Indexed OCR Text
Pages 61-80
وخمسمائة ببغداد ، ودفن بمقبرة معروف الكرخي ، رحمه الله تعالى ، وقال السمعاني : توفي يوم عيد الفطر ، والله أعلم . ولولا إيثار الاختصار لذكرت من أحواله ومضحكاته شيئاً كثيراً ، فإنّه كان آية في هذا الباب . وقوله في الأبيات الدالية (( ولم يكن ببَوَاء عنه في القود )) فالبواء - بفتح الباء الموحدة وبعدها الواو والهمزة ممدودة - ومعناها السواء ، يقال : دم فلان بَواء لدم فلان ، إذا كان مكافئاً له . وجعدة المذكورة في هذه الأبيات أيضاً - بفتح الجيم والدال المهملة وبينهما عين مهملة ساكنة وفي الأخير هاء ساكنة - وهو اسم من أسماء الكلبة ، هكذا سمعته ولم أره في شيء من كتب اللغة، بل الذي قاله أرباب اللغة إنَّ ((أبا جعدة)) كنية الذئب، و((جعدة)) اسم النعجة ، كني الذئب بها لمحبته إياها ، والله أعلم. [ والمتوثي : بفتح الميم وتشديد التاء المثناة من فوقها وسكون الواو وبعدها ثاء مثلثة ، هذه النسبة إلى متوث، وهي بلدة بين قُرْقوب وكورة الأهواز ]١. ٧٧٧ ابن سناء الملك القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن القاضي الرشيد أبي الفضل جعفر بن المعتمد سناء الملك أبي عبد الله محمد بن هبة الله بن محمد السعدي ، الشاعر المشهور، المصري صاحب الديوان الشعر البديع والنظم الرائق ، أحد الفضلاء الرؤساء النبلاء، وكان كثير التخصص والتنعم وافر السعادة محظوظاً من الدنيا ، أخذ الحديث عن الحافظ أبي الطاهر أحمد بن محمد بن أحمد السّلفي الأصبهاني رحمه الله تعالى، ١ زيادة من ص ن ر. لأنه ورد ذكر : ابن غانم المتوثي ، في نسبه . ٧٧٧ - ترجمته في معجم الأدباء ١٩: ٢٦٥ والخريدة ( قسم مصر) ١ : ٦٤ وعبر الذهبي ٥ : ٢٩ والشذرات ٥ : ٣٥ والبدر السافر، الورقة: ٢١٧ وعقود الجمان ٩ : ٢٠٩. ٦١ واختصر كتاب ((الحيوان)) للجاحظ، وسمى المختصر ((روح الحيوان)) وهي تسمية لطيفة[ وله كتاب مصاید الشوارد ]١ ، وله دیوان جميعه موشحات سماه ((دار الطراز))٢ وجمع شيئاً من الرسائل الدائرة بينه وبين القاضي الفاضل وفيه كل معنى مليح ٣ . واتفق في عصره بمصر جماعة من الشعراء المجيدين ، وكان لهم مجالس يجري بينهم فيها مفاكهات ومحاورات يروق سماعها . ودخل في ذلك الوقت إلى مصر شرف الدين ابن عُنَين - المقدم ذكره في المحمدين - فاحتفلوا به وعملوا له دعوات ، وكانوا يجتمعون على أرغد عيش ، وكانوا يقولون : هذا شاعر الشام ، وجرت لهم محافل سطرت عنهم ، ولولا خشية التطويل لذكرت بعضها . ومن محاسن شعره بيتان من جملة قصيدة يمدح بها القاضي الفاضل رحمه الله تعالى ، وهماء : ولو أبْصرَ النَّظَام جوْهرَ ثغْرِها لما شك فيه أنّه الجوهر الفردُ ومن قال إن الخيزرانة قَدُّها فقولوا له إياك أن يَسمع القدّ ومن شعره ايضاً° : لا الغصن يحكيك ولا الجؤذرُ حُسْنُك ممّا كثروا أكثرُ عقداً ولكن كلّه جوهر يا باسماً أبدى لنا ثغره فقلت : يا لاحي أما تبصر قال ليَ اللاحي : أما تسمع٢ُ وله يتغزل بجارية عمياء ٧ : ١ زيادة من ر . ٢ ليس هذا القول بدقيق، لأن دار الطراز يحتوي مقدمة في الموشحات ، ونماذج من موشحات الأندلسيين وبعض موشحات ابن سناء الملك . ٣ ر: بديع مليح؛ والكتاب المشار إليه هو ((فصوص الفصول)) ومنه نسخة بباريس رقم: ٣٣٣٣. ٥ ديوانه : ٣٤٤ . ٤ ديوانه : ٢٢٥ - ٢٢٦ . ٦ ن ق والمختار : أما تستمع ؛ بر من: ألا تستمع ، وما أثبتناه ورد في الديوان. ٧ ديوانه : ٤٨٤ - ٤٨٥ . ٦٢ وفي سوى العينين لم تكسفٍ شمس بغير الشّعر لم تحتجب مُغْمَدَة المرهَفِ لكنها تجرح بالجفن ١ بلا مرهف ومقلي يعقوب في يوسف رأيت منها الخلد في جؤذر وله في غلام ضرب ثم حبس ٢ : ولكن ليبدو الورد في سائر الغصنِ بنفسيَ من لم يضربوه لريبة من العين أن تعدو على ذلك الحسن ولم يودعوه السجن إلاّ مخافة فشاركه أيضاً في الدخول إلى السجن وقالوا له شاركت في الحسن يوسفا [ وله في غلام جميل الصورة حفر حومة التلاق فأصابه حجر فانكسرت أسنانه فقال ٣ : فدموعي عليه تحكي انتشاره نثر الدهر عقد ثغر حبيبي فغدت بالدماء كالجلناره کل سن کالأقحوانة كانت ن بعيداً في جملة النظارة کان في حومة التلاق وما كا فأتته الأحجار شوقاً وزارت كيف ينسى الفؤاد ثغر حبيب ـه فلا مرحباً بتلك الزيارة حسدتني عليه تلك الحجارة ] وله من جملة أبيات ؛ : وما كان تركي حبه عن ملالة ولكن لأمر يوجب القول بالترك أراد شريكاً في الذي كان بيننا وإيمان قلبي قد نهائي عن ° الشرك ١ الديوان : تقتل بالغمد . ٢ ديوانه ٧٨٣ . ٣ ديوانه : ٣٦١، وهذه زيادة من ر . ؛ ديوانه : ٥٢٨ . ٥ ر : لا يميل إلى . ٦٣ وله أيضا١ً : عطّلتُ فيك الحشا إلا من الحزنِ يا عاطل الجيد إلا من محاسنه فهل لجيدك في عقد بلا ثمن في سلك جسميَ دُرُّ الدمع منتظم لا تخش منى فإنّ كالنسيم ضنى وما النسيم بمخْشِيٍّ على الغصن وهذا البيت مأخوذ من قول ابن قلاقس - وقد تقدم ذكره في ترجمته - وهو : أعندما همت به روضة أعَلَّ جسمي لأكون النسيم ومن نثره في وصف النيل في سنة كان ناقصاً ، ولم يوف الزيادة التي جرت بها العادة، يقال إنّه كتبه من جملة رسالة إلى القاضي الفاضل، وهو: (( وأما أمر الماء فإنّه نضبت مشارعه ، وتقطعت أصابعه ، وتيمم العمود لصلاة الاستسقاء ، وهم المقياس من الضعف بالاستلقاء )) وهذا من أحسن ما يوصف به نقصان النيل . وكان بمصر شاعر يقال له أبو المكارم هبة الله بن وزير بن مقلد الكاتب٢ ، فبلغ القاضي السعيد المذكور عنه أنّه هجاه ، فأحضره إليه وأدبه وشتمه ، وكتب ٣ إليه نشو الملك أبو الحسن علي بن مفرج المعريّ الأصل، المصري الدار والوفاة ، المعروف بابن المنجم ، الشاعر المعروف : صديقنا ابن وزير كيف تظلمه قل للسعيد أدام الله نعمته فكيف من بعد هذا ظلت تشتمه؛ صَفَعْتُه إذ غدا يهجوك منتقما والشرع ما يقتضيه ، بل يحرمه هجو بهجو، وهذا الصفع فيه رِباً ١ ديوانه : ٨٥٥ . ٢ ترجمته في الخريدة ( قسم مصر) ٢ : ١٤٣ وانظر الحاشية . ٣ ص : فكتب . ٤ ر : من بعد هذا اذن قد ظلت تشتمه ؛ بر من : وأنت من بعد هذا . ٦٤ فإن تقل ما لهجو عنده ألمٌ فالصفعُ واللّه أيضاً ليس يؤلمه ولما مدح السعيد المذكور شمس الدولة توران شاه أخا السلطان صلاح الدين - المقدم ذكره في حرف التاء - بقصيدته التي أولها١ : تقنعتُ لكنْ بالحبيبِ المعممِ وفارقت لكن كل عيش مذمم تعصب عليه جماعة من شعراء مصر ، وعابوا هذا الاستفتاح وهجنوه ٢ ، فكتب إليه ابن الذروي ٣ الشاعر المذكور في ترجمة سيف الدولة المبارك بن منقذ: منه بكل بديعةٍ ما أعجبا قل للسعيد مقال من هو معجب شعراؤنا جهلوا به المستغربا لقصيدك الفضل المبين ، وإنّما عابوا التقنع بالحبيب ولو رأى الطائي ما قد حكته لتعصبا / ونوادر القاضي السعيد كثيرة . وتوفي في العشر الأول من شهر رمضان ، سنة ثمان وستمائة بالقاهرة، وذكر صاحبنا الكمال ابن الشعار في ((عقود الجمان)) أنّه توفي يوم الأربعاء ، رابع الشهر المذكور ، رحمه الله تعالى . وذكره العماد الكاتب، في كتاب ((الخريدة))، فقال٤ : كنت عند القاضي الفاضل في خيمته بمرج الدلهمية ، ثامن عشر ذي القعدة ، سنة سبعين يعني وخمسمائة ، فأطلعني على قصيدة له كتبها إليه من مصر ، وذكر أن سنه لم يبلغ إلى عشرين سنة ، فأعجبت بنظمه، ثم ذكر القصيدة العينية ، التي أولها : فراقٌ قضى للهم والقلبٍ بالجمعِ وهَجْرٌ تولى صلح عينى معَ الدمعِ. وعلى هذا التقدير يكون مولده في حدود سنة خمسين وخمسمائة ، وقيل ١ ديوانه : ٦٩٦ . ٢ ر بر من والمختار : وهجوه . ٣ هو الوجيه أبو الحسن علي بن يحيى ( الخريدة - قسم مصر - ١ : ١٨٧ والحاشية ). ٤ الخريدة ١ : ٦٤ - ٦٥ . ٥ -٦ ٦٥ إنّه ولد سنة ثمان وأربعين ، والله أعلم. ثم قال العماد بعد الفراغ من ذكر هذه القصيدة : ثم وصل - يعني القاضي السعيد المذكور - إلى الشام . في شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وخمسمائة في الخدمة الفاضلية ، فوجدته في الذكاء آية ، قد أحرز في صناعة النظم والنثر غاية، تلقى عرابة العربية له باليمين راية . وقد ألحفه الإقبال الفاضليّ في الفضل قبولا ، وجعل طين خاطره على الفطنة مجبولا . وأنا أرجو أن ترقى في الصناعة رتبته ، وتغزر عند تمادي أيامه في العلم نغبته ، وتصفو من الصبا منقبته ، وتروى بماء الدربة رويته ، وتستكثر ١ فوائده ، وتؤثر قلائده ٢ . (300) وتوفي والده جعفر في منتصف شهر رمضان سنة ثمانين وخمسمائة. ثم رأيت بخط بعض أصحابنا ممّن له عناية بهذا الفن أنّه توفي يوم الثلاثاء خامس ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين ، ومولده منتصف شوال سنة خمس وعشرين وخمسمائة ، والله أعلم . (301) وأما أبو المكارم هبة الله بن وزير بن مقلد، الشاعر المصري المذكور في هذه الترجمة، فإن عماد الدين الأصبهاني ذكره في كتاب ((الخريدة)) وقال : عدت إلى مصر في سنة ست وتسعين ٣ وخمسمائة فسألت عنه فأخبرت بوفاته ، رحمه الله تعالى . ١ ص : وستكثر . ٢ هنا تنتهي الترجمة في : ع بر من . ٣ ص ر : ست وسبعين. ٦٦ ٧٧٨ هبة الله البوصيري أبو القاسم وأبو الكرم ، هبة الله بن علي بن مسعود١ بن ثابت بن هاشم بن غالب بن ثابت ، الأنصاري الخزرجي ، المُنَسْتيري الأصل ، المصري المولد والدار ، المعروف بالبوصيري ؛ كان أديباً كاتباً له سماعات عالية وروايات تفرد بها وألحق الأصاغر بالأكابر في علو الإسناد ، ولم يكن في آخر عصره في درجته مثله ، وسمع بقراءة الحافظ أبي الطاهر السّفي وإبراهيم بن حاتم الأسدي على أبي صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المديني إمام الجامع العتيق بمصر ، رحمهم اللّه تعالى أجمعين - والبوصيري المذكور آخر من روى في الدنيا كلها عن أبي صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المديني المذكور - وأبي الحسين علي بن الحسين ابن عمر الفراء الموصلي وأبي عبد الله محمد بن بركات هلال السعيدي النحوي سماعاً ، وروى أيضاً عن أبي الفتح سلطان بن إبراهيم بن المسلم المقدسي ، وهو آخر من روى عنه سماعاً في الأرض كلها ، وسمع عليه الناس وأكثروا ، ورحلوا إليه من البلاد . وكان جده مسعود٢ قدم من المُنَّسْتير إلى بوصير ، فأقام بها إلى أن عرف فضله في دولة المصريين ، فطُلب إلى مصر ، وكتب في ديوان الإنشاء وولد له علي والد أبي القاسم المذكور بمصر ، واستقروا بها وشهروا . وكان أبو القاسم يسمى ((سيد الاهل)) أيضاً، لكن هبة الله أشهر؛ وكانت ولادته سنة ست وخمسمائة بمصر ، وقيل بل ولد يوم الخميس خامس ذي القعدة سنة خمسمائة . وتوفي في الليلة الثانية من صفر سنة ثمان وتسعين وخمسمائة ، ٧٧٨ - انظر حسن المحاضرة ١: ١٥٨ والنجوم الزاهرة ٦: ١٨٢ ومرآة الجنان ٣ : ٤٠٩ والمشترك: (بوصير) وعبر الذهبي؛: ٣٠٦ والشذرات ٤: ٣٣٨؛ ولا تزيد هذه الترجمة في ق عن أربعة أسطر . ١ ق ن ص : سعود . ٢ ق ن ص : سعود ؛ ع : سعيد ؛ وسقطت اللفظة من : بر من . ٦٧ ودفن بسفح المقطم ، رحمه الله تعالى ؛ وقال ياقوت الحموي في كتاب البلدان المشتركة الأسماء١ : إنّه مات في شوال رحمه الله تعالى. والخزرجي٢: بفتح الخاء المعجمة وسكون الزاي وفتح الراء٣ وبعدها جيم ، هذه النسبة إلى الخزرج ، وهو أخو الأوس - بفتح الهمزة وسكون الواو وبعدها سين مهملة - وهما ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء ، وتمام النسب معروف ، وهما ابنا قَيْلة - بفتح القاف وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح اللام وبعدها هاء ساكنة - ومن ذريتهما أنصار النبي صلى اللّه عليه وسلّم بالمدينة . والمُنَسْتير : بضم الميم وفتح النون وسكون السين المهملة وكسر التاء المثناة من فوقها وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء ، وهي بليدة بإفريقية ، بناها هرثمة بن أعين الهاشمي في سنة ثمانين ومائة . وكان هارون الرشيد قد ولاه إفريقية، وقدم إليها * يوم الخميس لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة تسع وسبعين ومائة ، وقد تقدمت الحوالة على هذا الموضع في ترجمة الأمير تميم بن المعز بن باديس . وبوصير : بضم الباء الموحدة وسكون الواو وكسر الصاد المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء ، وتعرف ببوصير قوريدس ، ويقال كوريدس ، وهي بليدة بأعمال البهنسا من صعيد مصر ، وقد تقدم الكلام في ترجمة عبد الحميد الكاتب على بوصير ٥ الفيوم ، وبالجيزة أيضاً بليدة يقال لها بوصير ° السدر ، وبكورة السمنودية أيضاً بليدة يقال لها بوصير ، فهذا الاسم يشترك فيه أربعة بلاد ، والكل بالديار المصرية . والمنستير معبد بين المهدية وسوسة يأوي إليه الصالحون المنقطعون للعبادة ، ١ انظر المشترك : ٧٠ وفيه أنه مات في ثاني صفر. ٢ بر : والخزرجي قد تقدم الكلام عليه . ٣ ر : وبعدها راء مفتوحة . ٤ ر ع : عليها . ٥ ن : أبو صير . ٦٨ وفيه قصور شبيهة بالخانقاهات وعلى تلك القصور سور واحد ، ذكره ياقوت في كتابه ، والله أعلم . ٧٧٩ أمين الدولة ابن التلميذ أبو الحسن هبة الله بن أبي الغنائم صاعد بن هبة الله بن إبراهيم بن علي ، المعروف بابن التلميذ النصراني الطبيب ، الملقب أمين الدولة البغدادي ؛ ذكره العماد الأصبهاني في كتاب (( الخريدة)) فقال: سلطان الحكماء، وبالَغَ في الثناء عليه وقال : هو مقصد العالم في علم الطب ، بقراط عصره وجالينوس زمانه ، خُتم به هذا العلم ، ولم يكن في الماضين من بلغ مداه في الطب ، عمر طويلاً وعاش نبيلاً جليلاً ، ورأيته وهو شيخ بهيّ المنظر ، حسن الرواء ، عذب المجتلى والمجتنى ، لطيف الروح ظريف الشخص ، بعيد الهم عالي الهمة ، ذكي الخاطر مصيب الفكر حازم الرأي ، شيخ النصارى وقسيسهم ورأسهم ورئيسهم ، وله في النظم كلمات رائقة ، وحلاوة جنية ، وغزارة بهية ، ومن شعره في الميزان لغزاً : يعدلُ في الأرضِ وفي السماء ما واحدٌ مختلفُ الأسماء أعمى يُري الإرشادَ كلَّراء يحكم بالقسْطِ بلا رياء يغنى عن التصريح بالإيماء أخرسُ لا من علةٍ وداء بالرفع والخفض عن النداء یجیبُ إن ناداه ذو امتراء يفصحُ إن عُلّق في الهواء ٧٧٩ - ترجمته في معجم الأدباء ١٩: ٢٧٦ وعبر الذهبي ٤: ١٧٢ وابن أبي أصيبعة ١ : ٢٥٩ وفيه قسط وافر من شعره ، وتاريخ الحكماء : ٣٤٠. ٦٩ فقوله ((مختلف الأسماء)) يعني ميزان الشمس ، وهو الاسطرلاب ، وسائر آلات الرصد ، وهو معنى قوله ((يحكم في الأرض وفي السماء))، وميزان الكلام النحو ، وميزان الشعر العروض ، وميزان المعاني المنطق ، وهذه الميزان والمكيال والذراع وغير ذلك ؛ ثم ذكر بعد ذلك جملة من مقاطيع شعره نأتي بذكر بعضها إن شاء الله تعالى . وذكر في ترجمة الحكيم معتمد الملك أبي الفرج يحيى بن التلميذ النصراني الطبيب١ ما مثاله : وكان أبو الحسن ابن صاعد حين توفي معتمد الملك أبو الفرج قام مقامه ، وهو ابن بنته ، فنسب إليه وعرف به . وذكر في كتاب ((أنموذج الأعيان من شعراء الزمان ، فيمن أدرك بالسماع أو بالعيان ٢ )) أن ابن التلميذ المذكور كان متفتناً في العلوم ذا رأي رصين وعقل متين ، وطالت خدمته للخلفاء والملوك ، وكانت منادمته أحسن من التبر المسبوك والدر في السلوك ، اجتمعت به مراراً في آخر عمره ، وكنت أعجب في ٣ أمره ، كيف حرم الإسلام مع كمال فهمه ، وغزارة عقله وعلمه ، والله يهدي من يشاء بفضله ، ويضل من يريد بحكمه . وكان إذا ترسل استطال وسطا ، وإذا نظم وقع بين أرباب النظم وسطا ؛ وأورد شيئاً من شعره أيضاً . وذكره أبو المعالي الحظيري - المقدم ذكره في حرف السين٤ - في كتابه ((زينة الدهر)) وأورد له مقاطيع ، فمن ذلك قوله : يا من رماني عن قوس فرقته بسهم هَجْر على تلافيه ارض لمن غاب عنك غيبته فذاك ذنبٌ عقابُهُ فيه وذكر العماد في ((الخريدة)) البيت الثاني منسوباً إلى أبي محمد ابن جكينا البغدادي ، وضم إليه بعده : لو لم ينله من العقاب سوى بعدك عنه لكان يكفيه ١ ترجمة معتمد الملك في أخبار الحكماء : ٣٦٤ . ٢ ص ر : والعيان . ٣ ص : من . ٤ = ٢ : ٣٦٦ ٠ ٧٠ وذكر له الحظيري أيضاً : نومَ بشوقي إليك مسلوب عاتبت إذ لم يزر خيالك والـ كما يقال المنام مقلوب فزارني منعما وعاتبني وممّا ذكر له العماد في ((الخريدة)) قال: وأنشدني أبو المعالي هبة الله بن الحسن بن محمد بن المطلب قال : أنشدني أبو الحسن ابن التلميذ لنفسه : فصحوت و استأنفت سیرة مجمل كانت بلهنية الشبيبة سكرة وقعدت أرتقب الفناء كراكبٍ عرف المحل فبات دون المنزل والثاني منهما ذكره ابن المنجم في كتاب ((البارع)) لمسلم بن الوليد الأنصاري١. وذكر أن أبا محمد ابن جكينا المذكور مرض فقصده ليعالجه فعالجه ، فلما عوفي أعطاه دراهم ، فعمل فيه : إلى التداوي والبرء محتاجُ لما تیممته وبي مرض فِعْلَ امرىء للهموم فراج آسی وواسی فعدت أشكره هذا طبيب عليه زرباج٢ فقلت إذ بَرَّني وأبر أني وعمل فيه أيضاً في المعنى : جاد واستنقذ المريض وقد كا د ضى أن يلف ساقاً بساقٍ والذي يدفع المنون عن النفـ س جدير بقسمة الأرزاق وقصد مرة أن يعبر إليه دجلة ليداويه ، فكتب إليه : ١ زاد في ن ص : وقد استعمله ابن التلميذ ها هنا تضميناً ، ر : وقد استعمله ها هنا ابن التلميذ مضمناً . ٢ هكذا وردت اللفظة في المختار والنسخ ن ص ق ع ؛ بالباء الموحدة، وفي بعض أصول دي سلان زرياج أو ذرياج، وقدر أن تكون صورة من ترياق؛ ولعلها من الفارسية ((زورباز)) أي قوة الساعد . ٧١ هام بذات المحمل إن امرأ القيس الذي وعبرة تصلح لي كان شفاه عَبْرة وكان ابن جكينا المذكور قد عمي في آخر عمره ، وجرت بينهما منافرة في أمر واشتهى مصالحته١ ، فكتب إليه : وإذا شئت أن تصالح بشار بن برد فاطرح عليه أباه فسير إليه ما طلب واسترضاه ؛ وكانت له معه وقائع كثيرة ، وإنّما كتب إليه هذا البيت لأن بشار بن برد كان أعمى - كما تقدم ذكره في ترجمته - فلما عمي شبه نفسه به ، وكان مطلوبه برداً . ومعنى قوله ((فاطرح عليه أباه )) لأن عادة أهل بغداد إذا أراد الإنسان أن يصالح من خاصمه ، والخصم ممتنع ، يقال له : اطرح عليه فلاناً ، بمعنى ادخل عليه به ، ليشفع له ، وقد حصلت له التورية في هذا البيت . ومن الشعر المنسوب إليه وهو مشهور قوله ، ثم وجدتهما للناصح ابن الدهان النحوي الموصلي : تَعِس القياس فللغرام قضيةٌ ليست على نهج الحجى تنقادُ عَرَضٌ وتفنى دونه الأجساد منها بقاءُ الشوق وهو بزعمهم وقوله أيضاً، وذكر العماد في ((الخريدة)) أن هذين البيتين لأبي علي المهندس المصرى ، وهما : تقسم قلبي في محبة معشرٍ بكلّ فتى منهم هواي منوطُ محيطٌ وأهوائي إليه خطوط کأن فؤادي مرکزٌ وهمُ له وقوله أيضاً : جودهُ كالطبيب فينا يداوي سوءَ أحوالنا بحسنِ الصنيعِ ١ ر : أن يصالحه . ٧٢ فهو كالموميا إذا انكسر العظ مُ ، ومثل الترياق للملسوع ثم وجدت هذين البيتين في ديوان ابن حجاج الشاعر . وقوله في ولده سعيد : وحبّه لي عرَضٌ زائلٌ حي سعيداً جوهرٌ ثابتٌ وهو إلى غيري بها مائل به جهاتي الستُّ مشغولة وكان أبو القاسم علي بن أفلح الشاعر - المقدم ذكره ١ - قد نقه من المرض وهو يعالجه ، فكتب إليه يشكو جوعه ، وقد نهاه عن استعمال الغذاء إلا بأمره ، والذي کتبه٢ : نيّ من هذي المجاعه أنا جوعان فأنقذ ز ولو كانت قطاعه فرجي في الكسرة الخبـ ـبرُ ، مالي صبر ساعه لا تقلْ لي ساعةً تصـ بل في الخبز شفاعه فخواي اليوم لا يقـ فوقف ابن التلميذ على هذه الأبيات و کتب إليه جوابها : يتشاكَوْنَ المجاعه هكذا أضيافُ مثلي ك مُضرّاً بشفاعة غير أني لست أعطي فهو خير من قطاعه فتعللْ بسويقٍ سمه سمعاً وطاعه بحياتي قل كما نر فلما وصلت الأبيات إلى ابن أفلح كتب ٣ : إن مرسومك عندي قد توخيتُ استماعه ١ انظر ج ٣ : ٣٨٩ ( الترجمة : ٤٧٦ ) . ٢ انظر بعض هذه المحاورة الشعرية في ابن أبي أصيبعة . ٣ ن : كتب جوابه ؛ ر : جوابها ؛ بر من ص : الجواب . ٧٣ نيّ سمعاً وطاعه غير أني لم أقل من ودفعتُ الجوعَ واللـ ـه فلم أسطعْ دفاعه ن وأربحني١ صداعه فاكفني كلفته الآ فكتب إليه ابن التلميذ : بعِ منزورُ البضاعه أنا في الشعر ضعيفُ الط طبعاً وصناعه تي ولك الخاطرُ قد أو جوع لم أُكْفَ صداعه ومتى لم تُكْفَ شرَّ الـ أخذه من بعد ساعه فعلى اسم اللّه قَدّمْ (302) وكان بين ابن التلميذ المذكور وبين أوحد الزمان أبي البركات هبة الله ابن علي بن ملكان ٢ الحكيم المشهور صاحب كتاب ((المعتبر)) ٣ في الحكمة تنافر وتنافس كما جرت العادة بمثله بين أهل كل فضيلة وصنعة ، ولهما في ذلك أُمور ومجالس مشهورة ، وكان يهودياً ثم أسلم في آخر عمره ، وأصابه الجذام فعالج نفسه بتسليط الأفاعي على جسده بعد أن جوّعها ، فبالغت في نَهْشه ، فبرىء من الجذام وعمي ، وقصته في ذلك مشهورة ، فعمل فيه ابن التلميذ المذكور : لنا صديق يهودي حماقَتُهُ إذا تكلم تبدو فيه من فيه كأنّه بعدُ لم يخرج من التيه يتيهُ والكلب أعلى منه منزلةً ١ ق ر : وارحي من . ٢ ترجمة أوحد الزمان في تاريخ الحكماء: ٣٤٣ وابن أبي أصيبعة ١: ٢٥٩ وفي كليهما ((ابن ملكا)) - دون نون - وكذلك في هذا الموضع من النسخ ص ع والمختار ، إلا أن المؤلف حين ضبطه في آخر الترجمة ذكر فيه النون ، وكذلك ورد الضبط في ع ص اللتين سقطت النون فيهما في هذا الموضع . ٣ يعد هذا الكتاب من أجل كتب أوحد الزمان، قال القفطي ((أخلاه من النوع الرياضي وأتى فيه بالمنطق والطبيعي والإلهي فجاءت عبارته فصيحة ومقاصده في ذلك الطريق صحيحة وهو أحسن كتاب صنف في هذا الشان في هذا الزمان)) . ٧٤ وكان ابن التلميذ كثير التواضع ، وأوحد الزمان متكبراً ، فعمل فيهما البديع الأسطرلابي المقدم ذكره ١ : أبو الحسن الطبيبُ ومُقْتفيه أبو البركات في طَرَ فيْ نقيضٍ فهذا بالتّواضع في الثريّا وهذا بالتكبر في الحضيض ولابن التلميذ في الطب تصانيف مليحة، فمن ذلك كتاب ((أقراباذين)) وهو نافع في بابه ، وبه عمل أطباء هذا الزمان ، وله كناش وحواش على كليات ابن سينا ، وغير ذلك . (303) وكان شيخه في الطب أبا الحسن هبة الله بن سعيد٢ صاحب التصانيف المشهورة، منها كتاب ((التلخيص)) و((المغني)) في الطب وهو جزء واحد ، وكتاب ((الإقناع)) وهو أربعة أجزاء ، وقد انتقدوا عليه هذه التسمية وقالوا : كان ينبغي أن يكون الأمر بالعكس ، لأن المغني هو الذي يغني عن غيره ، فكان الكتاب الأكبر أولى بهذا الاسم ، والإقناع هو الذي تقع القناعة به، فالمختصر أولى بهذا الاسم . وله كل شيء مليح من تصنيف في طب أو أدب . وكان حسن السّمْت كثير الوقارّ ، حتى قيل إنّه لم يسمع منه بدار الخلافة مدة ترداده إليها شيء من المجون سوى مرة واحدة بحضرة المقتفي الخليفة ، وذلك أنّه كان له راتب بدار القوارير ببغداد ، فقطع ولم يعلم به الخليفة ، فاتفق أنّه كان عنده يوماً ، فلما عزم على القيام لم يقدر عليه إلا بكلفة ومشقة من الكبر ، فقال له المقتفي : كبرت يا حكيم ، فقال : نعم يا مولانا ، وتكسرت قواريري ، وهذا في اصطلاح أهل بغداد أن الإنسان إذا كبر يقال ((تكسرت قواريره)) فلما قال الحكيم هذه اللفظة ، قال الخليفة : هذا الحكيم لم أسمع منه. ١ انظر تاريخ الحكماء : ٣٤٦ ٫ ٠ ٢ كذا في النسخ؛ وترجم له ابن أبي أصيبعة باسم أبي الحسن سعيد بن هبة الله بن الحسين ، وقد توفي سنة ٤٩٥، وقصة تسميته للمغني والاقناع مذكورة في ابن أبي أصيبعة . ٣ هنا عاد الحديث إلى ابن التلميذ (انظر أخبار الحكماء: ٣٤١) والجملة السابقة ((وله كل شيء مليح من تصنيف في طب أو أدب)) لا يدرى إلى من تنصرف من الرجلين ، فإن المؤلف هنا وصل الكلام دون فصل موضح . ٧٥ هزلاً منذ خدمنا ، فاکشفوا قضيته، فكشفوها فوجدوا راتبه بدار القوارير قد انقطع ، فطالعوا الخليفة بذلك ١ ، فتقدم بردها عليه ، وكان الذي قد قطعه الوزير عَوْن الدين بن هُبيرة، وزاده إقطاعاً آخر ٢ ، وأخباره كثيرة ٣ . وتوفي في صفر سنة ستين وخمسمائة ببغداد ، وقد ناهز المائة من عمره ، وقال ابن الأزرق الفارقي في تاريخه : مات ابن التلميذ في عيد النصارى . وكان قد جمع من سائر العلوم ما لم يجتمع في غيره ، ولم يبق ببغداد من الجانبين من لم يحضر البيعة وشهد جنازته . وليس في هذه الترجمة ما يحتاج إلى التقييد سوى مَلْكان جَدّ أوحد الزمان - وهو بفتح الميم والكاف وبينهما لام ساكنة وبعد الألف نون . وقد تقدم في ترجمة ابن الجواليقي ما دار بينهما بحضرة الإمام المقتفي ٤ . قلت : وبعد فراغي من ترجمة أمين الدولة ابن التلميذ المذكور وقفت على كتاب جَمَعَه شيخُنا موفق الدين أبو محمد عبد اللطيف بن يوسف البغدادي ، وجعله سيرة لنفسه ، وجميعه بخطه ، وذكر في أوائله ابن التلميذ ، ووصفه بالعلم في صناعة الطب وإصابته ، ثم قال : ومنها أنّه أُحضرت إليه امرأة محمولة لا يعرف أهلها في الحياة هي أم في الممات ، وكان الزمان شتاء ، فأمر بتجريدها ، وصبّ عليها الماء المبرد صبّاً متتابعاً كثيراً ، ثم أمر بنقلها إلى مجلس دفيء قد .... ١ ر : فطالبوا الخليفة بردها . ٢ علق ابن المؤلف في المختار عند هذا الموضع بإيراد حكاية مشابهة ، وهي حكاية أحد الخلفاء ، وكيف زار المدينة وسأل عن فتئ يعرفه بمعالمها وأحوالها وما فيها من مياه ومنازل وقبائل .. الخ وأن الخليفة وعده عطاء وكان الفتى معسراً، ثم نسي الأمر ، فلما وقف الفتى على أحد البيوت قال للخليفة، يا أمير المؤمنين: هذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص ((يا بيت عاتكة الذي تعزل))، فاستغرب الخليفة ذلك لأن الفتى لم يكن يبدأه القول حتى يسأله ، فسرد الخليفة القصيدة في نفسه فوقف عند قول الشاعر فيها : مذق الكلام يقول ما لا يفعل وأراك تصدق ما تقول وبعضهم فقطن لوعده ؛ وانما لخصنا الحكاية لأنها مبتورة في المختار بسبب ضياع أوراق في هذا الموضع . ٣ ر : وأخباره ونوادره كثيرة. ٤ هنا تنتهي الترجمة في : ع بر من . ٧٦ بُخّر بالعود والند ، ودفئت ١ بأصناف الفراء ساعة ، فعطست وتحركت وقعدت وخرجت ماشية مع أهلها إلى منزلها . ومنها : أنّه أتي مرّة بمريض ٢ يعرق دماً في زمن الصيف ، فسأل تلاميذه قدر خمسين نفساً ، فلم يعرفوا المرض ، فأمره بأكل خبز شعير مع باذنجان .. مشويّ ، ففعل ذلك ثلاثة أيام ، فبرىء ، وسأله أصحابه عن العلة ، فقال : إن دمه قد رق ومسامّه قد انفتحت، وهذا الغذاء من شأنه تغليظ الدم وتكثيف المسام . ومن مروءته أن ظهر داره كان يلي المدرسة النظامية ، فإذا مرض فقيه نقله إليه وقام في مرضه عليه ، فإذا أبلَّ وهب له دينارين وصرفه . (304) وذكر شيخنا موفق الدين قبل هذا أن ولد أمين الدولة المذكور كان شيخه وانتفع به، وكان شيخاً قد ناهز ثمانين سنة، ولديه تجربة فاضلة وغوص على أسرار الطبيعة ، يرى الأمراض كأنّها من وراء زجاج ، لا يعتريه فيها ولا في مداواتها شك ، وكان أكثر ما يصف المفردات أو ما يقل تركيبه ، ولم أر من يستحق اسم الطب غيره . وكان يقول : ينبغي للعاقل أن يختار من اللباس ما لا تحسده عليه العامة ، ولا تحتقره فيه الخاصة ، وكذا كان لباسه الأبيض الرفيع . ثم قال : وخنق في دهليز داره الثلث الأول من الليل ، وكان قد أسلم قبل موته ، وفي نفسي عليه ٣ حسرات ، رحمه اللّه تعالى ؛ نقلته ملخصاً . ١ ر ن : ودثرت . ٢ ص ر ن : ودخل اليه رجل مترف . ٣ ن ص ر : منه . ٧٧ ٧٨٠ هارون ابن المنجم أبو عبد اللّه هارون بن علي بن يحيى بن أبي منصور ، المنجم البغدادي الأديب الفاضل ؛ - وقد تقدم ذكر ولده عليّ في حرف العين ١ - وكان هارون المذكور حافظاً راوية للأشعار ، حسن المنادمة لطيف المجالسة . صنف كتاب ((البارع)) في أخبار الشعراء المولدين، وجمع فيه مائة وواحداً وستين شاعراً ، وافتتحه بذكر بشار بن برد العقيلي ، وختمه بمحمد بن عبد الملك ابن صالح ، واختار فيه من شعر كل واحد عيونه ، وقال في أوله : إنّي لمّا عملت كتابي في أخبار الشعراء المولدين ذكرت ما اخترته من أشعارهم ، وتحريت في ذلك الاختيار أقصى ما بلغته معرفتي وانتهى إليه علمي ، والعلماء تقول : دلّ على عاقل ٢ اختيارُه، وقالوا : اختيار الرجل من وفور عقله ، وقال بعضهم : شعر الرجل قطعة من كلامه ، وظنّه قطعة من عقله ، واختياره قطعة من علمه . وطوّل الكلام في هذا ، وذكر أن هذا الكتاب مختصر من كتاب ألفه قبل هذا في هذا الفن ، وأنّه كان طويلاً فحذف منه أشياء واقتصر على هذا القدر ، وبالجملة فإنّه من الكتب النفيسة ، فإنّه يغني عن دواوين الجماعة الذين ذكرهم ، فإنّه مخض أشعارهم وأثبت منها زبدتها وترك زَبّدها ؛ وهذا الكتاب هو الذي ذكرته في ترجمة العماد الكاتب الأصبهاني وقلت: إن كتاب ((الخريدة )) وكتاب الحظيري والبامحَرْزِي والثعالبي فروع عليه ، وهو الأصل الذي نسجوا على منواله. وله كتاب ((النساء وما جاء فيهن من الخبر ومحاسن ما قيل فيهن من الشعر ٧٨٠ - ترجمته في الفهرست: ١٤٤ ومعجم المرزباني: ٤٨٥ ومعجم الأدباء ١٩ : ٢٦٢ ومرآة الحنان ٢: ٤١ وحماسة ابن الشجري: ٢٤٢، وزاد في نسبه في ص ر : واسم أبي منصور أبان جثم ١ انظر = ٣ : ٣٧٥ . ٢ ر : كل عاقل . ٧٨ ٠.٠٠٠ والكلام الحسن )) ولم أظفر له بشيء من الشعر حتى أورده . وذكر هو في كتابه ((البارع)) المذكور أباه أبا الحسن علي بن يحيى بن أبي منصور، وسرد له مقاطيع - وقد ذكرته في ترجمة مفردة في حرف العين فلينظر هناك ١ - ثم أردفه بذكر أخيه يحيى بن علي بن يحيى ، وعدَّ له جملة مقاطيع أوردها ، ولا حاجة بنا إلى ذكرها في هذا الموضع ، بل نذكرها في ترجمته ، إن شاء الله تعالى. وتوفي أبو عبد اللّه المذكور سنة ثمان وثمانين ومائتين ، وهو حدث السن ، رحمه الله تعالى ، وسيأتي ذكر أخيه يحيى بن علي في حرف الياء إن شاء الله تعالى. وكان أبو منصور جد أبيه منجم أبي جعفر المنصور أمير المؤمنين ، وكان مجوسياً . كرة (305) وكان ابنه يحيى متصلاً بذي الرياستين الفضل بن سهل - المقدم ذكره - وكان الفضل يعمل برأيه في أحكام النجوم ، فلما حدثت الكائنة على الفضل - حسبما ذكرناها في ترجمته - صار يحيى المذكور منجم المأمون ونديمه ، فاجتباه واختص به ، ورغبه في الإسلام فأسلم على يده ، فصار بذلك مولاه . وهم أهل بيت منهم٢ جماعة من الفضلاء والأدباء والشعراء ، وجالسوا الخلفاء ونادموهم، وقد عقد لهم الثعالبي في كتاب ((اليتيمة)) ٣ باباً مستقلا، وذكر فيه جماعة منهم ، رحمهم الله تعالى . وتوفي يحيى المذكور بحلب عند خروج المأمون إلى طرسوس ، ودفن بها في مقابر قريش ، فقبره هناك مكتوب عليه اسمه ٤ . ١ انظر ج ٣ : ٣٧٣ . ٢ ع ر ن : فيهم . ٣ انظر اليتيمة ٣ : ٣٩٢ - ٣٩٥. ٤ اسمه: سقطت من ر بر من ص ع ؛ ن: فقبره هناك مشهور ، والله أعلم بالصواب . ٧٩ ٧٨١ هشام بن عروة أبو المنذر هشام بن عُرْوَة بن الزبير بن العوام ، القرشي الأسدي ، - قد تقدم ذكر أبيه في حرف العين ١ - ؛ وكان هشام أحد تابعي المدينة المشهورين المكثرين في الحديث ، المعدودين من أكابر العلماء وجلة التابعين ، وهو معدود في الطبقة الرابعة من أهل المدينة ، رضي الله عنهم . وسمع عمه عبد الله بن الزبير وابن عمر، رضي الله عنهما ، ورأى جابر ابن عبد الله الأنصاري وأنس بن مالك وسهل بن سعد ، وقيل إنّه رأى ابن عمر ولم يسمع منه ، وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري وسفيان الثوري ومالك ابن أنس وأيوب السختياني وابن جريج وعبيد الله بن عبد الله بن عمر ٢ والليث ابن سعد وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان ووكيع وغيرهم . وقدم الكوفة أيام أبي جعفر المنصور فسمع منه الكوفيون . وكانت ولادته سنة إحدى وستين للهجرة ، وقال أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن محمد الذهلي : ولد عمر بن عبد العزيز وهشام بن عروة والزهري وقتادة والأعمش ليالي قتل الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، وكان قتله يوم عاشوراء سنة إحدى وستين للهجرة . وقدم بغداد على المنصور ، وتوفي بها سنة ست وأربعين ومائة ، وقيل سنة خمس وأربعين، وقيل سنة سبع ، رضي الله عنه، وصلى عليه المنصور، ودفن بمقبرة الخيزران بالجانب الشرقي ، وقيل .......... ٧٨١ - ترجمته في نسب قريش: ٢٤٨ وتاريخ بغداد ١٤ : ٤٧ ومرآة الجنان ١ :٣٠٢ وتهذيب التهذيب ١١: ٤٨ ورجال ابن حبان: ٨٠ وتذكرة الحفاظ: ١٤٤ وعبر الذهبي ١ : ٢٠٦ وميزان الاعتدال ٤ : ٣٠١. ١ أنظر ج ٣ : ٢٥٥ . ٢ بن عبد الله: سقطت من ن ع؛ بن عمر: سقطت من ص؛ بر: وعبد الله بن عمر. ٨٠