Indexed OCR Text
Pages 121-140
من لها أن يضوع نشر أمين الد ين فيها وحسبها ذلك فضلا ٩ متُ فيها يقول : أهلا وسهلا ٥ إليها فإن رؤياه١ أحلى وجوادٌ عنه المكارم تتلى • لكانت أمُّ الفضائل ثكلى ـدُ وتعنو له الكتائب ذلا في بياضٍ فالبيض والسمر خجلى٣ ملُ سهماً ولا يجرّدُ نصلا لاً إذا كانت الصحائف رسلا فاً لما قد أملَّ فيها وأملى بقداحِ العلوم فصلاً ففصلا لو رجت أن يزورها لانبری الصا ولئن وافت الرواة برَيّا بحرُ جودٍ له الأكارمُ تتلو جامعٌ شاردَ العلوم ولولا ذو يراعٍ تخافُ صولته ٢ الأسـ وإذا افترَّ ثغرُهُ عن سوادٍ يقظٌ في حراسةِ الملكِ لا يعـ إنّما يبعث البلاغة أرسا فيعيد الجبّار ممتلئا خو وتراه طوراً يجيلُ يديه مثل وشي الرياض أو كنظيم الدرّ؛ يزهى خطاً ولفظاً ونقلا فاتئد يا مريدَ مثلِ أمين الدين مهلاً أتعبتَ نفسك مهلا سيدي يا أخا السماح وظئر المجد وابن العلى ورب المعلّ كأبيه لا خير فيمن تولى أنت بدر والکاتب ابن هلال إن يكن أولاً فإنّك بالتفـ يا أمين الدين الذي جمع الا أنا من قاده الثناءُ إلى حبـ وإذا أُسجلَ الثناءُ بقاضٍ فارض بكراً ما راض قط أبوها ضيلِ أولى ، لقد سبقت وصلى ـه به للسماح والفضل شملا ـك حتى يظل لا يتسلّ صار فيه أخو الشهادة عدلا فكره بابنة ليخطبَ بعلا ١ ص : رياه . ٢ ص : يخاف ريقته . ٣ ص ق : تخلى . ٤ بر من ن : أو مثل نظم الدر . ١٢١ زاً ولكن رآك للملح أهلا لا جزاء یزید عنها ولا أجد جاء يبغي من حسن رأيك وصلا ودعاه إليك داعي وداد ـب كفيل به ورأيك أعلى وإذا ما تعذر القرب فالقا من ظلام وجرد الصبح نصلا فابق واسلمما جرد الأفق جيشاً! وتوفي أمين الدين المذكور بالموصل سنة ثماني عشرة وستمائة ، وقد أسن وتغير خطه من الكبر ، رحمه الله تعالى . ٧٨٩ باقوت الرومي أبو الدر أبو الدر ياقوت بن عبد اللّه الرومي ، الملقب مهذب الدين ، الشاعر المشهور ، مولى أبي منصور الجيلي ٢ التاجر ؛ اشتغل بالعلم وأكثر من الأدب ، واستعمل قريحته في النظم فأجاد فيه ، ولما تميز ومهر سمى نفسه عبد الرحمن ، وكان مقيماً بالمدرسة النظامية ببغداد ، وعده ابن الدبي في كتاب ((الذيل)»٣ في جملة من اسمه عبد الرحمن ، وذكر أنه نشأ ببغداد ، وحفظ القرآن العزيز وقرأ شيئاً من الأدب وكتب خطأً حسناً وقال الشعر وأكثر النظم منه في الغزل والتصابي وذكر المحبة ، وراق شعره وتحفظه الناس ، وأورد له مقطوعاً من الشعر وذكر أنّه أنشده إياه ، وهو : ١ ن ر : جر في الأفق جيش . ٧٨٩ - ترجمته في معجم الأدباء ١٩: ٣١١ والنجوم الزاهرة ٥ : ٢٨٣ ومرآة الجنان ٤ : ٤٩ وعقود الجمان جـ٩، الورقة: ٣٤٧ والبدر السافر ٢، الورقة ٢٢١. ٢ ص: الجبلي؛ ع: الحلبي، وفي الهامش : الجبلي . ٣ تاريخ ابن الدبيني = ٢، الورقة: ٣٦ ( مخطوطة جامعة كيمبردج) . ١٢٢ خليليّ" لا والله ما جنَّ غاسقٌ وأظلم إلا حنَّ أو جُنَّ عاشقُ [ وبقيته في المجموع الصغير]١ وأشعاره سائرة يتغنى بها، وهي رقيقة لطيفة فمن ذلك قوله : فكل ما تدَّعي زورٌ وبهتانُ إن غاضدمعك و الأحبابُ قد بانوا وقد خلا منهمُ ربعٌ وأوطان وكيف تأنسُ أو تنسى خيالهمُ عَنِ النواظر أقمارٌ وأغصان وبان جيشُ اصطباري ساعةً بانوا ولا ترنحَ أيكٌ لا ولا بان غداةٌ بينهمُ همّ وأحزان طيّ الحشا خليل الله نيران فيكم لجاد له أُخْدٌ ولُبنان رَضْوَى ولان لما ألقاه ثَهْلان سلطان حسنك مالي منه إحسان لا أوحش اللّه من قومٍ نأوا فنأى سارُوا فسار فؤادي إثر ظعنهمُ لا افترَّ ثغرُ الثرى من بعد بعدهم اجری دموعي وأذ کی النار في کبدي طوفان (٢ نوحٍ ثوى في مقليّ وفي لو کابد الصخر ما کابدتُ من کمد وذاب يذبلُ من وجدي ورض على يا من تملك رقي حسنُ بهجته كن كيف شئتَ فمالي عنك من بدل أنت الزلالُ لقلبي وهو ظمآن ومن شعره أيضاً : ألا مبلغٌ وجدي بها وغرامي ومهد إلى دار السلام سلامي إلى مُعْرِقٍ لم يرعَ عهدَ ذمامي نسيمَ الصبا بلغ تحيةَ مُشْئم يرقُّ لذلي في الهوى وهيامي وَصِفْ بعضَ أشواقي إليه لعلّه أيا رحبةَ الزوراء لي فيك شادن" بدیئُ جمالٍ بان صبري لبينه نقى بُعدُهُ من مقلّيّ منامي وعرَّضني إعراضُهُ لحمامي ١ سقط من : ق ص ن ع بر من ؛ ولعله من بعض التحويلات في المسودة . ٢ ن ص ر بر من : فماء . ١٢٣ يصدُّ إذا ما صد عن عينيَ الكرى ويمزجُ دمعي هجرُهُ بمدامي وناري وربي في الهوى وأوامي حياتي وموتي في يديه وجنّتي حياتي وإسعادي ونيلُ مرامي ففي بعده عني وفاتي ، وقربه تحولي، ومن سقم الجفونِ سَقامي ومن وجنتيه نار وجدي، وخصره فكن عاذري يا عاذلي فدلالهُ دليلٌ على وجدي به وغرامي ١ ورأيت كثيراً من الفقهاء بالشام وبلاد الشرق يحفظون له قصيدة أولها : دنف بحبك ما أبل ، بلى بلي جسدي لبعدك يا مثيرَ بلا بلي أوضحت عذري بالعذار السائل يا من إذا ما لام فيه لوائمي أم حل في ((التهذيب)) أم في ((الشامل)) أأجيزَ قتلي في ((الوجيز)) لقاتلي ذو مقلة عبرى ودمع هاطل أم في ((المهذب)) أن يعذب عاشق تلف النفوس بسحر طرف بابلي أم طرفكَ الفتاك قد أفتاك في وهي أكثر من هذا ، لكن هذا القدر هو الذي أستحضرهُ في هذا الوقت منها . وأنشدني له بعض الأدباء بمدينة حلب أبياتاً ، منها قوله : ألست من الولدان أحلى شمائلا فكيف سكنت القلب وهو جهنم ثم قال : وقد انتقدوا عليه في ٢ بغداد في هذا البيت ، فأفكرت فيه ثم قلت له : لعل الانتقاد من جهة أنّه ما يلزم من كونه أحلى شمائل من الولدان أنّه لا يكون في جهنم ، فإنّه قد يكون أحلى شمائل منهم ، وليس الممتنع إلا أن يكون الولدان في جهنم ، فقال : نعم هذا هو الذي أخذ عليه . وأخبرني بعض الأفاضل بمدينة إربل في سنة خمس وعشرين وستمائة ، قال : كنت ببغداد في سنة عشرين وستمائة بالمدرسة النظامية ، فقعدت يوماً ١ ر : وهيامي . ٢ ص : أهل . ١٢٤ على بابها إلى جانب أبي الدر المذكور ونحن نتذاكر الأدب ، إذ جاء شيخ ضعيف القوى والحال يتوكأ على عصا ، فجلس قريباً منا ، فقال لي أبو الدر : أتعرف هذا ؟ فقلت : لا ، فقال : هذا مملوك الحيص بيص ، الذي يقول ١ فيه: تشَرْبشْ أو تقمّصْ أو تقبّى فلن تزدادَ عندي قطُّ حبا فإن تردِ الزيادةُ هاتٍ قَلْبا تملك بعضُ حبّك كلَّ قَلْبِي قال : فجعلت أنظر إليه ، وأفكر فيما كان عليه ، وما آل حاله إليه ، ولقد طلبت أنا هذين البيتين في ديوان الحيص بيص فلم أجدهما فيه، والله أعلم . ولأبي الدر المذكور ديوان شعر سمعت أنّه صغير ولم أقف عليه ، بل على مقاطيع كثيرة منه ، وشعره متداول بالعراق وبلاد الشرق والشام ، ويكفي منه هذا القدر - وقد تقدم في حرف الخاء في ترجمة الشيخ الخضر بن عقيل الإربلي له ثلاثة أبيات دالية ٢ - ثم إنّ ملكت من ديوانه ٣ نسختين في سنة سبع وستين وستمائة بدمشق المحروسة ، وهو صغير الحجم يدخل في عشر کراریس ٤ . ورأيت في بعض التواريخ المتأخرة أن أبا الدر المذكور وجد ميتاً بمنزله ببغداد في الثاني عشر من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وستمائة ، وقال الناس : إنّه كان قد توفي قبل ذلك بأيام ، رحمه الله تعالى . وقال ابن النجار في (( تاريخ بغداد )) وجد أبو الدر في داره ميتاً ، يوم الأربعاء خامس عشر جمادى الأولى من السنة ، وكان قد أخرج من النظامية فسكن في دار بدرب دينار الصغير ، ولم يعلم متى مات ، وأظنه ناطح ° الستين ، والله أعلم . ١ ر : قال . ٢ انظر ج ٢ : ٢٣٨ . ٣ ق ع : بديوانه . ٤ ر : عشرين كراساً . ٥ ن : قارب . ١٢٥ والرومي : يضم الراء وسكون الواو وبعدها ميم ، هذه النسبة إلى بلاد الروم ، وهو إقلیم مشهور متسع کثیر البلاد . وهاهنا نكتة غريبة يحتاج إليها ويكثر السؤال عنها ، وهي : أن أهل الروم يقال لهم ((بنو الأصفر))، واستعملته الشعراء في أشعارهم ، فمن ذلك قول عديّ بن زيد العبادي من جملة قصيدته المشهورة : وبنو الأصفر الكرام ملوك الرو م لم يبق منهُم مذكور ولقد تتبعت ذلك كثيراً فلم أجد ما يشفي الغليل ١ ، حتى ظفرت بكتاب قديم اسمه (( اللفيف)) ولم يكتب عليه اسم مؤلفه ، فنقلت منه ما صورته : عن العباس عن أبيه قال : انخرم مُلْك الروم في الزمان الأوّل ٢ ، فبقيت منه امرأة ، فتنافسوا في الملك حتى وقع بينهم شر ، فاصطلحوا على أن يملكوا أول مَنْ يُشرف عليهم ، فجلسوا مجلساً لذلك ، وأقبل رجل من اليمن معه عبد له حبشيّ يريد الروم ، فأَبَقَ العبد منه ، فأشرف عليهم فقالوا : انظروا في أيّ شيء وقعتم؟ فزوجوه تلك المرأة، فولدت غلاماً فسموه (( الأصفر)) ، فخاصمهم المولى ، فقال الغلام : صدق أنا عبده فأرضوه ، فأعطوه حتى رضي ، فبسبب ذلك قيل للروم بنو الأصفر ، لصفرة لون الولد ، لكونه مولداً بين الحبشي والمرأة البيضاء ، والله أعلم . ..... ١ ن بر من والمختار: أحداً شفى فيه الغليل؛ ص ر ع ق : من أشفى فيه الغليل . ٢ المختار : الزمن الأول ؛ ر : الزمان المتقدم . ١٢٦ ٧٩٠ ياقوت الحموي أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله، الرومي الجنس والمولد الحموي المولى البغدادي الدار ، الملقب شهاب الدين ؛ أُسر من بلاده صغيراً ، وابتاعه ببغداد رجل تاجر يعرف بعسكر ابن أبي نصر إبراهيم ١ الحموي، وجعله في الكُتّاب لينتفع به في ضبط تجائره ، وكان مولاه عسكر لا يحسن الخط ولا يعلم شيئاً سوى التجارة ، وكان ساكناً ببغداد ، وتزوج بها وأولد٢ عدة أولاد ، ولمّا كبر ياقوت المذكور قرأ شيئاً من النحو واللغة ٣ ، وشغله مولاه بالأسفار في متاجره فکان یتردد إلی کیش٤ وعمان و تلك النواحي ويعود إلى الشام . ثم جرت بينه وبين مولاه نَبْوَة أوجبت عتقه فأبعده عنه ، وذلك في سنة ست وتسعين وخمسمائة، فاشتغل بالنسخ بالأجرة، وحصلت له بالمطالعة فوائد. ثم إن مولاه بعد مديدة° ألوى عليه وأعطاهُ شيئاً وسفره إلى كيشَ ، ولما عاد كان مولاه قد مات ، فحصل شيئاً ممّا كان في يده وأعطى أولاد مولاه وزوجته ما أرضاهم به ، وبقيت بيده بقية جعلها رأس ماله ، وسافر بها وجعل بعض تجارته كتباً . وكان متعصباً على علي بن أبي طالب ، رضي اللّه عنه ؛ وكان قد طالع ٧٩٠ - ترجمته في مرآة الجنان٤: ٥٩ وعبر الذهبي ٥ : ١٠٦ وتاريخ إربل ، الورقة : ٣١٢ وقد ترجم له الذهبي أيضاً في تاريخ الإسلام والمنذري في وفيات النقلة والصفدي في الوافي ؛ وللمستشرقين بحوث كثيرة عنه ، انظر مقدمة الجزء الخامس من معجم البلدان ( طبعة وستنفيلد) وتاريخ الأدب الجغرافي لكراتشكوفسكي ١: ٣٣٥ وقد تحدث عنه الدكتور صلاح المنجد في أعلام التاريخ والجغرافيا عند العرب ١ : ٦١ وما بعدها، وانظر تكملة بروكلمان ١ : ٨٨٠. ١ ق: ابن إبراهيم؛ وسقطت ((إبراهيم)) من المختار؛ بر من: يعرف بعسكر الحموي. ٢ ر : وولد له . ٣ ر: ومن اللغة . • ق ع بر من : مدة مديدة . ٤ كيش : جزيرة في الخليج العربي . ١٢٧ شيئاً من كتب الخوارج ، فاشتبك ١ في ذهنه منه طرف قوي ، وتوجه إلى دمشق في سنة ثلاث عشرة وستمائة وقعد في بعض أسواقها ، وناظر بعض من يتعصب لعلي رضي الله عنه، وجرى بينهما كلام أدى إلى ذكره علياً ، رضي الله عنه ، بما لا يسوغ ، فثار الناس عليه ثورة كادوا يقتلونه ، فسلم منهم ، وخرج من دمشق منهزماً بعد أن بلغت القضية إلى والي البلد ، فطلبه فلم يقدر عليه ، ووصل إلى حلب خائفاً يترقب ، وخرج عنها في العشر الأول أو الثاني من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وستمائة ، وتوصل إلى الموصل . ثم انتقل إلى إربل وسلك منها إلى خراسان وتحامى دخول بغداد ، لأن المناظر له بدمشق كان بغدادياً ، وخشي أن ينقل قوله فيقتل . فلما انتهى إلى خراسان أقام بها يتجر في بلادها ، واستوطن مدينة مَرْوَ مدة ، وخرج عنها إلى نَسا ومضى إلى خوارزم ، وصادفه وهو بخوارزم خروج التّر ، وذلك في سنة ست عشرة وستمائة ، فانهزم بنفسه كبعثه يوم الحشر من رَمْسه ، وقاسى في طريقه من المضايقة ٢ والتعب ما كان يكل عن شرحه إذا ذكره ، ووصل إلى الموصل وقد تقطعت به الأسباب ، وأعوزه دنيء المآكل وخشنُ الثياب ، وأقام بالموصل مدة مديدة ٣ ، ثم انتقل. إلى سنجار وارتحل منها إلى حلب ، وأقام بظاهرها في الخان ، إلى أن مات في التاريخ الآتي ذكره إن شاء الله تعالى . ونقلت من ((تاريخ إربل)) الذي عني بجمعه أبو البركات ابن المستوفي - المقدم ذكره - أن ياقوتاً المذكور قدم إربل في رجب سنة سبع عشرة وستمائة ، وكان مقيماً بخوارزم ، وفارقها للواقعة التي جرت فيها بين التتر والسلطان محمد بن تکش خوارزم شاه . وكان قد تتبع التواريخ،" وصنف كتاباً سمّاه ((إرشاد الألباء إلى معرفة الأدباء)) يدخل في أربعة جلود ٤ كبار، ذكر في أوله قال °: (( وجمعت في هذا ١ ق : فتشكل ؛ ع : فاستبد . ٢ ع بر من : الضائقة . ٣ بر: بالموصل مديدة . ٤ ق ن ر بر من : أربع مجلدات . ٥ انظر معجم الأدباء ١ : ٤٨. ١٢٨ الكتاب ما وقع إلي من أخبار النحويين واللغويين والنسابين والقراء المشهورين ، والأخباريين والمؤرخين والوراقين المعروفين. والكتاب المشهورين وأصحاب الرسائل المدونة ، وأرباب الخطوط المنسوبة المعينة ، وكل من صنف في الأدب تصنيفا أو جمع فيه تأليفا ، مع إيثار الاختصار والإعجاز في نهاية الإيجاز ، ولم آل جهداً في إثبات الوفيات ، وتبيين المواليد والأوقات ، وذكر تصانيفهم ومستحسن أخبارهم ، والإخبار بأنسابهم وشيء من أشعارهم ١ ، في تردادي إلى البلاد ومخالطتي للعباد ، وحذفت الأسانيد إلا ما قل رجاله وقرب مناله ، مع الاستطاعة لإثباتها سماعاً وإجازة ، إلا أنّني قصدت صغر الحجم وكبر النفع ، وأثبت مواضع نقلي ومواطن أخذي من كتب العلماء المعول في هذا الشأن عليهم ، والمرجوع في صحة النقل إليهم)) . ثم ذكر أنّه جمع كتاباً في أخبار الشعراء المتأخرين والقدماء . ومن تصانيفه أيضاً كتاب ((معجم البلدان)) وكتاب ((معجم الشعراء)) وكتاب ((معجم الأدباء)) ٢ وكتاب ((المشترك وضعاً المختلف صقعاً)) وهو من الكتب النافعة ، وكتاب ((المبدأ والمآل)) في التاريخ، وكتاب ((الدول)) و ((مجموع كلام أبي علي الفارسي)) و ((عنوان كتاب الأغاني))، و((المقتضب في النسب)) يذكر فيه أنساب العرب، وكتاب ((أخبار المتنبي)). وكانت له همة عالية في تحصيل المعارف . وذكر القاضي الأكرم جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم ابن عبد الواحد الشيباني القفطي ، وزير صاحب حلب كان رحمه الله تعالى ، في كتابه ٣ الذي سمّاه ((إنباه الرواة على أنباه النحاة)) أن ياقوتاً المذكور كتب إليه رسالة من الموصل عند وصوله إليها هارباً من التتر ، يصف فيها حاله وما جرى له معهم، وهي بعد البسملة والحمدلة: ((كان المملوك ياقوت بن عبد الله الحموي قد كتب هذه الرسالة من الموصل في سنة سبع عشرة وستمائة ، حين ١ أسقط المؤلف هنا بعض العبارات . ٢ هذا يوهم أنه كتاب آخر غير ((ارشاد الألباء)) الذي نقل المؤلف جانباً من مقدمته، أعلاه. ٣ ر : الكتاب . ٩ -٦ ١٢٩ وصوله من خوارزم طريد التّر ، أبادهم الله تعالى ؛ إلى حضرة مالك رقه الوزير جمال الدين القاضي الأكرم أبي الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد الشيباني ، ثم التيمي تيم بني شيبان بن ثعلبة بن عكابة ، أسبغ اللّه عليه ظله ، وأعلى في درج السيادة محله ، وهو يومئذ وزير صاحب١ حلب والعواصم ، شرحاً لأحوال خراسان وأحواله ، وإيماء إلى بدء أمره بعد ما فارقه ومآله، وأحجم عن عرضها على رأيه الشريف إعظاماً وتهيباً ، وفراراً من قصورها عن طوله وتجنباً، إلى أن وقف عليها جماعة من منتحلي النظم٢ والنثر ، فوجدهم مسارعين إلى كتبها ، متهافتين على نقلها ؛ وما يشك أن محاسن مالك الرق حلتها ، وفي أعلى درج الإحسان أحلتها ، فشجعه ذلك على عرضها على مولاه ، وللآراء علوها في تصفحها ، والصفح عن زللها ، فليس كل من لمس درهماً صيرفياً ، ولا كل من اقتنى دراً جوهرياً . وها هي ذه : ((بسم الله الرحمن الرحيم ، أدام الله على العلم وأهليه، والإسلام وبنيه ، ما سوغهم وحباهم، ومنحهم وأعطاهم ، من سبوغ ظل المولى الوزير ، أعز الله أنصاره ، وضاعف مجده واقتداره ، ونصر ألويته وأعلامه ، وأجرى بإجراء الأرزاق في الآفاق أفلامه ، وأطال بقاه ، ورفع إلى عليين علاه ، في نعمة لا يبلى جديدها ، ولا يحصى عددها ولا عديدُها ، ولا ينتهي إلى غاية مديدها ، ولا يُفَل حدها ولا حديدُها ، ولا يقل وادها ولا وديدها ، وأدام دولته للدنيا والدين يلم ٣ شَعته، ويهزم كرثه، ويرفع مناره، ويحسن بحسن أثره آثاره ، ويفتق نوره وأزهاره ، وينير نواره ، ويضاعف أنواره ، وأسبغ ٤ ظلّه للعلوم وأهليها ، والآداب ومنتحليها ، والفضائل وحامليها ، يشيد بمشيد فضله بنيانها ، ويرصع بناصع مجده تيجانها ، ويروض بيانع علائه زمانها ، ويعظم بعلو همته الشريفة بين البرية " شأنها ، ويمكن في أعلى درج الاستحقاق إمكانها ومكانها ، ١ صاحب : سقطت من ص ؛ بر : لصاحب . ٢ بر من : صناعة النظم . ٣ ع ق بر من : يرم . ٤ ر : ويسبغ . ٥ بين البرية : سقطت من ر . ١٣٠ ويرفع ١ بنفاذ الأمر قدره للدول الإسلامية والقواعد الدينية ، يسوس قواعدها ، ويعزّ مساعدها ، ويهين معاندها ، ويعضد بحسن الإيالة معاضدها ، وينهج ٢ يجميل المقاصد مقاصدها ، حتى تعود بحسن تدبيره غرّةً في جبهة الزمان ، وسنة يقتدي بها من طبع على العدل والإحسان ، يكون له أجرها ما دام الملوان وكر الجديدان ، وما أشرقت من الشرق شمس ، وارتاحت إلى مناجاة حضرته الباهرة نفس)) . ((وبعد، فالمملوك ينهي إلى المقر العالي المولوي، والمحل الأكرم العلي - أدام الله سعادته مشرقة النور مبلغة السول ، واضحة الغرر بادية الحجول - ما هو مكتف بالأريحية المولوية عن تبيانه ، مستغن بما منحتها من صفاء الآراء عن إمضاء٣ قلمه لإيضاحه وبيانه ، قد أحسبه ما وصف به عليه الصلاة والسلام المؤمنين ، وإن من أمتي لمكلمين ، وهو شرح ما يعتقده من الولاء ، ويفتخر به من التعبد للحضرة الشريفة والاعتزاء ، قد كفته تلك الألمعية ، عن إظهار المشتبه بالملق ممّا تجنه الطوية ، لأن دلائل غلوّ المملوك في دين ولائه في الآفاق واضحة ، وطبعة سكة ؛ إخلاص الوداد باسمه الكريم على صفحات الدهر لائحة ، وإيمانه بشرائع الفضل الذي طبق الآفاق حتى أصبح بها بناء المكارم متين ، وتلاوته لأحاديث المجد القريبة الأسانيد بالمشاهدة لديه مبين ، ودعاء أهل الآفاق إلى المغالاة في الإيمان بإمامة فضله الذي تلقاه باليمين ، وتصديقه بملة سؤدده الذي تفرد بالتوخي لنظم شارده وضم متبدّده بعرق الجبين ، حتى لقد أصبح للفضل كعبة لم يفترض حجها على من استطاع إليها السبيل ، ويقتصر بقصدها على ذوي القدرة دون المعتر وابن السبيل ، فإن لكل منهم حظاً يستمده ، ونصيباً يستعد به ويعتده ، فللعظماء الشرف الضخم من معينه ، وللعلماء اقتناء الفضائل من قطينه ، وللفقراء توقيع الأمان من نوائب الدهر وغض جفونه ، ١ ع ق ن بر من : ورفع . ٢ ن بر من : ويبهج . ٣ ع ق : إنضاء . ٤ ص ن ر ع ق : وطبعه في سكة . ١٣١ وفرضوا من مناسكه للجبهة ١ الشريفة السلام والتبجيل ، وللكف البسيطة الاستلام والتقبيل ، وقد شهد اللّه تعالى للمملوك أنّه في سفره وحضره ، وسره وعلنه ٢ وخبره ومخبره ، شعارُهُ تعطيرُ مجالس الفضلاء ، ومحافل العلماء بفوائد حضرته، والفضائل المستفادة من فضلته ، افتخاراً بذلك بين الأنام ، وتطريزاً لما يأتي به في أثناء الكلام : إذا أنا شَرَّفْتِ الوَرَى بقصائِدي على طمع شرّفْت شعري بذ کره ﴿يَمُنّون عَلَيَكَ أنْ أسْلموا، قُل لا تَمُنّوا عليَّ إِسْلامَكُم، بَلِ اللّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أنْ هداكُم للإيمانِ إِنْ كُنْتُم صادِقِين﴾ ( الحجرات : ١٧) لا حرمنا اللّه معاشر أوليائه مواد فضائله المتتالية، ولا أخلانا كافةً عبيده من أياديه المتوالية ، اللّهم ربّ الأرض المدْحيّة، والسموات العلية ، والبحار المسجرة ، والرياح المسخرة ٣، اسمع ندائي ، واستجب دعائي ، وبلغنا في معاليه ، ما نؤمله ونرتجيه ، بمحمد النبيّ وصحبه وذويه . وقد كان المملوك لما فارق الجناب الشريف ، وانفصل عن مقر العز اللّباب والفضل المنيف ، أراد استعتاب الدهر الكالح، واستدرار خِلْفِ الزمن الغشوم الجامح ، اغتراراً بأن في الحركة بركة ، والاغتراب داعية الاكتساب، والمقام على الإقتار ذل واسقام٤، وحلس البيت ، في المحافل سُكَيْت : يقيني بأن الموتَ خيرٌ من الفقرِ وقفتُ وقوفَ الشك ثم اسْتَمَرّ بي وسرتُ عن الأوطان في طلب اليسر فوَدَّعتُ من أهلي وبالقلب ° ما به فللموتُ خير من حياة على عسر٦ وباكية للبينِ قلتُ لها اصبري ------ ١ للجبهة : سقطت من ص . ٢ ص ر : وعلنه وسره . ٣ بر : والبحار المسخرة والرياح المبشرة . ؛ في أكثر النسخ : وانتقام . ٥ ق ن : وفي القلب . ٦ ر : العسر . ١٣٢ 3 سأكسبُ مالاً أو أموتَ ببلدةٍ يقل بها فيضُ الدموع على قبري فامتطى غارب الأمل إلى الغربة ، وركب مركب التطواف مع كل صحبة ، قاطعاً الأغوار والأنجاد ، حتى بلغ السد أو كاد ، فلم يُصْحِب له دهره الحرون ، ولا رق له زمانه المفتون : إن اللياليّ والأيام لو سئلت عن عيب أنفسها لم تكتم الخبرا فكأنّه في جفن الدهر قذى، أو في حلقه شجا، يدافعه نيلَ الأمنية، حتى أسلمه إلى ربقة المنية : أُخرى بشخص ١ قريب عزمه نائي لا يستقر بأرضٍ أو يسير إلى ماً بالعذيب ويوماً بالحليصاء يوماً بحزوی ويوماً بالعقيق ویو وتارة ينتحي نجداً وآونة شعب الحزون وحيناً قصر تيماء وهيهات مع حرفة الأدب ، بلوغ وطر أو إدراك أرب ، ومع عبوس الحظ ، ابتسام الدهر الفظ . ولم أزل مع الزمان في تفنيد وعتاب ، حتى رضيت من الغنيمة بالإياب ، والمملوك مع ذلك يدافع الأيام ويزجيها ، ويعلل المعيشة ويرجيها ، متقنعا٢ً بالقناعة والعفاف، مشتملاً بالنزاهة والكفاف ، غير راض بذلك السّمَل ، ولكن مكره أخاك٣ لا بطل ، متسلياً بإخوان قد ارتضى خلائقهم ، وأمن بوائقهم ، عاشرهم بالألطاف ، ورضي منهم بالكفاف ، لا خيرهم يرتجى ، ولا شرهم يتقى : إن كان لا بد من أهل ومن وطن فحيث آمن من ألقى ويأمنني قد زمَّ نفسه أن يستعمل طَرْفاً طماحاً ، وأن يركب طِرْفاً جماحاً؛ ، وأن ١ ر ص : لشخص . ٢ ع : متلفعاً؛ ق: متلففاً . ٣ ن : أخوك . ٤ ق ع ص : سحاحا . ١٣٣ يلحفَ بيض طمع جناحا ، وأن يستقدح زنداً وارياً أو شحاحا : وأدبني الزمان فلا أبالي هجرت فلا أزار ولا أزورُ ولست بقائل ما عشتُ يوماً أسار الجند أم رحل الأمير وكان المقام بمرو الشاهجان ، المفسر عندهم بنفس السلطان ، فوجد بها من كتب العلوم والآداب ، وصحائف أولى الأفهام والألباب ، ما شغله عن الأهل والوطن ، وأذهله عن كل خل صفي وسكن ، فظفر منها بضالته المنشودة ، وبغية نفسه المفقودة ، فأقبل عليها إقبال النهم الحريص ، وقابلها بمقام لا مَزْمَعَ عنها ولا محيص ١ ، فجعل يرتع في حدائقها ، ويستمتع بحسن خلقها وخلائقها ، ويسرح طرفه في طُرَفها ، ويتلذذ بمبسوطها ونتفها ، واعتقد المقام بذاك الجناب ، إلى أن يجاور التراب : طليعته اغتمامٌ واغترابُ إذا ما الدهرُ بيّتني بحيشٍ أميراه الذُّبالة والكتاب شننتُ عليه من جهستي كميناً عجائب من حقائقها ارتياب وبت أنصّ من شيم الليالي كما جلّ همومهم الشراب بها أجلو همومي مستريحاً إلى أن حدث بخراسان ما حدث من الخراب ، والويل المبير والتباب ، وكانت لعمر اللّه بلاداً مونقة الأرجاء ، رائقة الأنحاء ، ذات رياض أريضة ، وأهوية صحيحة مريضة ، قد تغنت أطيارها ، فتمايلت طرباً أشجارها ، وبكت أنهارها ، فتضاحكت أزهارها ، وطاب رَوْح نسيمها ، فصح مزاج إقليمها ، ولعهدي بتلك الرياض الأنيقة ، والأشجار المتهدلة الوريقة ، وقد ساقت إليها أرواح الجنائب ، زِقاقَ خمر السحائب ، فسقت مروجها مدامَ الطل ، فنشأ على أزهارها حباب كاللؤلؤ المنحلّ ، فلما رويت من تلك٢ الصهباء أشجاره ، رنحها من النسيم خماره ، فتدانت ولا تداني المحبين ، وتعانقت ولا عناق ١ ن ق ع ص بر من : لا يزمع عنها معه محيص . ٢ تلك : سقطت من ص ن . ١٣٤ العاشقين ، يلوح من خلالها شقائق قد شابه اشتقاق الهوى بالعليل ١ ، فشابه شفى غادتين دنتا للتقبيل ، وربما اشتبه على النحرير بائتلاف الخمر ٢ ، وقد انتابه رشاش القطر ، ويريه ٣ بهاراً يبهر ناضره ، فيرتاح إليه ناظره ، كأنّه صنوج من العسجد ، أو دنانير من الإبريز تنقد٤ ، ويتخلل ذلك أقحوان تخاله ثغر المعشوق إذا عض خد عاشق ، فللّه درها من نزهة رامق ولون وامق ، وجملة أمرها أنها كانت أنموذج الجنّة بلا مين، فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ العين ، قد اشتملت عليها المكارم ، وارجحنت في أرجائها الخيرات الفائضة للعالم ، فكم فيها من حبرٍ راقت حبره ، ومن إمام توّجت حياة الإسلام سيره ، آثار علومهم على صفحات الدهر مكتوبة ، وفضائلهم في محاسن الدنيا والدين محسوبة ، وإلى كل قطر مجلوبة ، فما من متين ٥ علم وقويم رأي إلا ومن شرقهم مطلعه ، ولا من مغربة فضل إلا وعندهم مغربه وإليهم منزعه ، وما نشأ من كرم أخلاق بلا اختلاق إلا وجدته فيهم ، ولا إعراق ٦ في طيب أعراق إلا اجتليته من معانيهم ، أطفالهم رجال ، وشبابهم أبطال ، ومشايخهم أبدال ، شواهد مناقبهم باهرة ، ودلائل مجدهم ظاهرة ، ومن العجب العجاب ٧ أن سلطانهم المالك ، هان عليه ترك تلك الممالك ، وقال لنفسه الهوى لك ، وإلاّ فأنت في الهوالك ، وأجفل إجفال الرال ، وطفق إذا رأى غير شيء ظنه رجلاً بل رجال ﴿ كَمْ تَرَكُوا مِن جنّاتٍ وَعُيون وَزُروعٍ وَمَقامٍ كريم ونعمة كانوا فيها فاكِهِين﴾ (الدخان: ٢٦) لكنه عزّ وجل لم يورثها قوماً آخرين ، تنزيهاً لأولئك الأبرار عن مقام المجرمين ، بل ابتلاهم فوجدهم شاكرين ، وبلاهم فألفاهم صابرين ، فألحقهم بالشهداء الأبرار ، ورفعهم إلى درجات ١ ر : العليل . ٢ ع ق : بائتلاق الجمر . ٣ ق ع ن : ويريك . ٤ ع ن ق ص : تبرق . • ن بر من : مبين . ٦ ن ر : إغراق . ٧ ن : ومن العجائب . ١٣٥ ٠ المصطفين الأخيار ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهوا شَيْئاً وَهوَ خَيْرٌ لَكُم، وَعَسَى أنْ تُحبّوا شَيْئاً وَهوَ شرٌّ لَكُم، واللّهُ يَعْلَمُ وأنتُم لا تَعْلَمون﴾ ( البقرة : ٢١٦) فجاس خلال تلك الديار أهل الكفر والإلحاد ، وتحكم في تلك الأبشار أولو الزيغ والعناد ١ ، فأصبحت تلك القصور ، كالممحوّ من السطور، وأمست ٢ تلك الأوطان ، مأوى الأصداء والغربان ، تتجاوب في نواحيها البوم ، وتتناوح في أراجيها ٣ الريح السموم، ويستوحش فيها الأنيس ، ويرثّي لمصابها إبليس: كأن لم يكن فيها أوانسُ كالدُّمى وأقيالُ ملك في بسالتهم أسدُ ومن أحنفإن عد حلمٌ ومن سعد فمَنْ حاتمٌ في جوده وابن مامة لنا عبرة تدمي الحشا ولمن بعد تداعى بهم صرف الزمان فأصبحوا فإنّا لله وإنّا إليه راجعون من حادثة تقصم الظهر، وتهدم العمر ، وتفت في العضد ، وتوهي الجلد ، وتضاعف الكمد ، وتشيب الوليد ، وتنخب لب الجليد ، وتسوّد القلب ، وتذهل اللّب ، فحينئذ تقهقر المملوك على عقبه ٤ ناكساً ، ومن الأوبة إلى حيث تستقر فيه النفس بالأمن آيساً ، بقلب واجب ، ودمع ساكب ، ولب عازب ، وحلم غائب ، وتوصل وما كاد حتى استقر بالموصل بعد مقاساة أخطار ، وابتلاء واصطبار ، وتمحيص الأوزار ، وإشراف غير مرّة على البوار والتبار ، لأنّه مرّ بين سيوف مسلولة ، وعساكر مفلولة ، ونظام عقود محلولة ، ودماء مسكوبة مطلولة ، وكان شعاره كلما علا قتبا ، أو قطع سبسبا ﴿لَقَد لَقينا مِن سَفَرِنا هذا نصَبًا﴾ ( الكهف : ٦٢) فالحمد لله الذي أقدرنا على الحمد، وأولانا نعماً تفوت الحصر والعد . وجملة الأمر أنّه لولا فسحة في الأجل ، لعز أن يقال سلم البائس أو وصل ، ولصفق عليه أهل الوداد صفقة المغبون ، وألحق بألف ألف ألف ألف ألف هالك بأيدي الكفار ١ ن : والأفك والعناد . ٢ ق ع ن بر من : وآضت . ٣ ع بر من : أرجائها. ٤ ن ق : عقبيه . ١٣٦ أو يزيدون ، وخلف خلفه جل ذخيرته ، ومستمد معيشته : تنكر لي دهري ولم يدر أنني أعِزُّ وأحداثُ الزمان تهونُ وبات يريني الخطب كيفَ اعتداؤه وبت أريه الصبرَ كيف يكون وبعد ، فليس للملوك ما يسلي به خاطره ، ويعزي به قلبه وناظره ، إلا التعلل بإزاحة العلل ، إذا هو بالحضرة الشريفة مَثَل ١ : فاسلم ودم وتملَّ العيش في دعة ففي بقائك ما يسلي عن السلف فأنت للمجد روحٌ والورى جسد وأنت درٌّ فلا تأسى على الصدف والمملوك الآن بالموصل مقيم ، يعالج لما حَزّبه من هذا الأمر المقعدَ المقيم ، يزجي وقته ، ويمارس حرفته ، وبخته يكاد يقول له باللسان القويم ﴿تاللهِ إنّك لَفِي ضَلالِكَ القَديم﴾ ( يوسف : ٩٥) يذيب نفسه في تحصيل أغراض ، هي لعمر الله أعراض ، من صحف يكتبها ، وأوراق يستصحبها ، نَصَبُه فيها طويل ، واستمتاعه بها قليل ، ثم الرحيل ، وقد عزم بعد قضاء نهمته ، وبلوغ بعض وطر قرونته ، أن يستمد التوفيق ، ويركب سنّن الطريق ، عساه أن يبلغ أمنتيه ، من المثول بالحضرة ، وإتحاف بصره من خلالها ولو بنظرة ، ويلقى عصا الترحال بفنائها الفسيح ، ويقيم تحت ظل كنفها إلى أن يصادفه ٢ الأجل المريح ، وينظم نفسه في سلك مماليكها بحضرتها ، كما ينتمي إليها في غيبتها ، إن مدت السعادة بضبعه ، وسمح له ٣ الدهر بعد الخفض برفعه ، فقد ضعفت قواه عن درك الآمال ، وعجز عن معاركة الزمان والنزال ، إذ ضمت البسيطة إخوانه ، وحجب الجديدان أقرانه ، ونزل المشيب بعذاره ، وضعفت مُنَّة أوطاره ، وانقض باز الشيب على غراب شبابه فقنصه ، وأكب نهار الحلم علی لیل الجهل فوقصه، وتبدلت محاسنه عند أحبابه مساوي وخصصه، واستعاض ١ ر : مثل وقال . ٢ ر : يصادف . ٣ ع : لين . ١٣٧ من حلة الشباب القشيب ، خلق الكبر والمشيب : قبل أن أقضيّ منه أربي وشبابٍ بان مني وانقضى ضَيّق الشيب عليَّ مطلبي ما أرجّي بعده إلا الفنا . ولقد ندب المملوك أيام الشباب بهذه الأبيات ، وما أقل غناء الباكي على من عد في الرفات : معارفه عندي من النكراتِ تنکر لي مذ شبت دهري وأصبحت وجادت شؤونُ العين بالعَبرات إذا ذكرتها النفس حنت صبابةً ويوسعني تذكارُه حسرات إلى أن أتى دهرٌ يحسّن ما مضى سوى جُرَع في قعره كدرات فكيف ولما يبق من كأس مشربي وفي القعر مزجا حمأةٍ وقذاة وكلّ إناء صفوه في ابتدائه والمملوك يتيقن أنّه لا ينفّق هذا الهذر الذي مضى، إلا النظر إليه بعين الرضا، ولرأي المولى الوزير الصاحب ، كهف الورى في المشارق ١ والمغارب ، فيما يلاحظه منه بعادة مجده ، مزيد مناقب ومراتب ، والسلام . ولقد طالت هذه الترجمة بسبب طول الرسالة ، ولم يمكن قطعها . وقال صاحبنا الكمال ابن الشعار الموصلي في كتاب ((عقود الجمان))٢: أنشدني أبو عبد الله محمد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي صاحب ((تاريخ بغداد )) قال : أنشدني ياقوت المذكور لنفسه في غلام تركي قد رَمَدّت عينه وعليها وقاية سوداء : ومولّد للترك تحسب وجهه بدراً يضيء سناه بالإشراق ليردَّ فتنتها عن العشاق أرخی علی عینیه فضل وقاية ١ ع ق بر من : بالمشارق . ٢ ترجمة ياقوت في الجزء التاسع من عقود الجمان، الورقة : ٣٣٧؛ وقد سقط النقل غن ابن الشعار من : بر من . ١٣٨ تالله لو أن السوابغ دونها نفذت فهل لوقايةٍ من واق وكانت ولادة ياقوت المذكور في سنة أربع أو خمس وسبعين وخمسمائة ، بلاد الروم ، هكذا قاله . وتوفي يوم الأحد العشرين من شهر رمضان سنة ست وعشرين وستمائة ، في الخان بظاهر مدينة حلب ، حسبما قدمنا ذكره في أول الترجمة ، رحمه الله تعالى . و کان قد وقف کتبه على مسجد الزیدي الذي بدرب دینار ببغداد ، وسلمها إلى الشيخ عزالدين أبي الحسن علي بن الأثير صاحب التاريخ الكبير ، فحملها إلى هناك. ولما تميز باقوت المذكور واشتهر سمى نفسه (( يعقوب)). وقدمت حلب للاشتغال بها في مستهل ذي القعدة سنة وفاته ، وذلك عقيب موته، والناس يثنون عليه ويذكرون فضله وأدبه ، ولم يقدر لي الاجتماع به . ٧٩١ الحافظ ابن معين أبو زكريا يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام بن عبد الرحمن المري البغدادي ، الحافظ المشهور ؛ كان إماماً عالماً حافظاً متقناً ، قيل إنّه من قرية نحو الأنبار تسمى نَقَيَاي١ . وكان أبوه كاتباً لعبد الله بن مالك، وقيل إنّه كان على خراج الري فمات ، فخلف لابنه يحيى المذكور ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم ، فأنفق جميع المال على الحديث حتى لم يبق له نعلٌ يلبسه . وسئل يحيى المذكور : كم كتبت من الحديث ؟ فقال : كتبت بيدي ٧٩١ - ترجمته في تاريخ بغداد ١٤: ١٧٧ وتذكرة الحفاظ : ٤٢٩ وتهذيب التهذيب ١١ : ٢٨٠ وطبقات الحنابلة : ٢٦٨ وعبر الذهبي ١ : ٤١٥ وميزان الاعتدال ٤: ٤١٠ ومرآة الحنان ٢ : ١٠٨ والشذرات ٢ : ٧٩ وقد وردت هذه الترجمة في ع متأخرة عن موضعها . ١ في الأصول : نقيا ، ولكن الضبط يثبت فيها الياء في آخر الترجمة . ١٣٩ هذه ستمائة ألف حديث ، وقال راوي هذا الخبر ، وهو أحمد بن عقبة : وإنّي أظن أن المحدثين قد كتبوا له بأيديهم ستمائة ألف وستمائة ألف . وخلف من الكتب مائة قمطر وثلاثين قمطراً وأربعة حباب شرابية مملوءة كتباً ، وهو صاحب الجرح والتعديل . وروى عنه الحديث كبار الأئمة منهم : أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري وأبو داود السجستاني وغيرهم من الحفاظ ؛ وكان بينه وبين الإمام أحمد بن حنبل ، رضي الله عنه، من الصحبة والألفة والاشتراك في الاشتغال بعلوم الحديث ما هو مشهور ١ ، ولا حاجة إلى الإطالة فيه ، وروى عنه هو وأبو خيثمة وكانا من أقرانه . وقال علي بن المديني : انتهى العلم بالبصرة إلى يحيى بن أبي كثير وقتادة ، وعلم الكوفة إلى أبي إسحاق والأعمش ، وانتهى علم الحجاز إلى ابن شهاب وعمرو بن دينار ، وصار علم هؤلاء الستة بالبصرة إلى سعيد بن أبي عَروبة وشعبة ومعمر وحماد بن سلمة وأبي عوانة ، ومن أهل الكوفة إلى سفيان الثوري وسفيان بن عيينة ، ومن أهل الحجاز إلى مالك بن أنس ، ومن أهل الشام إلى الأوزاعي ، وانتهى علم هؤلاء إلى محمد بن إسحاق وهشيم ويحيى بن سعيد وابن أبي زائدة ووكيع وابن المبارك وهو أوسع هؤلاء علماً ، وابن مهدي ويحيى بن آدم ، وصار علم هؤلاء جميعاً إلى يحيى بن معين ٢ . وقال أحمد بن حنبل : كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس هو بحديث . وكان يقول : صاحبنا رجل ٣ خلقه الله لهذا الشأن ، يظهر كذب الكذابين ، يعني يحيى بن معين . وقال ابن الرومي : ما سمعت أحداً قط يقول الحق في المشايخ ، غير يحيى ابن معين ، وغيره كان يتحامل بالقول . ١ علق بهامش المختار عند هذا الموضع: ((ثم هجره لما ظهر له أنه أرضى القائلين بخلق القرآن ، ثم اعتذر إليه ... الخ )) وهو بخط غير خط المؤلف . ٢ ترجم المؤلف لأكثر هؤلاء، وهم من مشاهير أهل الحديث ، فتطلب تراجمهم في مظانها. ٣ رجل : سقطت من ص ن . ١٤٠