Indexed OCR Text
Pages 81-100
بل قبره بالجانب الغربي خارج السوق نحو باب قطربل وراء الخندق على ١ مقابر باب حرب ، وهو ظاهر هناك معروف ، وعليه لوح منقوش أنّه قبر هشام بن عروة ، ومن قال إنّه بالجانب الشرقي قال : إن القبر الذي بالجانب الغربي هو قبر هشام بن عروة المروزي ٢ صاحب عبد الله بن المبارك . والله أعلم . وله عقب بالمدينة وبالبصرة ٣ . وذكر الخطيب في ((تاريخ بغداد )) ٤ أن المنصور قال له يوماً : يا أبا المنذر ، تذكر يوم دخلت عليك أنا وإخوتي الخلائف وأنت تشرب سويقاً بقصبة يراع ، فلما خرجنا من عندك قال لنا أبونا : اعرفوا لهذا الشيخ حقّه ، فإنّه لا يزال في قومكم بقية ما بقي ، فقال : لا أذكر ذلك يا أمير المؤمنين . فلما خرج هشام قيل له : يذكرك أمير المؤمنين ما تمتُّ به إليه فتقول لا أذكره ! فقال: لم أكن أذكر ذلك ، ولم يعودني الله في الصدق إلا خيراً. وروي عنه" أنّه دخل على المنصور فقال: يا أمير المؤمنين ، اقض عني ديني ، قال : وكم دينك ؟ قال : مائة ألف ، قال : وأنت في فقهك وفضلك تأخذ ديناً مائة ألف ليس عندك قضاؤها ؟ فقال : يا أمير المؤمنين شبَّ فتيان من فتياننا ، فأحببت أن أبوئهم ، وخشيت أن ينتشر٦ علي من أمرهم ما أكره ، فبوأتهم واتخذت لهم منازل وأولمتُ عنهم ثقة بالله وبأمير المؤمنين ، قال : فردد عليه مائة ألف !! استعظاماً لها، ثم قال : قد أمرنا لك بعشرة آلاف ٧، فقال : يا أمير المؤمنين ، أعطني ما أعطيت وأنت طيب النفس ، فإني سمعت أبي يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ((من أعطى عطية وهو بها طيب النفس بورك للمعطي والمعطى)) قال: فإنّ طيب النفس بها ، وأهوى إلى يد المنصور ١ ع ن ص بز من: أعلى . ٢ ن : المزني المروزي . ٣ انظر صفحات متفرقة من كتاب نسب جمهرة قريش . ٤ تاريخ بغداد ١٤ : ٣٩ . ٥ المصدر السابق . ٦ ق والمختار : ينشر . ٧ ص : بعشرة ألف درهم ، المختار : بعشرة ألف . ٦-٦ ٨١ يريد أن يقبلها فمنعه وقال : يا ابن عروة ، إنّا نكرمك عنها ونكرمها عن غيرك. وأخباره كثيرة ، رضي الله عنه . ٧٨٢ هشام ابن الكلبي أبو المنذر هشام بن أبي النضر محمد بن السائب بن بشر بن عمرو ، الكلبي النسابة الكوفي ؛ - قد تقدم ذكر أبيه في المحمدين وما جرى له مع الفرزدق الشاعر - وحدث هشام عن أبيه وروى عنه ابنُه العباس ، وخليفة بن خياط ، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي ، ومحمد بن أبي ١ السري البغدادي ، وأبو الأشعث أحمد بن المقدام وغيرهم . وكان من أعلم الناس بعلم الأنساب ، وله كتاب ((الجمهرة)) في النسب وهو من محاسن الكتب في هذا الفن ، وكان من الحفاظ المشاهير . ذكر الخطيب في ((تاريخ بغداد )) عنه أنّه دخل بغداد وحدث بها ، وأنّه قال : حفظت ما لم يحفظه أحد ونسيت ما لم ينسه أحد ، كان لي عم يعاتبني على حفظ القرآن ، فدخلت بيتاً وحلفت أن لا أخرج منه حتى أحفظ القرآن ، فحفظته في ثلاثة أيام ، ونظرت يوماً في المرآة فقبضت على لحيتي لآخذ ما دون القبضة فأخذت ما فوق القبضة . وله من التصانيف شيء كثير، فمن ذلك كتاب ((حلْف عبد المطلب وخزاعة)) وكتاب ((حلف الفضول)) وكتاب ((حلف تميم وكلب)) وكتاب ٧٨٢ - ترجمته في الفهرست : ٩٥ وتاريخ بغداد ١٤: ٤٥ ومعجم الأدباء ١٩: ٢٨٧ ولسان الميزان ٦ : ١٩٦ وعبر الذهبي ١: ٧٤٦ ومرآة الجنان ٢ : ٢٩ وتاريخ ابن خلدون ٢ : ٢٦٢ ونزهة الألباء : ٥٩ ونور القبس: ٢٩١ وميزان الاعتدال ٤: ٣٠٤ . ١ أبي : سقطت من المختار . ٨٢ ((المنافرات)) وكتاب ((بيوتات قريش)) وكتاب (( فضائل قيس عيلان)) وكتاب ((الموعودات))١ وكتاب ((بيوتات ربيعة)) وكتاب ((الكنى)) وكتاب ((شرف قُصَي وولده في الجاهلية والإسلام)) وكتاب ((ألقاب قريش)) وكتاب ((ألقاب اليمن)) وكتاب ((المثالب)) وكتاب ((النوافل)) ٢ وكتاب ((ادعاء زياد معاوية)) وكتاب ((أخبار زياد بن أبيه)) وكتاب ((صنائع قريش)) وكتاب ((المشاجرات)) وكتاب ((المعاتبات)) ٣ وكتاب ((ملوك الطوائف)) وكتاب (( ملوك كندة )) وكتاب ((افتراق ولد نزار)) وكتاب ((تفريق٤ الأزد)) وكتاب ((طَسْم وجديس)) وتصانيفه تزيد على مائة وخمسين تصنيفاً ، وأحسنها وأنفعها كتابه المعروف بالجمهرة في معرفة الأنساب ، ولم يصنف في بابه مثله، وكتابه الذي سماه ((المنزل)) في النسب أيضاً، وهو أكبر من الجمهرة، وكتاب ((الموجز)) في النسب ، وكتاب° ((الفريد)) صنفه للمأمون في الأنساب، وكتابه ((الملوكي)) صنفه لجعفر بن يحيى البرمكي في النسب أيضاً . وكان واسع الرواية لأيام الناس وأخبارهم ، فمن روايته أنّه قال : اجتمعت بنو أمية عند معاوية بن أبي سفيان ، فعاتبوه في تفضيل عمرو بن العاص وادعاء زياد بن أبيه ، فتكلم معاوية ، ثم حرك عمراً على الكلام ، فقال في بعض كلامه : أنا الذي أقول في يوم صفين ٦ : إذا تخازرت وما بي من خَزَرْ ثم كسرتُ العين من غير عَوَّرْ ألْفَيْتِي ألوى بعيد المستمر أحمل ما حُمّلْتُ من خير وشر كالحية الصماء في أصل الشجر ١ ص : الموددات . ٢ وكتاب النوافل : سقط من ص ن ؛ ع : النواقل . ٣ ص : المعاينات . ٤ الفهرست : تفرق . ٥ ص ن : وكتابه . ٦ انظر الرجز وتخريجه في فصل المقال : ١١٧ . ٨٣ أما والله ما أنا بالواني ولا الفاني ، وإنّي أنا الحية الصماء التي لا يسلم سليمها ، ولا ينام كليمها ، وإنّ أنا المرء إن همزت كسرت ، وإن كويت أنضجت ، فمن شاء فليشاور ، ومن شاء فليؤامر ، مع أنهم واللّه لو عاينوا من يوم الهرير ما عاينت أو لو ولوا ما وليت لضاق عليهم المخرج ، ولتفاقم بهم١ المنهج ، إذ شد علينا أبو الحسن وعن يمينه وشماله المباشرون من أهل البصائر وكرام العشائر ، فهناك والله شخصت الأبصار ، وارتفع الشرار ، وتقلصت الخصى إلى مواضع الكلى، وقارعت الأمهات عن ثكلها، وذهلت عن حملها، واحمرت الحدق ، واغبر الأفق ، وألجم العرق ، وسال العلق، وثار القتام ، وصبر الكرام ، وخام اللئام ، وذهب الكلام ، وأزبدت الأشداق ، وكثر العناق ، وقامت الحرب على ساق ، وحضر الفراق ، وتضاربت الرجال بأعماد سيوفها بعد فناء من قبلها وتقصُّفٍ من رماحها، فلا يسمع يومئذ إلا الثغمغم من الرجال، والتحمحم من الخيل، ووقع السيوف على الهام كأنّه دق غاسل بخشبته على منصبه، ندأب ذلك يوماً حتى ظعن الليل بغسقه ، وأقبل الصبح بفلقه ، ثم لم يبق من القتال إلا الهرير والزئير ، لعلمتم أنّي أحسن بلاء ، وأعظم غناء ، وأصبر على اللأواء منكم ، وإنّي وإياكم كما قال الشاعر : ولو قلتها لم أبق للصلح موضعا وأغضي على أشياء لو شئت قلتها لأكرمه من أن أخاطر خروعا وإن کان عودي من نُضار فإني والمأثور عنه كثير . وتوفي سنة أربع ومائتين ، وقيل سنة ست ، والأول أصح ، والله أعلم بالصواب ، رحمه الله تعالى . ............ ١ ر : عليهم . ٨٤ ٧٨٣ هشام صاحب الكسائي أبو عبد اللّه هشام بن معاوية الضرير ، النحوي الكوفي ، صاحب أبي الحسن علي بن حمزة الكسائي ؛ أخذ عنه كثيراً من النحو ، وله فيه مقالة تُعْزى إليه ، وله فيه تصانيف عديدة، فمن ذلك كتاب ((الحدود )) وهو صغير ، وكتاب ((المختصر)) وكتاب ((القياس)) وغير ذلك. وكان إسحاق بن إبراهيم بن مصعب قد كلم المأمون يوماً ، فلحن في بعض كلامه ، فنظر إليه المأمون ففطن لما أراد ، فخرج من عنده ، وجاء إلى هشام المذكور فتعلم عليه النحو . قال أبو مالك الكندي : توفي هشام بن معاوية الضرير النحوي سنة تسع ومائتين ، رحمه الله تعالى . ٧٨٣ - ترجمته في إنباه الرواة ٣: ٣٦٤ وانظر الحاشية، ونور القبس: ٣٠٢ وأهمل صاحب المختار هذه الترجمة . ٨٥ ٧٨٤ الفرز دق أبو فراس همام - وقال ابن قتيبة في ((طبقات الشعراء)): هميم بالتصغير ! ابن غالب ، وكنيته أبو الأخطل ، ابن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم ، واسمه بحر ، بن مالك ، واسمه عوف سمي بذلك لجوده ، ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مرّ ، التميمي ، المعروف بالفرزدق ، الشاعر المشهور صاحب جرير . (306) كان أبوه غالب من جلة قومه وسرواتهم، وأُمّه ليلى بنت حابس أخت الأقرع بن حابس . ولأبيه مناقب مشهورة ومحامد مأثورة، فمن ذلك أنّه أصاب أهل الكوفة مجاعةٌ وهو بها فخرج أكثر الناس إلى البوادي ، فكان هو رئيس قومه، وكان سحيم بن وثيل الرياحي رئيس قومه، واجتمعوا بمكان يقال له صَوْأر في أطراف السماوة من بلاد كلب على مسيرة يوم من الكوفة - وهو بفتح الصاد المهملة وسكون الواو وفتح الهمزة وبعدها راء - فعقَرَ غالب لأهله ناقة وصنع ٢ منها طعاماً، وأهدى إلى قوم من بني تميم لهم جلالة جفاناً من ثريد، ووجه إلى سحيم جفنة ، فكفأها وضرب الذي أتاه بها وقال : أنا مفتقر إلى طعام غالب ؟ إذا نحر هو ناقة نحرت أنا أُخرى ، فوقعت المنافرة بينهما ، وعقر٣ سحيم لأهله ناقة ، فلما كان من الغد عقر لهم غالب ناقتين ، فعقر سحيم لأهله ٤ ناقتين.، ٧٨٤ - ترجمته في الشعر والشعراء: ٣٨١ والأغاني ( الساسي ) ٨: ١٨٠، ١٩: ٢ والموشح : ٩٩ وطبقات ابن سلام: ٧٥ والشريشي ١ : ١٤٢ والخزانة ١ : ١٠٥ وشرح شواهد المغني : ٤ وأمالي المرتضى ١ : ٤٣ ومعجم الأدباء ١٩: ٢٩٧ ومرآة الجنان ١ : ٢٣٤ وعبر الذهبي ١ : ٢٣٦ والشذرات ١ : ١٤١ ومعاهد التنصيص ١ : ٤٥ وراجع بروكلمان ( الترجمة العربية) ١ : ٢٠٩ - ٢١٤. ١ لم يرد هذا في الشعر والشعراء المطبوع وإنما جاء اسمه ((همام)). ٢ ر : فصنع . ٣ بر : ونحر . ٤ لأهله : سقطت من ص . ٨٦ فلما كان اليوم الثالث عقر غالب ثلاثاً ، فعقر سحيم ثلاثاً ، فلما كان اليوم الرابع عقر غالب مائة ناقة ، فلم يكن عند سحيم هذا القدر ، فلم يعقر شيئاً وأسرّها! في نفسه . فلما انقضت المجاعة ودخل الناس الكوفة قال بنو رياح لسحيم : جررت علينا عار الدهر ، هلا نحرت مثل ما نحر ، وكنا نعطيك مكان كل ناقة ناقتين ؟ فاعتذر بأن إبله كانت غائبة ، وعقر ثلثمائة ناقة وقال للناس : شأنكم والأكل ، وكان ذلك في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فاستفي في حل الأكل منها فقضى بحرمتها وقال : هذه ذبحت لغير مأكلة ، ولم يكن المقصود منها إلاّ المفاخرة والمباهاة ، فألقيت لحومها على كناسة الكوفة فأكلتها الكلاب والعقبان والرخَم ، وهي قصة مشهورة ٢ ، وعمل فيها الشعراء أشعاراً كثيرة . فمن ذلك قول جرير يهجو الفرزدق ، وهو بيت ٣ تستشهد به النحاة في كتبهم ، وهو من جملة قصيدة : تعدُّونَ عقرَ النيب أفضَلَ مجدكم بني ضوطَرَى لولا الكميَّ المقنعا ومن ذلك قول المحلّ ، أخي بني قَطَن بن نهشل ٤ : وقد سرني أن لا تَعُدَّ مجاشع من المجد إلا عقْرَ نابٍ بصوأر ٠ وكان غالب المذكور أعور . (307) وسحیم المذ کور ، هو ابن وثيل بن عمرو بن جوين بن وهيب° بن حميري الشاعر الذي يقول ٦ : أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني ١ المختار : فأسرها . ٢ انظر النقائض: ٤١٤ والأمالي ٣: ٥٢ والخزانة ١ : ٤٦١ ومعجم البلدان: ( صوأر) . ٣ ن والمختار : وهذا البيت . ٤ ر بر من: المجن بن نهشل أخي بني قطن؛ وهو المحل بن كعب النهشلي (انظر معجم المرزباني : ٤٥٠ والنقائض : ٩٤٢ ، ٩٥٥، ٩٥٧) . ٥ المختار : وهب ؛ وفي هامش الأصمعيات : أهيب . ٦ مطلع الأصمعية الأولى ، الاصمعيات : ٣. ٨٧ وهذا البيت من جملة أبيات ، وله ديوان شعر صغير . والوثيل الرشاء الضعيف ، وقيل الليف . وكان الفرزدق كثير التعظيم لقبر أبيه ، فما جاءه أحد واستجار به إلا نهض معه وساعده على بلوغ غرضه . فمن ذلك ما حكاه المبرد في كتاب (( الكامل ))١ أن الحجاج بن يوسف الثقفي لمّا وَّلى تميم بن زيد القيني بلاد السند دخل البصرة ، فجعل يخرج من أهلها من شاء ، فجاءت عجوز الى الفرزدق فقالت : إنّ استجرت بقبر أبيك ، وأتت منه بحُصّيات ، فقال : ما شأنك ؟ قالت : إن تميم ابن زيد خرج بابن لي معه ، ولا قرة لعيني ولا كاسب عليَّ غيره ، فقال لها : وما اسم ابنك ؟ فقالت : خنيس ، فكتب إلى تميم مع بعض مَن شخص : بظهرٍ فلا يَعيا عليّ جوابُها تميم بن زیدٍ لا تكوننَ حاجتي لِعَبْرَةٍ أُمّ ما يسوعُ شرابُها وهبْ لي خنيساً واحتسبْ فيه منّة وبالحفرَةِ السافي عليها تُرابُها أتتني فعاذَتْ يا تميمُ بغالبٍ ولیث إذا ما الحربُ شبَّ شهابها وقَدْ عَلَم الأقوامُ أنكَ ماجدّ فلما ورد الكتاب على تميم تشكك في الاسم فلم يعرف أخنيس أم حبيش . ثم قال : انظروا من له مثل هذا الاسم في عسكرنا ، فأصيب ستة ما بين خنيس وحبيش ، فوجه بهم إليه . وحضر يوما٢ً الفرزدق ونصيب الشاعر المشهور ، عند سليمان بن عبد الملك الأموي وهو يومئذ خليفة ، فقال سليمان للفرزدق : أنشدني شيئاً ، وإنما أراد سليمان أن ينشده مدحاً له ، فأنشده في مدح أبيه : وركبٍ كأنَّ الريح تطلبُ عندَهم لها ترَةً من جذبها بالعصائبِ إلى شُعبِ الأكوارِ ذاتِ الحقائبِ سَرَوْا يُخْبطون الرّيحَ وهْيَ تلفّهمْ وقَدْ خصرَتْ أيديهمُ نارُ غالب إذا آنسوا ناراً يقولون إنها١ ١ الكامل ٢ : ٨٦ - ٨٨ ٠ ٢ الكامل ١ : ١٨٣ . ٣ ر من بر: ليتها ، وكذلك في الكامل. ٨٨ فأعرض سليمان عنه كالمغضب ، فقال نصيب : يا أمير المؤمنين ، ألا أنشدك في رويِّها ما لعله لا يتضع عنها ، قال : هاتٍ ، فأنشده : قفا ذاتٍ أوشال ومولاك قاربُ ا أقولُ لركبٍ صادرينَ لقیتھمْ قفوا خبروني عن سليمانَ إنني ٢ لمعرُوفِهِ مِنْ أَهل ودّان طالبُ ولَوْ سكتوا أثنت عليك الحقائبُ فعاجوا فأثنَوْا بالذي أنتَ أهلهُ فقال سليمان للفرزدق : كيف تراه ؟ فقال : هو أشعر أهل جلدته ، ثم قام وهو يقول : وخير الشعر أشرفه رجالاً وشر الشعر ما قال العسدُ (308) وكان نصيب عبداً أسود لرجل من أهل وادي القرى، فكاتب على نفسه ومدح عبد العزيز بن مروان ، فاشترى ولاءه ، وكنيته أبو الحجناء ، وقيل أبو محجن . وللفرزدق في مفاخر أبيه أشياء كثيرة . (309) وأما جده صَعْصعة بن ناجية فإنّه كان عظيم القدر في الجاهلية ، واشترى ثلاثين موءودة ، منهن بنت لقيس بن عاصم المنقري ، وفي ذلك يقول الفرز دق يفتخر به : وجدي الذي منع الوائدات وأحيا الوئيد فلم يوأد وهو أول من أسلم من أجداد الفرزدق، وقد ذكره في كتاب (( الاستيعاب )» ٣ في جملة الصحابة ، رضوان الله عليهم أجمعين ٤ . وقد اختلف العلماء أهل المعرفة بالشعر في الفرزدق وجرير والمفاضلة بينهما، والأكثرون على أن جريراً أشعر منه ، وكان بينهما من المهاجاة والمعاداة ما هو ١ قارب : وارد إلى الماء . ٢ ص ر ن بر من : إنه . ٣ الاستيعاب : ٧١٨ . ٤ ص رق : رضي الله عنهم . ٨٩ مشهور، وقد جمع لهما كتاب يسمى ((النقائض )) وهو من الكتب المشهورة . وكان جرير قد هجاه بقصيدته الرائية ، التي من جملتها : وكنتَ إذا حللتَ بدار قوم ظعنت بخزية وتركت عارا فاتفق بعد ذلك أن الفرزدق نزل بامرأة من أهل المدينة ، وجرى له معها قضية يطول شرحها . وخلاصة الأمر أنّه راودها عن نفسها بعد أن كانت قد أضافته وأحسنت إليه فامتنعت عليه ، فبلغ الخبر عمر بن عبد العزيز ، رضي الله عنه ، وهو يومئذ والي المدينة ، فأمر بإخراجه من المدينة ، فلما أخرج وأركبوه ناقته ليسفروه١ قال: قاتل الله ابن المراغة - يعني جريراً - كأنّه شاهد هذا الحال ، حيث قال : وكنت إذا حللت بدار قوم ... وأنشد البيت المذكور . وشهد الفرزدق عند بعض القضاة شهادة فقال له : قد أجزنا شهادتك ، ثم قال لأصحاب القضية : زيدونا في الشهود ، فقيل للفرزدق حين انفصل عن مجلس القاضي : إنّه لم يُجز شهادتك ، فقال : وما يمنعه من ذلك ، وقد قذفت ألف مُحْصَنة ٢؟ ومن شعره المشهور قوله ، وهو مقيم بالمدينة : هما دلّتاني من ثمانينَ قامة كما انقضّ بازٍ أقمُ الريشِ كاسرُه أحَيّ فيرجى أم قتيلٌ نحاذره فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا وأقبلتُ في أعجاز ليل أبادره فقلت: ارفعا الأسباب لا يشعروا بنا أحاذر بوّابَيْنِ قد وُكلا بنا وأسوَدّ منْ ساجٍ تصرُّ مسامره فلما بلغت جريراً الأبيات عملَ من جملة قصيدة طويلة ٣: لقد ولدتْ أُمُّ الفرزدق فاجراً فجاءتْ بِوزوَازٍ قصيرِ القوادِمِ ١ ص : ليسفره ؛ بر من ن : لينفوه . ٢ وشهد الفرزدق ... محصنة : سقط من: ع بر من . ٣ النقائض : ٣٩٥؛ وهذه القصيدة حسبما جاء في النقائض جواب على قصيدة للفرزدق مطلعها: حنين عجول تبتغي البو رائم تحن بزوراء المدينة ناقتي ٩٠ يوصِّلُ حَبْلَه إذا جن ليلُه ليرْقى إلى جاراتهِ بالسلالم وقَصّرْت عن باع العلا والمكارم تدليتَ تزني منْ ثمانينَ قامة مداخلَ رجسٍ بالخبيثات عالم هو الرجس يا أهل المدينة فاحذروا لقد كان إخراجُ الفرزدق عنكمُ طهوراً لما بين المصلّى وواقم فلما وقف الفرزدق على هذه القصيدة جاوبه بقصيدة طويلة يقول في جملتها : بآبائيَ الشمّ الكرامِ الخضارمِ وإن حراماً أن أسب مقاعساً" بنو عبد شمس من مناف وهاشم ولكنَّ نَصْفاً لو سبيتُ وسبّني أولئك أمثالي فجئني بمثلهم وأعْبَدُ أن أهجو كليباً بدارم٢ ولمّا سمع أهل المدينة أبيات الفرزدق المذكورة أولاً ، اجتمعوا وجاءوا إلى مروان بن الحكم الأموي ، وكان يومئذ والي المدينة من قبل معاوية بن أبي سفيان الأموي ، فقالوا له : ما يصلح أن يقال مثل هذا الشعر بين أزواج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وقد أوجب على نفسه الحد، فقال مروان: لست أحدُّه أنا ، ولكن أكتب إلى من يحده ، ثم أمره بالخروج من المدينة وأجله ثلاثة أيام ، وفي ذلك يقول الفرزدق : توعدني وأجلني ثلاثاً كما وعدت لمهلكها ثمودُ ثم كتب مروان إلى عامله يأمره فيه أن يحده ويسجنه ، وأوهمه أنّه قد كتب له بجائزة ، ثم ندم مروان على ما فعل ، فوجه عنه سفيراً وقال : إني قلت شعراً فاسمعه ، ثم أنشده ٣ : قل للفرزدق والسفاهة كاسمها إن كنت تاركَ ما أمرْتُك فاجلسِ ١ ر : مقاصعاً ؛ ق ن ص والمختار : مقاعصاً ؛ ومقاعس: هو الحارث بن عمر بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم . ٢ أعبد : آنف . ٣ انظر معجم البلدان: ( الجلس ) وديوان الفرزدق ١ : ٣٨٤. ٩١ واقصد لمكة أو لبيت المقدس وَدَعِ المدينة إنها مرهوبةٌ فخُذُنْ لنفسك بالزَّماعِ الأكيس وإذا اجتنيت من الأمور عظيمةً - قوله ((فاجلس)) أي اقصد الجَلْساء ، وهي نجد ، وسميت بذلك لارتفاعها ، لأن الجلوس في اللغة هو الارتفاع -؛ ولمّا وقف الفرزدق على الأبيات فطن لما أراد مروان ، فرمى الصحيفة وقال : ترجو الحباء وربها لم ييأس يا مروا إن مطيّي محبوسة يخشى علي بها حباء النقرس وحَبوتني بصحيفة مختومة نكدا كمثل٢ صحيفة المتلمس ألق الصحیفة یافرزدق لاتکن وإذ ذكرنا صحيفة المتلمس فقد يتشوف الواقف على هذا الكتاب أن يعلم قصتها ٣ : (310) ومن خبرها أن المتلمس ، واسمه جرير بن عبد المسيح بن عبد الله ابن زيد بن دوفن ٤ بن حرب بن وهب بن جُلّی ° بن أحمس بن ضبيعة الأضجم ابن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان ، وإنّما لقب بالمتلمس لقوله من جملة قصيدة : فهذا أوان العرض حيّ ذبابه زنابيره والأزرق المتلمسُ - وهو بضم الميم وفتح التاء المثناة من فوقها واللام وكسر الميم الثانية وتشديدها وبعدها سين مهملة - كان قد هجا عمرو بن هند اللخمي ملك الحيرة ، وهجاه أيضا٦ً طرفة بن العبد البكري الشاعر المشهور، وهو ابن أخت المتلمس المذكور ، فاتصل ١ ن ر : مروان . ٢ ع بر من : نكداء مثل ؛ ر : نكراء مثل . ٣ انظر ترجمة المتلمس وخبر الصحيفة في الأغاني ٢٣ : ٥٢٤ وما بعدها . ٤ ع : دوقن . ٥ ن ر ع بر من : حلى . ٦ أيضاً : سقطت من : ص ن . ٩٢ هجوهما١ بعمرو بن هند المذكور ، فلم يُظهر لهما شيئاً من التغير ، ثم مدحاه بعد ذلك فكتب لكل واحد منهما كتاباً إلى عامله بالحيرة٢، وأمره بقتلهما إذا وصلا إليه ، وأوهمهما أنه قد كتب لهما بصلة ، فلما وصلا إلى الحيرة قال المتلمس لطرفة : كل واحد منا قد هجا الملك ، ولو أراد أن يعطينا لأعطانا ولم يكتب لنا إلى الحيرة ، فهلم ندفع كتبنا إلى من يقرؤها ، فإن كان فيها خير دخلنا الحيرة ٣ ، وإن كان فيها شر فررنا قبل أن يعلم بمكاننا ؛ فقال طرفة بن العبد : ما كنت لأفتح كتاب الملك ، فقال المتلمس : والله لأفتحن کتابي ولأعلمن ما فيه ولا أكون كمن يحمل حتفه بيده ، فنظر المتلمس فإذا غلام قد خرج من الحيرة ، فقال له : أتقرأ يا غلام٤؟ فقال: نعم ، فقال: هلمَّ فاقرأ هذا الكتاب. فلما نظر إليه الغلام قال : ثكلت المتلمس أُمه ، فقال لطرفة : افتح كتابك فما فيه إلا مثل ما في كتابي ، فقال : إن كان اجترأ عليك فلم يكن ليجترىء عليّ ويوغر صدور قومي بقتلي . فألقى المتلمس صحيفته في نهر الحيرة وفر إلى الشام ، ودخل طرفة الحيرة فقتل ، وقصته في ذلك مشهورة ، فصار يضرب المثل بصحيفة المتلمس لكل من قرأ صحيفة فيها قتله؛ وإلى هذا أشار الحريري في المقامة العاشرة بقوله: ((ففضضتها فعلَ المُتلمّس من مثل صحيفة المتلمس)). وللأبله الشاعر، - المقدم ذكره في المحمدين - قصيدة يقول فيها : يقرأ المتيم من صحيفة خده في الهجر مثل صحيفة المتلمس. رجعنا إلى تتمة خبر الفرزدق : ثم ° خرج هارباً حتى أتى سعيد بن العاص الأموي ، وعنده الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم ؛ فأخبرهم الخبر ، فأمر له كل واحد منهم ٢ كذا ورد ، ولعل صوابه ((بهجر)). ١ ر : خبر هجوهما . ٣ ر : المدينة . ٤ يا غلام : سقطت من ر . ٥ ع ن : ثم إنه . ٩٣ بمائة دينار وراحلة ، وتوجه إلى البصرة . وقيل لمروان : أخطأت فيما فعلت فإنّك عرضت عرضك لشاعر مضر، فوجه وراءه رسولاً ومعه مائة دينار وراحلة ، خوفاً من هجائه . ومن أخبار الفرزدق أنّه حكى أنّه نزل في بعض أسفاره في بادية وأوقد ناراً فرآها ذئب فأتاه فأطعمه من زاده وأنشد١ : وأطلس عسال وما كان صاحباً دعوت بناري مَوْهِناً فأتاني وإيّاك في زادي لمشتركان فلما أتى قلتُ ادنُ دونك إنّني على ضوء نارِ مرةً ودخان فبتُّ أقدُّ الزادَ بيني وبينه وقائم سيفي في يدي بمكان وقلتُ له لما تكشر٢ ضاحكاً نكن مثل من، ياذئب ، يصطحبان تعشَّ ، فإن عاهدتني لا تخونني أُخَيّيْنِ كانا أرضِعا بلبان وأنت امرؤ يا ذئب والغدر کنتما رماك بسهم أو شَباة سِنان ولو غیرنا نبهت تلتمسُ القری وكان قد أنشد سليمان بن عبد الملك الأموي قصيدة ميمية ، فلما انتهى منها إلى قوله ٣ : وسادسة تميل إلى شمامٍ ثلاث واثنتان فهن خمس وبتُّ أفضُّ أغلاقَ الختام فبتن بجانبيّ مصرعاتٍ وجمر غضاً قعدن عليه حام كأن مفالقَ الرمان فيه فقال له سليمان : قد أقررت عندي بالزنا وأنا إمام ، ولا بد من إقامة الحد عليك ، فقال الفرزدق : ومن أين أوجبت علي يا أمير المؤمنين ؟ فقال : بقول اللّه تعالى ﴿ الزّانية والزّاني فاجْلدُوا كلَّ وَاحدٍ مِنهُما مائَةَ جَدْدة﴾ (النور: ٢) ١ ديوانه ٢ : ٣٢٩ . ٢ ر : تبسم . ٣ الشعر والشعراء : ٣٨٩. ٩٤ ٠ فقال الفرزدق : إن كتاب الله يدرؤه عني بقوله تعالى: ﴿والشّعَراء يتبعُهم الغاوُون. ألمْ ترَ أنّهُم في كلّ وادٍ يهيمون . وأنّهم يقولُون ما لا يفعلون ﴾ (الشعراء : ٢٢٤) فأنا قلت ما لم أفعل ، فتبسم سليمان ، وقال : أولى لك. وتُنسبُ إليه مكرمة يرجى له بها الجنة ، وهي أنّه لما حج هشام بن عبد الملك في أيام أبيه ، فطاف وجهد أن يصل إلى الحجر ليستلمه ، فلم يقدر عليه لكثرة الزحام ، فنصب له منبر وجلس عليه ينظر إلى الناس ، ومعه جماعة من أعيان أهل الشام ، فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهم - وقد تقدم ذكره - وكان من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم أرجاً ، فطاف بالبيت ، فلما انتهى إلى الحجر تنحى له الناس حتى استلم ، فقال رجل من أهل الشام: مَنْ هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة ؟ فقال هشام : لا أعرفه ، مخافة أن يرغب فيه أهل الشام ، وكان الفرزدقُ حاضراً فقال : أنا أعرفه ، فقال الشامي : من هذا يا أبا فراس ؟ فقال ١ : هذا الذي تَعَرفُ البطحاء وطأته والبيتُ يعرفهُ والحلُّ والحرَمُ هذا التقيُّ النقيُّ الطاهرُ العلم إذا رأتهُ قريش قال قائلها : هذا ابنُ خيرِ عبادِ اللّه كلهِمُ إلى مكارم هذا ينتهي الكرم عن نيلها عرَبُ الإسلام والعجم ینمی إلى ذروة العز الي قصُرت ركنُ الحطيم إذا ما جاء يستلم يكادُ يمسكهُ عِرْفانَ راحتهِ من كف أروع في عرنيته شمم في كفّه خيزُرَانٌ ريحهُ عَبَقَّ يغضي حياء ويُغْضَى من مهابته فما يكلَّمُ إلا حين يبتسم ١ نسب الآمدي أبياتاً منها في المؤتلف: ١٢٢ الحزين الكناني؛ وقال ابن قتيبة - وأورد منها بيتين- إنهما في مدح بعض بني أمية (الشعر والشعراء: ١٢) وذكر أبو الفرج (الأغاني ١٥: ٢٥٧) أنهما للحزين بن سليمان الديلي وقال: والناس يروون هذين البيتين الفرزدق في أبياته التي يمدح بها علي بن الحسين عليه السلام وأولها ((هذا الذي تعرف البطحاء وطأته)) فالقصيدة صحيحة النسبة إلى الفرزدق في رأي أبي الفرج إلا أن البيتين السادس والسابع ليسا منها ؛ وإيراد القصة على أن القصيدة جاءت عفو الخاطر ، أو كأن الفرزدق كان متوقعاً ذلك السؤال ، فيه قدر من السذاجة. ٩٥ مشتقّةٌ من رسول الله نبعته هذا ابنُ فاطمة إن كنت جاهله اللّه شرفه قدماً وعظمه فليسَ قولكَ مَنْ هذا بضائرهِ كلتا يديه غياثٌ عمّ نفعُهما سهلُ الخليقة لا تخشى بوادرُهُ حَمّال أثقال أقوام إذا فدحوا١ ما قالَ لا قط إلا في تشهده لا يخلف الوعد مأمون نقيبته عمّ البرية بالإحسان فانقشعت من معشر حبهم دين وبغضهم إن عد أهلُ التقى كانوا أئمتهم لا يستطيعُ جوادٌ بعدَ غايتهمْ همُ الغيوثُ إذا ما أزمة أزمَتْ لا ينقص العسر بسطا من أكفهمُ مقدّمٌ بعد ذكر اللّه ذكرهمُ يأبى لهم أن يحلّ الذّم ساحتهم أيُّ الخلائق ٣ ليست في رقابهم مَنْ يعرفِ اللّه يعرفْ أوَّلية ذا ينشقُّ نور الهدى عَن نور غرته كالشمس ينجاب عن إشراقها الظلمُ طابَتْ عناصرُهُ والخيمُ والشيم يجده أنبياء الله قد خُتموا جرى بذاك له في لوحهِ القلم العرْبُ تعرفُ من أنكرت والعجم تستوكفان ولا يعروهما عدم يزينه اثنان حسنُ الخلق والشيم حلو الشمائل تحلو عندهُ نَعَم لولا التشهد كانت لاءه نَعَم٢ رحْبُ الفناء أريب حين يعتزم عنها الغياية والإملاقُ والعدم كفر وقربهمُ منجى ومعتصم أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم ولا يُدانيهمُ قومٌ وإن كرُمُوا والأسد أسد الشرى والبأس محتدم سيان ذلك إن أثروْا وإن عدموا في کل بدء وعتومٌ به الكلم خِيمٌ كريم وأيدٍ بالندى هُضُ الأوليةِ هذا أَوْ لهُ نعم والدينُ من بيت هذا ناله الأمم ١ في جميع النسخ : قدحوا . ٢ سقط البيت من ق ع ر بر من والمختار ، ووقع بخط مختلف في هامش ن ، وفيها : لولا التشهد لم ينطق بتلك فم . ٣ ر والمختار : الخليقة . ٩٦ فلما سمع هشام هذه القصيدة غضب وحبس الفرزدق ، وأنفذ١ له زينُ العابدين اثني عشر ألف درهم ، فردها وقال : مدحته للّه تعالى لا للعطاء ، فقال : إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئاً لا نستعيده ٢ ، فقبلها . وقال محمد بن حبيب المقدم ذكره : صعد الوليد بن عبد الملك المنبر ، فسمع صوت ناقوس فقال : ما هذا؟ قيل البيعة ، فأمر بهدمها ، وتولى بعض ذلك بيده ، فتتابع الناس يهدمون ٣ ، فكتب إليه الأخرم٤ ملك الروم : إن هذه البيعة قد أقرها من كان قبلك ، فإن يكونوا أصابوا فقد أخطأت وإن تكن أصبت فقد أخطأوا ، فقال : من يجيبه ؟ فقال الفرزدق : تكتب إليه: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرْثِ إذْ نَفَشت فيه غَمُ القوْم ، وَكنّا لحُكمهِمْ شاهدين ، فَفَهمناها سُليمان، وكلاًّ آتينا حُكماً وعلماً - الآية﴾ (الأنبياء: ٧٨). وأخبار الفرزدق كثيرة والاختصار أولى . وتوفي بالبصرة سنة عشر ومائة قبل جرير بأربعين يوماً ، وقيل بثمانين يوماً، وقال أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب ((شذور العقود)): إنّهما توفيا سنة إحدى عشرة ومائة . وقال السكري : إن الفرزدق لقي عليّ بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، وتوفي سنة عشر ، وقيل اثنتي عشرة ، وقيل أربع عشرة ومائة . وقال ابن قتيبة في ((طبقات الشعراء)) °: إن الفرزدق أصابته الدبيلة ، فقدم به البصرة ، وأتى الطبيب فسقاه قاراً أبيض ، فجعل يقول : أتعجلون لي القار وأنا في الدنيا ، ومات وقد قارب المائة ، والله أعلم . وقد سبق في ترجمة جرير ما قاله جرير لما بلغه وفاة الفرزدق ، فأغنى عن الإعادة ، رحمهما الله تعالى . وذكر المبرد في كتاب ((الكامل))٦ قال: التقى الحسن البصري والفرزدق ١ ص : فأنفذ . ٢ بر : لا نسترده . ٣ ر : يهدمونها . ٤ الأخرم : هو جستنيان الثاني ، الذي ملك حتى سنة ٧١١ ، وكان معاصراً للوليد . ٥٠ الشعر والشعراء : ٣٨٥. ٦ الكامل ١ : ١١٩ . ٧-٦ ٩٧ في جنازة ، فقال الفرزدق للحسن : أتدري ما يقول الناس يا أبا سعيد ؟ يقولون : اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وشر الناس ، قال الحسن : كلا ، لستُ بخير هم، ولستَ بشرهم ، ولكن ما أعددت لهذا اليوم ؟ قال : شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول الله مذ ستون سنة . فيزعم بعض التميمية أن الفرزدق رؤي في المنام فقيل له : ما صنع بك ربّك ؟ فقال : غفر لي ، فقيل : بأي شيء ؟ فقال بالكلمة التي نازعتها الحسن . وهمّام : بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى . وناجية : بالنون والجيم المكسورة وبعدها ياء مثناة من تحتها . وعِقَال : بكسر العين المهملة وفتح القاف . ومحمد بن سفيان : هو أحد الثلاثة الذين سموا بمحمد في الجاهلية ، وذكرهم ابن قتيبة في كتاب ((المعارف))١. وقال السهيلي في كتاب ((الروض الأنُفُ))٢: لا يعرف في العرب من تسمى بهذا الاسم قبله صلى اللّه عليه وسلّم ، إلا ثلاثة طمع آباؤهم حين سمعوا بذكر محمد صلى الله عليه وسلّم ، وبقرب زمانه وأنّه يبعث في الحجاز ، أن يكون ولداً لهم ، ذكرهم ابن فورك في كتاب ((الفصول)) وهم : محمد بن سفيان بن مجاشع جدُّ جدّ الفرزدق الشاعر ، والآخر محمد بن أُحيحة بن الجلاح ، وهو أخو عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأمّه ، والآخر محمد بن حمران من ربيعة ، وكان آباء هؤلاء الثلاثة قد وفدوا على بعض الملوك ، وكان عنده علم الكتاب الأول ، فأخبرهم بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلّم وباسمه ، وكان كل واحد منهم قد خلف امرأته حاملاً ، فنذر كل واحد منهم إن وُلد له ذكر أن يسميه محمداً ، ففعلوا ذلك . وأما مجاشع : فهو بضم الميم وفتح الجيم وبعد الألف شين معجمة مكسورة ثم عين مهملة . ١ المعارف : ٥٥٦؛ وانظر ابن رسته : ٢٠١. ٢ الروض الأنف ٢: ١٥٠ ( تحقيق عبد الرحمن الوكيل ) . ٩٨ ودارم : بفتح الدال المهملة وبعد الألف راء مكسورة وبعدها ميم . وبقية النسب معروف . والفرزدق : بفتح الفاء والراء وسكون الزاي وفتح الدال المهملة وبعدها قاف ، وهو لقب عليه . واختلف كلام ابن قتيبة في تلقيبه به ، فقال في ((أدب الكاتب))١: الفرزدق: قطع العجين، واحدتها فرزدقة ، وإنّما لقب به لأنّه كان جَهْم الوجه، وقال في كتاب ((طبقات الشعراء)) ٢: إنّما لقب بالفرزدق لغلظه وقصره ، شبه بالفتيتة التي تشربها النساء ، وهي الفرزدقة . والقول الأول أصح ، لأنّه كان أصابه جدري في وجهه ثم برأ منه ، فبقي وجهه جهماً متغضئاً؛ ويروى أن رجلاً قال له : يا أبا فراس ، كأن وجهك أحْرَاحٌ مجموعة ، فقال له : تأمل ، هل ترى فيها حِرّ أمك. والأحراح - بحاءين مهملتين - جمع حرح ، وهو الفرج ، فحذفت في المفرد حاؤه الثانية ، فبقي حِراً، ومتى جمع عادت الحاء الثانية ، فقالوا : أحراح لأن الجموع ترد٣ الأشياء إلى أصولها . وكانت زوجة الفرزدق ابنة عمه ، وهي النوار - بفتح النون - ابنة أعین ابن ضبيعة بن عقال المجاشعي ، وجدها ضبيعة هو الذي عقر الجمل الذي كانت عليه عائشة أم المؤمنين يوم وقعة الجمل ، رضي الله عنها ؛ وكان قد خطبها - يعني النوار - رجل من قريش ، فبعثت إلى الفرزدق تسأله أن يكون وليها إذ كان ابن عمها ، فقال : إن بالشام من هو أقرب مني إليك ، وما أنا آمن أن يقدم قادم منهم فينكر ذلك عليّ، فأشهدي أنك قد جعلت أمرك إليّ ، ففعلت ، فخرج بالشهود ، وقال لهم : قد أشهدتكم أنها جعلت أمرها لي ، وأنا أشهدكم أني قد تزوجتها على مائة ناقة حمراء سود الحدق ، فغضبت من ذلك واستعدت عليه ، وخرجت إلى عبد اللّه بن الزبير ، وأمرُ الحجاز والعراق يومئذ إليه ، وخرج الفرزدق أيضاً ؛ فأمّا النوار فنزلت على خَوْلة بنت منظور بن زبان ؛ ١ أدب الكاتب : ٨٠ . ٢ الشعر والشعراء : ٣٨٢. ٣ ص: لأن الجمع يردّ. ٤ زيان: بالياء المثناة من تحتها في النسخ ؛ والصواب بالباء الموحدة ، وكذلك هو في الموضع التالي في النسخة ص . ٩٩ الفزاري ، امرأة عبد الله بن الزبير فرققتها وسألتها الشفاعة لها . وأما الفرزدق فنزل على حمزة بن عبد الله بن الزبير، وهو ابن خولة المذكورة، ومدحه فوعده الشفاعة ، فتكلمت خولة في النوار وتكلم حمزة في الفرزدق ، فأنجحت خولة ، وأمر عبد الله بن الزبير أن لا يقربها ، حتى يصيرا إلى البصرة ، فيحتكما١ إلى عامله عليها ، فخرجا ، وقال الفرزدق في ذلك : أما بنوه فلمْ تنجحْ شفاعتهُم وشُفِّعَتْ بِنْتُ منظور بن زبانا ليس الشفيعُ الذي يأتيكَ متزرا٢ً مِثلَ الشفيعِ الذي يأتيكَ عُرْيانا ثم إن الفرزدق اتفق معها ، وبقي زماناً لا يولد له ولد ، ثم ولد له بعد ذلك عدة أولاد وهم : لبطة وسبطة وحبطة وركضة وزمعة وكلهم من النوار ، وليس لواحد من ولده عقب إلا من النساء . وقال ابنُ خالويهِ : ومن أولاد الفرزدق : كلطة وجلطةَ ، والله أعلم . ثم إن الفرزدق طلّق النوار لأمر يطول شرحه ، فندم على ذلك . وله فيها أشعار ، فمنها قوله : ندِمْتُ نَذامَةَ الكُسَعِيّ لمّا غَدَتْ مني مُطلقَة نَوارُ وكانَتْ جنسي فخرجتُ مِنها كآدَمَ حينَ أخرجهُ الضرار وله في ذلك أخبار ونوادر يطول شرحها ، وليس هذا موضع استيفائه ٣ . ومات للفرزدق ابن صغير ، فصلى عليه ، ثم التفت إلى الناس فقال : وما نحنُ إلا مثلهم غير أنّنا أقمنا قليلاً بعدهم وترَحلوا فمات بعد ذلك بأيام قلائل ٤ . ١ ن : فيحتكمان . ٢ ع : مؤتزراً؛ ر : مكتسياً. ٣ ص ن ر من بر : وليس هذا موضعه . ٤ ن : قليلة، وسقطت اللفظة من : بر من. ١٠٠