشيخ من الشاب ولا يزيلونه
ليلاً ولا نهاراً .
٩-٧
١٢٩

ومما قيل في اللئام :
وإن انتموا صنهاجةً فهمُ هم١ُ
قوم لهم درك العلا في حمير
غلبَ الحياءُ عليهمُ فتلشموا
لما حووا إحرازَ كلّ فضيلة
وكان يوسف بن تاشفين مقدم جيش أبي بكر ابن عمر الصنهاجي ،
وخرج من سجلماسة في سنة أربع وخمسين وأربعمائة ، وكان أبو بكر ابن
عمر قد أتى سجلماسة في سنة ثلاث وخمسين وحاصرها ، وقاتل أهلها أشد
قتال وأخذها ، ثم رتّب عليها يوسف بن تاشفين فكان ما كان .
٨٤٥
يوسف بن عبد المؤمن صاحب المغرب
أبو يعقوب يوسف بن أبي محمد عبد المؤمن بن علي القيسي الكومي
صاحب المغرب - وقد تقدم ذكر أبيه عبد المؤمن في حرف العين ، وذكر
ولده يعقوب قبل هذا ؛ ولما توفي والده في التاريخ المذكور في ترجمته وخلع
محمد بن عبد المؤمن استقل ولده يوسف بالملك ، وكان ولي العهد قبله أخوه
محمد بن عبد المؤمن ، ونقش على الدنانير اسمه ، وكان ذلك باستخلاف
أبيه وتحليفه الجند له ، فظهر منه اشتغال بالراحة وانهماك في البطالة فخلعه
يوسف ، وكان له أخ آخر اسمه أبو حفص عمر ولاه جزيرة الأندلس .
وكان يوسف المذكور فقيهاً حافظاً متقناً لأن أباه هذبه وقرن به وباخوته
أكمل رجال الحرب والمعارف ، فنشأوا في ظهور الخيل بين أبطال الفرسان ،
وفي قراءة العلم بين أفاضل العلماء . وكان ميله إلى الحكمة والفلسفة أكثر
١ هامش المختار : خ وإذا دعوا لمتونة .
٨٤٥ - أخباره في الحلل الموشية والمن بالإمامة وروض القرطاس ونظم الجمان والمعجب وأعمال
الأعلام وتاريخ ابن خلدون والأنيس المطرب والاستقصا والبيان المغرب ( ج : ٣ ط
تطوان) ... الخ .
١٣٠

من ميله إلى الأدب وبقية العلوم ، وكان جَمّاعاً مناعاً ضابطاً لخراج مملكته
عارفاً بسياسة رعيته ، وكان ربما يحضر حتى لا يكاد يغيب ويغيب حتى لا
يكاد يحضر ، وله في غيبته نواب وخلفاء وحكام قد فوض الأمور إليهم
لما علم من صلاحهم لذلك ، والدنانير اليوسفية المغربية منسوبة إليه .
فلما مهدت له الأمور واستقرت قواعد ملكه ، دخل إلى جزيرة الأندلس
لكشف مصالح دولته وتفقد أحوالها ، وكان ذلك في سنة ست وستين وخمسمائة
وفي صحبته مائة ألف فارس من العرب والموحدين ، فنزل باشبيلية .
(388) فخافه الأمير أبو عبد الله محمد بن سعد بن محمد بن سعد المعروف
بابن مردنيش صاحب شرق الأندلس: مرسية وما انضاف إليها، وحمل على قلبه
فمرض مرضاً شديداً ومات، وقيل إن أمه سقته السم، لأنه كان قد أساء العشرة
مع أهله وخواصه وكبراء دولته ، فنصحته وأغلظت عليه في القول فتهددها
وخافت بطشه ، فعملت عليه فقتلته بالسم . وكان موته في التاسع والعشرين
من رجب سنة سبع وستين وخمسمائة باشبيلية ، ومولده في سنة ثماني عشرة
وخمسمائة في قلعة من أعمال طرطوشة يقال لها بُنُشْكُلَه، وهي من الحصون
المنيعة . ولما مات محمد بن سعد جاء أولاده ، وقيل إخوته ، إلى الأمير يوسف
ابن عبد المؤمن وهو باشبيلية فسلموا إليه جميع بلاد شرق الأندلس التي كانت
لأبيهم،وقیل لأخيهم، فأحسن إليهم الأمير يوسف وتزوج أختهم ، وأصبحوا
عنده في أعز مكان .
ثم إن الأمير يوسف شرع في استرجاع بلاد المسلمين من أيدي الفرنج ،
وكانوا قد استولوا عليها ، فاتسعت ممملكته بالأندلس وصارت سراياه تصل
مغيرة إلى باب طليطلة ، وهي كرسي بلادهم وأعظم قواعدهم . ثم إنه
حاصرها ، فاجتمع الفرنج كافة عليه واشتد الغلاء في عسكره ، فرجع عنها
وعاد إلى مراكش .
وفي سنة خمس وسبعين قصد بلاد إفريقية وفتح مدينة قفصة، ثم دخل
جزيرة الأندلس في سنة ثمانين ومعه جمع كثيف ، وقصد غربي بلادها
١٣١

فحاصر مدينة شنترين شهراً فأصابه مرض فمات منه في شهر ربيع الأول سنة
ثمانين وخمسمائة ، وحمل في تابوت إلى إشبيلية ، رحمه الله تعالى ، وكان
قد استخلف ولده أبا يوسف يعقوب بن يوسف - المقدم ذكره - .
وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه أن يوسف مات من غير وصية بالملك
لأحد من أولاده ، فاتفق رأي قواد الموحدين وأولاد عبد المؤمن على تمليك
ولده يعقوب ، فملكوه في الوقت الذي مات فيه أبوه ، لئلا يكونوا بغير
ملك يجمع كلمتهم لقربهم من بلاد العدو .
وكان خلع أخيه أبي عبد الله محمد بن عبد المؤمن في شعبان سنة ثمان
وخمسين، واستبد يوسف حينئذ بالأمر، واجتمع أكابر أصحابهم على خلعه
وتولية الأمير يوسف ، وقد روي له شعر لكنه ليس بالجيد ، فلم أذكر
منه شيئاً .
وآما محمد بن سعد ابن مردنيش المذكور فیروی له
تُسَلّ من لحظها المنونُ
وحقها إنها جفون
لا صَبْرَّ عنها ولا عليها
الموت من دونها يهون
يكون في ذاك ما يكون
لأركبنّ الهوى إليها
(387) قلت: ثم وجدت هذه الأبيات في كتاب ((الملح))لابن القطاع وقد
نسبها إلى أبي جعفر أحمد بن صمادح البني، والله أعلم . وقال البياسي في
((حماسته)): هو أبو جعفر أحمد بن الحسين بن خلف بن البني اليعمري الأبدي١،
والله أعلم ، إلا أنه لم يذكر هذه الأبيات ، ثم أورد البياسي لأبي جعفر المذكور:
اجتنابي مرارة التوديع
صدفي عن حلاوة التشييعِ
فرأيت الصواب ترك الجميع
لم يقمْ أنسُ ذا بوحشة هذا
١ انظر ترجمة أبي جعفر البني في القلائد: ٢٩٨ والمطمح : ٩١ والمغرب ٢ : ٣٥٧
والجريدة (قسم المغرب والاندلس) ٦٠٦:٢ وله أشعار في مواطن متفرقة من نفح الطيب.
:
١٣٢

وله في صفة قنديل :
محاسنُ من أحبّ وقد تجلّى
وقنديل كأن الضوء فيه
فشمّرَ ذيله فَرَقاً وولّى
أشار إلى الدجى بلسان أفعى
ولما مات أبو يعقوب المذكور رثاه الأديب أبو بكر يحيى بن مجبر - الشاعر
المقدم ذكره في ترجمة يعقوب بن يوسف هذا - بقصيدة طويلة أجاد فيها ،
وأولها :
جلّ الأسى فَأسِلْ دم الأجفان ما ذي الشؤون لغير هذا الشان
ومردنيش : بفتح الميم وسكون الراء وفتح الدال المهملة وكسر النون
وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها شين معجمة وهو بلغة الفرنج اسم العذرة .
وبُنُشْكُله : بضم الباء الموحدة والنون وسكون الشين المعجمة وضم
الكاف وفتح اللام ، وبعدها هاء ؛ والباقي معروف لا حاجة إلى ضبطه .
والبنّي في نسب الشاعر المذكور: بكسر الباء الواحدة وتشديد النون .
والأبدي : بضم الهمزة وتشديد الباء الموحدة وبعدها دال مهملة ، هذه
النسبة إلى بلدة بالأندلس من كورة جيان، بناها عبد الرحمن بن الحكم وجددها
ابنه محمد١ .
قلت : ولما فرغت من ترجمة يوسف بن عبد المؤمن صاحب هذه الترجمة
وجدت مجموعاً بخط العماد بن جبريل٢ أخي العلم المصري ناظر بيت المال
بالديار المصرية - وقد تقدم ذكره في ترجمة أبي إسحاق العراقي الفقيه المذكور
في أوائل هذا الكتاب٣ - وفيه فوائد من أخبار المغاربة وغيرهم ، فنقلت منه
ما يضاف إلى هذه الترجمة ، وهو :
١ هنا ينتهي ما أثبت في المسودة، ولكن ورود بعض ما جاء بعده في المختار يؤكد أن
المؤلف قد زاده في ما استدرکه من بعد ؛ وقد ورد في ع ق
٢ ع : جبرين .
٣ انظر ج ١ : ٣٤، وفيه ابن أخي العلم .
١٣٣

أن عبد المومن كان في حياته قد عهد إلى أكبر أولاده وهو محمد ، وبايعه
الناس وكتب ببيعته إلى البلاد ، فلما مات عبد المومن لم يتم له الأمر لأنه
كان على أمور لا يصلح معها للمملكة من إدمان شرب الخمر واختلال الرأي
وكثرة الطيش وجبن النفس ويقال إنه مع هذا كله كان به ضرب من الجذام .
واضطرب أمره واختلف الناس عليه فخلع ، وكانت مدة ولايته خمسة
وأربعين يوماً ، وذلك في شعبان من سنة ثمان وخمسين وخمسمائة ، وكان
الذي سعى في خلعه أخويه يوسف وعمر اني عبد المؤمن . ولما تم خلعه دار
الأمر بين الأخوين المذكورين ، وهما من نجباء أولاد عبد المؤمن ومن ذوي
الرأي، وتأخر عنهما أبو حفص عمر ، وسلم الأمر إلى أخيه يوسف فبايعه
الناس واتفقت عليه الكلمة
وكان١ أبيض تعلوه حمرة، شديد سواد الشعر مستدير الوجه أفوه أعين ،
إلى الطول ما هو ، في صوته جهارة ، رقيق حواشي اللسان حلو الألفاظ
حسن الحديث طيب المجالسة أعرف الناس كيف تكلمت العرب وأحفظهم
لأيامها في الجاهلية والإسلام ، صرف عنايته إلى ذلك ، ولقى فضلاء إشبيلية
أيام ولايته لها ، ويقال إنه كان يحفظ صحيح البخاري . وكان شديد الملوكية
بعيد الهمة سخياً جواداً استغنى الناس في أيامه، وكان يحفظ القرآن العظيم مع
جملة من الفقه، ثم طمح إلى علم الحكمة وبدأ من ذلك بعلم الطب وجمع
من كتب الحكمة شيئاً كثيراً
(388)وكان ممن صحبه من العلماء بهذا الشأن أبو بكر محمد بن الطفيل٢، كان
متحققاً لجميع أجزاء الحكمة ، قرأ على جماعة من أهلها منهم أبو بكر ابن
الصائغ المعروف بابن باجة وغيره. ولابن الطفيل هذا تصانيف كثيرة ، وكان
١ هذا النص ملخص عن المعجب المراكشي، انظر ص: ٣٠٩
٢ هو صاحب ((حي بن يقظان))، له ترجمة في المغرب ٢: ٨٥ وابن أبي أصيبعة ٢ : ٧٨
والمقتضب من تحفة القادم: ٧٢ والبدر السافر، الورقة: ١٢٨ والمعجب: ٣١١ - ٣١٥
وقد كتبت عنه بحوث ودراسات متعددة
٣ مرت ترجمته ، انظر ج ٤ : ٤٢٩
١٣٤

حريصاً على الجمع بين علم الشريعة والحكمة وكان مفتناً .
ولم يزل يجمع إليه العلماء من كل فن من جميع الأقطار ومن جملتهم أبو
الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الأندلسي .
ولما استوثق ليوسف الأمر وملك بلاد مردنيش من الأندلس خرج من
إشبيلية قاصداً بلاد الأذفونش من الأندلس أيضاً فنزل على مدينة له تسمى
وبذة١ فأقام محاصراً لها شهوراً إلى أن اشتد عليهم الحصار وعطشوا، فراسلوه
في تسليم المدينة وأن يعطيهم الأمان على نفوسهم ، فامتنع من ذلك ، فلما
اشتد بهم العطش سمع لهم في بعض الليالي لغط عظيم وأصوات هائلة ،
وذلك أنهم اجتمعوا بأسرهم ودعوا اللّه تعالى ، فجاءهم مطر عظيم ملأ ما
كان عندهم من الصهاريج ، فارتووا وتقوّوا على المسلمين ، فانصرف عنهم
إلى إشبيلية بعد أن هادنهم مدة سبع سنين .
وكان يرتفع إليه في كل سنة من خراج إشبيلية وقر مائة وخمسين بغلاً،
خارجاً عما يرتفع إليه من خراج بقية البلاد في بر العدوة وفي بر الأندلس .
وفي سنة تسع وسبعين ٢ تجهز للغزو في جيش عظيم وعبر إلى جزيرة الأندلس
ونزل إشبيلية كعادتهم في إصلاح شأنهم ، ثم رحل إلى شنترين ، وهي بليدة
في غرب الأندلس ، وهي في غاية المنعة والحصانة ، فحاصرها وضيق عليها ،
فلم يقدر عليها ، وهجم الشتاء ، وخاف المسلمون من البرد وزيادة مدَّ النهر
فلا يقدرون على العبور وتنقطع عنهم المادة ، فأشاروا عليه بالرجوع إلى
إشبيلية ، فاذا طاب الزمان عاد إليها ، فقبل ذلك منهم وقال: نحن راحلون
غداً إن شاء الله تعالى ، ولم ينتشر هذا الحديث لأنه قاله في مجلس الخاصة ،
فكان أول من قوض ورحل أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الرحمن الخطيب
ارو المختار : ربدة .
٢ قارن بما في المعجب : ٣٣٠ وما بعدها؛ وأورد صاحب البيان المغرب الخبر عن هذه
المعركة مفصلا (ص ١٢٨ - ١٣٨).
١٣٥

المالقي١، وكان من أهل العلم والفضل ، فلما رآه الناس قد قوض خباءه
قوضوا أيضاً ثقة به، لمكانه من الدولة ومعرفته بأسرارها، فعبر تلك الليلة أكثر
العسکر على النهر خشية الزحام وطلباً لحید المنازل ، ولم يبق إلا من كان بقرب
خباء الأمير يوسف بن عبد المؤمن ، ولا علم له بذلك ، فلما رأى الروم
عبور العسكر وبلغهم من جواسيسهم ما عزم عليه الأمير يوسف وأصحابه
خرجوا منتهزين الفرصة وحملوا حتى انتهوا إلى جهة الأمير يوسف ، فقتل
على بابه خلق كثير من أعيان الجند ، وخلصوا إلى الأمير يوسف فطعنوه
تحت سرته طعنة كانت سبب منيته ، وتداركهم الناس ، فانهزم الروم ،
وجعل الأمير يوسف في محفة ، وعبر به النهر ، ولم يسر به سوى ليلتين ومات
في الثالثة ، فلما وصلوا به إلى إشبيلية صبّروه وصيروه في تابوت وحملوه
إلى تين مل ، ودفن هناك عند أبيه عبد المومن والمهدي محمد بن تومرت .
وكانت وفاته يوم السبت لسبع خلون من رجب سنة ثمانين وخمسمائة ،
وكان قبل موته بأشهر ينشد هذا البيت ويردده في أوقات كثيرة :
طوى الجديدان ما قد كنتُ أنشره وأنكرتني ذواتُ الأعسينِ النُّجُلِ
وقام بعده بالأمر ولده أبو يوسف يعقوب ، بويع في حياة أبيه ، وقيل
إن أشياخ الدولة اتفقوا على تقديمه بعد وفاة أبيه ، والله أعلم .
(388) و کانالأدیبأبو العباس أحمد بنعبد السلام الکورامي٢ - وکورایا.
قبيلة من البربر منازلهم بضواحي مدينة فاس ، وقيل إن هذه القبيلة إنما يقال
لها جرّاوة : بفتح الجيم وقد تبدل الجيم كافاً فيقال لها كزاوة ، والنسبة إليها
.جراوي وكراوي - وكان هذا الأديب نهاية في حفظ الأشعار القديمة والمحدثة،
وتقدم في هذا الشأن وجالس به عبد المؤمن ، ثم ولده يوسف ثم ولده يعقوب ،
! شرح المراكشي في المعجب : ٣٣٣ ما حل بأبي الحسن المالقي هذا ، فقد هرب خوفاً
من الخليفة الموحدي ، ولجأ إلى ابن الريق ، ثم دم كتاباً إلى الموحدين يدلهم فيه على عورات
الروم ، فكشف أمره ، وعوقب بالموت حرقاً، ولكن صاحب البيان المغرب (٣ : ١٣٧)
عده ممن استشهد في المعركة .
٢ قد مر التعريف به، انظر ما تقدم ص : ٠١٢
١٣٦

وجمع كتاباً يحتوي على فنون الشعر على وضع ((الحماسة)) لأبي تمام الطائي ،
وسماه ((صفوة الأدب وديوان العرب)) وهو كثير الوجود بأيدي الناس ،
وهو عند أهل المغرب كالحماسة عند أهل المشرق . والمقصود من ذكر هذا
الأديب أنه كانت له نوادر نادرة وملح مستظرفة عند أهل الأدب ، فمن
ذلك أنه حضر يوماً إلى باب دار الأمير يوسف المذكور ، وهناك الطبيب سعيد
الغماري - وغمارة ، بضم الغين المعجمة ، قبيلة من البربر أيضاً -- فقال الأمير
يوسف لبعض خدمه : أنظر مَنْ بالباب من الأصحاب ، فخرج الخادم
إلى الباب ثم عاد إليه فقال : أحمد الكوراني وسعيد الغماري ، فقال الأمير
يوسف ؛ من عجائب الدنيا شاعر من كورايا وطبيب من غمارة ، فبلغ ذلك
الكوراني ، فقال ﴿وضرب لنا مثلا ونسي خلقه﴾ (يس: ٧٨) أعجبُ.
منهما واللّه خليفةٌ من كومية، فيقال إن الأمير يوسف لما بلغه ذلك قال :
أعاقبه بالحلم عنه والعفو ففيه تكذيبه .
ومن شعره من جملة قصيدة مدح بها الأمير يوسف المذكور ، وهو
بديع غريب :
عللَ البرّية ظاهراً ودخيلا
إن الإمام هو الطبيبُ وقد شفى
كالروح توجدٌ حاملاً محمولا
حمل البسيطةَ وهي تحملُ شخصه
ومن شعره أيضاً في ذم أهل فاس ، وهي مدينة بالمغرب فيما بين سبتة
ومراكش
يجوب بلاد الله شرقاً ومغربا
مشی اللوم في الدنيا طريداً مشرداً
وقالوا له : أهلا وسهلا ومرحبا
فلما أتى فاساً تلقاه أهلها
وله كل شعر مليح . وكان شيخاً مسناً جاوز ثمانين سنة ، وتوفي في آخر
أيام الأمير يعقوب ابن الأمير يوسف - وقد ذكرت وفاة الأمير يعقوب في
ترجمته فيكشف منها - وله مديح في الأمير عبد المؤمن بن علي وأولاده إلى
آخر زمنه ، رحمه الله تعالى .
١٣٧

وأما شنترين : بفتح الشين المعجمة وسكون النون وفتح التاء المثناة من
فوقها وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون ، فهي مدينة
في غرب الأندلس؛ وذكر ابن حوفل في كتاب ((المسالك والممالك)) أن
شنترين على البحر المحيط ، وبها يقع العنبر ، ولا يعلم ببلد الروم والمحيط
عنبر يقع في غير هذا الموضع وشيء وقع بالشام. ويقع بشغرين في وقت من
السنة دابة تحك الحجارة في وسط البحر، فيقع بها وبرة في لين الخز ولون
الذهب ، فيجمع منه ما يغزل وينسج ثياباً ، ويتلون الثوب ألواناً ، وتحجر
عليه ملوك بني أمية بالأندلس ، فلا ينقل ولا يشترى ، فتزيد قيمة الثوب
على ألف دينار لعزته وحسنه ، والله أعلم .
قلت : وحكى لي بعض الفضلاء من أهل الأندلس أنه رأى قطعة من
هذه الثياب هناك ، وأراد أن يصفها لي فما قدر أن يعبر عنها، ثم قال :
لكنها أرفع وأنعم من نسج العنكبوت، فتعالى اللّه ما أجل قدرته وألطف
حكمته وأحسن صنعته ، وكيف خص كل صقع بنوع من الغرائب سبحانه
وتعالى ، ولله در أبي نواس حيث قال:
تدلّ على أنه واحد
وفي كلّ شيء له آية
١٣٨

٨٤٦
السلطان صلاح الدين
أبو المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي ، الملقب الملك الناصر صلاح الدين
صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية والفراتية واليمنية ؛ قد تقدم في هذا
الكتاب ذکر أبيه أيوب وجماعة من أولاده وعمه أسد الدين شيركوه أخيه
الملك العادل أبي بكر محمد ، وجماعة من أولاده وغيرهم من أهل بيته ؛
وصلاح الدين كان واسطة العقد ، وشهرته أكبر من أن تحتاج إلى التنبيه عليه .
اتفق أهل التاريخ على أن أباه وأهله من دُوِين ، بضم الدال المهملة
وكسر الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون ، وهي بلدة في آخر
عمل أذربيجان من جهة أرّان وبلاد الكرج ، وأنهم أكْرَاد رَوّادية ، بفتح
الراء والواو وبعد الألف دال مهملة ثم ياء مثناة من تحتها مشددة
وبعدها هاء - والروادية: بطن من الهذبانية - بفتح الهاء والذال المعجمة وبعد
الألف نون مكسورة ثم ياء مشددة مثناة من تحتها وبعدها هاء ، وهي قبيلة
كبيرة من الأكراد . وقال لي رجل فقيه عارف بما يقول ، وهو من أهل
دُوِين: إن على باب دُوِين قرية يقال لها أجْدَ انَقَان، بفتح الهمزة وسكون الجيم
وفتح الدال المهملة وبعد الألف نون مفتوحة وقاف مفتوحة وبعد الألف الثانية
نون أخرى ، وجميع أهلها أكراد روّادية ، ومولد أيوب والد صلاح الدين
٨٤٦ - من المتعذر حصر المصادر الأصلية عنه وعن أخباره ، ويكفي أن نذكر تاريخ ابن
الأثير وسيرة ابن شداد والروضتين ومفرج الكروب والفتح القسي والبرق الشامي ومضمار
الحقائق ورسائل القاضي الفاضل ومرآة الزمان والسلوك ... الخ ، هذا عدا عما كتب
عنه في اللغات الأجنبية، والدراسات التي تناولته ( تخصيصاً أو تعميماً الحروب التي سميت
باسم الحروب الصليبية ) .
١٣٩

بها ، وشاذي أخذ ولديه أسد الدين شيركوه ونجم الدين أيوب وخرج بهما
إلى بغداد ، ومن هناك نزلوا تكريت ، ومات شاذي بها ، وعلى قبره قبة
داخل البلد .
ولقد تتبعت نسبتهم کثیراً فلم أجد أحداً ذکر بعد شاذي أبا آخر ،حتى
إني وقفت على كتب كثيرة بأوقاف وأملاك باسم شيركوه وأيوب ، فلم أر
فيها سوی شیر کوه بن شاني ، وأيوب بن شاذي ، لا غير؛ وقال لي بعض
كبراء بيتهم : هو شاذي بن مروان ، وقد ذكرت ذلك في ترجمة أيوب
وشيركوه ؛ ورأيت مُدَّرجاً رتبه الحسن بن غريب بن عمران الحرشي١
يتضمن أن أيوب بن شاذي بن مروان بن أبي علي بن عنترة بن الحسن بن
علي بن أحمد بن أبي علي بن عبد العزيز بن هدية بن الخصّين بن الحارث بن
سنان بن عمرو بن مرة بن عوف بن أسامة بن بيهس بن الحارث صاحب الحمالة
ابن عوف بن أبي حارثة بن مرة بن نُشُبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد
ابن ذبيان٢ ین بغیض بن ریْٹ بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن الیاس .
ابن مضربن نزاربن معد بن عدنان . ثم رفع بعد هذا في النسب حتى انتهى
إلى آدم عليه السلام . ثم ذكر بعد ذلك أن علي بن أحمد بن أبي علي بن عبد
العزيز يقال إنه ممدوح المتنبي ، ويعرف بالخراساني ، وفيه يقول من جملة
قصيدته٣ :
شَرقَ الجَوِّ بالغبارِ إذا سا ر عليّ بن أحمد القمقامُ
وأما حارثة بن عوف بن أبي حارثة صاحب الحَمَالة، فهو الذي حمل
الدماء بين عبس وذبيان ، وشاركه في الحمالة خارجة بن سنان أخو هرم بن
١ المختار: الجرشي، وقد ضبط المؤلف الاسم برسم صورة الحاء تحت الحرف ، كما
جرى به الضبط
٢ بضم الذال أو كسرها، وكتب فوقه ((معاً)) في المسودة.
٣ ديوان المتنبي : ١٠٥ .
٤ كذا كتبه المؤلف هنا، وقبل أسطر كتبه ((الحارث))، والمشهور أن اسمه الحارث
١٤٠