Indexed OCR Text

Pages 261-280

ومن ذلك قوله :
أمضى وأفتك من سيوف عُریبهِ
علِّقته من آلِ يعربَ لحظهُ.
شوقاً لبارق ثغره وعُذَيبه
أسكنته في المنحنى من أضلعي
خلوه لي أنا قد رضيت بعيبه
يا عائبي ذاك الفتورَ بطرفه
أرج وما نفح العبير يجيبه
لَدْنٌ وما مرَّ النسيمُ بعطفه
وكان في بعض أسفاره قد نزل في طريقه بمسجد وهو مريض فقال :
يا ربِّ إن عجز الطبيب فداوني بلطيف صنعك واشفي يا شافي
أنا من ضيوفك قد حُسبت وإن من شيم الكرام البرَّ بالأضياف
ووجدت بعد موته رقعة فيها مكتوب هذان البيتان ١ .
وأخبرني أنّه جرى بينه وبين أبي الفضل جعفر بن شمس الخلافة الشاعر
- المقدم ذكره ٢ - منازعة في بيت هو من جملة قصيدته التي أولها:
حلو الشمائل واللمى والمنطقٍ
من لي بغصنٍ باللحاظِ ممنطقٍ
مثري الروادف مملق من خصره أسمعتَ في الدنيا بمثر مملق
والبيت الذي قد وقع فيه النزاع قوله :
وأقول يا أختَ الغزال ملاحةً فتقول لا عاش الغزالُ ولا بقي
فزعم ابن شمس الخلافة أن هذا البيت له من جملة قصيدة هي في ديوانه ،
وعمل كل واحد منهما محضراً شهد فيه جماعة بأن البيت له ، وحلف لي ابن
مطروح أن البيت له ، وكان محترزاً في أقواله ، ولم تعرف منه الدعوى بما ليس
له ، والله المطلع على السرائر.
وأنشدني له بعض أصحابنا قال : أنشدني لنفسه :
١ ووجدت ... البيتان : سقط من ق ع؛ وسقط من س مع البيتين قبله .
٢ انظر جـ ١ : ٣٦٢.
٢٦١

صُفْراً موشعةً بحمر الأدمعِ
يا من لبستُ عليه أثوابَ الضنى
أسفاً عليك نفيتها عن أضلعي ١
أدركْ بقيةَ مهجة لو لم تذبْ
وکان في مدة انقطاعه في داره و ضيق صدره بسبب عطلته و کثرة كلفه قد
حدث في عينيه ألم انتهى به إلى مقاربة العمى ، وكنت أجتمع به في كل وقت ،
فتأخرت عنه مديدة لعذر أوجب ذلك ، وكنت في ذلك الوقت أنوب في الحكم
بالقاهرة المحروسة عن قاضي القضاة بدر الدين أبي المحاسن يوسف بن الحسن
ابن علي الحاكم بالديار المصرية المعروف بقاضي سنجار، فكتب إليَّ ابن مطروح
يقول :
يا من إذا استوحش طرفي له لم يخل قلبي منه من أُنسِ
والطرف والقلب ، على ما هما عليه ، مأوى البدر والشمس
وله من جملة قصيدة طويلة ٢ :
ن عليه دائرة يَطَقْ
ملك الملاح ترى العيو
ونخيِّم بين الضلو ع وفي الفؤاد له سَبَقْ
والبيت الأول مأخوذ من قول المتنبي :
وخصر تثبتُ الأبصارُ فيه كأن عليه من حدقٍ نطاقا
واليطق : بفتح الياء المثناة من تحتها والطاء المهملة وبعدها قاف ، وهو
عبارة عن جماعة من الجند يبيتون كل ليلة حول خيمة الملك محيطين به يحرسونه
إذا كان مسافراً ، وهو لفظ تركي .
والسبق : بفتح السين المهملة والباء الموحدة وبعدها قاف ، وهي خيمة
الملك إذا كان مسافراً ، فإنّه تقدم له خيمة إلى المنزلة التي يتوجه إليها ، حتى إذا
جاءها كانت مجهزة له ينزل فيها ، ولا يتوقف على انتظار وصول الخيمة التي
١ وأنشدني له ... أضلعي: لم يرد في س .
٢ هذا وما بعده سقط من س أيضاً حتى قوله ((ومجرى السوابق))؛ وانطر ابن الشعار : ١١.
٢٦٢

كان بها [ في تلك المنزلة التي رحل منها ]١ .
وله بيتان ضمنهما بيت المتنبي وأحسن فيهما ، وهما :
((تذكرت ما بين العذيب وبارق)»
إذا ما سقاني ريقه وهو باسم
(مجر عوالينا ومجرى السوابق))
ويذكرني من قده ومدامعي
وهذا المعنى للمتنبي في أول قصيدة بديعة طويلة ، وهي :
تذكرت ما بين العذيب وبارق مجر عوالينا ومجرى السوابق
وكانت بينه وبين بهاء الدين زهير - المقدم ذكره في حرف الزاي - صحبة
قديمة من زمن الصبا ، وإقامتهما ببلاد الصعيد ، حتى كانا كالأخوين ، وليس
بينهما فرق في أمور الدنيا ، ثم اتصلا بخدمة الملك الصالح وهما على تلك المودة ،
وبينهما مكاتبات بالأشعار فيما يجري لهما ، فأخبرني بهاء الدين زهير أن جمال
الدين ابن مطروح كتب إليه بعض الأيام يطلب منه درج ورق ، وكان قد ضاق
به الوقت ، وأظنهما كانا ببلاد الشرق معا٢ً :
أفلستُ يا سيدي من الورِقِ فجدْ بدرج كعرضك اليفقِ
وإن أتى بالمداد مقترناً فمرحباً بالحدود والحدقِ
قال بهاء الدين زهير: وقد فتح الراء من ((الورق)) وكسرها تنبيهاً على حاله،
فكتبت إليه :
مولاي سيرت ما رسمتَ به وهو يسيرُ المداد والورقِ
وعز عندي تسيير ذاك وقد شبهته بالجدود والحدق ٣
١ سقط من ر ع ق .
٢ قد مر هذا في ترجمة البهاز هير ١ : ٣٣٦ - ٣٣٧ وهو مما انفردت به ر د ولم يرد في المسودة
وها هو المؤلف يورده هنا .
٣ علق صاحب المختار بعد هذا بقوله: ((قلت، أعني كاتبها موسى بن أحمد ، لطف الله به : لو
اقتصر ابن مطروح في بيته الثاني منهما على التشبيه بالحدق فقط لكان كافياً محصلا للمقصود ؛ وقد
ألم بهذا المعنى الجمال ابن عبد الشاعر - المقدم ذكره - في بيتين كتبهما إلى والدي ، قدس الله روحه ،
٢٦٣

وقد سبق في ترجمة بهاء الدين ذكر بيتين كتبهما ابن مطروح إلى بهاء الدين
وذكرت السبب في نظم ذينك البيتين على ما حكاه لي بهاء الدين ، ثم بعد ذلك
وصل إلى الديار المصرية من الموصل بعض الأدباء وجرى حديث ما ذكره لي
بهاء الدين زهير وأنّه أنشدني بيت ابن الحلاوي وهو قوله :
تجيزها وتجيز المادحين١ بها فقل لنا أزهيرٌ أنت أم هرمُ
فقال ذلك الأديب : هذه القصيدة أنشدنيها ناظمها ابن الحلاوي ونحن
بالموصل ، وأروي عنه هذا البيت على خلاف هذه الرواية فإنّه أنشدني :
تجيدها ثم تجدو من أتاك بها فقل لنا أزهير أنت أم هرم
فما أدري : هل ابن الحلاوي أنشدها أوّلاً كما رواه بهاء الدين زهير تم
غير البيت كما رواه هذا الأديب أم حصل الغلط لأحدهما ؟ والله تعالى أعلم ،
مع أن كل واحد من الطريقين حسن .
وقصة زهير بن أبي سلمى المزني الشاعر الجاهلي المشهور معلومة فلا حاجة
إلى شرحها والخروج عما نحن بصدده ، فإنّه كان يمدح هرم بن سنان المري أحد
أمراء العرب في الجاهلية ، وكان هرم كثير العطاء له ، حتى آلى على نفسه أنّه
لا يسلم عليه زهير إلا أعطاه غرة من ماله فرساً أو بعيراً أو عبداً أو أمة ، فأجحف
ذلك بهرم ، فجعل زهير يمر بالجماعة فيهم هرم فيقول : عِمُوا صباحاً خلا
هرماً ، وخيركم تركت .
= وهما بالديار المصرية ، وهما :
إذا ما اشتقت يوماً أن أراكم
بعثت لكم سواداً في بياض
وحال البعد بينكم وبيني
لأنظركم بشيء مثل عيني .
والله أعلم)).
١ ق بر من : المادحيك .
٢٦٤

ونعود إلى ما كنا فيه من حديث ابن مطروح :
بلغني أنّه كتب قبل ارتفاع درجته رقعة تتضمن شفاعة في قضاء شغل بعض
أصحابه ، أرسلها إلى بعض الرؤساء ، فكتب ذلك الرئيس في جوابه (( هذا الأمر
فيه عليّ مشقة)) فكتب جوابه ثانياً ((لولا المشقة)) فلما وقف عليها ذلك الرئيس
قضى شغله وفهم ما قصده ، وهو قول المتنبي :
لولا المشقةُ ساد الناسُ كلهمُ الجودُ يفقر والإقدام قتال
وهذا من لطيف الإشارات .
وأنشدني الأديب الفاضل جمال الدين أبو الحسين يحيى بن عبد العظيم
ابن يحيى بن محمد بن علي المعروف بالجزار المصري ١ قصيدة بديعة مدح بها
جمال الدين ابن مطروح المذكور ، وهي بديعة طويلة فاقتصرت منها على ذكر
غزلها ، وهو هذا :
هو ذا الربعُ ولي نفسٌ مشوقَهْ فاحبسِ الركبّ عسى أقضي حقوقه
بعد ذاك البر أن أرضى عقوقه
فقبيحٌ بيَ في شرع الهوى
مَعَ من أهوى وساعاتٍ أنيقه
لست أنسى فيه ليلاتٍ مضت
ولئن أضحى مجازاً بعدهم
يا صديقي والكريمُ الحر في
فغرامي فيه ما زال حقيقه
مثلِ هذا الوقت لا ينسى صديقه
ضعْ يداً منك على قلبي عسى أن تُهَدّي بين جنِيَّ خفوقه
وَلَكَمْ فاض وقد شام بروقه
فاض دمعي مذ رأى ربعَ الهوى
فغدا ينثرُ في الترب عقيقه
لم يقفْ فاتركه يمضي وطريقه
نقد اللؤلؤ من أدمعه.
قف معي واستوقف الرکب فإن
١ راجع ترجمة الجزار في المغرب (قسم مصر) ١: ٢٩٦ وحسن المحاضرة ١: ٣٢٧ والشذرات
٥ : ٣٦٤ والنجوم الزاهرة ٧ : ٣٤٥ والفوات ٢: ٦٣٠ والبدر السافر ، الورقة : ٢٢٥
والزركشي ٣ الورقة: ٣٦٥؛ وفي المسالك قطعة كبيرة من شعره، وكانت وفاته سنة ٦٧٩.
٢٦٥

فهي أرضٌّ قلما يلحقها آمل والركب لم أعدم لحوقه
طالما استجليت في أرجائها من يتيه البدر إذ يدعى شقيقه
يفضح الوردَ احمراراً خده وتودُّ الخمر لو تشبه ريقه
فيه الحسن خليق لم يزل والمعالي بابن مطروح خليقه
وكانت ولادته يوم الاثنين ثامن رجب سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة
بأسيوط ، وتوفي ليلة الأربعاء مستهل شعبان سنة تسع وأربعين وستمائة بمصر ،
ودفن بسفح الجبل المقطم ، وحضرت الصلاة عليه ودفنه ، وأوصى أن يكتب عند
رأسه دوبيت نظمه في مرضه ، وهو :
أصبحتُ بِقعرِ حفرةٍ مرْتَهنا لا أملكُ من دُنياي إلا كفنا
يا من وسعت عبادَهُ رحمته مِنْ بعض عبادك المسيئين أنا
ومما ذكر أنه وجد في رقعة مكتوبة تحت رأسه بعد موته :
أتجزع مِ الموت١ِ هذا الجزءْ ورحمةُ ربك فيها الطمعْ
ولو بذنوبِ الورى جئته فرحمته كلِّ شيءٍ تسع
رحمه الله تعالى .
(330) وتوفي قاضي القضاة بدر الدين يوسف ٢ المذكور يوم السبت رابع
عشر رجب سنة ثلاث وستين وستمائة بالقاهرة ، ودفن في تربته المجاورة لمدرسته
بالقرافة الصغرى . وأخبرني مراراً عديدة أنّه ولد في شهر ربيع الأول سنة ثمان
وخمسمائة في جبال إربل ، وهو زرزاري النسب ، رحمه الله تعالى ٣ .
وأسيوط : بضم الهمزة وسكون السين المهملة وضم الياء المثناة من تحتها
وبعدها واو ساكنة ثم طاء مهملة ، وهي بليدة بالصَّعيد الأعلى من ديار مصر
ومنهم من يسقط الهمزة ويضم السين فيقول : سُيوط ، والله تعالى أعلم .
١ س من بر : للموت .
٢ انظر شذرات الذهب ٥ : ٣١٣ وعبر الذهبي ٥ : ٢٧٤، وفي كليهما (زراري) .
٣ هنا تنتهي الترجمة في ع .
٢٦٦

٨١٢
ابن جزلة صاحب المنهاج
أبو علي يحيى بن عيسى بن جَزْلَة الطبيب، صاحب كتاب ((المنهاج))
الذي رتبه على الحروف ، وجمع فيه أسماء الحشائش والعقاقير والأدوية وغير
ذلك شيئاً كثيراً ؛ كان نصرانياً ثم أسلم وصنف رسالة في الرد على النصارى
وبيان عوار مذاهبهم ، ومدح فيها الإسلام وأقام الحجة على أنّه الدين الحق ،
وذكر فيها ما قرأه في التوراة والإنجيل من ظهور النبي صلى الله عليه وسلّم ،
وأنّه نبي مبعوث وأن اليهود والنصارى أخفوا ذلك ولم يظهروه ، ثم ذكر فيها
معايب اليهود والنصارى . وهي رسالة حسنة أجاد فيها وقرئت عليه في ذي الحجة
سنة خمس وثمانين وأربعمائة . وكان سبب إسلامه أنّه كان يقرأ على أبي
علي ابن الوليد المعتزلي ويلازمه ، فلم يزل يدعوه إلى الإسلام ويذكر له الدلائل
الواضحة حتى هداه الله تعالى ، وحسن إسلامه ، وهو تلميذ أبي الحسن سعيد
ابن هبة الله بن الحسن ، وبه انتفع في الطب ، وكان له نظر في علم الأدب ،
وكتب الخط الجيد .
عيد
وصنف للإمام المقتدي بأمر الله كثيراً من الكتب ، فمن ذلك كتاب
((تقويم الأبدان)) وكتاب ((منهاج البيان فيما يستعمله الإنسان)) وكتاب ((الإشارة
في تلخيص العبارة )) ورسالة في مدح الطب وموافقته للشرع والردّ على من
طعن عليه ، ورسالة كتبها إلى إليا القس لما أسلم ، وغير ذلك من التصانيف .
وهو من المشاهير في علم الطب وعمله ، وذكره أبو المظفر يوسف سبط
أبي الفرج ابن الجوزي في تاريخه الذي سماه ((مرآة الزمان)) فقال: إنّه لمّا
أسلم استخلفه أبو الحسن القاضي ببغداد١ في كتب السجلات ، وكان يطبب
٨١٢ - ترجمته في المنتظم ٩: ١١٩ وابن الأثير ١٠: ٣٠٢ وتاريخ الحكماء: ٣٦٥ وابن أبي
أصيبعة ١ : ٢٥٥ وابن العبري ٣٣٩ .
١ في تاريخ الحكماء أن الذي استخدمه في كتابة السجلات هو القاضي أبو عبد الله الدامغاني .
٢٦٧

أهل محلته ومعارفه بغير أجرة ، ويحمل إليهم الأشربة والأدوية بغير عوض ،
ويتفقد الفقراء ويحسن إليهم . ووقف كتبه قبل وفاته ، وجعلها في مشهد
أبي حنيفة رضي اللّه عنه ، ذكر هذا كله في سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة ،
وعادته أن يذكر الإنسان ، ويشرح أحواله في سنة وفاته ، فإن كتابه مرتب
على السنين .
وذكر صاحب كتاب (( البستان الجامع لتواريخ الزمان)) أن ابن جزلة
مات سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، وزاد أبو الحسن الهمداني : في أواخر شعبان،
نقله عنه ابن النجار في ((تاريخ بغداد))، وذكر غيره أن إسلامه كان في سنة
ست وستين وأربعمائة ، زاد ابن النجار في تاريخه : يوم الثلاثاء حادي عشر
جمادى الآخرة ، رحمه اللّه تعالى .
وجَزْلة : بفتح الجيم وسكون الزاي وفتح اللام وبعدها هاء ساكنة ،
والله تعالى أعلم .
٨١٣
السهروردي المقتول
أبو الفتوح يحيى بن حَبّش بن أميرك ، الملقب شهاب الدين، السهروردي
الحكيم المقتول بحلب ؛ وقيل اسمه أحمد ، وقيل كنيته اسمه ، وهو أبو
الفتوح ، وذكر أبو العباس أحمد بن أبي أصيبعة الخزرجي الحكيم في كتاب
((طبقات الأطباء)) أن اسم السهروردي المذكور عمر، ولم يذكر اسم أبيه ١ ،
والصحيح الذي ذكرته أولاً ، فلهذا بنيت الترجمة عليه ، فإني وجدته بخط
جماعة من أهل المعرفة بهذا الفن وأخبرني به جماعة أُخرى لا أشك في معرفتهم ،
٨١٣ - ترجمته في مرآة الجنان ٣: ٤٣٤ ولسان الميزان ٣: ١٥٦ ومعجم الأدباء ١٩: ٣١٤ وابن
أبي أصيبعة ٢: ١٦٧ والنجوم الزاهرة ٦: ١١٤ وعبر الذهبي ٤ : ٢٦٣.
١ هنالك بياض في موضع اسم الأب في المطبوعة .
٢٦٨

فقوي عندي ذلك، فترجمت عليه . د الله أعلم.
كان المذكور من علماء عصره، قرأ الحكمة وأصول الفقه على الشيخ
مجد الدين الجيلي بمدينة المراغة من أعمال أذربيجان ، إلى أن برع فيهما وهذا
مجد الدين الجيلي هو شيخ فخر الدين الرازي ١ ، وعليه تخرج وبصحبته انتفع ،
وكان إماماً في فنونه .
وقال في ((طبقات الأطباء)): كان السهروردي المذكور أوحد أهل زمانه
في ٢ العلوم الحكمية، جامعاً للفنون الفلسفية بارعاً في الأصول الفقهية، مفرط
الذكاء فصيح العبارة ، وكان علمه أكثر من عقله ، ثم ذكر أنّه قتل في أواخر
سنة ست وثمانين وخمسمائة ، والصحيح ما سنذكره في أواخر هذه الترجمة
إن شاء الله تعالى، وعمره نحو ست وثلاثين سنة، ثم قال: ويقال إنّه كان
يعرف علم السيمياء .
وحكى بعض فقهاء العجم : أنّه كان في صحبته ، وقد خرجوا من دمشق ،
قال : فلما وصلنا إلى القابون ، القرية التي على باب دمشق في طريق من يتوجه
إلى حلب ، لقينا قطيع غنم مع تركماني ، فقلنا للشيخ : يا مولانا نريد من هذه
الغنم رأساً نأكله ، فقال : معي عشرة دراهم ، خذوها واشتروا بها رأس غنم ،
وكان هناك تركماني فاشترينا منه رأساً بها ، ومشينا قليلاً فلحقنا رفيق له وقال :
ردوا هذا الرأس ، خذوا أصغر منه ، فإن هذا ما عرف يبيعكم ، يساوي هذا
الرأس أكثر من ذلك ، وتقاولنا نحن وإياه ، فلما عرف الشيخ ذلك قال لنا :
خذوا الرأس وامشوا وأنا أقف معه وأرضيه ، فتقدمنا نحن ، وبقي الشيخ يتحدث
معه ويطيب قلبه ، فلما أبعدنا قليلاً تركه وتبعنا ، وبقي التركماني يمشي خلفه
ويصيح به وهو لا يلتفت إليه ، فلما لم يكلمه لحقه بغيظ وجذب يده اليسرى ،
وقال : أين تروح وتخليني ؟ وإذا بيد الشيخ قد انخلعت من عند كتفه وبقيت
في يد التركماني ودمها يجري ، فبهت التركماني وتحير في أمره ، فرمى اليد وخاف ،
فرجع الشيخ وأخذ تلك اليد بيده اليمنى ولحقنا ، وبقي التركماني راجعاً وهو يتلفت
١ المختار : فخر الدين ابن الخطيب الرازي .
٢ طبقات الأطباء : أو حداً في .
٢٦٩

إليه حتى غاب عنهُ ، ولما وصل الشيخ إلينا رأينا في يده اليمنى منديلاً لا غير .
قلت : ويحكى عنه مثل هذا أشياء كثيرة ، والله أعلم بصحتها .
وله تصانيف، فمن ذلك كتاب ((التنقيحات)) ١ في أصول الفقه ، وكتاب
((التلويحات)) وكتاب ((الهياكل)) وكتاب ((حكمة الإشراق))، وله الرسالة
المعروفة ((بالغربة الغريبة)) على مثال ((رسالة الطير)) لأبي علي ابن سينا، ورسالة
((حي بن يقظان)) لابن سينا أيضاً ، وفيها بلاغة تامة أشار فيها إلى حديث النفس
وما يتعلق بها على اصطلاح الحكماء .
ومن كلامه : الفكر في صورة قدسية ، يتلطف بها طالب الأريحية ، ونواحي
القدس دار لا يطؤها القوم الجاهلون ، وحرام على الأجساد المظلمة أن تلج
ملكوت السموات ، فوحد الله وأنت بتعظيمه٢ ملآن، واذكره وأنت من ملابس
الأكوان عريان ، ولو كان في الوجود شمسان لانطمست الأركان ، فأبى
النظام أن يكون غير ما كان :
فخفيتُ حتى قلتُ لستُ بظاهر وظهرت من سعّي على الأكوانِ
[ آخر]٣ :
لو علمنا أنّنا ما نلتقي لقضينا من سليمى وطرا
اللهم خلص لطيفي من هذا العالم الكثيف .
و تنسب إليه أشعار : فمن ذلك ما قاله في النفس على مثال أبيات ابن سينا
العينية، وهي مذكورة في ترجمته في حرف الحاء ، واسمه الحسين٤، فقال هذا
الحكيم :
خلعت هيا كلها بجرعاء الحمى وصبت لمغناها القديم تشوقا
١ بر : التحقيقات .
٢ بر : بتوحيده .
٣ زيادة من : س ر بر من .
٤ انظر جـ ٢ : ١٦٠.
٢٧٠

وتلفتت نحو الديار فشاقها
وقفت تسائله فرد جوابها
فكأنّما ١ برق تألّق بالحمى
ومن شعره المشهور :
أبداً تحن إليكم الأرواحُ
وقلوبُ أهل ودادكم تشتاقكم
تكلفوا
وارحمة ٣ للعاشقين
بالسر إن باحوا تباح دماؤهم
وإذا هُمُ كتموا تحدث عنهم
وبدت شواهدُ للسَّقَامِ عليهمُ
خفض الجناح لكم وليس عليكم
فإلى لقاكم نفسه مرتاحة
عودوا بنور الوصل من غَسق الجنا
صافاهمُ فصفوا له فقلوبهم
وتمتعوا فالوقتُ طاب بقربكم
يا صاحٍ ليس على المحبِّ ملامةٌ
لا ذنب للعشاق إن غلب الهوى
سمحوا بأنفسهمْ وما بخلوا بها
ربع عفت أطلاله فتمزقا
رجع الصدی أن لا سبيل إلى اللقا
ثم انطوى فكأنه ما أبرقا
ووصالكم ريحانُها والراحُ
وإلى لذيذ لقائكمْ ترتاح ٢
سَتْرَ المحبة والهوى فَضَّاح
وكذا دماء البائحين تباح
عند الوشاة المدمعُ السفاح ،
فيها لمشكل أمرهم إيضاح
للصب في خفض الجناح جناح
وإلى رضاكم طرفه طماح
فالهجر ليلٌ والوصالُ صباح
في نورها المشكاةُ والمصباح
راق الشراب ورقت الأقداح*
إن لاح في أُفقِ الوصالِ صباح
كتمانَهمْ فنما الغرام وباحوا
لمّ دَرَوْا أن السماحَ رباح
١ ر : فكأنها .
٢ هامش س: خ: وإلى جلال جمالكم ترتاح .
٣ بر : وارحمنا .
٤ ر س : السحاح .
• هذا البيت أول ما بقى من خط المؤلف في نسخة المسودة، وقد كتب فيه (راق الشباب ((وفوقها
((لعله الشراب))، وكذلك فعل في س .
٢٧١

ودعاهمُ داعي الحقائق دعوة
ركبوا على سنن الوفا فدموعهم
والله ما طلبوا الوقـ ف ببابه
لا يطربون بغير ذكر حبيبهم
حضروا وقد غابت شواهد ذاتهم
أفناهمُ عنهمْ وقد كشفت لهم
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم
فغدوا بها مستأنسين وراحوا
بحرٌ وشدةُ شوقهم ملاح
حتى دُعوا وأتاهم المفتاح
أبداً فكلُّ زمانهم أفراح
فتهتكوا لما رأوه وصاحوا
حجبُ البقا فتلاشتِ الأرواح
إن التشبه بالكرام فلاح
في كاسها قد دارت الأقداح
قم يا نديمُ إلى المدام فهاتها
لا خمرة قد داسها الفلاح
من كرمٍ إكرام بِدنّ ديانة
وله في النظم والثر أشياء لطيفة لا حاجة إلى الإطالة بذكرها . وكان شافعي
المذهب ، ويلقب بالمؤيد بالملكوت ، وكان يتهم بانحلال العقيدة والتعطيل ويعتقد
مذهب الحكماء المتقدمين ، واشتهر ذلك عنه ، فلما وصل إلى حلب أفتى علماؤها
بإباحة قتله بسبب اعتقاده وما ظهر لهم من سوء مذهبه ، وكان أشد الجماعة
عليه الشيخين : زين الدين ومجد الدين ابِي جَهْبَل .
وقال الشيخ سيف الدين الآمدي - المقدم ذكره في حرف العين ١ -:
اجتمعت بالسهروردي في حلب ، فقال لي : لا بد أن أملك الأرض ، فقلت له :
من أين لك هذا ؟ قال : رأيت في المنام كأنّي شربت ماء البحر ، فقلت : لعل
هذا يكون اشتهار العلم وما يناسب هذا ، فرأيته لا يرجع عما وقع في نفسه ،
ورأيته كثير العلم قليل العقل ، ويقال : إنّه لمّا تحقق القتل كان كثيراً ما ينشد :
أرى قدمي أراق دمي وهان دمي فها ندمي
والأول مأخوذ من قول أبي الفتح علي بن محمد البستي - المقدم ذكره -:
إلى حتْفي مشى قدمي أرى قدمي أراق دمي
١ = ٣ : ٢٩٣.
٢ = ٣ : ٣٧٦ .
٢٧٢

فلم أنفك من ندم وليس بنافعي ندمي
وكان ذلك في دولة الملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين رحمه الله ،
فحبسه ثم خنقه بإشارة والده السلطان صلاح الدين ، وكان ذلك في خامس رجب
سنة سبع وثمانين وخمسمائة بقلعة حلب ، وعمره ثمان وثلاثون سنة .
وذكره القاضي بهاء الدين المعروف بابن شداد قاضي حلب في أوائل سيرة
صلاح الدين ١، وقد ذكر حسن عقيدته ٢ فقال : كان كثير التعظيم لشعائر الدين ،
وأطال الكلام في ذلك ، ثم قال : ولقد أمر وَلَدَه صاحب حلب بقتل شاب نشأ
يقال له ((السهروردي)) قيل عنه: إنّه معاند ٣ للشرائع ، وكان قد قبض عليه
ولده المذكور لما بلغه من خبره ، وعرف السلطان به فأمر بقتله ، فقتله وصلبه
أياماً .
ونقل سبط ابن الجوزي في تاريخه عن ابن شداد المذكور أنّه قال : لما كان
يوم الجمعة بعد الصلاة سلخ ذي الحجة سنة سبع وثمانين وخمسمائة أخرج الشهاب
السهروردي ميتاً من الحبس بحلب فتفرق عنه أصحابه .
قلت : وأقمت بحلب سنين للاشتغال بالعلم الشريف ، ورأيت أهلها
مختلفين في أمره ، وكل واحد يتكلم على قدر هواه : فمنهم من ينسبه إلى الزندقة
والإلحاد ، ومنهم من يعتقد فيه الصلاح وأنّه من أهل الكرامات ، ويقولون :
ظهر لهم بعد قتله ما يشهد له بذلك ، وأكثر الناس على أنّه كان ملحداً لا يعتقد
شيئاً ، نسأل الله تعالى العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ،
وأن يتوفانا على مذهب أهل الحق والرشاد ، وهذا الذي ذكرته في تاريخ قتله
هو الصحيح ، وهو خلاف ما نقلته في أول هذه الترجمة ، وقد قيل إن ذلك
كان في سنة ثمان وثمانين ، وليس بشيء أيضاً .
وحَبش : بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة وبالشين المعجمة .
وأميرَك : بفتح الهمزة وبعدها ميم مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها ساكنة
١ سيرة صلاح الدين : ١٠ .
٢ أي حسن عقيدة السلطان .
٣ ق : كان معانداً ، وكذلك في سيرة ابن شداد .
١٨ - ٦
٢٧٣

وبعدها راء مفتوحة ثم كاف ، وهو اسم أعجمي معناه أُمَيِّر تصغير أمير ،
وهم يلحقون الكاف في آخر الاسم للتصغير .
٠٠
وقد تقدم الكلام على سُهْرُوَرْد في ترجمة الشيخ أبي النجيب عبد القاهر
السهروردي فليطلب منه ، إن شاء الله تعالى .
٨١٤
يزيد بن القعقاع القارىء
أبو جعفر يزيد بن القعقاع القارىء ، مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة
المخزومي عَتاقة ، ويعرف أبو جعفر المذكور بالمدني ؛ أخذ القراءة عَرْضاً
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، وعن مولاه عبد الله بن عياش بن أبي
ربيعة ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه ؛ وسمع عبد الله بن عمر بن الخطاب
رضي الله عنهما ، ومروان بن الحكم ، ويقال قرأ على زيد بن ثابت رضي
الله عنه ، وروى القراءة عنه عرضاً نافعُ بن عبد الرحمن بن أبي نعيم وسليمان
ابن مسلم بن جَمّاز وعيسى بن وَرْدان الحذاء وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ،
وله قراءة .
قال أبو عبد الرحمن النسائي : يزيد بن القعقاع ثقة ، وكان يقرىء الناس
بالمدينة قبل وقعة الحرة . وقال محمد بن القاسم المالكي : أبو جعفر يزيد بن
القعقاع مولى أم سلمة رضي اللّه عنها ، زوج النبي صلى الله عليه وسلّم ، قال :
ويقال إنه جندب بن فيروز مولى عبد الله بن عياش المخزومي ، وكان من أفضل
الناس . وقال سليمان بن مسلم : أخبرني أبو جعفر يزيد بن القعقاع أنّه كان
يقرىء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الحرة ، وكانت الحرة على
٨١٤ - ترجمته في المعارف : ٥٢٨ ورجال ابن حبان: ٧٦ وابن الأثير ٥ : ٣٩٤ وتهذيب التهذيب
١٢: ٥٨ وميزان الاعتدال ٤: ٥١١ وغاية النهاية ٢ : ٣٨٢ والشذرات ١ : ١٧٦.
٢٧٤

رأس ثلاث وستين سنة من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلّم المدينة، وأخبر ني
أنّه كان يمسك المصحف على مولاه عبد الله بن عياش ، وكان من أقرأ الناس
وكنت أرى كل يوم ما يقرأ وأخذت عنه قراءته ، وأخبرني أنّه أتي به إلى أم
سلمة رضي الله عنها وهو صغير، فمسحت على رأسه ودعت له بالبركة، قال سليمان
المذكور : وسألته متى أقرأت القرآن ؟ فقال : أقرأت أو قرأت ؟ فقلت : لا بل
أقرأت ، فقال : هيهات ، قبل الحرة في زمان يزيد بن معاوية ، وكانت الحرة
بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث وخمسين سنة .
وقال نافع بن أبي نعيم : لما غسل أبو جعفر يزيد بن القعقاع القارىء بعد
وفاته نظروا ما بين نحره إلى فؤاده مثل ورقة المصحف ، فما شك أحد ممن
حضره أنه نور القرآن .
وقال سليمان بن مسلم : أخبرني أبو جعفر يزيد بن القعقاع حين كان نافع
يمر به فيقول : أترى هذا ؟ كان يأتيني وهو غلام له ذؤابة فيقرأ عليَّ ثم كفرني ،
وهو يضحك . قال سليمان ، وقالت أم ولد أبي جعفر : إن ذلك البياض الذي
كان بين نحره وفؤاده صار غرة بين عينيه . وقال سليمان : رأيت أبا جعفر
بعد موته في المنام وهو على الكعبة فقلت له : أبا جعفر ؟ قال : نعم اقرىء إخواني
عني السلام ، وأخبرهم أن الله تعالى جعلني من الشهداء الأحياء المرزوقين ،
واقرىء أبا حازم السلام وقل له : يقول لك أبو جعفر : الكيس الكيس ،
فإن الله عزّ وجل وملائكته يتراء ون مجلسك بالعشيات .
وقال مالك بن أنس رحمه اللّه تعالى: كان أبو جعفر القارىء رجلاً صالحاً
يفتي ١ الناس بالمدينة .
وقال خليفة بن خياط ٢ : مات أبو جعفر يزيد بن القعقاع سنة اثنتين وثلاثين
ومائة بالمدينة ، وقال غيره : مات سنة ثمان وعشرين ومائة ، وقال أبو علي
الأهوازي في أول كتاب ((الإقناع)) في القراءات، قال ابن جمّاز: ولم يزل
أبو جعفر إمام الناس في القراءة إلى أن توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائة بالمدينة ،
١ الجزري : يقرىء.
٢ تاريخ خليفة : ٦١٤ .
٢٧٥

وقيل إنّه توفي في سنة ثلاثين ومائة ، والله أعلم .
قلت : وقد تكرر ذكر الحرة في هذه الترجمة في مواضع ، وقد يتشوف
إلى الوقوف على معرفة ذلك من لا علم له به .
والحرة في الأصل اسم لكل أرض ذات حجارة سود ، فمتى كانت بهذه
الصفة قيل لها حرة ، والحرار كثيرة ، والمراد بهذه الحرة حرة واقم ،
بالقاف المكسورة ، وهي بالقرب من المدينة في جهتها الشرقية - کان یزید بن
معاوية بن أبي سفيان في مدة ولايته قد سير إلى المدينة جيشاً مقدمه مسلم بن عقبة
المري فنهبها ، وخرج أهلها إلى هذه الحرة ، فكانت الوقعة بها ، وجرى فيها
ما يطول شرحه وهو مسطور في التواريخ ، حتى قيل إنّه بعد وقعة الحرة ولدت
أكثر من ألف بكر من أهل المدينة ، ممن ليس لهن أزواج ، بسبب ما جرى فيها
من الفجور .
ثم إن مسلم بن عقبة المري لما قتل أهل المدينة وتوجه إلى مكة ، نزل به
الموت بموضع يقال له : ثنية هَرْشَى ، فدعا حصين بن نمير السكوني وقال له :
يا برذعة الحمار، إن أمير المؤمنين عهد إليّ إن نزل بي الموت أن أوليك، وأكره
خلافه عند الموت . ثم إنّه أوصى إليه بأمور يعتمدها ثم قال : لئن دخلت النار
بعد قتلي أهل الحرة إنّ إذاً لشقي .
وأمّا واقم فإنّه اسم أُطم من آطام المدينة. والأطم: بضم الهمزة والطاء
المهملة ، شبيه بالقصر ، وكان مبنياً عند هذه الحرة فأضيفت الحرة إليه ، فقيل
حرة واقم ، والله أعلم .
٢٧٦

٨١٥
یزید بن رومان
أبو روح يزيد بن رُوْمان القارىء مولى آل الزبير بن العوام المدني ؛ أخذ
القراءة عَرْضاً عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وسمع ابن عباس
وعروة بن الزبير رضي الله عنهم، وروى القراءة عنه عرضاً نافع ابن أبي نعيم .
قال يحيى بن معين : يزيد بن رومان ثقة . وقال وهب بن جرير : حدثنا
أبي قال : رأيت محمد بن سيرين ويزيد بن رومان يعقدان الآي في الصلاة .
وقال يزيد بن رومان : كنت أصلي إلى جنب نافع بن جبير بن مطعم ،
فيغمزني فأفتح عليه ونحن نصلي .
وروى يزيد أنّه كان الناس يقومون في زمن عمر بن الخطاب رضي اللّه
عنه بثلاث وعشرين ركعة في شهر رمضان . وتوفي يزيد في سنة ثلاثين ومائة ،
رحمه الله تعالى ١.
ورُوْمان : بضم الراء وسكون الواو وبعدها ميم ثم ألف ونون .
.....
٨١٥ - ترجمته في غاية النهاية ٢ : ٣٨١ وتهذيب التهذيب ١١ : ٣٢٥.
١ هنا تنتهي الترجمة في ق .
٢٧٧

٨١٦
يزيد بن المهلب
أبو خالد يزيد بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي - قد تقدم ذكر أبيه في
حرف الميم١ ورفعتُ نسبه وتكلمت عليه فأغنى عن الإعادة هاهنا - ؛ ذكر ابن
قتيبة في كتاب ((المعارف))٢ وجماعة من المؤرخين: أنّه لمّا مات أبوه - في
التاريخ المذكور في ترجمته - كان قد استخلف ولده يزيد مكانه ، ويزيد ابن
ثلاثين سنة يومئذ ٣ ، فعزله عبد الملك بن مروان برأي الحجاج بن يوسف الثقفي ،
وولّى مكانه في خراسان قتيبة بن مسلم الباهلي - قلت : وقد تقدم ذكره في
حرف القاف ٤ - وصاريزيد في يد الحجاج - قلت : وكان الحجاج زوج أخته
هند بنت المهلب - وكان الحجاج يكره يزيد لما يرى فيه من النجابة فيخشى منه
لا يترتب مكانه ، فكان يقصده بالمكروه في كل وقت كي لا يثب عليه ، وكان
الحجاج في كل وقت يسأل المنجمين ومن يعاني هذه الصناعة عمّن يكون مكانه ،
فيقولون : رجل اسمه يزيد ، فلا يرى من هو أهل لذلك سوى يزيد المذكور ،
والحجاج يومئذ أمير العراقين ، وكذا وقع ، فإنّه لما مات الحجاج ولي يزيد
مكانه ، هذا قول المؤرخين .
نعود إلى تتمة ما ذكره في ((المعارف)) - قال : فعذبه الحجاج ، وهرب
يزيد من حبسه إلى الشام يريد سليمان بن عبد الملك ، فأتاه فشفع له إلى أخيه
٨١٦ - ترجمته وأخباره في المصادر التاريخية التي تتحدث عن العصر الأموي كالطبري وابن الأثير
والمسعودي واليعقوبي وابن خلدون والعيون والحدائق ، وفي الكتب الأدبية العامة كالكامل
والعقد ... الخ . وسنشير إلى المصادر التي اعتمد عليها المؤلف في مواضعها، حيث يتيسر ذلك.
١ انظر = ٥ : ٣٥٠ .
٢ المعارف : ٤٠٠ .
٣ زاد في المطبوعة المصرية : فمكث نحواً من ست سنين من يومئذ؛ ولم يرد في المسودة والنسخ الأخرى .
٤ انظر جـ ٤ : ٨٦ .
٢٧٨

الوليد بن عبد الملك ، فأمنه وكف عنه ، ثم ولاه سليمان خراسان حين أفضت
إليه الخلافة ، فافتتح جرجان ودِ هَستان وأقبل يريد العراق ، فتلقاه موت سليمان
ابن عبد الملك ، فصار إلى البصرة ، فأخذه عدي بن أرطأة ، فأوثقه وبعث به
إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ، فحبسه عمر ، فهرب من حبسه وأتى
البصرة ، ومات عمر ، فخالف يزيد [وخلع يزيد ]١ بن عبد الملك ، فوجه
إليه أخاه مَسلمة فقتله .
وقال الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر في تاريخه الكبير : يزيد بن
المهلب ولي إمرةَ البصرة لسليمان بن عبد الملك ، ثم نزعه عمر بن عبد العزيز
وولى عديَّ بن أرطأة ، وقُدِمَ به على عمر مسخوطاً عليه ؛ حَكى عن
أنس بن مالك وعمر بن عبد العزيز وأبيه المهلب ، وروى عنه ابنه عبد الرحمن
وأبو عيينة ابن المهلب وأبو إسحاق السَّبيعي وغيرهم . وقال الأصمعي : إن
الحجاج قبض على يزيد وأخذه بسوء العذاب ، فسأله أن يخفف عنه العذاب على
أن يعطيه كل يوم مائة ألف درهم ، فإن أداها وإلا عذبه إلى الليل ، قال :
فجمع يوماً مائة ألف درهم ليشتري بها عذابه في يومه ، فدخل عليه الأخطل
الشاعر فقال ٢ :
وصاح ذوو الحاجاتِ أين يزيدُ
أبا خالد بادتْ خراسانُ بعد کم
ولا اخضرَّ بالمروين بعدك عود
فلا مُطِرّ المروانِ بعدك مطرةً
ولا لجواد بَعدَ جودك جود
فما لسريرِ الملك بعدك بهجةٌ
- قوله في البيت الثاني ((فلا مطر المروان، ولا اخضر بالمروين)) هما تثنية
مرو ، إحداهما مرو الشاهجان ، وهي العظمى ، والأخرى مرو الروذ ، وهي
الصغرى ، وكلتاهما مدينتان مشهورتان بخراسان ، وقد تكرر ذكرهما في هذا
الكتاب - قال : فأعطاه مائة الألف ، فبلغ ذلك الحجاج ، فدعا به وقال :
يا مروزي ، أكلُّ هذا الكرم وأنت بهذه الحالة ؟ قد وهبتُ لك عذاب اليوم
وما بعده .
١ زيادة من ر بر .
٢ وردت في ديوان الفرزدق ١ : ١٣٧.
٢٧٩

قلت : هكذا ذكر ابن عساكر ، والمشهور أن صاحب هذه الواقعة والأبيات
هو الفرزدق ؛ ثم إنّي رأيت هذه الأبيات في ديوان زياد الأعجم ، واللّه
أعلم بالصواب .
وذكر الحافظ أيضاً أن يزيد لما هرب من الحجاج قاصداً سليمان بن
عبد الملك ، وهو يومئذ بالرملة ، فاجتاز في طريقه بالشام على أبيات عرب ،
فقال لغلامه : استَقِنا! هؤلاء لبناً ، فأتاه بلبن فشربه ، فقال : أعطهم ألف
درهم ، فقال الغلام : إن هؤلاء لا يعرفونك ، قال : لكني أعرف نفسي ،
أعطهم ألف درهم ، فأعطاهم .
وقال الحافظ أيضاً : حج يزيد بن المهلب فطلب حلاقاً ، فجاء فحلق رأسه ،
فأمر له بألف درهم ، فتحير ودُهش، وقال : هذا الألف أمضي إلى أمي فلانة
أشتريها ، فقال: أعطوه ألفاً آخر ، فقال : امرأتي طالق إن حلقت رأس أحد
بعدك ، فقال : أعطوه ألفين آخرين .
وقال المدائني : وكان سعيد بن عمرو بن العاص مؤاخياً ليزيد بن المهلب ،
فلما حبس عمرُ بن عبد العزيز يزيدَ منع الناس من الدخول إليه ، فأتاه سعيد
فقال : يا أمير المؤمنين ، لي على يزيد خمسون ألف درهم ، وقد حُلتَ بيني
وبينه ، فإن رأيت أن تأذن لي فأقتضيه ، فأذن له ، فدخل عليه ، فسر به يزيد
وقال : كيف دخلت إليّ ؟ فأخبره سعيد ، فقال: والله لا تخرج إلا وهي معك ،
فامتنع سعيد ، فحلف يزيد ليقبضنها ، فوجه إلى منزله ، حتى حُمل إلى سعيد
خمسون ألف درهم .
وزاد ابن عساكر فقال : وفي ذلك قال بعضهم :
فلم أرَ محبوساً من الناس ماجداً حبا زائراً في السجن غير يزيد
بخمسين ألفاً عُجّلَتْ لسعيد
سعيد بن عمرو إذ أتاه أجازه
[ وذكر أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني في كتاب ((الجليس والأنيس))
عن عبد اللّه الكوفي قال : أغرم سليمان بن عبد الملك عمر بن هبيرة عن غزاة
١ كذا في المسودة ؛ وفي أكثر النسخ : استسقنا.
٢٨٠