Indexed OCR Text
Pages 81-100
وهَرَاة قد تقدم الكلام عليها وأنها إحدى كراسيّ خراسان فإنها أربعة : نيسابور وهراة ومرو وبلخ . وبغشور : بفتح الباء الموحدة وسكون الغين المعجمة وضم الشين المعجمة وبعد الواو الساكنة راء ، وهي بليدة بخراسان أيضاً بين مرو وهراة ، وقد تقدم في ترجمة الحسين بن مسعود الفراء الفقيه البغوي أنه منسوب إليها . ٨٤١ الإعلم الشنتمري أبو الحجاج يوسف بن سليمان بن عيسى النحوي ، المعروف بالأعلم من أهل شَنْتَمرِيّة الغرب ؛ رحل إلى قرطبة في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة وأقام بها مدة ، وأخذ عن أبي القاسم إبراهيم بن محمد بن زكرياء الإقليلي وأبي سهل الحراني وأبي بكر مسلم بن أحمد الأديب . وكان عالماً بالعربية واللغة ومعاني الأشعار ، حافظاً لجميعها ، كثير العناية بها حسن الضبط لها مشهوراً بمعرفتها وإتقانها ، أخذ الناس عنه كثيراً ، وكانت الرحلة في وقته إليه ؛ وقد أخذ عنه أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد الغساني الجياني - المقدم ذكره ١ - وغيره. وكُفّ بصره في آخر عمره؛ وشرح كتاب (( الجمل)) في النحو لأبي القاسم الزجاجي ، وشرح أبيات الجمل في كتاب مفرد ، وساعد شيخه ابن الإقليلي المذكور على شرح ديوان المتنبي، وغالب ظني أنه شرح ((الحماسة)) فقد ٨٤١ - ترجمته في الصلة: ٦٤٣ ومعجم الأدباء ٢٠: ٦٠ وبغية الوعاة ٤٢٢ وفهرست ابن خير، ونكت الهميان: ٣١٣ ومرآة الجنان ٣: ١٥٩ = ٢: ١٨٠. ٦-٧ ٨١ كان عندي ((شرح الحماسة)) للشنتمري في خمس مجلدات، وقد غاب عني الآن من كان مصنفه ، وأظنه هو ، والله أعلم ، وقد أجاد فيه . وتوفي سنة ست وسبعين وأربعمائة بمدينة إشبيلية من جزيرة الأندلس، وكانت ولادته في سنة عشر وأربعمائة ، رحمه الله تعالى . وذكر أبو الحسن شُرّيح بن محمد بن شريح الرعيني الإشبيلي خطيب جامعها ، قال : مات أبي أبو عبد الله محمد بن شريح يوم الجمعة منتصف شوّال سنة ست وسبعين وأربعمائة ، فسرت إلى الشيخ الأستاذ أبي الحجاج الأعلم ، فأعلمته بوفاته فانهما كانا كالأخوين محبة ووداداً ، فلما أعلمته انتحب وبكى كثيراً واسترجع ثم قال : لا أعيش بعده إلا شهراً ، فكان كذلك . ورأيت بخط الرجل الصالح العالم محمد بن خَيْر المقرىء الأندلسي ، رحمه الله تعالى، أن أبا الحجاج المذكور إنما قيل له ((الأعلم)) لأنه كان مشقوق الشفة العليا شقاً فاحشاً . قلت : ومَنْ كان مشقوق الشفة العليا يقال له أعلم ، والفعل الماضي منه علم بكسر اللام يعلم بفتحها علماً بفتحها أيضاً ، والمرأة عَلْماء إذا كانت كذلك ، فان كان مشقوق الشفة السفلى يقال له أفلح ، بالفاء والحاء المهملة ، والفعل منه كما تقدم في الأعلم يقال : فلح يكسر اللام يفلح فلحاً بفتحها فيهما ، وهذه القاعدة مطردة في العيوب والعاهات كلها أن تكون عين الفعل الماضي مكسورة وفي المضارع والمصدر مفتوحة تقول خرس يخرَس خرساً ، وبرِص يبرَص برصاً ، وعمي يعمى عمى ، وكذلك جميعه ، واسم الفاعل منه على أفعل مثل أخرس وأبرص وأعمى ، وكذلك أعلم وأفلح . (378) وكان أبو يزيد سهيل بن عمرو القرشي العامري رضي الله عنه أعلم"، فلما أسر يوم بدر قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : دعني أنزع ثنيته فلا يقوم عليك خطيباً أبداً ، قال صلى الله عليه وسلم: دعه فعسى أن يقوم مقاماً تحمده، وكان سهيل من الخطباء الفصحاء ٨٢ البلغاء ، وهو الذي جاء في صلح الحديبية وعلى يده انبرم الصلح ، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه . والمقام الذي وعد به صلى الله عليه وسلم لسهيل هو أنه لما قبض صلى الله عليه وسلم كان سهيل بمكة فارتدت جماعة من العرب وحصل عندهم اختلاف ، فقام سهيل خطيباً وسكّن الناس ومنعهم من الاختلاف فكان هذا هو المقام المحمود . وقول عمر رضي الله عنه: (« دعني أنزع ثنيته فلا يقوم عليك خطيباً أبداً)) فإنما قال ذلك لأنه إذا كان مشقوق الشفة العليا ونزعت ثنيته تعذر عليه الكلام إلا بمشقة وكلفة، فهذا الذي قصده عمر رضي الله عنه . وكان عنترة بن شداد العبسي الفارس المشهور أفلح ، فكان يقال له الفلحاء لفلحة كانت به ، وإنما ذهبوا به إلى تأنيث الشفة ، والله أعلم . وشنتمرية ١ : بفتح الشين المعجمة وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوقها والميم وكسر الراء وبعدها ياء مشددة مثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة ، وهي مدينة بالأندلس في غربها . والحديبية : بضم الحاء المهملة وفتح الدال المهملة وبعدها ياء ساكنة مثناة من تحتها ثم باء موحدة مكسورة ثم ياء ثانية مفتوحة وفي آخرها هاء ساكنة ، وهو موضع بين مكة والمدينة كانت به بيعة الرضوان ، ويروى بتشديد الياء الأخيرة أيضاً . ١ شنتمرية الغرب ( Santa Maria de Algarve) تسمى اليوم فارو (Faro) وتقع في المنطقة الجنوبية من البرتغال . ٨٣ ٨٤٢ بهاء الدين عرف بابن شداد أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم بن عتبة بن محمد بن عتّاب الأسدي ، قاضي حلب ، المعروف بابن شداد ، الملقب بهاء الدين ، الفقيه الشافعي ؛ توفي أبوه وهو صغير السنّ ، فنشأ عند أخواله بني شداد فنسب إليهم ، وكان شداد جده لأمه ، وكان يكنى أولاً أبا العزّ ، ثم غير كنيته وجعلها أبا المحاسن. كما ذكرته ولد بالموصل ليلة العاشر من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ، وحفظ بها القرآن الكريم في صغره ، ثم قدم الشيخ أبو بكر يحيى بن سعدون القرطبي - المقدم ذكره١ إلى الموصل فلازمه وقرأ عليه بالطرق السبع، وأتقن عليه فن القراءات . قال أبو المحاسن المذكور في بعض تواليفه : أول من أخذت عنه شيخي الحافظ صائن الدين أبو بكر يحيى بن سعدون بن تمام بن محمد الأزدي القرطبي ، رحمه الله تعالى ، فاني لازمت القراءة عليه إحدى عشرة سنة ، فقرأت عليه معظم ما رواه من كتب القراءات ، وقراءة القرآن العظيم ، ورواية الحديث وشروحه ، والتفسير ، حتى كتب لي خطه ، شهد لي بأنه ما قرأ عليه أحد أكثر مما قرأت ، وعندي خطه بجميع ما قرأت عليه في قريب من كراسين ، وفهرستُ ما رواه جميعه عندي وأنا أرويه عنه .. ومما يشتمل عليه فهرستُ البخاري ومسلم من عدة طرق ، وغالب كتب ٨٤٢ - ترجمته في غاية النهاية ٢: ٣٩٥ وذيل الروضتين: ١٦٣ وابن الوردي ٢: ١٦٠ ومرآة الجنان ٤: ٨٢ وعبر الذهبي ٥ : ١٣٢ والشذرات ٥: ١٥٨ والبدر السافر ، الورقة ٢٤١ والزركشي ٣: ٣٧٧ وابن الشعار ١٠: ٣٤٩ والاسنوي ٢: ١١٥ والأنس الجليل ٢: ٤٤٧ وطبقات السبكي ٥: ١٥١ وابن قاضي شهبة: ١٧٩ ١ انظر = ٦ : ١٧١ ٨٤ الحديث ، وغالب كتب الأدب وغيره، وآخر روايتي عنه ((شرح الغريب)) لأبي عبيد القاسم بن سلام ، قرأته عليه في مجالس ، آخرها في العشر الأخير من شعبان سنة سبع وستين وخمسمائة - قلت : وهي السنة التي مات فيها الشيخ القرطبي ، حسبما ذكرته في ترجمته . (379) ثم قال: ومنهم الشيخ أبو البركات عبد الله بن الخضر بن الحسين المعروف بابن الشيرجي١، سمعت عليه بعض تفسير الثعلبي ، وأجازني أن أروي عنه جميع ما رواه على اختلاف أنواع الروايات ، وكتب لي خطه بذلك في فهرست سماعي مؤرخاً بخامس جمادى الأولى سنة ست وستين وخمسمائة ، وكان مشهوراً بعلمي الحديث والفقه ، ولي قضاء البصرة ودرس بالأتابكية القديمة ، يعني بالموصل . (380) ومنهم الشيخ مَجْدُ الدين أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر الطوسي الخطيب بالموصل ، وهو مشهور بالرواية حتى يقصد لها من الآفاق ، وعاش نيفاً وتسعين سنة - قلت : وكانت ولادة أبي الفضل ابن الطوسي الخطيب المذكور في منتصف صفر سنة سبع وثمانين وأربعمائة ببغداد بباب المراتب ، وتوفي ليلة الثلاثاء رابع عشر شهر رمضان سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بالموصل ، ودفن بمقبرة باب الميدان ، رحمه الله تعالى. رجعنا إلى تتمة كلام أبي المحاسن ابن شداد : وسمعت عليه - يعني على الخطيب المذكور - كثيراً من مسموعاته ، وأجاز لي جميع ما رواه في السادس والعشرين من رجب ، سنة ثمان وخمسين وخمسمائة . ومنهم القاضي فخر الدين أبو الرضا سعيد بن عبد الله بن القاسم الشّهر زُوري، سمعت عليه مسند الشافعي رضي الله عنه ، ومسند أبي عوانة ، ومسند أبي يعلى الموصلي ، وسنن أبي داود ، وكتب لي خطه بذلك ، وهو في فهرستي ، ١ ترجمة ابن الشيرجي في الاسنوي ٢: ١١٠ والسبكي ٤ : ٢٣٤. ٨٥ وسمعت عليه ((الجامع)) لأبي عيسى الترمذي، وأجاز لي رواية ما رواه، وكتب لي خطه بذلك في شوال سنة سبع وستين وخمسمائة . (381) ومنهم الحافظ مجد الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن علي الأشيري الصنهاجي ، أجاز لي جميع ما يرويه على اختلاف أنواعه ، وفي فهرستي خطه بذلك مؤرخاً بشهر رمضان سنة تسع وخمسين وخمسمائة ، وفهرسته عندي بذلك - قلت : توفي أبو محمد عبد الله الأشيري المذكور في شوال سنة إحدى وستين وخمسمائة بالشام ، ودفن ببعلبك رحمه الله تعالى ظاهر باب حمص شمالي البلد . ومنهم الحافظ سراج الدين أبو بكر محمد بن علي الجيافي١، قرأت عليه (((صحيح مسلم)) من أوله إلى آخره بالموصل، و((الوسيط)) الواحدي ، وأجاز لي رواية ما يرويه في تاريخ سنة تسع وخمسين وخمسمائة . فهذه أسماء من حضر في خاطري ، وقد سمعت من جماعة لم يحضرني روايتهم عند جمع هذا الكتاب ، كَشُهْدة الكاتبة في بغداد وأبي المغيث في الحربية ، والشيخ رضي الدين القزويني المدرس بالنظامية وجماعة شذت عني . طرقهم ، فلم أذكرهم ، إذ كان في هؤلاء غنية ؛ هذا آخر ما ذكره عن نفسه . وقال غيره : إنه قرأ الفقه على أبي البركات عبد اللّه ابن الشيرجي المذكور فقيه الموصل ، وكان عالماً زاهداً متقشفاً ، وتوفي في جمادى الأولى سنة أربع وسبعين وخمسمائة بالموصل ودفن بظاهرها . ثم اشتغل بالخلاف على الضياء ابن أبي حازم صاحب محمد بن يحيى الشهيد النيسابوري . ثم باحث في الخلاف متفني أصحابه ، كالفخر النُّوقاني والبرَوّي والعماد النوقاني والسيف الخواري والعماد الميانجي . ثم انحدر إلى بغداد بعد التأهل التام ونزل بالمدرسة النظامية وترتب فيها ١ ترجمة الجياني في التكملة: ٥٠٠ والنفح ٢ : ٥٨ ٨٦ معيداً بعد وصوله إليها بقليل ، وأقام معيداً نحو أربع سنين ، والمدرس بها يوم ذاك أبو نصر أحمد بن عبد الله بن محمد الشاشي . وكانت ولاية ابن الشاشي المذكور التدريس بالنظامية في شهر ربيع الآخر من سنة ست وستين وخمسمائة ، وعزل عنها في ساخ شهر رجب سنة تسع وستين.، وتولاها بعده رضي الدين أبو الخير أحمد بن إسماعيل القزويني في التاريخ المذكور ، وأبو المحاسن المذكور مستمر بها على الإعادة . وكان رفيقه في الإعادة السديد محمد السلماسي - وقد تقدم ذكره١ - ثم أصعد إلى الموصل في سنة تسع وستين فترتب مدرساً في المدرسة التي أنشأها القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد بن الشهر زوري - المقدم ذكره٢ - ولازم الاشتغال، وانتفع به جماعة . وله كتاب في الأقضية سماه ((ملجأ الحكام عند التباس الأحكام) ذكر في أوائله أنه حج في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وزار البيت المقدس والخليل عليه أفضل الصلاة والسلام، بعد الحج والزيارة للرسول صلى الله عليه وسلم. ثم دخل دمشق والسلطان صلاح الدين محاصر قلعة كوكب، فذكر أنه سمع بوصوله فاستدعاه إليه ، فظن أنه يسأله عن كيفية قتل الأمير شمس الدين ابن المقدم ٣ ، فإنه كان أمير الحاج في تلك السنة من جهة صلاح الدين ، وقتل على جبل عرفات لأمر يطول شرحه، وليس هذا موضع ذكره . فلما دخل عليه ذكر أنه قابله بالإكرام التام ، وما زاد على السؤال عن الطريق ، ومن كان فيه من مشايخ العلم والعمل ، وسأله عن جزء من الحديث ليسمعه عليه ، فأخرج له جزءاً جمع فيه أذكار البخاري ، وأنه قرأه عليه بنفسه ، فلما خرج من عنده تبعه عماد الدين الكاتب الأصفهاني وقال له : السلطان ١٠ = ٤ : ٢٣٧ ٠ ٠ ٢ = ٤: ٢٤١. ٣ هو محمد بن عبد الملك المعروف بابن المقدم ، اختلف مع طاش تكين أمير الحاج العراقي عام ٥٨٣ حول الافاضة من عرفات قبله ، فلم يستجب ابن المقدم له فهجم العراقيون على الحجاج الشاميين وفتكوا فيهم ، وجرح ابن المقدم وهو يكف الناس عن القتال (انظر ابن الأثير ١١ : ٥٥٩ - ٥٦١). ٨٧ يقول لك : إذا عدت من الزيارة وعزمت على العود تعرفنا بذلك فلنا إليك مُهِم ، فأجابه بالسمع والطاعة . فلما عاد عرفه بوصوله فاستدعاه ، وجمع له في تلك المدة كتاباً يشتمل على فضائل الجهاد وما أعد الله سبحانه وتعالى للمجاهدين ، يحتوي على مقدار ثلاثين كراسة ، فخرج إليه واجتمع به على بقيعة حصن الأكراد ، وقدم له الكتاب الذي جمعه ، وقال : إنه كان عزم على الانقطاع في مشهد بظاهر الموصل إذا وصل إليها . ثم إنه اتصل بخدمة صلاح الدين في مستهل جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وخمسمائة ، ثم ولاه قضاء العسكر والحكم بالقدس الشريف . ولما کنتُ متولي الحکم بدمشق المحروسة جاءني في بعض شهور سنة ست وستين وستمائة إسجال قد ثبت مضمونه عند القاضي أبي المحاسن المذكور ، وهو يومئذ قاضي العسكر الصلاحي ، وقد انقطع ثبوته بموت شهوده ، فتعذر إثباته عندي لذلك ، وتأملته إلى آخره ، لأنني استغربته ، فقد كان شيخنا وأخذنا عنه كثيراً وحصل الانتفاع بصحبته عدنا إلى بقية ما ذ کره أبو المحاسن المذ کور - فقال :إنه كان قد حضر إلى خدمة صلاح الدين في صحبة شيخ الشيوخ صدر الدين عبد الرحيم بن إسماعيل والقاضي محيي الدين ابن الشهرزوري لما وصلا إليه في رسالة ، واتفق في تلك الدفعة وفاة البهاء الدمشقي المدرس - كان - بمصر في مدرسة منازل العز وخطيب مصر ، وأن صلاح الدين عرض عليه تدريس المدرسة. المذكورة فلم يفعل ، وأنه حضر عند السلطان دفعة ثانية في رسالة من الموصل وهو على حران ، وكان صلاح الدين مريضاً يومئذ . وذكر أنه لما توفي صلاح الدين كان حاضراً، وتوجه إلى حلب لجمع كلمة الإخوة أولاد صلاح الدين وتحليف بعضهم لبعض ، وأن الملك الظاهر غياث الدين بن صلاح الدين صاحب حلب كتب إلى أخيه الملك الأفضل نور الدين علي بن صلاح الدين صاحب دمشق ، يطلبه منه ، فأجابه إلى ذلك ، فأرسله الظاهر إلى مصر لاستحلاف أخيه الملك العزيز عماد الدين عثمان بن صلاح ٨٨ الدين ، وعرض عليه الظاهر الحكم بحلب فلم يوافق على ذلك، فلما عاد من هذه الرسالة كان القاضي بحلب قد مات ، فعرض عليه فأجاب ، هكذا ذكره في كتابه ((ملجأ الحكّام )). وذكر القاضي كمال الدين أبو القاسم عمر بن أحمد المعروف بابن العديم في تاريخه الصغير الذي سماه ((زبدة الحلب في تاريخ حلب)» ما مثاله : وفي سنة إحدى وتسعين ، يعني وخمسمائة ، اتصل القاضي بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم بخدمة الملك الظاهر ، وقدم إليه إلى حلب وولاه قضاءها ووقوفها ، وعزل عن قضائها زين الدين أبا البيان نبا ابن البانياسي ، نائب محيي الدين ابن الزكي ، وحل عنده بهاء الدين في رتبة الوزارة والمشاورة ؛ انتهى كلامه . قلت : وهذا القاضي نبا هو ابن الفضل بن سليمان الحميري ، يعرف بيتهم بدمشق ببيت البانياسي ، وكان السلطان صلاح الدين قد ولى القاضي محيي الدين أبا المعالي محمد بن الزكي الدمشقي - المقدم ذكره١ - القضاء بحلب فاستناب فيها زين الدين نبا ابن البانياسي المذكور ، واستمر بها إلى التاريخ المذکور . وكانت حلب في ذلك الزمان قليلة المدارس ، وليس بها من العلماء إلا نفر يسير ، فاعتنى أبو المحاسن المذكور بترتيب أمورها وجمع الفقهاء بها ، وعمرت في أيامه المدارس الكثيرة . وكان الملك الظاهر قد قرر له إقطاعاً جيداً يحصل منه جملة مستكثرة ، ولم يكن له خَرْجٌ كثير ، فانه لم يولد له ولا كان له أقارب ، فتوفر له شيء كثير ، فعمر مدرسة بالقرب من باب العراق قبالة مدرسة نور الدين محمود بن زنكي ، رحمه الله تعالى ، الشافعية . ورأيت تاريخ عمارتها مكتوباً على سقف مسجدها ، وهو الموضع المعد لإلقاء الدروس ، وذلك في سنة إحدى وستمائة . ثم عمر في جوارها داراً للحديث النبوي، وجعل بين المكانين تربة برسم دفنه فيها، ولها بابان: باب إلى المدرسة ١ = ٤ : ٢٢٩ ٨٩ وباب إلى دار الحديث ، وشباكان إلى الجهتين ، وهما متقابلان بحيث إن الذي يقف في أحد المكانين يرى من يكون في المكان الآخر . ولما صارت حلب على هذه الصورة قصدها الفقهاء من البلاد وحصل بها الاشتغال والاستفادة ، وكثر الجمع بها . وكان بين والدي ، رحمه اللّه تعالى ، وبين القاضي أبي المحاسن المذكور موانسة كثيرة وصحبة صحيحة المودة من زمن الاشتغال بالموصل ، فجئت إليه ، وكان أخي قد سبقني بمدة قليلة ، وكتب سلطان بلدنا الملك المعظم مظفر الدين أبو سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين ، رحمه الله تعالى - المقدم ذكره في حرف الكاف١ - كتاباً بليناً في حقنا يقول فيه: أنت تعلم ما يلزم من أمر هذين الولدين ، وأنهما ولها أخي وولدا أخيك ، ولا حاجة مع هذا إلى تأكيد وصية ، وأطال القول في ذلك ، فتفضل القاضي أبو المحاسن وتلقانا بالقبول والإكرام وأحسن حسب الإمكان وعمل ما يليق بمثله ، وأنزلنا في مدرسته ورتب لنا أعلى الوظائف، وألحقنا بالكبار، مع الشبيبة في السن والابتداء في الاشتغال - وقد تقدم في ترجمة الشيخ موفق الدين ابن يعيش النحوي تاريخ دخولي إلى حلب فأغنى عن الإعادة٢ - ولم نزل عنده إلى أن توفي في التاريخ الآتي ذكره ، ولم یکن بمدرسته في ذلك الزمان درس عام ، لأنه كان المدرس بنفسه ، وكان قد طعن في السن وضعف عن الحركة وحفظ الدروس وإلقائها ، فرتب أربعة من الفقهاء الفضلاء برسم الإعادة ، والجماعة يشتغلون عليهم . وكنت أنا وأخي نقرأ على الشيخ جمال الدين أبي بكر الماهاني، لأنه كان من بلدنا ، ورفيق والدنا في الاشتغال عند الشيخ عماد الدين أبي حامد محمد بن يونس - المقدم ذكره٣ - فمات في ثالث شوال سنة سبع وعشرين وستمائة ، وقد نيف على ثمانين سنة ، فترددت إلى الشيخ نجم الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن علي المعروف بابن الخباز الموصلي الفقيه ١= ٤ : ٠١١٣ ٢ إنظر هذا الجزء : ٢°. ٣ ٢ ١ : ٢٥٣ ٠ الإمام ، وهو إذ ذاك مدرس المدرسة السيفية ، فقرأت عليه من أول كتاب ((الوجيز)) للغزالي إلى الإقرار . وعلى الجملة فقد خرجنا عما نحن بصدده بسبب اتصال الكلام . وكان القاضي أبو المحاسن المذكور بيده حل الأمور وعقدها ، لم يكن لأحد معه في الدولة كلام ، وكان سلطانها الملك العزيز أبا المظفر محمد بن الملك الظاهر بن السلطان صلاح الدين ، وهو صغير السن ، تحت حجر الطواشي شهاب الدين أبي سعيد طغرل ، وهو أتابكه ومعولي تدبير الدولة باشارة القاضي أني المحاسن لا يخرج عنهما شيء من الأمور . وكان الفقهاء في أيامه حرمة تامة ورحابة كبيرة خصوصاً جماعة مدرسه فانهم كانوا يحضرون مجالس السلطان ويفطرون في شهر رمضان على ساطه ، وكنا نسمع عليه الحديث ونتردد إليه في داره فقد كانت له قبة تختص به ، وهي شتوية لا يجلس في الصيف والشتاء إلا فيها ، لأنّ الهرم كان قد أثر فيه حتى ضار كفرخ الطائر من الضعف ، لا يقدر على الحركة للصلاة وغيرها إلا بمشقة عظيمة ؛ وكانت النزلات تعتريه في دماغه فلا يفارق تلك القبة ، وفي الشتاء يكون عنده مِنْقَلٌ كبير عليه من الفحم والنار شيء كثير ، ومع هذا كله فلا يزال مزكوماً وعليه الفرجية البُرْطاسي١ والثياب الكثيرة، وتحته الطّراحة الوثيرة فوق البسط ذوات الخمائل الثخينة ، بحيث إنا كنا نجد عنده الحرّ والكرب، وهو لا يشعر به لكثرة استيلاء البرودة عليه من الضعف . وكان لا يخرج لصلاة الجمعة إلا في شدة القيظ ، وإذا قام إلى الصلاة بعد الجهد يكاد يسقط ، ولقد كنت أنظر إلى ساقيه إذا وقف للصلاة وكأنهما عودان رقيقان لا لحم عليهما. وكان عقيب صلاة الجمعة يسمع المصلون عنده الحديث عليه ، وكان يعجبه ذلك . وكان حسن المحاضرة جميل المذاكرة، والأدب غالب عليه ، وكان كثيراً ما ينشد في مجالسه : إن السلامة من ليلى وجارتها أن لا تمر على حال بناديها ١ نسبة إلى برطاس شمالي بحر قزوين . ٩١ وكان يتمثل أيضاً كثيراً بقول صَرّدر الشاعر - المقدم ذكره في خرف العين١- وهذا البيت من جملة قصيدة طويلة وهو : وعهودهم بالرمل قد نُقِضتْ وكذاك ما يُبْنَى على الرملِ فأنشده في بعض الأيام ، فقال له بعض أصحابنا الحاضرين : يا مولانا قد استعمل ابن المعلم العراقي هذا المعنى استعمالاً مليحاً ، فقال : ابن المعلم هو أبو الغنائم ؟ فقال : نعم ، فقال : صاحبنا كان ، كيف قال ؟ فأنشده : نقضوا العهودَ، وحّقْ ما يُبْنَى على رملِ اللوى بيد الهوى أن يُنْقَضًا فقال : ما أقصر، ولقد تلطف في قوله (( بید الهوی))، فقال له : يا مولانا وقد استعمله في قصيدة أخرى ، فقال : هات ، فأنشده ولم يُبْنَ على الرملِ فكيف انتقضَ العهد فاستحسنه . وكان كثيراً ما ينشد أبيات أبي الفوارس سعد بن محمد المعروف بحَبْصَ بَيْص - المقدم ذكره٢- وكان يقول إنه سمعها منه ويرويها عنه ، وقد تقدم ذكرها في ترجمة الحيص بيص ، فأغنى عن الإعادة ، وأولها : لا تَضّحْ من عظيم قدر وإن كنت مُشاراً إليه بالتعظيم وكان يقول : أنشدني القاضي الفاضل لبعضهم ، ونحن نزول على قلعة صفد: : أن أَمتْ بِلَهَاتي قلتُ للنزلة لما بحيساتي خلّ حلقي فهو دهليزُ حياتي قلت : هذان البيتان منسوبان إلى ابن الهَبّارية - المقدم ذكره٣ - والله أعلم؛ ١ = ٣: ٣٨٥، وانظر ديوان صردر: ١٥٥ ٢جـ ٢ : ٠٣٦٢ ٣ ٢ ٤ : ٠٤٥٣ ٤ وكان يقول أنشدني ... أعلم : سقط من س . ٩٢ وكان كلما نظر إلى نفسه على تلك الحال من الضعف والعجز عن القيام والقعود والصلاة وسائر الحركات ، ينشد : صبراً على فقد أحبائه من يتمَنَّ العمر فليدّرع منا يتمناه لأعدائه ومن يُعَمّر يسر في نفسه ثم وجدت هذين البيتين للظهير أبي إسحاق إبراهيم بن نصر بن عسكر ، قاضى السلامية المقدم ذكره في هذا الكتاب١، والله أعلم ؛ ذكر ذلك صاحبنا الكمال ابن الشعار الموصلى في كتابه ((عقود الجمان))في ترجمة الظهير المذكور٢. وهذا ينظر إلى قول أبي العلاء المعري٣ : لمن تناهى القلب في وُدّه تدعو بطول العمر أفواهنا. وكلّ ما يُكْرَهُ في مِده يسر إن مُدّ بقاء له والأصل في هذا قول لبيد بن ربيعة العامري؛ : فألانهبا الإصباحُ والإمساء كبافت قناتي لا تلين لغامز ليُصحّني فاذا السلامة داء" ودعوتُ ربي بالسلامةَ جاهداً ودخل عليه يوماً رجل من أهل الغرب يقال له أبو الحجاج يوسف ، وكان قريب العهد ببلاده ، ورد حلب في تلك الأيام ، وكان فاضلا في الأدب والحكمة ، فلما رآه على تلك الهيئة من الهزال والنحافة أنشده : بكوا لأنك من ثوب الصبا عاري لو يعلمُ الناسُ ما في أن تعيش لهم لما فَدَوْكَّ بشيء غيرِ أعمار ولو أطاقوا انتقاصاً من حياتهم ١ = ١ : ٠٣٧ ٢. انظر ابن الشعار ١: ٢٨ ٣ شروح السقط : ١٠٠٨ ٤ هو من المنسوب له، أنظر ديوانه: ٣٦٠ - ٣٦١؛ وفي المختار: قول الآخر • ثم وجدت ... داء : سقط من س. ٩٣ ٢ فأعجبه ذلك ودمعت عيناه وشكر له . وقال لي بعض أصحابنا: سمعته يوماً وهو يحكي للجماعة الحاضرين عنده ، قال : لما كنا في المدرسة النظامية ببغداد اتفق أربعة خمسة من الفقهاء المشتغلين على استعمال١ حَبّ البلاذُر٢، لأجل سرعة الحفظ والفهم ، فاجتمعوا ببعض الأطباء ، وسألوه عن مقدار ما يستعمل الإنسان منه وكيف يستعمله ثم اشتروا القدر الذي قال لهم الطبيب وشربوه في موضع خارج عن المدرسة ، فحصل لهم الجنون ، وتفرقوا وتشتتوا ولم يعلم ما جرى عليهم ، وبعد أيام جاء إلى المدرسة واحد منهم ، وكان طويلاً ، وهو عربان ليس عليه شيء يستر عورته، وعلى رأسه بقيار كبير له عذبة طويلة خارجة عن العادة ، وقد ألقاها وراءه فوصلت إلى كعبه،وهو ساکت عليه السكينة والوقار لا يتكلم ولا يعبث، فقام إليه مَنْ كان حاضراً من الفقهاء وسألوه عن الحال ، فقال لهم : كنا قد اجتمعنا وشربنا حبّ البلاذر ، فأما أصحابي فانهم جنوا وما سلم منهم إلا أنا وحدي ، وصار يظهر العقل العظيم والسكون ، وهم يضحكون منه وهو لا يشعر بهم ، ويعتقد أنه سالم مما أصاب أصحابه ، وهو على تلك الحالة لا يفكر فيهم ولا يلتفت إليهم . وأخبرني جماعة مما كانوا عنده قبل وصولنا إليه أنه قدم عليه الأديب نظام الدين أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف بن مسعود القيسي القرطبي المعروف بابن خروف الشاعر المعروف ، فكتب إليه رسالة ، وفي أولها أبيات يستجدبه فروة قَرَظ ، وهي : ونورَ المجد والحسبِ بهاءَ الدينِ والدنيا ءٍ من نعماك جِلْدَ أبي طلبتُ مخافةَ الأنوا خروفٌ بارعُ الأدب وفضلك عالمٌ أني وفي حَكَب صفا حلي حلبتُ الدهر أشطره ١ المختار : شرب . Semecarpus anacardium : ٢ اسمه العلمي ٤ ((فو الحسب الباهر، والنسب الزاهر، يسحب ذيول سيراء السرّاء، ويحب النّحاةَ من أجل الفرّاء ، ويمن على الخروف النبيه ، يجلد أبيه ، قانيء الصباغ ، قريب عهد بالدباغ ، ما ضل طالبُ قرظه ولا ضاع ، بل ذاع ثناء صانعه وضاع ، أثيثَ خمائل الصوف ، يهزأ من الرياح بكل هوجاء عصوف ، إذا طَهُرَ إهابه ، يخافه البرد ویهابه ، ما في الثياب له ضريب ، إذا نزل الجليد والضريب ، ولا في اللباس له نظير ، إذا عريّ من ورقهِ الغصن النضير ، لا كطيلسان ابن حرب ، ولا جلد عمرو الممزق بالضرب ، كأنه من جلد حمل الجرباء ، الذي يراعي البدر والنجم ، لا من جلد السخلة الجرباء التي ترعى الشجر والنجم ، فَرَجيّ النوع، أرَجيّ الضوْع ، ليكون تارة لحافاً وتارة بُرداً ، وهو في الحالين يحيى حراً ويميت برداً، لا زال مهديه سعيداً ، ينجز للأولياء وعداً وللأعداء وعيداً ، إن شاء الله تعالى ، والسلام )) .. قلت : وقد ذكرت في ترجمة أبي الفتح محمد سبط ابن التعاويذي١ رسالة كتبها إلى عماد الدين الكاتب الأصفهاني - المقدم ذكره٢ - يطلب منه فروة قرظ٣ أيضاً ، وكل واحدة من الرسالتين بديعة في بابها . وفي هذه الرسالة كلام يحتاج إلى إيضاح ، وهو قوله ((لا كطيلسان ابن حرب)» وهو مثل مشهور بين الأدباء ، فاذا كان الشيء بالياً شبهوه بطيلسان ابن حرب ، ولذلك سبب لا بد من ذکره ، وهو أن أحمد بن حرب ابن أخي يزيد المهلبي أعطى أبا علي إسماعيل بن إبراهيم بن حَمْدُوبَه البصري الحمدوي٤ ، الشاعر الأديب ، طيلساناً خليماً ، فعمل فيه الحمدوي مقاطيع عديدة ظريفة سارت عنه وتناقلتها الرواة، فمن ذلك قوله من أبيات° : ١ انظر ج ٤ : ٤٧٢ . ٢ ترجمة العماد في = ٥ : ١٤٧ . ٣ س: قرض . ٤ له ترجمة في الجزء التاسع من الوافي وطبقات ابن المعتز: ٣٧١ والأغاني ٦١:١٢ (ط. دار الكتب ) . ٥ أكثر هذه القطع وردت عند الصفدي، وبعضها في طبقات ابن المعتز. ٩٥ ملّ من صحبة الزمان فصّدًا یا .ابن حرب كسوتي طيلساناً لو بعَثْنَاهُ وَحْدَهُ لتهدّى طالَ ترداده إلى الرّفْو حسنى وقوله أيضاً من أبيات : يحاولُ منه أن يعلمّه الرفوا لقد حالف الرفاء حتى كأنه وقوله أيضاً : أنحلته الأزمان فهو سقيمٌ یا ابن حرب کسوتي طبلسانا نك محبي العظام وهي رميم فإذا ما رفوته قال سبحا وقوله أيضاً : طيلساناً قد كنتُ عنه غنيا يا ابن حرب أطلت وتري١ برفوى فهو في الرفو آل فرعون في العّرْ ضٍ على النارِ بكرةً وعشيا وله فيه أيضاً : يزيدُ المرءَ ذا الضعة اتضاعا رأينا طيلسانك يا ابنَ حربٍ تداعی بعضُهُ الباقي انصداعا به وأقدّ في ردّي ذراعا وعرضاً ما أرى إلا رقاعا لِنُوحٍ في سفينته شراعا بقاياه على كتفي تداعى ولا يكُ موقفٌ منكِ الوداعا)» إذا الرفاءُ أصلح منه بعضاً يسلم صاحبي فيقدّ شبراً أجيلُ الطرفَ في طَرَفيهِ طِولاً فلستُ أشك أن قد كان دهراً وقد غَنّيْتُ إِذ أبصرتُ منِه ((قفي قبل التفرق يسا ضُباعا وقال فيه أيضاً ، وكتبها إلى بعض الرؤساء : فلأزمعنّ على البكا إذ أزمعتْ دعني أبكي كسوني إذ ودّعت سَمَلاً تردّتْ بالبلى وتدرّعت يا ابن الحسين أما ترى درّاعي ١ الصفدي وابن المعتز : فقري مرّتْ بها ربح الصبا لتقشعت فيها من التمزيق ما لو أنه منه تعلمتِ البلى فتضعضعت تحكي تخرق طيلساني إنها أعدى ثيابي كلها فتقطعت لا فرّج الرحمنُ عنه إنه لو قارنته تخفّعَتْ وتصدّعت فلتحمد اللّهَ الجبالُ فانها وله فيه أيضاً : يُزْرَعُ الرفوُ فيه وهو سباغُ یا ابن حرب کسوتی طیلسانا وبدا الشيبُ في بنيهم وشاخوا مات رفاؤه ومات بنوه وقال فيه أيضاً : طيلسانٌ لو كان لفظاً إذن ما شكّ خَلْقٌ في أنه بهتانُ فهو كالطور إذ تجلى لسه اللّه فَدُكَتْ قواه والأركان كسم رفوناه إذا تمزقَ حتى بقي الرفوُ وانقضى الطيلسان وله فيه أيضاً : يا ابنَ حرب إني أرى في زوايا بيتنا مثلَ من كسوت جماعه طيلسانٌ رفوته ورفوتُ الرّفو منه وقد رفعتُ رقاعه فأطاع البلى فصار خليعاً ليس يعطي الرّفاء في الرفو طاعه ظن أني فىّ من اهل الصناعه فاذا سائلٌ رآنيّ فيه وله فيه أيضاً : نُكَ قومُ نوحٍ منه أُحْدثْ طيلسا لابن حرب قل عمن مضى من قبلُ يورث یزل طبلسانٌ لم هو فإذا فكأنه باللحظ يُحْرَث لحظنه العيونُ فـإذا رفوتُ فليس يلبث إذا لم أرفه يودي إن تحمل عليه الدهرَ أو تتركْهُ يلهث كالكلب ٧-٧ ٩٧ ويقال إنه عمل في هذا الطيلسان مائتي مقطوع ، في كل مقطوعة معنى بديع . وكان الأصل الذي حمل الجمدوي المذكور على عمل هذه المقاطيع ، أنه وقف على أبيات عملها أبو حُمران السلمي ، بضم الحاء المهملة ، في طيلسانه ، وكان قد أخلق حتى بلي ، فقال فيه : منك الحياةُ فما ◌ِلتذّ بالعُمُرِ یا طیلسان أبي حمران قد برمت هيهاتٍ ينفعُ تجديدٌ مع الكبر في كلّ يومين رفاء يحدده تنكب الناسَ لا يبلى من النظر إذا ارتداهُ لعيدٍ أو الجمعته وهذا البيت الثالث أخذه من قول النظام، بفتح النون وتشديد الظاء المعجمة ، أبي إسحاق إبراهيم بن سيار البلخي المتكلم المعتزلي في وصف غلام رقيق البشرة : عُلَقَهُ الجوّ من اللطفِ رقّ فلو بُزّتْ سرابيله ويشتكي الإيماءَ بالكفّ يجرحه الناسُ بألحاظهم وأنشدني بعض الأدباء بمدينة الموصل في شهر رمضان سنة ست وعشرين وستمائة في هذا المعنى لبعض الشعراء : وفيه مكانَ الوهم من نظري أثرٌ توهمها طرفي فأصبح خدّها فمن لمس قلبي في أناملها عَقْرُ وصافحها قلبي فأدمى بنانها وأنشدني الشيخ أيدمر الصوفي المسمّى إبراهيم لنفسه دوبيت في هذا المعنى: كلّفتُ صَبَا العراقِ لما خَطَرَتْ أن تحمَلَ لي تحيةً ما قدرت قالتْ لي خيفتي على وجنته إن جزتُ بها جرحتها فاعتذرت ولبعض الأدباء الفقراء من جملة أبيات شكا فيها رقة حاله ورثاثة ثيابه ، ما يقرب من هذا المعنى ، وهو قوله : ولي ثيابٌ رثاثٌ لستُ أغسلها أخافُ أعصرها تجري مع الماء وقد قيل في هذا المعنى شيء كثير ، والاختصار أولى والله أعلم . وأما قوله : ولا جلد عمرو الممزق بالضرب ، فيريد قول النحاة : ضرب زيداً عمراً، فإنهم أبداً يستعملون هذا المثال ولا يمثلون بغيره، فكأنهم يمزقون جلده بكثرة الضرب . عدنا إلى ما كنا عليه : وكان القاضي أبو المحاسن المذكور يسلك طريق البغاددة في ترتيبهم وأوضاعهم وحتى إنه كان يلبس ملبوسهم ، والرؤساء الذين يترددون إليه. کانوا ینزلون عندوابهم على قدر أقدارهم ، لكل واحد منهم مكان معين لا يتعداه . ثم إنه تجهز إلى الديار المصرية لإحضار ابنة الملك الكامل ابن الملك العادل للملك العزيز صاحب حلب ، وكان قد عُقدَ نكاحه عليها ، فسافر في أول سنة تسع وعشرين أواخر سنة ثمان وعشرين وستمائة ، وعاد وقد جاء بها في شهر رمضان من السنة . ولما وصل كان قد استقل الملك العزيز بنفسه ورفعوا عنه الحجر ، ونزل الأتابك طُغْرُل من القلعة إلى داره تحت القلعة ، واستولى على الملك العزيز جماعة من الشباب الذين كانوا يعاشرونه ويجالسونه، .. فاشتغل بهم ، ولم ير القاضي أبو المحاسن وجهاً يرتضيه ، فلازم داره إلى حين وفاته ، وهو باقٍ على الحكم وإقطاعه جارٍ عليه ، غاية ما في الباب أنه لم يبق له حديث في الدولة ، ولا كانوا يراجعونه في الأمور، فصار يفتح بابه لإسماع الحديث كل يوم بين الصلاتين ، وظهر عليه الخرف بحيث إنه صار إذا جاءه الإنسان لا يعرفه ، وإذا عاد قام يسأل عنه ولا يعرفه ، واستمر على هذه الحال مُدَيْدة، ثم مرض أياماً قلائل وتُوفي يوم الأربعاء رابع عشر صفر سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، رحمه الله تعالى، بحلب ، ودفن في التربة المقدم ذكرها ، وحضرتُ الصلاة عليه ودفنه وما جرى بعد ذلك . وصنف كتاب (ملجأ الحكام عند التباس الأحكام)) يتعلق بالأقضية في مجلدين، وكتاب ((دلائل الأحكام)) تكلم فيه على الأحاديث المستنبط ٩٩ ! منها الأحكام، في مجلدين، وكتاب ((الموجز الباهر )» في الفقه ، وغير ذلك ، وكتاب ((سيرة صلاح الدين ابن أيوب))، رحمه اللّه تعالى . وجعل داره خانقاه الصوفية ، لأنه لم يكن له وارث ، ولازم الفقهاء والقراء تربته مدة طويلة ، يقرأون عند قبره . وكان قد قرر قدام كلّ واحدٍ من الشباكين المذكورين اللذين التربة سبعة قراء ، وكان غرضه أن يقرأ عنده كل ليلة ختمة كاملة ، فكان كل واحد من القراء الأربعة عشر يقرأ نصف سبع بعد صلاة العشاء الآخرة . وفارقتُ حلب متوجهاً إلى الديار المصرية في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وستمائة ، والأمور جارية على هذه الأوضاع ، ثم بعد ذلك تغيرت تلك الأمور وانتقضت قواعدها وزال جميع ذلك على ما بلغني . (382) وتوفي الشيخ نجم الدين ابن الخباز المذكور في السابع من ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وستمائة بحلب ، ودفن ظاهرها خارج باب أربعين ، وحضرت الصلاة عليه ودفنه ، رحمه الله تعالى . وكان مولده في التاسع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وخمسمائة بالموصل . (383) وتوفي الأتابك شهاب الدين طُغْرُلُ المذكور ليلة الاثنين الحادية عشرة من محرم سنة إحدى وثلاثين وستمائة بحلب ، ودفن بمدرسته الحنفية خارج باب أربعين ، وكان خادماً أرمني الجنس أبيض ، حسن السيرة محمود الطريقة، وحضرت الصلاة عليه ودفنه ، رحمه الله تعالى. (384) وتوفي أبو الحسن ابن خروف١ الأديب المذكور بحلب في سنة أربع وستمائة متردياً في جُب٢ّ . ١ أبو الحسن ابن خروف شاعر قرطبي روى عن مشيخة بلده ثم رحل وحج وجاور بالقدس ثم قفل من رحلته الأولى إلى الأندلس ثم عاد إلى المشرق فاستوطن حلب وتوفي فيها (راجع ترجمته في صلة الصلة ١١٤ والتكملة رقم : ١٨٩٤ وزاد المسافر (رقم : ٦) والذيل والتكملة ٥ : ٣٩٦ وصفحات متفرقة من نفح الطيب، وهو غير ابن خروف النحوي ؛ وقال ابن عبد الملك إنه توفي في نحو العشرين وستمائة ؛ وانظر الغصون اليانعة : ١٣٩ ٢ عند نهاية هذه الترجمة انتهى ما اختاره ابن المؤلف وهو ببعلبك، يوم الاثنين سابع صفر سنة ٧٠٢ وما بعده نقله بدمشق . ١٠٠