Indexed OCR Text

Pages 101-120

٨٤٣
يوسف بن عمر الثقفي
أبو عبد الله يوسف بن عمر بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود
الثقفي - وقد تقدم ذكر بقية نسبه في ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي ،
فإنه ابن ابن عم الحجاج ، يجتمعان في الحكم بن أبي عقيل ؛ قال خليفة بن
خياط : ولى هشامُ بن عبد الملك يوسف بن عمر اليمن ، فقدمها لثلاث بقين
من شهر رمضان سنة ست ومائة ، فلم يزل والياً بها حتى كتب إليه هشام
في سنة عشرين ومائة بولايته على العراق ، فاستخلف على اليمن ابنه الصّلْت
ابن يوسف .
وقال البخاري : كانت ولاية يوسف بن عمر العراق سنة إحدى وعشرين
ومائة إلى سنة أربع وعشرين. وقال غيره : لما أراد هشام بن عبد الملك
صَرْفَ خالد بن عبد الله القَسْري عن العراق ، كان قد جاءه رسول يوسف
ابن عمر الثقفي من الیمن ، فدعا هشام بالرسول وقال له : إن صاحبك قد
تعدى طَوْره وسأل فوق قدره ، وأمر بتخريق ثيابه وضربه أسواطاً ، وقال
له : امض إلى صاحبك، فعل الله به وصنع، ودعا بسالم اليماميّ مولى سالم بن
عنبسة بن عبد الملك ، وكان على ديوان الرسائل وقال له : اكتب إلى يوسف
ابن عمر ، بشيء أمره به ، واعرض الكتاب علي ، فمضى سالم ليكتب ما
أمره به ، وخلا هشام بنفسه ، وكتب كتاباً صغيراً بخطه إلى يوسف بن عمر
٨٤٣ - أخباره في المصادر التاريخية المتصلة بخلافة هشام بن عبد الملك، مثل الطبري والمسعودي
( المروج والتنبيه والاشراف) والاخبار الطوال الدينوري والعيون والحدائق وأنساب
الأشراف البلاذري ... الخ .
١٠١

وفيه : ((سر إلى العراق فقد وليتك إياه ، وإياك أن يعلم بك أحد ، واشْفني
من ابن النصرانية ، يعني خالداً ، ومن عماله )) وأمسك الكتاب بيده ، وحضر
سالم بالكتاب الذي كتبه وعرضه عليه ، فغافله وجعل الكتاب الصغير في
طَيّه، وختمه ودفعه إلى سالم وقال له : ادفعه إلى رسول يوسف ، ففعل
ذلك ، وانفصل الرسول . فلما وصل إلى يوسف قال له : ما وراءك ؟
قال : الشر، أمير المؤمنين ساخط عليك ، وقد أمر بتخريق ثيابي وضربي ،
ولم يكتب جواب كتبك ، وهذا كتاب بخط صاحب الديوان ، ففض
الكتاب وقرأه ، فلما بلغ إلى آخره وقف على الكتاب الصغير، فاستخلف
ابنه الصلتَ وسار إلى العراق .
وقد كان يخلف سالماً الكاتب على ديوان الرسائل بشير بن أبي طلحة من
أهل الأردن ، وكان فطناً ، فلما وقف على ما كان من هشام قال : هذه
حيلة ، وقد ولى يوسف بن عمر العراق ، فكتب إلى عياض عامل أجمة
سالم ، وكان واداً له : إن أهلك قد بعثوا إليك بالثوب اليماني ، فإذا أتاك
فالبسه واحمد اللّه تعالى ، وأعلم طارقاً بذلك ، وكان عامل خالد بن عبد اللّه
القسري على الكوفة وما يليها . ثم قدم بشير على ما كان منه فكتب إلى عياض:
إن القوم قد بدا لهم في البعثة إليكَ بالثوب اليماني ، فعرَّفِ عياض أيضاً
طارقاً بذلك، فقال طارق: الخبر في الكتاب الأول ، ولكن صاحبك ندم
وخاف أن يظهر أمره ، وركب من ساعته إلى خالد فخبره الخبر ، فقال
له : فما ترى ؟ قال : أرى أن تركب من ساعتك هذه إلى أمير المؤمنين ،
فإنه إذا رآك استحيا منك وزال شيء إن كان في نفسه عليك ، فلم يقبل
ذلك ، فقال له : فتأذن لي أن أصير إلى حضرته وأضمن له مال جميع هذه
السنة؟ قال : وما مبلغ ذلك؟ قال : مائة ألف ألف درهم ، وآتيك بعهدك
قال : ومن أين هذه الأموال ؟ والله ما أملك عشرة آلاف درهم ، فقال :
أتحمل أنا وسعيد بن راشد أربعين ألف ألف درهم - وكان سعيد يتقلد سقي
الفرات - والزينبي وأبان بن الوليد عشرين ألف ألف درهم ونفرق الباقي
على باقي العمال ، فقال له : إني إذاً للنيم أن أسوغ قوماً شيئاً ثم أرجع عليهم
١٠٢

به ، فقال له : إنما نقيك ونقي أنفسنا ببعض أموالنا ، وتبقى النعمة عليك
وعلينا بك ونستأنف طلب الدنيا، خيرٌ من أن نُطالب بالأموال، وقد حصلت
عند تجار أهل الكوفة فيتقاعسوا عنا ويتربصوا بنا فنقتل وتذهب أنفسنا ،
وتحصل الأموال لهم يأكلونها ، فأبى خالد ذلك عليه ، فودعه وقال : هذا
آخر العهد بك . ووافاهم يوسف بن عمر، فمات طارق في العذاب ، ولقي
خالد وجميع عماله كل شر ، ومات منهم في العذاب بَشَرٌّ كثير ، وكان
ما استخرج يوسف من خالد وأسبابه تسعين ألف ألف درهم .
قلت: وقد تقدم طرف من خبر خالد بن عبد الله القسري في ترجمته١ ،
فتطلب منه ، وقد تقدم في ترجمة عيسى بن عمر الثقفي النحوي ذکر یوسف
ابن عمر المذكور ، وما جرى له معه في الوديعة٢ .
وقال أبو بكر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري في كتاب «أنساب الأشراف
وأخبارهم )): إن هشام بن عبد الملك كان قد تغير على خالد بن عبد الله
القَسْري أمير العراق لأمور نقلت عنه ، فحقد عليه ، منها : كثرة أمواله
وأملاكه ؛ ومنها : أنه كان يطلق لسانه في حق هشام بما يكرهه ، وغير
ذلك من الأسباب، فعزم على عزله وأخفى ذلك. وكان يوسف بن عمر الثقفي
عامله على اليمن ، فكتب هشام إليه بخطه يأمره أن يقبل في ثلاثين من أصحابه
إلى الكوفة، و کتب مع الكتاب بعهده على العراق ، فخرج يوسف حتى صار
إلى الكوفة في سبعة عشر يوماً ، فعرَّس قريباً منها، وقد ختن طارقٌ خليفةُ
خالد القسري على الخراج ولّدَهُ ، فأهديَ إليه ألفُ عتيق وألف وصيف
وألف وصيفة سوى المال والثياب وغير ذلك ، فجاء رجل إلى طارق فقال
له : إني رأيت قوماً أنكرتهم وزعموا أنهم سُفّار . وصار يوسف بن عمر
: إلى دور بني ثقيف، فأمربعض الثقفيين، فجمع له من قدر عليه من مضر ، ففعل،
فدخل يوسف المسجد مع الفجر فأمر المؤذن بالإقامة فقال : حتى يأتي الإمام ،
١. انظر ج ٢ : ٢٢٦ .
٢ انظر = ٣ : ٤٨٨.
١٠٣

فانتهره ، فأقام ، وتقدم يوسف فصلى، وقرأ ﴿ إذا وقعت الواقعة﴾ (الواقعة:
١) و﴿ سأل سائل﴾ (المعارج: ١) ثم أرسل إلى خالد وطارق وأصحابهما
فأخذوا وإنّ القدور لتّغْلي .
وقال أبو عبيدة : حبس يوسف خالداً ، فصالحه أبان بن الوليد عنه وعن
أصحابه على تسعة آلاف ألف درهم ، ثم ندم يوسف ، وقيل له لو لم تقبل
هذا المال لأخذت منه مائة ألف ألف درهم ، فقال : ما كنت لأرجع عن
شيء رهنت به لساني. وأخبر أصحاب خالد خالداً فقال : أسأتم حين أعطيتموه
هذا المال في أول وهلة ، ما يؤمني أن يأخذها ثم يرجع عليكم ؟ فارجعوا
إليه ، فأتوه فقالوا : إنا أخبرنا خالداً بما فارقناك عليه من المال ، فذكر
أنه ليس عنده ، فقال: أنتم أعلم وصاحبكم ، فأما أنا فلا أرجع عليكم وإن
رجعتم لم أمنعكم ، قالوا : فإنا قد رجعنا ، قال : فوالله لا أرضى بتسعة
آلاف [ألف]، ولا بمثلها ومثلها، فذكر ثلاثين ألف ألف، ويقال مائة
ألف ألف .
وقال أشرس مولى بني أسد ، وكان تاجراً ليوسف بن عمر : أتانا كتاب
هشام ، فقرأه يوسف، فَكتّمنا ما فيه وقال : أريد العمرة، فخرج وأنا معه،
واستخلف ابنه الصلتَ على اليمن ، فما كلم أحداً منا بكلمة واحدة حتى
انتهى إلى العُذَيْبِ فأناخ وقال: يا أشرس أين دليلك؟ فقلت : هوذا ،
فسأله عن الطريق ، فقال : هذه طريق المدينة وهذه طريق العراق ، فقلت :
والله ما هي بأيام عمرة ، فلم يتكلم حتى أناخ بين الحيرة والكوفة في بعض
الليل ، ثم استلقى على ظهره ورفع إحدى رجليه على الأخرى وقال :
فما لبّتنا العيسُ أن قذقتْ بنا
نوى غربةٍ والعهدُ غيرُ قديمٍ
ثم قال : يا أشرس : ابْغني إنساناً أسائله ، فأتيته برجل فقال: سله
عن ابن النصرانية ، يعني خالداً القسري ، فقلت : ما فعل خالد ؟ قال :
في الحمة ، اشتكى فخرج إليها ، فقال : سله عن طارق ، فقال : ختن
بنيه فهو يطعم الناس بالحيرة، وخليفته عطية بن مقلاص بطعم الناس بالكوفة ،
١٠٤

قال : خل عن الرجل. ثم ركب فأناخ بالرَّحَبَة، ودخل المسجد فصلى يوسف
ثم استلقى على ظهره، فمكثنا ليلاً طويلاً ، ثم جاء المؤذنون وزياد بن
عبيد اللّه الحارثي يومئذ على الكوفة خليفة لخالد ، فأذنوا ثم سلموا ،
وخرج زياد فأقيمت الصلاة ، فذهب زياد ليتقدم فقال يوسف ، يا أشرس
نَحّهِ ، فقلت : يا زياد تأخر ، الأمير ، فتأخر زياد وتقدم يوسف ،
وكان حسن القراءة فصيحاً ، فقرأ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ و﴿ سال سائل بعذاب
واقع ﴾ فصلى الفجر، وتقدم القاضي فحمد الله وأثنى عليه ودعا للخليفة
وقال : ما اسم أميركم ؟ فأخبر ، فدعا له بالصلاح ، فما تفرق أهل الصلاة
حتى جاء الناس ، ولم يبرح يوسف حتى بعث إلى خالد وإلى أبان بن الوليد
بفارس ، وإلى بلال بن أبي بردة بالبصرة، وإلی عبد الله بنأبي بردة بسجستان،
وأمر هشام أن تعزل عمال خالد جميعهم ، إلا الحكم بن عوانة ، وكان على
السند ، فأقرّه حتى قتل هو وزيد بن علي في يوم واحد ، قتله ناكَهْرُ .
ولما أتى خالد قيل له : الأمير يوسف، قال : دعوني من أميركم ، أحيّ
هو أمير المؤمنين ؟ قيل نعم ، فقال : لا بأس علي . فلما قُدِمَ بخالد على
يوسف حبسه، وضرب يزيد بن خالد ثلاثين سوطاً ، فكتب هشام إلى يوسف:
أعطى الله عهداً لئن شاكت خالداً شوكة لأضربن عنقك، فخلّ سبيله بثقله
وعياله ، فأتى الشام فلم يزل مقيماً به يغزو الصوائف حتى مات هشام .
وقيل إن يوسف استأذن هشاماً في بسط العذاب على خالد فلم يأذن له ،
حتى ألح عليه بالرسل واعتل بانكسار الخراج لما صار إليه وإلى عماله منه ،
فأذن له فيه مرة واحدة وبعث حرسياً يشهد ذلك ، وحلف لئن أتى على خالد
أجله ليقتلنه به ، فدعا به يوسف وجلس على دكان بالحيرة وحضر الناس،
وبسط عليه العذاب ، فلم بكلمه خالد حتى شتمه يوسف وقال : يا ابن
الكاهن ، يعني شقّاً أحد أجداد خالد وهو الكاهن المشهور - قلت : كما
تقدم في ترجمة خالد - قال فقال له خالد : إنك لأحمق ، تعيرني بشرفي ،
لكنك ابن السبّاء ، إنما كان أبوك يسبأ الخمر - قلت: معناه يبيع الحمر -
قال : ثم رد خالداً إلى محبسه فأقام ثمانية عشر شهراً، ثم كتب إليه هشام
١٠٥

يدـ :-
يأمره بتخلية سبيله في شوال سنة إحدى وعشرين ومائة ، وخرج خالد ومعه
جماعة من أهله وغيرهم حتى أتى القُرّيّة ، وهي من أرض الرصافة ، فأقام
بها بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرم وصفر ، لا يأذن له هشام
في القدوم عليه .
قال الهيثم بن عدي : وخرج زيد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي
ابن أبي طالب رضي الله عنه على يوسف بن عمر ، فكتب يوسف إلى هشام :
إن أهل هذا البيت من بني هاشم قد كانوا هلكوا جوعاً ، حتى كانت همة
أحدهم قوتَ يومه ، فلما ولي خالد العراق قواهم بالأموال حتى تاقت أنفسهم
إلى طلب الخلافة ، وما خرج زيد إلا باذن خالد ، وما مقامه بالقُرّيّة إلا
لأنها مَدْرِجة الطريق ، فهو يسأل عن أخباره ، فقال هشام للرسول :
كذبت وكذب صاحبك ، ومهما اتهمنا به خالداً فانا لا نتهمه في طاعته ،
وأمر بالرسول فوجئت عنقه ، وبلغ الخبر خالداً فصار إلى دمشق .
وقال أبو الحسن المدائني : أمر يوسف بن عمر ببلال بن أبي بردة بن
أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وكان بلال عامل خالد القسري على البصرة،
فعذب ، فضمِن ثلثمائة ألف درهم ، وأخذ منه كفلاء ، فأخفرهم وهرب
إلى الشام ، فيقال إن غلامه أراد أن يشتري له دُرّاجاً فعرف ، ويقال بل
شوی له غلامه دراجاً فأحرقه ، فضربه فسعی به ، فأتي به یوسف بن عمر ،
فأمر به فأقيم في الشمس فقال : أدنوني من أمير المؤمنين فله عليّ ما طلب ،
فأبى ورده إلى يوسف فعذبه حتى قتله ، وقال أخوه عبد الله بن أبي بردة
للسجان : ارفع اسمي في الموتى فرفعه، فقال يوسف : أرِنيه ميتاً، فَغَمّه
السجان حتى مات ؛ ويقال بل كان بلال الذي سأل السجان رفع اسمه في
الموتى١، والمقتول في العذاب عبد اللّه، والله أعلم بذلك . وقال يونس
النحوي : ما قتل بلالاً إلا دهاوه ، سأل السجان أن يرفع اسمه في الموتى
١ زاد في المختار : ويعطيه مالا فرفع اسمه في الموقى .
١٠٦

ويعطيه مالاً ، فقال يوسف: اعرض الموتى علي ، فغمه حتى مات وعرضه
عليه ميتاً .
وقال المدائني: ولى يوسف بن عمر صالح بن كُرَيَز ولاية ، فخرجت
عليه ثلاثون ألفاً فحبس بها ، وبلال بن أبي بردة يومئذ محبوس ، فقال له
بلال : إنّ على العذاب سالما ، ویلقب رتبیل ، فاياك أن تقول له رُتْبیل ،
فانه یکره ذلك ، وجعل بلال يردد عليه القول في ذلك ، فعذبه سالم ، فنسي
اسمه وكنيته وجعل يقول له: يا رتبيل اتق الله، يا رتبيل اتق الله، وكرر
عليه القول في ذلك من ألم العذاب، وهو يقول اقتلْ، من غيظه عليه ، فلما .
خلى عنه قال له بلال : أم أنهك عن رتبيل ؟ فقال : وهل أوقعي في رتبيل
غيرك !! أنا ما كنت أعرف رتبيل لولا أنت ، وما تدع شرك في سراء
ولا ضراء ..
وقال المدائى أيضاً : كان على شُرط يوسف بن عمر العباس بن سعد
المري ، وکان کاتبه قحذم بن سليمان بن ذكوان وزياد بن عبد الرحمن مولى
ثقيف ، وعلى حرسه وحجابته جندب ، وفيه يقول الشاعر :
حاجب
لحاجب حاجبه.
أتانا أميرٌ شديد النّكال
وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)): بلغني أن
يوسف بن عمر كان قد أخذ مع آل الحجاج بن يوسف الثقفي ليعذب ،
ويطلب منه المال ، فقال : أخرجوني لأسأل ، فدُفع إلى الحارث بن مالك
الجهضمي يطوف به، وكان مغفّلاً، فانتهى به إلى دار لها بابان، فقال يوسف :.
دعني أدخل هذه الدار فإن فيها عمة لي أسألها ، فأذن له ، فدخل وخرج من
الباب الآخر وهرب ، وذلك في خلافة سليمان بن عبد الملك . وكان يوسف
يسلك طرائق ابن عم أبيه الحجاج بن يوسف في الصرامة والشدة في الأمور
وأخذ الناس بالمشاق ، ولم يزل على ذلك إلى حين عزله .
" وذكر عمر بن شبة النميري في كتاب ((أخبار البصرة)) أن يوسف بن
عمر وزن درهماً فنقص حبة ، فكتب إلى دور الضرب بالعراق فَضْربَ
١٠٧٠

أهلها ، فأحصي في تلك الحبة مائة ألف سوط ضربها الناس . وكان يوسف
مذموماً في عمله أخرق سيء السيرة ، وكان جواداً ، فكان يطعم الناس على
خمسمائة خوان ، أقصاها وأدناها سواء ، يأكل منها الشامي والعراقي، وعلى
كل خوان فُرْنيّة عليها السكر ، فنفد السكر من فرنية ، فتكلم أهلها ،
فضرب الخباز ثلثمائة سوط والناس يأكلون ، فكان الخباز يتخذ الخرائط
فيها السكر ، فكلما نقد زادوا .
وروى الحكم بن عوانة الكلبي عن أبيه قال : لم يؤيد الملك بمثل كلب،
ولم تُعْلَ المنابر بمثل قريش، ولم تطلب التّرات بمثل تميم، ولم تُرْعّ الرعايا بمثل
ثقيف ، ولم تسد الثغور بمثل قيس، ولم تُهَج الفتن بمثل ربيعة ، ولم يُجْبّ
الخراج بمثل اليمن .
وقال الأصمعي : قال يوسف بن عمر لرجل ولاه عملاً : يا عدو اللّه ،
أكلت مال الله، فقال له : فمال من آ كل منذ خلقتُ وإلى الساعة ؟ واللّه
لو سألتُ الشيطانَ درهماً واحداً ما أعطانيه .
وكان يوسف بن عمر قد استعمل على خراسان نصر بن سيار الليثي ،
وبقي إلى آخر أيام بني أمية ، وقضاياه ووقائعه مع أبي مسلم الخراساني مشهورة
في مواضعها ، وفيه وفي يوسف يقول سوار بن الأشعر :
. مَنْ ظُلمِ كل غشوم الحكمِ جبّارٍ
أضحتْ خراسانُ بعد الخوف آمنة
اختارَ نَصراً لها ، نَصرّ بن سَّار
لما أتّى يوسفاً أخبَارُ ما لقيتْ
وقال سماك بن حرب : بعث إليّ يوسف بن عمر وهو أمير العراق ،
أنّ عاملاً لي كتب إليّ: إني قد زرعت لك كل خُقَ وُلُق ، فما هما ؟
فقلت : إن الْحُقّ: ما اطمأن من الأرض ، واللق: ما ارتفع منها ، انتهى
كلامه؛ قلت: وذكر الجوهري في كتاب ((الصحاح)): أن الحق الغدير ،
إذا جف وتقلع ، واللق : الشق المستطيل ، وقيل : الحق حفرة غامضة في
الأرض ، والحق : بضم الخاء المعجمة وتشديد القاف ، واللق : بضم اللام
والله أعلم
وتشديد القاف ،
١٠٨

وكان يوسف بن عمر من أعظم الناس لحية ، وأصغرهم قامة ، كانت
لحيته تجوز سرته .
وكان يُضرب به المثل في التّيه والحمق ، ذكر ذلك حمزة الأصبهاني
في كتاب ((الأمثال))، فقال: قولهم (( أتيه من أحمق ثقيف)) هو يوسف
ابن عمر، كان أتيه وأحمق عربي أمر ونهى في دولة الإسلام ، فمن حمقه
أن حجاماً أراد أن يحجمه فارتعدت يده ، فقال لحاجبه : قل لهذا البائس ،
لا تخف ، وما رضي أن يقول له بنفسه . وكان الخياط إذا أراد أن يفصل
ثيابه ، فإن قال : يحتاج إلى زيادة ثوب آخر، أكرمه وحبّاهُ ، وإن فضل
شيء أهانه وأقصاه ، لأنه يكون قد نبه على قصره ودمامته .
واستمر يوسف على ولاية العراق بقية مدة هشام بن عبد الملك ، فلما
توفي في يوم الاربعاء لست خلون من ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة
بالرصافة من أرض قنسرين وبها قبره ، وكان عمره خمساً وخمسين سنة ،
وقيل أربعاً وخمسين ، وقيل اثنتين وخمسين سنه ، والله أعلم ، وكنيته
أبو الوليد ، تولى ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك بعده فأقر يوسف
ابن عمر على ولايته بالعراق . وقتل الوليد المذكور يوم الخميس لليلتين بقيتا
من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة ، وكان قد عزم على عزل يوسف
ابن عمر وتولية عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف الثقفي .
وكانت أم الوليد بن يزيد المذكور أمَّ الحجاج بنت محمد بن يوسف ،
فالحجاج عمها ، فکتب الوليد إلى يوسف بن عمر : إنك قد کنت کتبت
إليّ تذكر أن خالد بن عبد الله القَسْري أخرب العراق، وكنت مع ذلك
تحمل إلى هشام ما تحمل ، وينبغي أن تكون قد عمرت البلاد حتى رددتها إلى
ما كانت عليه ، فاشخص إلينا وصدق ظننا بك فيما تحمله إلينا بعمارتك
البلاد حتى نعرف فضلك على غيرك لما بينا وبينك من القرابة ، فانك خالقًا
وأحق الناس بالتوفير علينا ، وقد علمت ما زدنا لأهل الشام في العطاء ،
وما وصلنا أهل بيتنا به لحفوة هشام إياهم ، حتى أضر ذلك ببيوت الأموال؛
١٠٩

فخرج يوسف بن عمر بنفسه إلى الوليد بن يزيد وحمل من الأموال والامتعة
والآنية ما لم يُحمل من العراق مثله، فقدم وخالد بن عبد الله القسري محبوس،
فلقيه حسان النبطي ليلاً وأخبره أن الوليد قد عزم على تولية عبد الملك بن
محمد بن الحجاج ، وأنه لا بد له من إصلاح أمر وزرائه ، فقال يوسف :
ليس عندي شيء ، فقال له حسان : عندي خمسمائة ألف درهم فإن شئت
فهي لك ، وإن شئت فارددها إذا تيسرت ، فقال له يوسف : أنت أعلم
بالقوم ومنازلهم من الوليد، ففرقها على قدر علمك فيهم، ففعل ، فقدم يوسف
والقوم يعظمونه ، وقرر يوسف بن عمر مع أبان بن عبد الرحمن النميري
أن يشتري خالد بن عبد الله القسري بأربعين ألف ألف درهم ، فقال الوليد
ليوسف ، ارجع إلى عملك ، فقال أبان له: ادفع إليّ خالداً وأدفع إليك
أربعين ألف ألف درهم ، فقال الوليد ، ومن يضمن عنك هذا المال ؟ فقال:
يوسف ، فقال ليوسف : أتضمن عنه ؟ فقال يوسف : إدفعه إلى فأنا أستأديه
خمسين ألف ألف درهم ، فدفعه إليه ، فحمله في مجمل بغير وطاء ، وقدم
به إلى العراق فقتله ، كما شرحته في ترجمته .
ولما قتل الوليد بن يزيد وتولى بعده ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك
وأطاعه أهل الشام وانبرم له الأمر ، ندب لولاية العراق عبد العزيز بن هارون
ابن عبد الملك بن دحية بن خليفة الكلبي ، فقال له عبد العزيز : لو كان معي
جند لقبلت ، فتركه وولاها منصور بن جمهور . وأما أبو مختّف فإنه قال :
قتل الوليد بن يزيد بالبخْراء في التاريخ المذكور ، وبويع يزيد بن الوليد
بدمشق ، وسار منصور بن جمهور من البخراء في اليوم الذي قتل فيه الوليد
إلى العراق ، وهو سابع سبعة ، فبلغ خبره يوسف بن عمر فهرب ، وقدم
منصور بن جمهور الحيرة في أيام خلت من رجب ، فأخذ بيوت الأموال
وأخرج العطاء لأهل العطاء والأرزاق، وولى العمال بالعراق، وأقام بقية أيام
رجب وشعبان ورمضان ، وانصرف لأيام بقيت منه .
ولما هرب يوسف بن عمر سلك طريق السماوة حتى أتى إلى البلقاء
فاستخفى بها ، وكان أهله مقيمين فيها ، فلبس زي النساء وجلس بينهن ،
١١٠

وبلغ يزيد بن الوليد خبره فأرسل إليه من يحضره ، فوصلوا إليه فوجدوه بعد
أن فتشوا عليه كثيراً جالساً على تلك الهيئة بين نسائه وبناته ، فجاء به في
وثّاق ، فحبسه يزيد عند الحكم وعثمان ابنى الوليد بن يزيد ، وکان یزید
ابن الوليد قد حبسهما عند قتله أباهما في الخضراء ، وهي دار بدمشق مشهورة
قبليّ جامعها وقد خربت الآن ومكانها معروف عندهم . ثم إن يزيد بن الوليد
عزل منصور بن جمهور عن ولاية العراق وولاها عبد الله بن عمر بن عبد
العزيز ، فأقام يوسف بن عمر في السجن بقية مدة يزيد بن الوليد إلى أن
مات في ذي الحجة على الخلاف الكثير فيه : هل مات في أول الشهر أو في
عاشره أو بعد العاشر أو في سلخ ذي القعدة سنة ست وعشرين ومائة ، وجعل
ولي عهده أخاه إبراهيم بن الوليد ، ومن بعده عبد العزيز بن الحجاج بن عبد
الملك . واستمر يوسف بن عمر في سجنه مدة ولاية إبراهيم بن الوليد ، فجاء
مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية بأهل الجزيرة الفراتية وقنسرين وغلب
على الأمر وخلع إبراهيم بن الوليد وتولى مكانه ، وقتل عبد العزيز بن الحجاج
ابن عبد الملك ، وكانت ولاية إبراهيم أربعة أشهر، وخلع في شهر ربيع الآخر
سنة سبع وعشرين ومائة ، وقيل كانت ولايته سبعين يوماً لا غير ، وكان
يزيد بن خالد بن عبد الله القسري مع إبراهيم بن الوليد .
فلما ظهر أمر مروان بن محمد والتقى عسكره وعسكر إبراهيم ، وهرب
عسكر إبراهيم ودخلوا دمشق ، ومروان وراءهم ، خافت جماعة إبراهيم
أن يدخل مروان فيخرج الحكم وعثمان ابني الوليد من السجن ويجعل لهما
الأمر فلا يستبقيا أحداً ممن أعان على قتل أبيهما ، فأجمع رأيهم على قتلهما ،
فأرسلوا يزيد بن خالد القسري ليتولى ذلك ، فانتدب يزيد المذكور مولى
أبيه ، وهو أبو الأسد ، في جماعة من أصحابه ، فدخلوا السجن وشدخوا
الغلامين بالعمد وأخرجوا يوسف بن عمر فضربوا عنقه ، لكونه قتل خالد
ابن عبد الله القسري والد يزيد المذكور - كما شرحناه في ترجمة خالد -
وذلك في سنة سبع وعشرين ومائة ، وهو ابن نيف وستين سنة . ولما قتل.
أخذوا رأسه عن جسده وشدوا في رجليه حبلا ، فجعل الصبيان يجرونه
١١١

في شوارع دمشق ، فتمر المرأة به فترى جسداً صغيراً فتقول : في أي شيء.
قتل هذا الصبي المسكين ؟ لما ترى من صغر جثته .
قال بعضهم : رأيت يوسف بن عمر وفي مذاكيره حبل وهو يجر
بدمشق ، ثم رأيت بعد ذلك يزيد بن خالد القسري قاتله وفي مذا كبره حبل
وهو يجر في ذلك الموضع . وقد قيل إنه قتل في العشر الوسط من ذي الحجة
سنة ست وعشرين ومائة ، والله أعلم .
٨٤٤
يوسف بن تاشفين
أبو يعقوب يوسف بن تاشفين اللمتوني أمير المسلمين وملك الملثّمين ،
وهو الذي اختط مدينة مراكش - وقد تقدم في ترجمة المعتمد محمد بن عباد
والمعتصم محمد بن صُمَادح١ الملكين ببلاد الأندلس طَرَف من أخباره وما
جرى لهما معه وكيف أخذ بلادهما ، واستأسر ابنَ عباد وحبسه في أغمات ،
وقد استوفيت الكلام عليه هناك ، ونبهت عليه الآن ليعلم الواقف عليه أن
هذا الملك هو ذلك، وأنه عظيم الشان كبير السلطان .
ذكر أرباب التواريخ شيئاً من أحواله فاخترت في هذا الكتاب ما وجدته
في كتاب ((المعرب عن سيرة ملك المغرب))، لأنه١ أوعب في حديثه
من غيره لكنه لم يذكر مؤلفه حتى أذكره ، غير أنه قال في أول النسخة التي
٨٤٤- أخباره في الحلل الموشية والبيان المغرب (ج : ٤) وروض القرطاس وأعمال الأعلام
والروض المعطار ( الزلاقة) وتاريخ ابن خلدون وابن الأثير والمعجب المراكشي والأنيس
المطرب ومذكرات الأمير عبد الله والاستقصا وجذوة الاقتباس ... الخ.
١ انظر = ٥ : ٢١ ، ٣٩ .
٢ ص : في أنه .
١١٢

نقلت منها هذا الفصل: إنه كتبها في سنة تسع وسبعين وخمسمائة، وفرغ
منها في غرّة ذي القعدة من السنة بالموصل ، وهو في مجلد واحد لطيف ،
فاخترت منه مقتضباً ما مثاله .
كان بر المغاربة الجنوبي لقبيلة تسمى زَنّاتة - برابر - فخرج عليهم
من جنوبي المغرب من البلاد المتاخمة لبلاد السودان الملثّمون يقدَمُهم أبو
بكر ابن عمر منهم ، وكان رجلاً ساذجاً خير الطباع مؤثراً لبلاده على بلاد
المغرب غير ميال إلى الرفاهية ، وكانت ولاة المغرب من زناتة ضعفاء لم يقاوموا
الملثمين ، فأخذوا البلاد من أيديهم من باب تلمسان إلى ساحل البحر المحيط .
فلما حصلت البلاد لأبي بكر ابن عمر المذكور سمع أن عجوزاً في
بلاده ذهبت لها فاقة في غارة فبكت وقالت : ضيعنا أبو بكر ابن عمر بدخوله
إلى بلاد المغرب ، فحمله ذلك على أن استخلف على بلاد المغرب رجلاً من
أصحابه اسمه يوسف بن تاشفين ورجع إلى بلاده الجنوبية .
وكان يوسف هذا رجلاً شجاعاً عادلاً مقداماً ، اختط بالمغرب مدينة
مراكش ، وكان موضعها مكمناً للصوص ، وكان ملكاً لعجوز مَصْمُودية
تمدّنه منها؛ فلما تمهدت له البلاد تاق إلى العبور إلى جزيرة الأندلس، وكانت
مُحَصّنة بالبحر ، فأنشأ شواني ومراكب وأراد العبور إليها ، فلما علم
ملوك الأندلس بما يروم من ذلك أعدوا له عدة من المراكب والمقاتلة وكرهوا
إلمامه بجزيرتهم ، إلا أنهم استهولوا جمعه واستصعبوا مدافعته وكرهوا أن
يصبحوا بين عدوين : الفرنج من شماليهم والملثمون من جنوبيهم . وكانت
الفرنج تشدّ وطأتها عليهم ، إلا أن ملوك الأندلس كانت تُرْهبُ الفرنج
باظهار موالاتهم لملك المغرب يوسف بن تاشفين ، وكان له اسم كبير لنقله
دولة زناتة وملك الغرب إليه في أسرع وقت . وكان قد ظهر لأبطال الملثمين
في المعارك ضربات بالسيوف تقد الفارس وطعنات تنظم الكُلّى ، فكان لحم
بذلك ناموس ورعب في قلوب المنتدبين لقتالهم .
وكان ملوك الأندلس يفيئون إلى ظل يوسف بن تاشفين ويحذرونه على
٨-٧
١١٣

ملكهم مهما عبر إليهم وعاين بلادهم ، فلما رأوا عزيمته متقدمة على العبور
أرسل بعضهم إلى بعض ، وكاتبوهم يستنجدون آراءهم في أمره ، وكان
مفزعهم في ذلك إلى المعتمد بن عباد لأنه كان أشجع القوم وأكبرهم مملكة ،
فوقع اتفاقهم على مكاتبته، وقد تحققوا أنه يقصدهم، يسألونه الإعراض عنهم
وأنهم تحت طاعته ، فكتب عنهم كاتب من أهل الأندلس كتاباً هو: ((أما
بعد ، فانك إن أعرضت عنا نُسبْت إلى كرم ولم تنسب إلى عّجْز ، وإن
أجبنا داعيك نسبنا إلى عقل ولم ننسب إلى وهن ، وقد اخترنا لأنفسنا أجمل
نسبتينا ، فاختر لنفسك أكرم نسبتيك، فانك بالمحلّ الذي لا يجب أن تسبق
فيه إلى مكرمة، وإن في استبقائك ذوي البيوت ما شئت من دوام لأمرك وثبوت ،
والسلام :
فلما جاءه الكتاب مع تحف وهدايا - وكان يوسف بن تاشفين لا يعرف
اللسان العربي لكنه كان يُجيد فهم المقاصد، وكان له كاتب يعرف اللغتين
العربية والمرابطية - فقال له: أيها الملك، هذا الكتاب من ملوك الأندلس
يعظمونك فيه ويعرفونك أنهم أهل دعوتك وتحت طاعتك، ويلتمسون منك
ألا تجعلهم في منزلة الأعادي ، فانهم مسلمون ، وهم من ذوي البيوتات ؛
فلا تغير بهم ، وكفى بهم مَنْ وراءهم من الأعداء الكفار ، وبلدهم ضيق
لا يحتمل العساكر، فأعرض عنهم إعراضك عمن أطاعك من أهل المغرب؛
فقال يوسف بن تاشفين لكاتبه : فما ترى أنت ؟ فقال : أيها الملك ، اعلم
أن تاج الملك وبهجته وشاهده الذي لا يردّ بابه خليق بما حصل في يده من الملك
أن يعفو إذا استعفي وأن يهب إذا استوهب ، وكلما وهب جزيلا كان أعظم
لقدره ، فاذا عظم قدره تأصل ملكه ، وإذا تأصل ملكه تشرف الناس بطاعته ،
وإذا كانت طاعته شرفاً جاءه الناس ولم يتجشم المشقة إليهم ، وكان
وارث الملك من غير إهلاك لآخرته؛ واعلم أن بعض الملوك الأكابر والحكماء
البصراء بطريق تحصيل الملك قال : من جاد ساد ومن ساد قاد ومن قاد ملك
البلاد . فلما ألقى الكاتب هذا الكلام إلى يوسف بن تاشفين بلغته فهمه وعلم
أنه صحيح ، فقال الكاتب : أجب القوم ، واكتب بما يجب في ذلك ، واقرأً
١١٤

عليّ كتابك ، فكتب الكاتب : بسم الله الرحمن الرحيم من يوسف بن
تاشفین ، سلام علیکم ورحمة الله وبركاته ، تحية من سامکم ، وسلم إلیکم ،
وحَكَّمه التأييد والنصر فيما حكم عليكم ، وإنكم مما بأيديكم من الملك في
أوسع إباحة ، مخصوصون منا بأكرم إيثار وسماحة ، فاستديموا وفاءنا بوفائكم،
واستصلحوا إخاءنا باصلاح إخائكم، والله ولي التوفيق لنا ولكم ، والسلام)).
فلما فرغ من كتابه قرأه على يوسف بن تاشفين بلسانه فاستحسنه ، وقرن
به يوسف بن تاشفين دَرَ قاً لمطية مما لا يكون إلا في بلاده . - قلت : اللمطية ،
بفتح اللام وسكون الميم وبعدها طاء مهملة ثم ياء مشددة مثناة من تحتها
وبعدها هاء ساكنة ، هذه النسبة إلى لمطة ، وهي بليدة عند السوس الأقصى ،
بينها وبين سجلماسة عشرون يوماً ، قاله ابن حوقل في كتاب ((المسالك
والممالك)) وهي معدن الدرق اللمطية ، ولا يوجد مثلها في الدنيا على ما
يقال، والله أعلم - قال: وأنفذ ذلك إليهم. فلما وصلهم كتابه أحبوه وعظموه
وفرحوا بولايته ملك المغرب ، وتقوت نفوسهم على دفع الفرنج ، وأزمعوا
إن رأوا من ملك الفرنج ما يريبهم أن يجيزوا إليه يوسف بن تاشفين ويكونوا
من أعوانه على ملك الفرنج ، فتحصل ليوسف بن تاشفين برأي وزيره ما
أراد من محبة أهل الأندلس له ، وكفاه الحرب لهم .
وإن الأذفونش بن فَرْذَ لَند صاحب طليطلة قاعدة ملك الفرنج أخذ
يجوس خلال الديار ويفتتح بلاد الأندلس ويشتط على ملوكهم بطلب البلاد
منهم ، وخصوصاً المعتمد بن عباد ، فإنه كان مقصوداً فيه - وقد تقدم في
ترجمة المعتمد ذكر تاريخ أخذه طليطلة والأبيات التي قيلت في ذلك - فنظر
المعتمد في أمره فرأى أن الأذفونش قد داخله طمع فيما يلي بلاده ، فأجمع
أمره على استدعاء يوسف بن تاشفين على العبور ، على ما فيه من الخطر ،
وعلم أن مجاورة غير الجنس مؤذنة بالبوار ، وأن الفرنج والملثمين ضدان له ،
إلا أنه قال : إن دهينا من مداخلة الأضداد لنا فأهون الأمرين أمر الملثمين ،
ولأن يرعى أولادنا جمالهم أحبّ إليهم من أن يرعوا خنازير الفرنج، ولم
يزل هذا الرأي نصب عينيه مهما اضطر إليه .
١١٥

وان الأنفونش خرج في بعض السنین یتخلل بلاد الأندلس في جمع كبير
من الفرنج ، فخافه ملوك الأندلس على البلاد ، وأجفل أهل القرى والرساتيق
من بين يديه ولجأوا إلى المعاقل ، فكتب المعتمد بن عباد إلى يوسف بن تاشفين
يقول له:" إن كنت مؤثراً للجهاد فهذا أوانه ، فقد خرج الأنفونش إلى
البلاد ، فأسرع في العبور إليه ، ونحن معاشر أهل الجزيرة بين يديك ؛
وكان يوسف بن تاشفين على أتم أهبة ، فشرع في عبور عساكره ، فلما أبصر
ملوك الأندلس عبور أهل المغرب يطلبون الجهاد ، وكانوا قد وعدوا من أنفسهم
بالمساعدة ، أعدوا أيضاً للخروج ، فلما رأى الأنفونش اجتماع العزائم
على مناجزته علم أنه عام نطاح ، فاستنفر الفرنجية للخروج فخرجوا في عدد
لا يحصيه إلا اللّه تعالى. ولم تزل الجموع تتألف وتتدارك إلى أن امتلأت جزيرة
الأندلس خَيْلاً ورَجْلا من الفريقين ، كل أناس قد التفوا على ملكهم .
فلما عبرت جيوش يوسف بن تاشفين عبر في آخرها وأمر بعبور الجمال ،
فعبر منها ما أغصّ الجزيرة وارتفع رغاؤها إلى عنان السماء ، ولم يكن أهل
الجزيرة رأوا قط جملاً ولا كانت خيلهم قد رأت صورها ولا سمعت
أصواتها ، وكانت تذعر منها وتقلق ، وكان ليوسف بن تاشفين في عبورها
رأيٌ مصيب ، كان يحدق بها معسكره ، وكان يحضرها الحرب، فكانت
خيل الفرنج تحجم عنها . فلما تكاملت العساكر بالجزيرة قصدت الأذفونش،
وكان نازلاً بمكان أفْيَحَ من الأرض يسمى الزلاقة بالقرب من بَطَلْيَوْس -
قال البياسي : بين المكانين أربعة فراسخ ؛ وقال أيضاً : إن يوسف بن تاشفين
قدم بين يدي حربه كتاباً على مقتضى السنة يعرض عليه الدخول في الإسلام
أو الحرب أو الجزية ، ومن فصول كتابه : وبلغنا يا أذفونش أنك دعوت
في الاجتماع بك ، وتمنيت أن يكون لك فلكٌ تعبر البحر عليها إلينا ، فقد
أجزناه إليك ، وجمع الله في هذه العرصة بيننا وبينك، وسترى عاقبة دعائك
﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ (غافر: ٥٠). فلما سمع الأذفونش ما
كتب إليه جاش بحر غيظه وزاد في طغيانه وأقسم أنه لا يبرح من موضعه
حتى يلقاه
١١٦

ثم إن ابن تاشفين ومن معه قصدوا الزلاقة ، فلما وافاها المسلمون نزلوا
تجاه الفرنج بها، فاختار المعتمد بن عباد أن يكون هو المصادم لهم أولاً ، وأن
يكون يوسف بن تاشفين إذا انهزم المعتمد بعسكره بين أيديهم وتبعوه ، يميل
عليهم بعساكره ، وتتألف معه عساكر الأندلس ، فلما عزموا على ذلك
وفعلوه خذل الفرنج وخالطتهم عساكر المسلمين واستحر القتل فيهم ، فلم
يفلت منهم غير الأذفونش في دون الثلاثين من أصحابه ، فلحق ببلده على
أسوأ حال، فغنم المسلمون من أسلحته وخيله وأثاثه ما ملأ أيديهم خيراً .
قلت : وكانت الوقعة في يوم الجمعة الخامس عشر من رجب سنة تسع
وسبعين وأربعمائة ، وقيل في شهر رمضان في العشر الأواخر من السنة ،
والله أعلم. وقال البياسي : كان حلول العساكر الإسلامية بالجزيرة الخضراء
في المحرم سنة تسع وسبعين وأربعمائة
فحكي أن موضع المعترك على اتساعه ما كان فيه موضع قدم إلا على
جسد أو دم ، وأقامت العساكر بالموضع أربعة أيام حتى جمعت الغنائم ،
فلما حصلت عف عنها يوسف بن تاشفين وآثر بها ملوك الأندلس ، وعرفهم
أن مقصوده إنما كان الغزو لا النهب ، فلما رأت ملوك الأندلس إيثار يوسف
ابن تاشفين لهم بالمغانم استكرموه وأحبوه وشكروا له
ثم إن يوسف بن تاشفين أزمع الرجوع إلى بلاده ، وكان عند قصده
ملاقاة الأذفونش تحرّى المسير بالعراء من غير أن يمرّ بمدينة أو رستاق حتى
نزل الزلاقة تجاه الأذفونش وهناك اجتمع بعساكر الأندلس ؛ وذكر أبو
الحجاج يوسف بن محمد البياسي في كتاب (( تذكير العاقل وتنبيه الغافل ))
أن ابن تاشفين نزل على أقل من فرسخ من عسكر العدو في يوم الأربعاء ،
وكان الموعد في المناجزة يوم السبت الأدفى فغدر الأذفونش ومكر ، فلما
كان سحر يوم الجمعة منتصف رجب من العام أقبلت طلائع ابن عباد والروم
في أثرها والناس على طمأنينة ، فبادر ابن عباد للركوب ، وانبث الخبر في
العساكر فماجت بأهلها ، ووقع البهت ورجفت الأرض ، وصارت الناس
١١٧

فوضى على غير تعبية ولا أهبة ، ودهمتهم خيل العدو ، فقمرت ابن عباد
وحطمت ما تعرض لها ، وتركت الأرض حصيداً خلفها ، وصرع ابن عباد
وأصابه جرح أشواه ؛ وفر رؤساء الأندلس وأسلموا محلاتهم ، وظنوا أنها
وهية لا ترفع ونازلة لا تدفع ، وظن الأذفونش أن أمير المسلمين في المنهزمين
ولم يعلم أن العاقبة للمتقين ، فركب أمير المسلمين وأحدق به أنجاد خيله ورجاله
من صنهاجة ورؤساء القبائل ، فعمدوا إلى محلة الأذفونش فاقتحموها ودخلوها
وقتلوا حاميتها ، وضربت الطبول فاهتزت الأرض وتجاوبت الآفاق ، وتراجع
الروم إلى محلتهم بعد أن علموا أن أمير المسلمين فيها ، فصدموا أمير المسلمين
فأفرج لهم عنها ، ثم كر فأخرجهم منها ، ثم كروا عليه فأفرج لهم عنها ،
ولم تزل الكرات بينهم تتوالى إلى أن أمر أمير المسلمين حَشَمه السودان فترجل
منهم زهاء أربعة آلاف ودخلوا المعترك بدرق اللمط وسيوف الهند ومزاريق
الزّان ، فطعنوا الخيل فرمحت بفرسانها وأحجمت عن أقرانها ، وتلاحق
الأذفونش بأسود نفدت مزاريقه بالقذف، فأهوى ليضربه بالسيف، فلصق به
الأسود وقبض على أعنته وانتضى خنجراً كان منتطقاً به ، فأثبته في فخذه
فهتك حلق درعه وشك فخذه مع بداد سرجه ، وكان وقت الزوال من ذلك
اليوم ، فهيت ريح النصر وأنزل الله سكينته على المسلمين ونصر دينه ، وصدقوا
الحملة على الأذفونش وأصحابه ، فأخرجوهم عن محلتهم ، فولوا ظهورهم
وأعطوا أعناقهم ، والسيوفُ تصفعهم إلى أن لحقوا بربوة لجأوا إليها واعتصموا
بها ، وأحدقت بهم الخيل ؛ فلما أظلم الليل انساب الأذفونش وأصحابه من
الربوة ، وأقلتوا بعدما نشبت فيهم أظفارهم ، واستولى المسلمون على ما كان
في محلتهم من الأثاث والآنية والمضارب والأسلحة ، وأمر ابن عباد بضم
رءوس قتلى الروم ، فنشر منها أمامه كالتل العظيم ، ثم كتب ابن عباد إلى
ولده الرشيد كتاباً وأطار به الحمّام يوم السبت سادس عشر المحرم يخبره
بالنصر .
وقد روي أيضاً أن أمير المسلمين طلب من أهل البلاد المعونة على ما هو
بصدده ، فوصل كتابه إلى المرية في هذا المعنى ، وذكر فيه أن جماعة أفتوه
١١٨

بجواز طلب ذلك اقتداء بعمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقال أهل المرية
لقاضي بلدهم وهو أبو عبد الله ابن الفراء أن يكتب جوابه ، وكان هذا
القاضي من الدين والورع على ما ينبغي ، فكتب إليه : أما بعد ما ذكره أمير
المسلمين من اقتضاء المعونة وتأخري عن ذلك ، وأن أبا الوليد الباجي وجميع
القضاة والفقهاء بالعُدوة والأندلس أفتوا بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
اقتضاها ، وكان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وضجيعه في قبره
ولا يشك في عدله ، فليس أمير المسلمين بصاحب رسول الله صلى الله عليه
وسلم ولا بضجيعه في قبره ، ولا مَنْ لا يشك في عدله ، فان كان الفقهاء
والقضاة أنزلوك بمنزلته في العدل فالله سائلُهم عن تقلدهم فيك ، وما اقتضاها
عمر حتى دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلف أن ليس عنده
درهم واحد من بيت مال المسلمين ينفقه عليهم ، فلتدخل المسجد الجامع
هنالك بحضرة أهل العلم، وتحلف أن ليس عندك درهم واحد، ولا في بيت
مال المسلمين ، وحينئذ تستوجب ذلك ، والسلام
ولما قضى أمير المسلمين من هذه الوقعة ما قضى ، أمر عساكره بالمقام
وأن تشن الغارات على بلاد الفرنج ، وأَمّر عليهم سِيْرَ ابن أبي بكر، وطلب
الرجوع في طريقه، فتكرم له المعتمد بن عباد، فعرج به إلى بلاده وسأله أن ينزل
عنده ، فأجابه يوسف إلى ذلك. فلما انتهى إلى إشبيلية مدينة المعتمد ،
وكانت من أجمل المدن منظراً ونظر إلى موضوعها على نهر عظيم مستبحر
تجري فيه السفن بالبضائع جالبة من بر المغرب وحاملة إليه ، في غربيه رستاق
عظيم مسيرة عشرين فرسخاً يشتمل على آلاف من الضياع كلها تين وعنب
وزيتون ، وهذا الموضع هو المسمى شَرَف إشبيلية ، وتمير بلاد المغرب
كلها من هذه الأصناف ، وفي جانب المدينة قصور المعتمد وأبيه المعتضد
في غاية الحسن والبهاء ، وفيها أنواع ما يحتاج إليه من المطعوم والمشروب
والملبوس والمفروش وغير ذلك، فأنزل المعتمد يوسف بن تاشفين في أحدها ،
وتولى من إكرامه وخدمته ما أوسع شكر ابن تاشفين له ، وكان مع ابن تاشفين
أصحاب له ينبهونه على تأمل تلك الحال وما هي عليه من النعمة والإتراف ،
١١٩

ويُغْرُّونه باتخاذ مثلها لنفسه ويقولون له: إن فائدة الملك قطع العيش فيه بالتنعم
واللذة كما هو المعتمد وأصحابه ؛ وكان يوسف بن تاشفين مقتصداً في أموره
غيرَ متطاول ولا مبذر متنوق في صنوف الملاذ بالأطعمة وغيرها ، وكان
قد ذهب صدر عمره في بلاده في شَظف العيش ، فأنكر على مُغريه بذلك
الإسراف وقال : الذي يلوح من أمر هذا الرجل ، يعني المعتمد ، أنه مضّيع
لما في يده من الملك ، لأن هذه الأموال التي تعينه على هذه الأحوال لا بد
أن يكون لها أرباب لا يمكن أخذ هذا القدر منهم على وجه العدل أبداً ،
فأخذه بالظلم وأخرجه في هذه الترهات ، وهذا من أفحش الاستهتار ،
ومَنْ كانت همته في هذا الحد من التصرف فيما لا يعدو الاجوفين متى
يستجد هَّمَةً في حفظ بلاده وضبطها وحفظ رعيته والتوفر على مصالحها ؟ !!
ثم إن يوسف بن تاشفين سأل عن أحوال المعتمد في لذاته : هل تختلف
فتنقص عما هي عليه في بعض الأوقات ؟ فقيل له : بل كل زمانه على
هذا، قال : أفكل أصحابه وأنصاره على عدوّه ومنجديه على الملك ينال حظاً من
ذلك ؟ قالوا : لا ، قال : فكيف ترون رضاهم عنه ؟ قالوا : لا رضا لهم
عنه ، فأطرق يوسف وسكت . فأقام يوسف عند المعتمد على تلك الحال أياما
وفي بعض تلك الأيام استأذن رجل على المعتمد ، فدخل وهو ذو هيئة رثة ،
وكان من أهل البصائر ، فلما دخل عليه قال له : أصلحك الله أيها الملك ،
إن من أوجب الواجبات شكر النعمة ، وإن من شكر النعمة إهداء النصائح ،
وإني رجل من رعيتك، حالي في دولتك إلى الاختلال أقرب منها إلى الاعتدال،
لكنني ملتزم لك من النصيحة ما يستوجبه الملك على رعيته ، فمن ذلك خبر
وقع في أذني من بعض أصحاب ضيفك هذا يوسف بن تاشفين يدل على أنهم
يرون أنفسهم وملكهم أحق بهذه النعمة منك ، وقد رأيت رأيا فإن آثرت
الإصغاء إليه قلته ؛ قال له المعتمد : قله ، قال: رأيت أن هذا الرجل الذي
أطلعته على ملكك رجل مستأسد على الملوك ، قد حطّم بير العدوة زناتة
وأخذ الملك من أيديهم ولم يبق على أحد منهم ، ولا يؤمن أن يطمح إلى
الطماعية في ملكك ، بل في ملك جزيرة الأندلس كلها بما قد عاينه من بلهنية
١٢٠