Indexed OCR Text
Pages 301-320
يزيد بن المهلب من يزيد بن عبد الملك بن مروان أن يلي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز ، وكان يزيد بن المهلب لما ولي العراق قد عذب آل أبي عقيل - وهم رهط الحجاج كما سبق ذكره - وكانت أم الحجاج بنت محمد بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل عند يزيد بن عبد الملك، وهي أم الوليد بن يزيد فاسق بني أمية ، وهي بنت أخي الحجاج، وكان يزيد بن عبد الملك قد عاهدها لئن أمكنه الله من يزيد بن المهلب ليقطعن منه طابقا١ً، فكان يخشى ذلك ، فأخذ يعمل في المهرب ٢ ، فبعث إلى مواليه فأعدوا له إبلاً ، وكانٍ مرض عمر في دير سمعان ، فلما اشتد مرض عمر نزل يزيد من محبسه وخرج حتى أتى المكان الذي فيه إبله ، وقد واعدهم إليه ، فاحتمل وخرج ، فلما جاز كتب إلى عمر : إنّ واللّه لو علمت أنّك تبقى ما خرجت من محبسي ، ولكني لم آمن يزيد بن عبد الملك ، فقال عمر : اللهم إن كان يريد بهذه الأمة شراً فاكفهم شره وارددْ كيدَهُ في نحره . ومضى يزيد بن المهلب ؛ وزعم الواقدي أن يزيد بن المهلب : إنّما هرب من سجن عمر بعد موت عمر - قلت : وجدت في مُسودة تاريخ القاضي كمال الدين ابن العديم الحلبي ، أن عمر حبس يزيد بن المهلب وابنه معاوية بحلب وهربا منها ، والله أعلم . (333) ثم توفي عمر بن عبد العزيز ٣ يوم الجمعة ، وقيل الأربعاء ، لخمس ليال بقين من رجب سنة إحدى ومائة ، رحمه اللّه تعالى ، بدير سمعان ، وقيل إنّه مات لعشر بقين من رجب من السنة ، وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر، وقيل إنه مات بخُنَاصِيرة ٤. وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وكان يقال له (( أشجُّ بني أمية))، وذلك أن دابة من مر ١ ر : طائفاً . ٢ فأخذ ... المهرب : لم ترد في الطبري . ٣ متابع للطبري : ١٣٦٢ . ؛ ورد في ربر من هنا تعريف بخناصرة ، وذلك سيرد في الترجمة التالية ، ولم يرد في هذا الموضع في المسودة وسائر النسخ ، وكان المؤلف قد كتب التعريف في مسودته هنا ثم أضرب عن ذلك . ٣٠١ دواب أبيه كانت شجته . قال نافع مولى ابن عمر : كنت أسمع ابن عمر كثيراً يقول : ليت شعري مَن هذا الذي من ولد عمر في وجهه علامة يملأ الأرض عدلاً ، قال سالم الأفطس : إن عمر بن عبد العزيز رمحته دابة وهو غلام بدمشق ، فأتى أمه أم عاصم بنت رعاصم بن عمر بن الخطاب ، رضي اللّه عنه ، فضمته إليها وجعلت تمسح الدم عن وجهه ، ودخل أبوه عليها على تلك الحال ، فأقبلت عليه تعذله وتلومه وتقول : ضيعت ابني ، ولم تضم إليه خادماً ولا حاضناً يحفظه من مثل هذا ، فقال لها : اسكتي يا أم عاصم ، فطوبى لك إن كان أشجَّ بني أمية . وقال حماد بن زيد : إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بعجوز تبيع لبناً معها في سوق اللبن ، فقال لها : يا عجوز لا تغشّي المسلمين وزوار بيت الله تعالى ولا تشوبي اللبن بالماء ، فقالت : نعم يا أمير المؤمنين ، ثم مر بها بعد ذلك ، فقال لها : يا عجوز ، ألم أتقدم إليك أن لا تشوبي اللبن بالماء ؟ فقالت : والله ما فعلت، فقالت ابنة لها من داخل الخباء : أغشاً وكذباً جمعت على نفسك ؟ فسمعها عمر رضي الله عنه فهمَّ بمعاقبة العجوز، فتركها لكلام ابنتها ؛ ثم التفت إلى بنيه فقال : أيكم يتزوج هذه ، فلعل الله عزّ وجلّ يخرج منها نسمة طيبة مثلها ؟ فقال عاصم بن عمر : أنا أتزوجها ، فزوجها إياه ، فولدت له أم عاصم ، فتزوج أم عاصم عبد العزيز بن مروان ، فولدت له عمر بن عبد العزيز . ثم تزوج بعدها حفصة وفيها قيل : ليست حفصة من نساء أم عاصم . [ وذكر الشيخ شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قز غلي بن عبد الله ، سبط الشيخ جمال الدين أبي الفرج ابن الجوزي في كتاب (( جوهرة الزمان في تذكرة السلطان)) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بينما أبي يعس بالمدينة إذا سمع امرأة وهي تقول لابنتها : يا بنية ، قومي فشوبي اللبن بالماء ، فقالت : يا أماه أما سمعت منادي أمير المؤمنين أنّه نادى : أن لا يشاب اللبن بالماء ؟ فقالت : وأين أنت من مناديه الساعة ؟ فقالت : إذا لم يرني مناديه ألم يرني رب مناديه ؟ - وفي رواية أخرى ، قالت : والله ما كنت لأطيعه في الملا وأعصيه في الخلا ، قال : فبكى عمر رضي اللّه عنه. فلما أصبح دعا بالمرأة وبابنتها وسأل : هل لها زوج ؟ فقالت : ليس لها زوج، فقال : يا عبد الله، تزوج هذه ، فلو كانت ٣٠٢ بي حاجة إلى النساء لتزوجتها ، فقلت : أنا في غنى عنها ، فقال : يا عاصم تزوجها ، فتزوجها ، فجاءت بابنة فحملت بعمر بن عبد العزيز ]١. ولما مات عمر بن عبد العزيز ، رضي اللّه تعالى عنه ، ولي مكانه يزيد بن عبد الملك بن مروان . ثم إن يزيد بن المهلب لحق بالبصرة فغلب عليها ، وأخذ عامل يزيد بن عبد الملك وهو عدي بن أرطأة الفزاري فحبسه ، وخلع يزيد بن عبد الملك ورام الخلافة لنفسه ، فجاءته إحدى حَظاياه وقبلت الأرض بين يديه وقالت : السلام عليك يا أمير المؤمنين ، فأنشدها : رُوَيْدك حتى تنظري عَمَّ تنجلي عماية هذا العارضِ المتألقِ قلت : وهذا البيت من جملة أبيات لبشر بن قُطَيّة الأسدي . قلت : ولا حاجة إلى تفصيل الحال فيه فإن شرحه يطول ، وهذه خلاصته ؛ ثم إن يزيد بن عبد الملك جهز لقتاله أخاه مسلمة بن عبد الملك ، وابن أخيه العباس ابن الوليد بن عبد الملك ، ومعهما الجيش ، وخرج يزيد بن المهلب للقائهم ، واستخلفَ على البصرة ولده معاوية بن يزيد وعنده الرجال والأموال والأسرى ، وقدَّم بين يديه أخاه عبد الملك بن المهلب وسار حتى نزل العَقْر - قلت : هي عَقْر بابل ، وهي عند الكوفة بالقرب من كربلاء ، الموضع الذي قتل فيه الحسين ، رضي الله عنه ؛ والعَقْر : بفتح العين المهملة وسكون القاف وبعدها راء ، وهو في الأصل اسم القصر ؛ والمواضع المسماة بالعَقْر أربعة : أحدها هذا ولا حاجة إلى ذكر الباقي ، وقد ذكرها ياقوت الحموي في كتابه الذي سماهُ ((المشترك وَضعاً)) - . قال الطبري ٢ : ثم أقبل مسلمة بن عبد الملك حتى نزل على يزيد بن المهلب فاصطفوا ، ثم اقتتل القوم ، فشدَّ أهل البصرة على أهل الشام فكشفوهم ، ثم إن أهل الشام كروا عليهم فكشفوهم ، وكان على مقدمة جيش يزيد أخوه ١ انفردت به ر بر من ، ولم يرد في المسودة . ٢ الطبري ٢ : ١٣٩٥ . ٣٠٣ 0 عبد الملك ، فلما انكشف جاء إلى أخيه يزيد ، وكان الناس يبايعون يزيد بن المهلب ، وكانت مبايعته على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وأن لا تطأ الجنودُ بلادهم ولا بيضتهم ، ولا تعاد عليهم سيرة الفاسق الحجاج، وكان مروان بن المهلب بالبصرة يحرض الناس على حرب أهل الشام ويسرّح الناس إلى أخيه یزید . وكان الحسن البصري ١ ، رضي اللّه عنه يثبط الناس عن يزيد بن المهلب ، فقال يوماً في مجلسه : يا عجباً لفاسق من الفاسقين ومارق من المارقين غبر برهة من دهره ، يهتك للّه في هؤلاء القوم كلَّ حرمة ، ويركب له فيهم كل معصية ويأكل ما أكلوا ويقتل من قتلوا ، حتى إذا منعوه لماظةً كان يتلمظها قال: أنا لله غضبان فاغضبوا، ونصب قصباً عليها خِرَقٌ ، وتبعه رجراجة رعاع هباء ما لهم أفئدة وقال : أدعوكم إلى سنة عمر بن عبد العزيز ، ألا وإن من سنة عمر أن توضع رجلاه في قيد ثم يوضع حيث وضعه عمر ؛ فقال له رجل : أتعذر أهل الشام يا أبا سعيد ؟ يعني بني أمية ، فقال : أنا أعذرهم ؟ لا عذرهم الله ! والله لقد حدث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال ((اللهم إنّ حرمتُ المدينة بما حرمتَ به بلدك مكة)) ، فدخلها أهلُ الشام ثلاثاً لا يغلق لها باب إلا أحرق بما فيه ، حتى إن الأقباط والأنباط ليدخلون على نساء قريش فينتزعون خُمُرُهنّ من رؤوسهنّ وخلاخلهنّ من أرجلهنّ، سيوفهم على عواتقهم ، وكتاب الله تعالى تحت أرجلهم ، أنا أقتل نفسي الفاسقين تنازعا هذا الأمر ؟ والله لوددت أن الأرض أخذتهما خسفاً جميعاً. فبلغ ذلك يزيد بن المهلب فأتى الحسن ، هو وبعض بني عمه إلى حلقته في المسجد متنكرين ، فسلّما عليه ثم خلوا به ، فاشرأبَّ الناس ينظرون إليهم ، فلاحاه يزيد ، فدخل في ملاحاتهما ابن عم يزيد ، فقال له الحسن : وما أنت وذاك يا ابن اللخناء ؟ فاخترط سيفه ليضربه به ، فقال يزيد : ما تصنع ؟ قال : أقتله ، فقال له يزيد : اغمد سيفك ، فوالله لو فعلت لانقلب من معنا علينا . قلت : ويزيد بن المهلب المذكور ، هو الذي عناه ابن دريد في مقصورته ..... ١ المصدر السابق : ١٣٩٢ مع بعض اختلاف . ٣٠٤ المعروفة بالدريدية بقوله : وقد سما قبلي يزيدُ طالباً شأو العلافما وهى ولا ونى وكل من شرح الدريدية تكلم على هذا البيت وشرح قصته . وكانت إقامة يزيد بن المهلب منذ اجتمع هو ومسلمة بن عبد الملك ثمانية أيام ، حتى إذا كان يوم الجمعة لأربع عشرة مضت من صفر سنة اثنتين ومائة ١ أمر مسلمة أن تحرق السفن فأُحرقت ، والتقى الجمعان وشبت الحرب ، فلما رأى الناسُ الدخان وقيل لهم : أُحرق الجسر ، انهزموا، فقيل ليزيد : قد انهزم الناس ، فقال : مم انهزموا ؟ فقيل له : أحرق الجسر فلم يلبث أحد ، فقال : قبحهم اللّه، بَقُّ دُخِّنَ عليه فطار . وكان يزيد لا يحدث نفسه بالفرار ، وجاءه مَنْ أخبره أن أخاه حبيباً قد قتل فقال : لا خير في العيش بعد حبيب ، قد كنت واللّه أبغض الحياة بعد الهزيمة فوالله ما ازددت لها إلا بغضاً، امضوا قُدُماً، قال أصحابه : فعلمنا أن الرجل قد استقتل . وأخذ من يكره القتال ينكص ، وأخذوا يتسالّون ٢ ، وبقيت معه جماعة حسنة ، وهو يزدلف، فكلما مر بخيل كشفها أو جماعة من أهل الشام عدلوا عنه وعن سَتن أصحابه ، فجاء أبو رؤبة المرجىء وقال : ذهب الناس ، فهل لك أن تنصرف إلى واسط فإنّها حصن تنزلها ويأتيك مدد أهل البصرة ويأتيك أهل عمان والبحرين في السفن وتضرب خندقاً؟ فقال له : قبح اللّه رأيك ، ألي تقول ذا ؟ الموت أيسر علي من ذلك ، فقال له : فإنّ أتخوف عليك ، أما ترى ما حولك من جبال الحديد ؟ فقال له : فأنا أباليها أجبال حديد كانت أو جبال نار ؟ اذهب عنا إن كنت لا تريد فتالاً معنا . وأقبل على مسلمة لا يريد غيره ، حتى إذا دنا منه دعا مسلمة بفرسه ليركبه ، فعطفت عليه خيول أهل الشام وعلى أصحابه ، فقتل يزيد بن المهلب ، وقتل معه أخوه محمد وجماعة من أصحابه ، وقال القحل - بفتح القاف وسكون الحاء ١ متابع للطبري ٢ : ١٤٠٢ وما بعدها . ٢ كذا في المسودة ؛ وفي النسخ : يتسللون . ٢٠ - ٦ ٣٠٥ المهملة وآخره لام - ابن عياش الكلبي ، لما نظر إلى يزيد : يا أهل الشام ، هذا واللّه يزيد ، لأقتلنه أو ليقتلُنّ ، إن دونه ناساً ، فمن يحمل معي يكفيني أصحابه ، حتى أصل إليه ؟ فقال له ناس من أصحابه : نحن نحمل معك ، فحملوا بأجمعهم ، فاضطربوا ساعة وسطع الغبار وانفرج الفريقان عن يزيد قتيلاً ، وعن القحل بن عياش بآخر رمق ، فأومأ إلى أصحابه يريهم مكان يزيد ، وجاء برأس يزيد مولى لبني مرة ، فقيل له : أنت قتلته ؟ فقال : لا . وفي أثناء الوقعة نظر الحواري بن زياد إلى برذون عائر فقال : الله أكبر ، هذا برذون الفاسق ابن المهلب ، قد قتله اللّه إن شاء اللّه، فطلبوه ، فأتي مسلمة برأسه ، فلم يُعرف الرأس ، فقال حسان النبطي : مهما ظننتم فلا تظنوا أن الرجل هرب ، ولقد قتل ، فقال مسلمة : وما علامة ذلك ؟ فقال : إنّي سمعته أيام ابن الأشعث يقول : قبح اللّه ابن الأشعث ، هبوه غلب على أمره أكان يغلب على الموت ؟ ألا مات كريماً ؟ (334) قلت: ذكر الأمير أبو نصر ابن ماكولا في باب ((الفحل والقحل والعجل)) ما مثاله : وأما القحل فمثل الفحل إلا أن أوله قاف فهو القحل بن عياش بن حسان بن عثمير بن شراحيل بن عزيز ١ ، قتل يزيد بن المهلب وقتله يزيد ، ضرب كل واحد منهما صاحبه فقتله. فلما أُتي به إلى مسلمة لم يعرف ولم ينكر ، فقيل له : مر برأسه فليغسل ثم ليعمم ، ففُعل به ذلك فعرفه ، فبعث به إلى أخيه يزيد بن عبد الملك مع خالد بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط . وقال خليفة بن خياط ٢ : ولد يزيد بن المهلب سنة ثلاث وخمسين وتوفي مقتولاً يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر سنة اثنتين ومائة ، والله أعلم بالصواب . ولما جاءت هزيمة يزيد واسط ٣ أخرج معاوية بن يزيد بن المهلب اثنين وثلاثين أسيراً كانوا في يديه فضربوا أعناقهم ، منهم عدي بن أرطأة ، ثم خرج ١ س : عزين . ٢ تاريخ خليفة : ٤٧١ . ٣ ر : واسطاً ؛ ولم ينونها المؤلف في المسودة . ٣٠٦ وقد قال له القوم١ : ويحك ، إنّا لا نراك تقتلنا إلا أن أباك قد قتل ، ثم أقبل حتى أتى البصرة معه المال والخزائن ، وجاء المفضل بن المهلب ، واجتمع جميع أهل المهلب بالبصرة وقد كانوا يتخوفون الذي كان ، فأعدوا السفن البحرية وتجهزوا بكل الجهاز . وأراد معاوية بن يزيد أن يتأمر على آل المهلب ، فاجتمعوا وأمروا عليهم المفضل بن المهلب ، وقالوا : المفضل أكبرنا سنّاً ، وإنّما أنت غلام حَدَث ٢ السن كبعض فتيان أهلك، فلم يزل المفضل عليهم حتى خرجوا إلى كرمان ، وبكرمان فلول كثيرة ، فاجتمعوا إلى المفضل ، وبعث مسلمة بن عبد الملك في طلب آل المهلب وطلب الفلول ، فأدركوهم في عقبة بفارس ، فاشتد قتالهم ، فقتل المفضل وجماعة من خواصه ، ثم قتل آل المهلب من عند ٣ آخرهم، إلا أبا عيينة وعثمان بن المفضل فإنهما نَجَوَا ولحقا بخاقان وَرُتْبيل ، وبعث مسلمة برؤوسهم إلى أخيه يزيد وهو على حلب ، فلما نصبوا خرج لينظر إليهم ، فقال لأصحابه : هذا رأس عبد الملك، هذا رأس المفضل ، والله لكأنّه جالس معي يحدثني . وقال غير الطبري : لما حُمل رأس يزيد بن المهلب إلى يزيد بن عبد الملك نال منه بعض جلسائه ، فقال له : مه إن يزيد طلب جسيماً ، وركب عظيماً ، ومات كريماً . ولما فرغ مسلمة من حرب آل المهلب جمع له أخوه يزيد ولاية الكوفة والبصرة وخراسان في هذه السنة . ولما قتل يزيد بن المهلب رثاه شاعره ثابت قُطْنة بمراثٍ كثيرة حسنة ، منها قوله : كلّ القبائل بايعوك على الذي تدعو إليه وتابعوك وساروا حتى إذا اشتجر القنا وتركتهم رَهْنَ الأسنة أسلموك وطاروا ١ الطبري ٢ : ١٤٠٩. ٢ ر والطبري : حديث . ٣ كذا في المسودة ؛ وفي النسخ : عن آخرهم . ٣٠٧ إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن عاراً عليك ، ورب قتلٍ عار (335) قلت : وهذا ثابت قطنة من شعراء خراسان وفرسانهم ، وذهبت عينه فكان يحشوها قطنة فسمي ثابت قطنة ؛ وقد كان يزيد بن المهلب استعمله على بعض كور خراسان فلما علا المنبر أُرتج عليه ، فلم ينطق حتى نزل فدخل عليه الناس فقال : فإن لا أقمْ فيكم خطيباً فإنني بسيفي إذا جدّ الوغى لخطيبُ فقالوا : لو كنت قلت هذا على المنبر لكنت أخطب الناس ، ذكره ابن قتيبة في كتاب ((طبقات الشعراء))١. وقال ابن الكلبي في ((جمهرة النسب)): هو ثابت بن کعب بن جابر بن كعب بن کزمان بن طرفة بن وهب بن مازن بن يمّ بن الأسد بن الحارث بن العتيك بن الأسْد بن عمران بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء [ وفيه يقول صاحب الفيل الحنفي ، وكانا يتهاجيان : يوم العروبة من کرب وتخنيقٍ أبا العلاء لقد لاقيت مُعضلةً كما هوى زلَقٌ من شاهق النّيق تلوي اللسان إذا رمت الكلام به أنشأت تجرَضُ لما قمت بالرَّيق] ٢ لما رمتك عيونُ الناس ضاحيةً وقال غير الطبري : إن الذي قتل يزيد بن المهلب هو الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي . وقال الكلبي : نشأت والناس يقولون : ضحَى بنو أمية بالدين يوم كربلاء وبالكرم يوم العَقْر ٣ ؛ وقال محمد بن واسع لما جاء نعي يزيد : أشتهي باكية عُمانية تندب لي قتلى آل المهلب ؛ وقال عبّاد بن عباد : مكثنا نيفاً وعشرين سنة بعد قتلى آل المهلب لا تولد فينا جارية ولا يموت منا غلام . وقال خليفة بن خياط ، سنة اثنتين ومائة : فيها قتل يزيد بن المهلب يوم ١ الشعر والشعراء: ٥٢٦ وانظر في ترجمته أيضاً كتاب الأغاني ١٤: ٢٤٧ والخزانة ٤ : ١٨٤. ٢ انفردت به : ر بر من . ٣ مر مثل هذا في ترجمة كثير عزة ٤ : ١٠٩. ٣٠٨ .. الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر ، وهو ابن تسع وأربعين سنة ، رحمه الله تعالى ، فلقد كان من النجباء الكرماء العظماء الفرسان . وروي أن مسلمة بن عبد الملك دخل على أخيه يزيد بن عبد الملك حين خلعه يزيد بن المهلب ، فرآه في ثوب مصبوغ فقال له : أتلبس مثل هذا وأنت ممن قيل فيه : قوم إذا حاربوا شَدّوا مآزرهم دونَ النساء ولو باتتْ بأطهارٍ فقال مسلمة : ذاك ونحن نحارب أكفاءنا من قريش ، فأمّا إن نعق ناعق فلا ولا كرامة . قلت : وهذا البيت للأخطل التغلبي النصراني الشاعر المشهور١ . ٨١٧ يزيد بن أبي مسلم الثقفي مولاهم أبو العلاء يزيد بن أبي مسلم دينار الثقفي ، مولاهم ؛ كان مولى الحجاج ابن يوسف الثقفي وكاتبه ، وكان فيه كفاية ونهضة ، قدمه الحجاج بسببهما - وقد تقدم في ترجمة يزيد بن المهلب أن الحجاج لما حضرته الوفاة استخلفه على الخراج بالعراق - فلما مات الحجاج أقره الوليد بن عبد الملك على حاله ولم يغير عليه شيئاً . وقيل إن الوليد هو الذي ولاه بعد موت الحجاج ، وقال الوليد يوماً : مثلي ومثل الحجاج وابن أبي مسلم كرجل ضاع منه درهم فوجد ديناراً . ولما مات الوليد وتولى أخوه سليمان عزل يزيد بن أبي مسلم وبعث مكانه ١ ديوان الأخطل : ١٢٠ . ٨١٧ - أخباره في تاريخ الطبري وابن الأثير وابن خلدون ، وانظر البيان المغرب ١ : ٤٨ وتاريخ الرقيق : ٩٩ وابن أبي دينار : ٣٩. ٣٠٩ يزيد بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي المذكور قبله ، وأحضر إليه يزيد بن أبي مسلم في جامعة ، وكان رجلاً قصيراً دميماً قبيح الوجه عظيم البطن تحتقره العين ، فلما نظر إليه سليمان قال : أنت يزيد بن أبي مسلم ؟ قال : نعم أصلح الله أمير المؤمنين قال : لعن الله من أشركك في أمانته وحكمك في دينه ، قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين ، فإنّك رأيتني والأمور مدبرةٌ عني، ولو رأيتني والأمور مقبلة على لاستعظمت ما استصغرت ولاستجللت ما احتقرت ، فقال سليمان : قاتله الله، فما أسدَّ عقله وأعضَبَ لسانه ! ثم قال سليمان : يا يزيد ، أترى صاحبك الحجاج يهوي بعدُ في نار جهنم أم قد استقر في قعرها ؟ فقال يزيد : لا تقل ذلك يا أمير المؤمنين ، فإن الحجاج عادى عدوكم ووالى وليكم ، وبذل مهجته لكم ، فهو يوم القيامة عن يمين عبد الملك وعن يسار الوليد ، فاجعله حيث أحببت . وفي رواية أُخرى : إنّه يحشر غداً بين أبيك وأخيك ، فضعهما حيث شئت، قال سليمان : قاتله اللّه، فما أوفاه لصاحبه ! إذا اصطنعت الرجالُ فلتصطنع مثل هذا ، فقال رجل من جلساء سليمان : يا أمير المؤمنين ، اقتل يزيد ولا تستبقِهِ ، فقال يزيد : من هذا؟ فقالوا : فلان بن فلان ، قال يزيد : والله لقد بلغني أن أمّه ما كان شعرها يوازي١ أذنيها، فما تمالك سليمان أن ضحك وأمر بتخليته . ثم كشف عنه سليمان فلم يجد عليه خيانة ديناراً ولا درهماً ، فهم باستكتابه ، فقال له عمر بن عبد العزيز : أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تحيي ٢ ذكر الحجاج باستكتابك كاتبه ، فقال: يا أبا حفص ، إنّي كشفت عنه فلم أجد عليه خيانة ، فقال عمر : أنا أوجدكَ مَن هو أعف عن الدينار والدرهم منه ، فقال سليمان : من هذا ؟ فقال : إبليس ، ما مسّ ديناراً ولا درهماً بيده وقد أهلك هذا الخلق . فتركه سليمان . وحدث جُوَيَرية بن أسماء أن عمر بن عبد العزيز بلغه أن يزيد بن أبي مسلم في جيش ٣ من جيوش المسلمين، فكتب إلى عامل الجيش أن يرده وقال: إنّي ! ١ في ق ر ع س: يواري، وما أثبتناه موافق للمسودة وبر؛ وفي بر: ما كان لها شعر يوازي .. الخ. ٢ س : لا تحيي ؛ ع : لأن . ٣ ع : خرج في جيش . ٣١٠ لأكره أن أستنصر بجيش هو فيهم . ونقل الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر في ((تاريخ دمشق )) في ترجمة يزيد المذكور عن يعقوب أنّه قال : في سنة إحدى ومائة أُمِّرّ يزيد بن أبي مسلم على إفريقية ، ونزع إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر مولى بني مخزوم ، فسار أحسن سيرة ، وفي سنة اثنتين ومائة قتل يزيد . وقال الطبري في تاريخه الكبير : وكان سبب ذلك أنّه كان فيما ذكر عزم أن يسير فيهم بسيرة الحجاج بن يوسف في أهل الإسلام الذين سكنوا الأمصار ممن كان أصله من السواد من أهل الذمة فأسلم بالعراق ، ممن ردهم إلى قرارهم ورساتيقهم ، ووضع الجزية على رقابهم على نحو ما كانت تؤخذ منهم وهم على كفرهم ، فلما عزم على ذلك توامروا ، فأجمع رأيهم على قتله ١ فقتلوه ، وولوا على أنفسهم الوالي الذي كان قبل يزيد بن أبي مسلم ، وكتبوا إلى يزيد بن عبد الملك: إنّا لم نخلع أيدينا عن الطاعة ، ولكن يزيد بن أبي مسلم سامنا ما لا يرضى به اللّه والمسلمون فقتلناه وأعدنا عاملك، فكتب إليهم يزيد بن عبد الملك: إنّني لم أرض ما صنع يزيد بن أبي مسلم ، وأقرّ محمد بن يزيد على إفريقية ، وكان ذلك في سنة اثنتين ومائة . قال الوضاح بن خيثمة : أمرني عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بإخراج قوم من السجن ، وفيهم يزيد بن أبي مسلم ، فأخرجتهم وتركته فحقد علي ، وإنّي بإفريقية إذ قيل قدم يزيد والياً ، فهربت منه ، وعلم بمكاني وأمر بطلبي ، فظُفِرَ بي وحملت إليه ، فلما رآني قال: طالما سألت الله تعالى أن يمكنني منك ، فقلت : وأنا والله لطالما سألت اللّه أن يعيذني منك، فقال: ما أعاذك الله، والله لأقتلنك والله لأقتلنّك ولو سابقني فيك ملك الموت لسبقته. ثم دعا بالسيف والنطع فأتي بهما ، وأمر بالوضاح فأقيم على النطع وكتف ، وقام وراءه رجل بالسيف ؛ وآقيمت الصلاة فخرج يزيد إليها، فلما سجد أخذته السيوف . ودخل إلى الوضاح من قطع كتافه وأطلقه ، وأعيد إلى الولاية محمد بن يزيد مولى الأنصار ، والله أعلم . ١ فاجمع ... قتله : سقط من ع . ٣١١ قلت : كان الوضاح حاجب عمر بن عبد العزيز ، فلما مرض أمر الوضاح بإخراج المحابيس ، فأخرجهم سوى يزيد المذكور ، فلما مات عمر هرب الوضاح إلى إفريقية خوفاً من يزيد ، وجرى ما جرى ، وكان مرض عمر بخُناصرة ١ . هكذا قاله الطبري: محمد بن يزيد، وابن عساكر قال : إسماعيل بن عبيد الله، والله أعلم بالصواب؛ وقوله (( وأحضر إليه يزيد بن أبي مسلم في جامعة )) فالجامعة : الغُلُّ، لأنها تجمع اليدين إلى العنق ؛ وقوله ((وكان رجلاً قصيراً دميماً )) الدميم : بالدال المهملة ، القبيح المنظر ، ومنه قول عمر رضي الله عنه ((لا تزوجوا بناتكم من الرجل الدميم فإنّه يعجبهن منهم ما يعجبهم منهن)) وأما الذميم بالذال المعجمة فإنّه المذموم ، وكذا قول ابن الرومي الشاعر المشهور : كضرائِرِ الحسناء قُلْن لوجهها حَسَداً وبغياً إنّه لدميم - بالدال المهملة أيضاً - وإنما قيدته بالضبط لأنّه يتصحف على الناس كثيرا٢ً. وخُناصرة : بضم الخاء المعجمة ثم نون وبعد الألف صاد مهملة مكسورة ثم راء بعدها هاء، وهي بلدة قديمة من أعمال الأحص من ولاية حلب من جهتها القبلية بشرق ، بالقرب من قنسرين ، كان عمر بن عبد العزيز أميراً بها من جهة عبد الملك بن مروان ثم من جهة سليمان بن عبد الملك، وهي التي عناها المتنبي بقوله : أحب حمصاً إلى خُناصرة وكل نفس تحبُّ محياها وذكرها عديّ بن الرقاع العاملي الشاعر المشهور في قصيدته الدالية المشهورة فقال : وإذا الربيع تتابعت أنواؤه فسقى خُناصرة الأحص وجادها ١ قلت ... بخناصرة: لم يرد في س ر، وهو ثابت في المسودة؛ وقد أورد في ع ضبط خناصرة في هذا الموضع . ٢ نهاية الترجمة في ر س . ٣١٢ ٨١٨ يزيد بن عمر بن هبيرة أبو خالد يزيد بن أبي المثنى عمر بن هبيرة بن مُعَيّة بن سُكين بن خديج ابن بغيض بن مالك بن سعد بن عدي بن فزارة ؛ ونسب فزارة معروف فلا حاجة إلى الإطالة بذكره . قال ابن دريد : معية تصغير مِعِى ، وهو الواحد من أمعاء البطن ، وقد ردوا على ابن دريد هذا القول فقالوا : بل صوابه أنّه تصغير معاوية . وسكين : بضم السين المهملة وفتح الكاف ؛ وخديج : بفتح الخاء المعجمة ؛ وبغيض : بفتح الباء الموحدة ؛ والباقي معلوم لا حاجة إلى ضبطه . ذكر الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في تاريخه الكبير أن أصله من الشام ، وأنّه ولي قنسرين للوليدبن يزيد بن عبد الملك ، وكان مع مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية يوم غلب على دمشق وجمع له ولاية العراق . مولده سنة سبع وثمانين . وذكره ابن عياش في تسمية من ولي العراق وجُمع له المصران ، وهما البصرة والكوفة . وكذلك ذكره ابن قتيبة في كتاب ((المعارف)) ١ في تسمية من ولي العراقين، وعدّ الولاة الذين جمع لهم العراقان فكان أولهم زياد بن أبيه الذي استلحقه معاوية بن أبي سفيان ، وآخرهم يزيد بن عمر بن هبيرة صاحب هذه الترجمة ؛ ثم قال : ولم يجمع العراقان لأحد بعد هؤلاء ، وذكره أيضاً قبل هذا في ترجمة أبيه عمر ، فقال ٢ : وكان أبو جعفر المنصور حصر يزيد بواسط شهوراً ثم آمنه ، وافتتح البلد صلحاً ، وركب إليه يزيد في أهل بيته ، وكان أبو جعفر يقول : لا يعز مُلك هذا فيه، ثم قتله . ٨١٨ - أخباره في تاريخ الطبري وابن الأثير وابن خلدون وخليفة بن خياط والمسعودي واليعقوبي وينقل المؤلف من ترجمته في تاريخ دمشق لابن عساكر، وانظر العيون والحدائق : ٢٠٨ وما بعدها . ١ المعارف : ٥٧١ . ٢ المعارف : ٤٠٩ . ٣١٣ وقال خليفة بن خياط ١: وفي سنة ثمان وعشرين ومائة وجه مروان بن محمد يزيد بن عمر بن هبيرة والياً على العراق ، وذلك قبل قتل الضحاك - يعني ابن قیس الشيباني الخارجي - فسار حتى نزل هيت . وكان سخيّاً جسيماً طويلاً خطيباً أكولاً شجاعاً وكان فيه حسد ؛ وذكره أبو جعفر الطبري في تاريخه في سنة ثمان وعشرين ومائة ، فقال ٢: وفي هذه السنة وجه مروان بن محمد يزيدَ بن عمر بن هبيرة إلى العراق لحرب مَنْ بها من الخوارج ، ثم ذكر في سنة اثنتين وثلاثين ومائة ٣ خروج قحطبة بن شبيب أحد دعاة بني العباس لما أظهروا أمرهم بخراسان وتلك النواحي ، وكان أبو مسلم الخراساني - المقدم ذكره في حرف العين٤ - أعظم الأعوان وأصل تلك القضية حتى انتظمت أمورها كما هو مشهور ، وقد سبق في ترجمة أبي مسلم طرف من هذا الحديث ، ولا حاجة إلى التطويل فيه . وكان خروج قحطبة بأرض العراق وقصد محاربة يزيد بن عمر بن هبيرة ، وجرت وقائع يطول شرحها ، وحاصل الأمر أن قحطبة خاض الفرات عند الفَلّوجة القرية المشهورة بالعراق ، ليقاتل ابن هبيرة ، وكان في قبالته ، فغرق قحطبة في عشية الأربعاء عند غروب الشمس لثمان خلون من المحرم من هذه السنة ، وقام ولده الحسن بن قحطبة مقامه في تقدمة الجيش ، وهي واقعة مشهورة طويلة وليس هذا موضع ذكرها . وكان معن بن زائدة الشيباني - المقدم ذكره° - من أتباع يزيد بن هبيرة المذكور ومن أكبر أعوانه في الحروب وغيرها ، فيقال إنّه في تلك الليلة ضرب قحطبة ابن شبيب بالسيف على رأسه، وقيل على عاتقه، فوقع في الماء ، فأخرجوه حيّاً فقال : إن مت فادفتوني في الماء لئلا يقف أحد على خبري وقيل في غرقه غير ذلك ، والله أعلم . ١ تاريخ خليفة : ٥٧٨ . ٢ تاريخ الطبري ٢ : ١٩٤١ . ٣ الأصح في السنة التي قبلها ، وانظر في مهلك قحطبة ص ١٣ من القسم الثالث من تاريخ الطبري . ٤ انظر جـ ٣ : ١٤٥ . • انظر جـ ٥ : ٢٤٤ . ٣١٤ عدنا إلى حديث ابن هبيرة : وكان من خبره أن جيوش خراسان التي كان مقدمها قحطبة ثم ولده الحسن من بعد استظهرت عليه فهزمت عسكره ، ولحق ابن هبيرة بمدينة واسط فتحصن فيها ثم وصل أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه الملقب بالسفاح وأخوه أبو جعفر عبد الله بن محمد الملقب بالمنصور من الحميمة ، بضم الحاء المهملة ، القرية التي كانت مسكن بني العباس في أطراف الشام من أرض البلقاء إلى الكوفة، وبها جماعة من أشياعهم ونوابهم ومن قام معهم بإقامة دولتهم وإزالة دولة بني أمية التي أميرها إذ ذاك مروان ابن محمد بن مروان بن الحكم الأموي المعروف بالجعدي والمنبوز بالحمار آخر ملوكهم ، فلما وصلوا إلى الكوفة بويع أبو العباس السفاح بها يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة ؛ وقيل إن المبايعة كانت في شهر ربيع الأول ، والأول أصح . وظهر أمر بني العباس وقويت شوكتهم ، وأدبرت دولة بني مروان ، فعند ذلك وجه السفاح أخاه أبا جعفر المنصور إلى واسط لحرب يزيد بن عمر بن هبيرة ، فجاء المنصور إلى المعسكر الذي مقدمه الحسن بن قحطبة ، وهو مقابل يزيد بن هبيرة ٢ بواسط ، فنزل فيه . قال أبو جعفر الطبري في تاريخه الكبير ٢ : وجرت السفراء بين أبي جعفر المنصور وبين ابن هبيرة ، حتى جعل له أماناً وكتب به كتاباً ، فمكث يشاور فيه العلماء أربعين ليلة حتى رضيه ابن هبيرة ، ثم أخذه إلى أبي جعفر ، فأنفذه أبو جعفر إلى أبي العباس السفاح فأمر بإمضائه له ، وكان رأى أبي جعفر الوفاء له بما أعطاه . وكان أبو العباس السفاح لا يقطع أمراً دون أبي مسلم الخراساني صاحب الدعوة ، وكان لأبي مسلم عين على السفاح يكتب إليه بأخباره كلها ، ١ س : يزيد بن عمر بن هبيرة . ٢ تاريخ الطبري ٣ : ٦٦ ٠ ٣١٥ ٠٠٠ ٢ فكتب أبو مسلم إلى السفاح : إن الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فسد ، لا والله لا صلح ١ طريقٌ فيه ابن هبيرة. ولما تم الكتاب خرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلثمائة من البُخارية ، فأراد أن يدخل الحجرة على دابته ، فقام إليه الحاجب فقال : مرحباً أبا خالد ، انزل راشداً ، وقد أطاف بالحجرة عشرة آلاف من أهل خراسان ، فنزل ودعا له بوسادة ليجلس عليها ، ثم دعا له بالقواد فدخلوا ، ثم قال له الحاجب : ادخل أبا خالد ، فقال : أنا ومن معي ؟ فقال : إنّما استأذنت لك وحدك ، فقام فدخل ، ووضعت له وسادة وحادثه ساعة ، ثم قام وأتبعه أبو جعفر بصره حتى غاب عنه ، ثم مكث يقيم عنه ٢ يوماً ويأتيه يوماً في خمسمائة فارس وثلثمائة راجل ، فقال يزيد بن حاتم لأبي جعفر : أيها الأمير ، إن ابن هبيرة ليأتي فيتضعضع له العسكر وما نقص من سلطانه شيء ، فقال أبو جعفر للحاجب : قل لابن هبيرة يدع الجماعة ويأتينا في حاشيته، فقال له الحاجب ذلك ، فتغير وجهه ، وجاء في حاشيته نحواً من ثلاثين ، فقال له الحاجب : كأنك تأتي متأهبا٣ً فقال : إن أمرتم أن نمشي إليكم مشينا ، فقال : ما أردنا بك استخفافاً ولا أمر الأمير بما أمر به إلا نظراً لك ، فكان بعد ذلك يأتي في ثلاثة . وقال محمد بن كثير : كلم ابن هبيرة يوماً أبا جعفر فقال : يا هياه ٤ ، أو يا أيها المرء ، ثم رجع فقال : أيها الأمير إن عهدي بكلام الناس بمثل ما خاطبتك به حديث فسبقني لساني بما لم أرده . وألح أبو العباس السفاح على أبي جعفر يأمره بقتله ، وهو يراجعه ، فكتب إليه : والله لتقتلنه أو لأرسلن إليه من يخرجه من حجرتك ثم يقتله ، فأزمع على قتله ، فبعث أبو جعفر مَن ختم بيوت المال ، ثم بعث إلى وجوه من مع ابن هبيرة فحضروا ، وخرج الحاجب من عند أبي جعفر وطلب ابن الحوثرة ومحمد بن نُباتة وهما من الأعيان ، فقاما فدخلا ، وقد أجلس أبو جعفر ثلاثة من خواصه في مائة من جماعته في حجرة ، فنزعت ١ الطبري: يصلح . ٢ س : يقيم عنده . ٣ الطبري : مباهياً . ٤ كذا في المسودة، وصوابه: يا هناه كما في س ع ق والطبري . ٣١٦ سيرفهما وكتفا ، ثم أدخلوا بعدهما اثنين ففعل بهما كذلك ، وبعدهم جماعة أُخرى فعل بهم كذلك، فقال موسى بن عقيل . أعطيتمونا عهد الله ثم ختم به إنا لنرجو أن يدرككم الله ، وجعل ابن نباتة يضرط في لحية نفسه ، فقال له [ ابن]١ الحوثرة: إن هذا لا يغني عنك شيئاً، فقال: كأنّي كنت أنظر إلى هذا ، فقتلوا وأخذت خواتيمهم . وانطلق حازم والهيثم بن شُعْبَة والأغلب ابن سالم في نحو من مائة ، فأرسلوا إلى ابن هبيرة : إنّا نريد هذا المال ، فقال ابن هبيرة لحاجبه : انطلق فدلهم عليه ، فأقاموا عند كل بيت نفراً ثم جعلوا ينظرون في نواحي الدار ، ومع ابن هبيرة ابنه داود وكاتبه عمرو بن أيوب وحاجبه وعدة من مواليه وبنيٌّ له صغير في حجره ، فجعل ينكر نظرهم ، فقال : أقسم باللّه إن في وجوه القوم لشراً ، فأقبلوا نحوه ، فقام حاجبه في وجوههم فقال : وراء كم ، فضربه الهيثم بن شعبة على حبل عاتقه فصرعه ، وقاتل ابنه داود فقتل ، وقُتل مواليه ، ونحى الصبي من حجره وقال : دونكم هذا الصبي ، وخر ساجداً ، فقتل وهو ساجد، ومضوا برؤوسهم إلى أبي جعفر فنادى بالأمان للناس . وقال أبو عطاء السندي ، واسمه مرزوق ، وقيل أفلح ، مولى بني أسد يرثي ابن هبيرة : عليك يجاري دمعها لجمودُ ألا إن عيناً لم تجدْ يومَ واسطٍ جيوبٌ بأيدي مأتم وخدود عشيةَ قام النائحاتُ وشققت أقام به بعدَ الوفود وفود فإن تمسِ مهجورَ الفِناء فربما وإنّكَ لم تبعُدْ على متعهدٍ بلى كلُّ من تحت التراب بعيد قلت: وهذه المرئية ذكرها أبو تمام الطائي في كتاب ((الحماسة)) ٣ في باب المرائي . قلت : إلى هنا انتهى ما نقلته من تاريخ الطبري مقتضباً فإنّني جمعته من ١ سقطت من المسودة في هذا الموضع ، مع أنها وردت من قبل . ٢ الطبري ٣ : ٧٠ . ٣ شرح المرزوقي ، الحماسية رقم : ٢٦٦ . ٣١٧ عدة مواضع حتى انتظم على هذه الصورة . وأما غير الطبري فإنّه قال : لما قدم أبو جعفر على الحسن بن قحطبة تحول له الحسن من سرادقه فأنزله فيه ، وأقاموا يقتتلون أياماً ، وثبت معن بن زائدة مع ابن هبيرة ، وطال الحصار عليهم ، وكان أبو جعفر المنصور يقول : ابن هبيرة يخندق على نفسه مثل النساء ، وبلغ ابن هبيرة ذلك ، فأرسل إليه : أنت القائل كذا ؟ ابرز إلي لترى ، فأرسل إليه المنصور : ما أجد لك ولي مثلاً إلا كأسد لقي خنزيراً، فقال له الخنزير: بارزني ، فقال الأسد : ما أنت لي بكفؤ فإن بارزتك فنالي منك سوء كان عاراً ، وإن قتلتك قتلت خنزيراً ، فلم أحصل على حمد ، ولا في قتلك فخر ، فقال له الخنزير : لئن لم تبارزني لأعرفن السباع أنك جبنت عني ، فقال الأسد : احتمال عار كذبك أيسرُ من تلطيخ براثني بدمك . ثم إن المنصور كاتب القواد ، وفهم ابن هبيرة فطلب الصلح، فأجابه المنصور ، وكتبوا كتاب الصلح والأمان ، وبعثه المنصور إلى أخيه السفاح فأمضاه ، وكتب فيه : فإن غدر ابن هبيرة أو نكث فلا عهد له ولا أمان، وكان من رأي المنصور الوفاء له . وقال أبو الحسن المدائني : لما كتب المنصور بينه وبين ابن هبيرة کتاب الصلح خرج إلى المنصور وبينه وبينه ستر ، فقال ابن هبيرة : أيها الأمير إن دولتكم بكر فأذيقوا الناس حلاوتها وجنبوهم مرارتها ، تصلْ محبتكم إلى قلوبهم ويعذب ذكركم على ألسنتهم ، وما زلنا منتظرين لدعوتكم ، قال: فرفع المنصور الستر بينه وبينه وقال في نفسه : عجباً لمن يأمرني بقتل مثل هذا . وصار ابن هبيرة يخرج إلى المنصور في آخر أمره في ثلاثة من أصحابه يتغدى ويتعشى عنده و کان يثني له وساده . فيقال إنّه كان يكاتب عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويدعو إليهم وإلى خلع السفاح ، وجاءه كتاب أبي مسلم يحثه على قتل ابن هبيرة ، فكتب السفاح إلى المنصور يأمره بقتله ، فقال : لا أفعل وله في عنقي بيعة وأيمان فلا أضيعها بقول أبي مسلم ، فكتب السفاح : ما أقتله بقول أبي مسلم بل بنكثه وغدره ودسيسه إلى آل أبي طالب ، وقد أبيح لنا ٣١٨ دمه ، فلم يجبه المنصور وقال : هذا فساد الملك ، فكتب إليه السفاح: لست مني ولستُ منك إن لم تقتله ، فقال المنصور للحسن بن قحطبة : اقتله أنت ، فامتنع ، فقال خازم بن خُزيمة١ : أنا أقتله ، فدخل عليه في جماعة من قواد خراسان ، وهو في القصر وعنده ابنه داود وكاتبه ومواليه ، وعليه قميص مصري وملاءة موردة ، وعنده الحجام وهو يريد أن يحجمه ، فلما رآهم سجد ، فقتلوه وقتلوا ابنه وكاتبه ومن كان معه ، وحملوا رأسه إلى المنصور . وكان معن بن زائدة غائباً عند السفاح فسلم . وبعث المنصور برأسه إلى السفاح ، وكان ذلك في سنة اثنتين وثلاثين ومائة . قال الهيثم بن عدي : لما قتل ابن هبيرة قال بعض الخراسانيين لبعض أصحاب ابن هبيرة : ما كان أكبر رأس صاحبكم ، فقال له الرجل : أمانكم له كان أكبر . وذكر الخطيب أبو زكريا التبريزي، في كتاب ((شرح الحماسة)) ٢ في باب المراثي ، عند ذكره أبيات أبي عطاء السندي الدالية - المقدم ذكرها - التي رثى بها يزيد المذكور ، فقال : وكان المنصور قد حلف له وأكد الأيمان ، فلما قتله وحمل رأسه إليه قال المنصور للحرسي : أترى طينة رأسه ما أعظمها ! فقال الحرسي : طينة أيمانه أعظم من طينة رأسه . وهدم المنصور قصر واسط . وقال الحافظ ابن عساكر في تاريخه الكبير : كان ابن هبيرة إذا أصبح أتي بعُس - قلت : العس ، بضم العين المهملة وبعدها سين مهملة مشددة ، هو القدح الكبير - قال : وفيه لبن قد حُلب على عسل وأحياناً سكر فيشربه ، فإذا صلى الغداة جلس في مصلاه حتى تحل الصلاة فيصلي ، ثم يدخل ، فيحركه اللبن فيدعو بالغداء فيأكل دجاجتين وناهضين ونصف جدي وألواناً من اللحم - و الناهض ، بالنون وبعد الهاء المكسورة ضاد معجمة ، وهو الفرخ من الحمام - قال : ثم يخرج فينظر في أمور الناس إلى نصف النهار ، ١ رس ع ق بر من : حارم بن حزيمة . ٢ شرح التبريزي ٢ : ١٥١. ٣١٩ ثم يدخل فيدعو جماعة من خواصه وأعيان الناس ، ويدعو بالغداء فيتغدى ويضع منديلاً على صدره ، ويعظم اللُّقم ويتابع ، فإذا فرغ من الغداء تفرق من كان عنده ، ودخل إلى نسائه ، حتى يخرج إلى صلاة الظهر ، ثم ينظر بعد الظهر في أمور الناس ، فإذا صلى العصر وضع له سرير ووضعت الكراسي للناس ، فإذا أخذ الناس مجالسهم أتوهم بعساس اللبن والعسل وألوان الأشربة - قلت : والعِساس ، بكسر العين ، جمع عُسّ ، وقد تقدم الكلام عليه - ثم توضع السفرة والطعام للعامة ويوضع له ولأصحابه خوان مرتفع ، فيأكل معه الوجوه إلى المغرب ، ثم يتفرقون للصلاة ، ثم تأتيه سمّاره فيحضرون مجلساً يجلسون فيه حتى يدعوهم فيسامروه حتى يذهب عامة الليل . وكان يُسألُ في كل ليلة عشر حوائج ، فإذا أصبحوا قضيت ، وكان رزقه ستمائة ألف درهم ، فكان يُقْسَمُ كل شهر في أصحابه من قومه ومن الفقهاء والوجوه وأهل البيوتات ، فقال عبد الله بن شُبْرُمَة الضبي القاضي الفقيه الكوفي وكان من سماره : أتانا بإحدى الراحتين عياض إذا نحن أعتمنا ومال بنا الكرى وعياض بوابه ، وإحدى الراحتين : الدخول أو الانصراف ، ولم يكن له منديل ، فكان إذا دعا بالمنديل قام الناس . وقال شيخ من قريش : أذن يزيد بن عمر بن هبيرة في يوم صائف شديد الحر للناس ، فدُخل ١ عليه وعليه قميص خلق مرقوع الجيب ، فجعلوا ينظرون إليه ويعجبون منه ، ففطن لهم ، فتمثل بقول إبراهيم بن هرمة ٢ : قد يدرك الشرفَ الفتى ورداؤه خَلَقٌ وجيبُ قميصه مرفوعٌ [ وحكي أن شريك بن عبد الله النميري سايره يوماً فبدرت دابة شريك فقال له يزيد : غضّ من لحامها ، فقال شريك: إنها مكتوبة أصلح اللّه الأمير ، فقال ١ ر والمختار : فدخلوا . ٢ زاد في المختار : الشاعر المشهور . ٣٢٠