Indexed OCR Text
Pages 301-320
في ترجمة تُنُش بن ألب أرسلان - وكان يومئذ صاحب دمشق وما والاها . ولما ملكوا صور ضربوا السكة باسم الآمر المذكور مدة ثلاث سنين ، ثم قطعوا ذلك، وأخذوا بيروت يوم الجمعة الحادي والعشرين من شوال سنة ثلاث وخمسمائة بالسيف ، وأخذوا صيدا لعشر بقين من جمادى الآخرة ١ سنة أربع وخمسمائة. (273) وفي أيام الآمر أيضاً سنة أربع وخمسمائة ، وقيل سنة إحدى عشرة، والله أعلم ، قصد بردويل الافرنجي الديار المصرية ليأخذها ، وانتهى إلى الفَرَما ودخلها وأحرقها وأحرق جامعها ومساجدها [وأبواب البلد وقتل بها رجلا مقعداً وابنته ، فذبحها على صدره]٢ ورحل عنها وهو مريض، فهلك في الطريق قبل وصوله إلى العريش، فشق أصحابه بطنه ورموا حُشْوَته هناك، فهي ترجم إلى اليوم، ورحلوا يحثته فدفنوها بقمامة٣ . وسبخَةُ بردويل التي في وسط الرمل على طريق الشام منسوبة إلى بردويل المذكور ، والحجارة الملقاة هناك ، والناس يقولون: هذا قبر بردويل وإنما هو هذه الحشوة ، وكان بردويل صاحب البيت المقدس وعكا ويافا وعدة بلاد من ساحل الشام ، وهو الذي أخذ هذه البلاد المذكورة من المسلمين . وفي هذه السنة أيضاً خرج المهدي محمد بن تُومَرْت - المقدم ذكره - من مصر وصاحبها الآمر المذكور إلى بلاد المغرب في زي الفقهاء ، وجرى له هناك ما سبق شرحه في ترجمته . وكانت ولادة الآمر يوم الثلاثاء ثالث عشر المحرم وقيل ثاني المحرم سنة تسعين وأربعمائة بالقاهرة، وتولى وعمره خمس سنين . ولما انقضت أيامه خرج من القاهرة صبيحة يوم الثلاثاء ثالث ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة ونزل إلى مصر وعدى على الجسر إلى الجزيرة٤ التي قبالة مصر ، فكن له قوم بالأسلحة وتواعدوا على قتله في السكة التي يمر فيها إلى فرن هناك ، فلما مر بهم وثبوا ١ ر ن : الأولى . ٢ زيادة من ر . ٣ ر : بقمامة بيت المقدس ؛ ق : بقمامة جهنم . ٤ ر ص في : الجيزة . ٣٠١ عليه فلعبوا عليه بأسيافهم ، وكان قد جاوز الجسر وحده مع عدة قليلة من غلمانه وبطانته وخاصته وشيعته ، فحمل في النيل في زورق ولم يمت ، وأدخل القاهرة وهو حيّ، وجيء به إلى القصر من ليلته فمات ولم يعقب ، وهو العاشر من أولاد المهدي عبيد الله القائم بسجلماسة المقدم ذكره١. وانتقل الأمر إلى ابن عمه الحافظ عبد المجيد - المقدم ذكره - رحمهم الله تعالى ؛ وكان قبيح السيرة ظلم الناس وأخذ أموالهم وسفك دماءهم٢، وارتكب المحذورات ، واستحسن القبائح المحظورات ، فابتهج الناس بقتله ، وكان ربعة شديد الأدمة جاحظ العينين ، حسن الخط والمعرفة والعقل . وأما المأمون ابن البطائحي الوزير المذكور فهو الذي بنى الجامع الأقمر بالقاهرة سنة خمس عشرة وخمسمائة ، وكان الأفضل ابن أمير الجيوش قد شرع في عمارة جامع النيل بظاهر مصر عند الرصد المطل على بركة حبش في سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، ولم يكله، فأكمله المأمون بعده في مدة وزارته ، والله أعلم بالصواب. ٧٤٤ قطب الدین مودود قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي بن آق سنقر ، المعروف بالأعرج صاحب الموصل - وقد تقدم طرف من خبره في ترجمة أخيه نور الدين محمود صاحب الشام، وذكر أولاده الثلاثة وهم : سيف الدين غازي الذي تولى السلطنة بعده ، وعن الدين مسعود ، وعماد الدين زنكي صاحب سنجار ، واستوعبت في ١ هنا تنتهي الترجمة في: بر من، وبعد سطر تنتهي في : لي . ٢ زاد في ق: واستقبح الحسن . ٧٤٤ - أخباره في الباهر: ٩٤ وما بعدها وابن الوردي ٢ : ٧٨ ومفرج الكروب ( ج : ١) وتاريخ ابن الأثير ١١: ٣٥٥ ومرآة الزمان: ٢٨٠ والنجوم الزاهرة ٥: ٣٨٣ وعبر الذهبي ٤: ١٩١ والشذرات ٤: ٢١٦، ولم يتوقف صاحب المختار عند هذه الترجمة. ٣٠٢ ترجمة غازي ما جرى من نور الدين عقيب موت قطب الدين المذكور وأنه قصد الموصل ثم قرر أمر غازي المذكور فيها ، ورتب أحوال أولاد أخيه كلهم . وفي تلك السفرة بنى نور الدين الجامع النوري داخل الموصل ، وهو مشهور هناك يُقام فيه الجمعة، وكان سبب عمارته ما حكاه العماد الأصبهاني في ((البرق الشامي )) عند ذكره لوصول نور الدين إلى الموصل أنه كان بالموصل خربة متوسطة البلد واسعة ، وقد أشاعوا عنها ما ينفر القلوب منها ، وقالوا : ما شرع في عمارتها إلا من ذهب عمره، ولم يتم على مراده أمره، فأشار عليه الشيخ الزاهد معين الدين عمر الملا - وكان من كبار الصالحين - بابتياع الخربة وبنائها جامعاً؛ وأنفق فيها أموالاً جزيلة ، ووقف على الجامع ضيعة من ضياع الموصل . وكان قطب الدين قد تولى السلطنة بالموصل وتلك البلاد عقيب موت أخيه سيف الدين غازي الأكبر - المقدم ذكره أيضاً . وكان حسن السيرة، عادلاً في حكمه . وفي دولته عظم شأن جمال الدين محمد الوزير الأصبهاني المعروف بالجواد - المقدم ذكره - وهو الذي قبض عليه حسبما سبق شرحه، وكان مدير دولته وصاحب رأيه الأمير زين الدين على كجك والد مظفر الدين صاحب إربل ، وكان نعم المدير والمشير لصلاحه وخيره وحسن مقاصده مع شجاعة تامة وفروسية مشهورة - وقد تقدم أيضاً ذكره في ترجمة ولده مظفر الدين في حرف الكاف . ولم يزل قطب الدين المذكور على سلطنته ونفاذ كلمته إلى أن توفي في شوال سنة خمس وستين وخمسمائة، وقيل في الثاني والعشرين من ذي الحجة من السنة المذكورة . وذكر أسامة بن منقذ في كتاب له صغير ذكر فيه من أدركه في عمره من ملوك البلاد أن قطب الدين المذكور توفي سلخ ربيع الآخر سنة ست وستين وخمسمائة، وليس بصحيح، فإن أخاه نور الدين كان بالموصل في شهر ربيع الآخر، وجاءته رسل الخليفة وهو مخيم على الموصل في الشهر المذكور ، ولم يتوجه نور الدين إليها إلا بعد وفاة أخيه قطب الدين . وكانت وفاته بالموصل ، ومدة عمره أكثر من أربعين سنة بقليل، وخلف عدة أولاد، وأكثرهم ملك البلاد. وقد تقدم ذكر أبيه وجده وجماعة من أهل بيته ، رحمهم الله تعالى . ٣٠٣ ٧٤٥ مؤرج السدوسي أبو فَّيْد مُؤَرْج بن عمرو بن الحارث بن ثور بن حرملة بن علقمة بن عمرو بن سَدُوس بن شيبان بن ذُهْل بن ثعلبة بن عكابة ، السَّدُوسي النحوي البصري ؛ أخذ العربية عن الخليل بن أحمد، وروى الحديث عن شعبة بن الحجاج وأبي عمرو ابن العلاء وغيرهما ، وكان يقول : قدمت من البادية ولا معرفة لي بالقياس في العربية، وإنما كانت معرفتي قريحة ، وأول ما تعلمت القياس في حلقة أبي زيد الأنصاري بالبصرة . ودخل الأخفش سعيد بن مسعدة على محمد بن المهلب ، فقال له محمد : من أين جئت ؟ فقال الأخفش: من عند القاضي يحيى بن أكثم، قال : فما جرى عنده؟ قال : سألني عن الثقة المأمون المقدَّم من أصحاب الخليل بن أحمد من هو ؟ ومن الذي كان يوثق بعلمه ؟ فقلت : النضر بن شميل وسيبويه ومؤرج السدوسي . وكان الغالب على مؤرج المذكور اللغة والشعر، وله عدة تصانيف : منها كتاب ((الأنواء)) وهو كتاب حسن، وكتاب ((غريب القرآن)) وكتاب ((جماهير القبائل)) وكتاب ((المعاني)) وغير ذلك ، واختصر نسب قريش في مجلد لطيف سماه (( حذف نسب قريش))١ . وكان قد رحل مع المأمون من العراق إلى خراسان ، وسكن مدينة مَرْو، وقدم نيسابور وأقام بها وكتب عنه مشايخها ، وكان له شعر ، فمن ذلك مـا أنشده هارون بن علي بن يحيى المنجم في كتابه المسمى بـ ((البارع))، وهو : رُوْعْتُ بالبين حتى ما أراع له وبالمصائب من أهلي وجيراني ٧٤٥ - ترجمته في نور القبس: ١٠٤ والمؤتلف والمختلف: ٥٤ وانباه الرواة ٣ : ٣٢٧ وتاريخ بغداد ١٣ : ٢٥٨ ( وفي حاشية الانباه مصادر أخرى ) . ١ نشر هذا الكتاب بتحقيق الدكتور صلاح الدين المنجد (القاهرة ١٩٦٠)؛ وقوله : واختصر ... قريش : سقط من : بر من لي . ٣٠٤ لم يترك الدهر لي علقاً أضنُّ به إلا اصطفاه بنأيٍ أو بهجران ثم قال ابن المنجم المذكور : وهذان البيتان من أملح ما قيل في معناهما ، ومثلهما في معناهما لبعض المحدثين : وفارقت حتى ما أراع من النوى وإن غاب جيران عليّ كرامُ فقد جعَلَتْ نفسي على اليأس تنطوي وعيني على هجر الصديق١ تنام ومن هاهنا أخذ ابنُ التعاويذي - المقدم ذكره - قوله : وها أنا لا قلبي يُراعِ لفائت فيأسى ولا يلهيه حظ فيفرحُ وهذا البيت من جملة قصيدة يذكر فيها توجعه لذهاب بصره ، فمنها قوله مشيراً إلى زوجته٢ : وباكيةٍ لم تشكُ فقداً ولا رمى يجيرتها الأدنَينَ نأيٌ مطوّحُ بفادح خطبٍ والحوادثُ تفدح على مثله يوماً ، ولا الحزنُ يقبح لها كان يسعى في البلاد ويكدح وما لي في الأرض البسيطة مسرح وجُرْدَ المذاكي في الأعنة تمرح رهينَ أسى أمسي عليه وأصبح ومسعايَ ضنك وهو صمحان ٣ أفيح وما كنت لولا غدرة الدهر أسمح رمتها يدُ الأيام في لیٹٍ غابها رأت جللاً لا الصبرُ يحمل بالفتى فلا غرو أن تبكي الدماء لكاسب عزيزٌ عليها أن ترانيَ جاثماً وأن لا أقودَ العِیس تنفح في البری أظلُّ حبيساً في قرارة منزل مقاميَ منه مظلم الجو قاتم أفاد به قود الجنيبة مُسمِحاً كأنيَ مَيْتٌ لا ضريح لجنبه وما كل ميت لا أبالك يضرح ١ المختار : فقد الحبيب . ٢ ديوان ابن التعاويذي : ٧٩ . ٣ لي ن بر من : ضحيان . ٢٠ - ٥ ٣٠٥ فيأسى ، ولا يلهيه حظ فيفرح وها أنا لا قلبي يراع لفائت وعود شباب عاد وهو مُصَوّح فلله نَصْلٌ فُلَّ مني غراره جموحاً ومثلي في هوى الغيد يجمع وسَقْياً لأيام ركبت بها الهوى خلاساً وعين الدهر زرقاء تلمح وماضي صبا قَضَّيت منه لُبانتي فألحاظها ترنو إلى وتطمح لياليَ في عند الغواني مكانة وليلى بها أضعاف ما بي من الهوى أعرِّض بالشكوى لها فتصرح وهي طويلة طنانة يمدح بها الإمام الناصر لدين الله خليفة بغداد . وقال المرزباني : وجدت بخط محمد بن العباس اليزيدي ما مثاله : أهدى أبو فَيْد مؤرجٌ السدوسي إلى جدي محمد بن أبي محمد كساء، فقال جدي فيه يمدحه: سأشكر ما أولى ابنُ عمرو مؤرجٌ وأمنحه حسنَ الثناء معَ الودّ أبٌ كان صبّاً بالمكارم والمجد أغَرُّ سَدُوسيِّ نماه إلى العلى ونقدحُ زنداً غير كابٍ ولا صلد أتينا أبا فيدٍ نؤملُ سَيْبه وما زال محمودَ المصادر والورد فأصدرنا بالريِّ والبذلِ واللهى كساني ولم أستكسه متبرعاً وذلك أهنى ما يكونُ من الرفد تروحتُ مختالاً وجرتُ عن القصد كسانيه فضفاضاً إذا ما لبسته كساء جمال إن أردت جمالة ترى حُبُكاً فيه كأن اطرادها وثوب شتاء إن خشيت من البرد فرند حديثٌ صَقْلِه سُلَّ من غمد وأوصي بشكرٍ للسدوسيّ من بعدي سأشكر ما عشت السدوسيَّ بره وأخبار مؤرج كثيرة . وقال ابن النديم١: وجدت بخط عبد الله بن المعتز: مؤرج بن عمرو السدوسي كان من أصحاب الخليل بن أحمد ، وتوفي سنة خمس وتسعين ومائة ، في اليوم الذي توفي فيه أبو نواس ، وهذا إنما يستقيم على قول من ذهب إلى أن أبا نواس ١ الفهرست : ٤٨ . ٣٠٦ توفي سنة خمس وتسعين ومائة ، وقد سبق الخلاف فيه . ورأيت في كتاب ((الأنوار)) في أوله ما مثاله ، قال أبو علي إسماعيل بن يحيى بن المبارك اليزيدي : قرأنا هذا الكتاب على المؤرج بحرجان ثم قدمنا مع المأمون العراق ، سنة أربع ومائتين ، فخرج المؤرج إلى البصرة ثم مات بها رحمه الله تعالى، وهذا خلاف للأول، والله أعلم بالصواب . وأما مؤرج فلا خلاف أنه مات في هذه السنة. وقد ذكره ابن قتيبة في كتاب ((المعارف))١ وغيره. وفَيد : بفتح الفاء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة ، وهو في الأصل ورد الزعفران ، وقيل هو الزعفران بعينه . ومؤرج : بضم الميم وفتح الواو المهموزة وكسر الراء المشددة وبعدها جيم ، وهو اسم فاعل من قولهم (( أرجت بين القوم )) إذا أغريت بينهم . وقد تقدم الكلام على السدوسي في ترجمة قتادة في حرف القاف٢ . وقيل: إن اسمِهِ مَرْتَد، ومؤرج لقب له، ومرثد : بفتح الميم والثاء المثلثة وراء ساكنة وفي الآخر دال مهملة، قال الجوهري في كتاب ((الصحاح))٣ : يقال رئدت المتاع : نضدته ووضعت بعضه على بعض أو إلى جنب [بعض] ، ثم قال بعد ذلك : تركت بني فلان مرتدين ما تحملوا بعد، أي ناضدين متاعهم، قال ابن السكيت : ومنه اشتق مَرْتَد، وهو اسم رجل، والمرتد اسمٌ من أسماء الأسد٤. وكان مؤرج يقول: اسمي وكنيتي غريبان، اسمي مؤرج، والعرب تقول ((أرجت بين القوم)) و((أرشت))" وأنا أبو فَيْد، والفيد: ورد الزعفران٦، ويقال : فادَ الرجل يفيد فَيْداً، إذا مات، والله أعلم بالصواب . ١ المعارف : ٥٤٣ . ٢ هنا تنتهي الترجمة في : لي بر من . ٣ الصحاح ١ : ٤٦٩ . ٤ هنا ينتهي النقل عن الصحاح . ٥ زاد في ق : إذا حرشت . ٦ ق : الورد من الزعفران. ٣٠٧ ٧٤٦ موسى الكاظم أبو الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين ابن الحسين بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهم ، أحد الأئمة الاثني عشر ، رضي الله عنهم أجمعين . قال الخطيب في ((تاريخ بغداد))١: ((كان موسى يدعى العبد الصالح، من عبادته واجتهاده . روي أنه دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد سجدة في أول الليل ، وسمع وهو يقول في سجوده : عظم الذنب عندي فليحسن العفو من عندك يا أهل التقوى ويا أهل المغفرة، فجعل يرددها حتى أصبح. وكان سخياً كريماً، وكان يبلغه عن الرجل أنه يؤذيه فيبعث إليه بصرة فيها ألف دينار، وكان يَصُرُّ الصرر ثلثمائة دينار وأربعمائة دينار ومائتي دينار، ثم يقسمها بالمدينة. وكان يسكن المدينة فأقدمه المهدي بغداد وحبسه ، فرأى في النوم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو يقول٢: يا محمد ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطّعوا أرحامكم ﴾ (محمد: ٢٢﴾ قال الربيع: فأرسل إليّ ليلاً ، فراعني ذلك ، فجئته فإذا هو يقرأ هذه الآية، وكان أحسن الناس صوتاً ، وقال : عليَّ بموسى بن جعفر، فجئته به فعانقه وأجلسه إلى جنبه وقال : يا أبا الحسن ، إني رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في النوم يقرأ عليّ كذا ، فتؤمنني أن تخرج علي أو على أحد من أولادي ، فقال : والله ٧٤٦ - ترجمته في ((الأئمة الاثنا عشر)): ٨٧ وعلى الصفحة المقابلة ثبت بمصادر أخرى يضاف اليها صفة الصفوة ٢ : ١٠٣ وميزان الاعتدال ٤: ٢٠١ ومنهاج السنة ٢ : ١١٥، ١٢٤ وعبر الذهبي ١ : ٢٨٧ وتاريخ ابن خلدون ٤ : ١١٥ وفرق الشيعة ( صفحات متفرقة ) . ١ تاريخ بغداد ١٣ : ٢٧ . ٢ تاريخ بغداد ١٣ : ٣٠ - ٠٣١ ٣٠٨ لا فعلت ذلك ولا هو من شأني ، قال : صدقت ، أعطه ثلاثة آلاف دينار ، ورده إلى أهله إلى المدينة، قال الربيع: فأحكمت أمره ليلاً فما أصبح إلا وهو في الطريق خوف العوائق . وأقام بالمدينة إلى أيام هارون الرشيد ، فقدم هارون منصرفاً من عمرة شهر رمضان سنة تسع وسبعين ومائة ، فحمل موسى معه إلى بغداد وحبسه بها إلى أن توفي في محبسه١. وذكر أيضاً أن هارون الرشيد حج فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم زائراً وحوله قريش ورؤساء القبائل ، ومعه موسى بن جعفر ، فقال : السلام عليك يا رسول الله يا ابن عم ، افتخاراً على من حوله ، فقال موسى : السلام عليك يا أبت ، فتغير وجه هارون الرشيد وقال : هذا هو الفخر يا أبا الحسن حقاً)) ؛ انتهى كلام الخطيب . وقال أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي في كتاب (( مروج الذهب ))٢ في أخبار هارون الرشيد: ((إن عبد الله بن مالك الخزاعي كان على دار هارون الرشيد وشرطته ، فقال : أناني رسول الرشيد وقتاً ما جاءني فيه قط ، فانتزعني من موضعي ومنعني من تغيير ثيابي ، فراعني ذلك ، فلما صرت إلى الدار سبقني الخادم فعرف الرشيد خبري ، فأذن لي في الدخول عليه فدخلت فوجدته قاعداً على فراشه فسلمت عليه فسكت ساعة ، فطار عقلي وتضاعف الجزع علي ، ثم قال: يا عبد الله أتدري لم طلبتك في هذا الوقت ؟ قلت: لا والله يا أمير المؤمنين ، قال : إني رأيت الساعة في منامي كأن حبشياً قد أتاني ومعه حربة فقال : إن خليت عن موسى بن جعفر الساعة وإلا نحرتك بهذه الحربة ، فاذهب فخل عنه ، قال: فقلت : يا أمير المؤمنين، أطلق موسى بن جعفر؟ ثلاثاً، قال: نعم امض الساعة حتى تطلق موسى بن جعفر، وأعطه ثلاثين ألف درهم ، وقل له : إن أحببت المقام قبلنا فلك عندي ما تحب ، وإن أحببت المضي إلى المدينة فالإذن في ذلك لك ، قال : فمضيت إلى الحبس لأخرجه ، فلما رآني موسى ١ ورد في النسخ: لي بر من هنا، انتهى كلام الخطيب ؛ وسقط الكلام بعده حتى بدء النقل عن المسعودي . ٢ مروج الذهب ٣ : ٣٥٦ . ٣٠٩ وثب إلى قائماً وظن أني قد أمرت فيه بمكروه ، فقلت : لا تخف ، فقد أمرني بإطلاقك وأن أدفع لك ثلاثين ألف درهم ، وهو يقول لك إن أحببت المقام قبلنا ، فلك كل ما تحب ، وإن أحببت الانصراف إلى المدينة فالأمر في ذلك مطلق لك ، وأعطيته ثلاثين ألف درهم ، وخليت سبيله وقلت له : لقد رأيت من أمرك عجباً ، قال : فإني أخبرك ، بينما أنا نائم إذ أناني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا موسى ، حبست مظلوماً فقل هذه الكلمات فإنك لا تبيت هذه الليلة في الحبس ، فقلت: بأبي وأمي ما أقول ؟ قال : قل يا سامع كل صوت ، ويا سابق الفوت ، وياكاسي العظام لحماً ومنشرها بعد الموت ، أسألك بأسمائك الحسنى وباسمك الأعظم الأكبر المخزون المكنون الذي لم يطلع عليه أحد من المخلوقين ، يا حليماً ذا أناة لا يقوى على أناته ، يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً ولا يحصى عدداً، فرج عني؛ فكان ما ترى )). وله أخبار ونوادر كثيرة . وكانت ولادته يوم الثلاثاء قبل طلوع الفجر سنة تسع وعشرين ومائة ، وقال الخطيب : سنة ثمان وعشرين بالمدينة ؛ وتوفي لخمس بقين من رجب سنة ثلاث وثمانين ومائة ، وقيل سنة ست وثمانين ببغداد ، وقيل إنه توفي مسموماً . وقال الخطيب : توفي في الحبس ودفن في مقابر الشونيزيين خارج القبة ، وقبره هناك مشهور يزار ، وعليه مشهد عظيم فيه قناديل الذهب والفضة وأنواع الآلات والفرش ما لا يحد ، وهو في الجانب الغربي ، وقد سبق ذكر أبيه وأجداده وجماعة من أحفاده ، رضي الله عنهم وأرضاه ، وكان الموكل به مدة حبسه السندي بن شاهك جد كشاجم الشاعر المشهور . ٣١٠ ٧٤٧ کمال الدین ابن یو نس أبو الفتح موسى بن أبي الفضل يونس بن محمد بن منعة بن مالك بن محمد ، الملقب كمال الدين ، الفقيه الشافعي ؛ تفقه بالموصل على والده ، ثم توجه إلى بغداد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة ، وأقام بالمدرسة النظامية يشتغل على المعيد بها السديد السلماسي - المقدم ذكره - وكان المدرسَ بها يومئذ الشيخ رضي الدين أبو الخير أحمد بن إسماعيل بن يوسف بن محمد بن العباس القزويني ، فقرأ الخلاف والأصول وبحث الأدب على الكمال أبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري - المقدم ذكره - فتميز ومهر، وكان قد قرأ أولاً على الشيخ أبي بكر يحيى بن سَعْدُون القرطبي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وهو بالموصل ثم أصعد إلى الموصل وعكف على الاشتغال، ودرس بعد وفاة والده - في التاريخ الآتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى - في موضعه بالمسجد المعروف بالأمير زين الدين صاحب إربل، وهذا المسجد رأيته وهو على وضع المدرسة ، ويعرف الآن بالمدرسة الكمالية لأنه نسب إلى كمال الدين المذكور لطول إقامته به . ولما اشتهر فضله انثال عليه الفقهاء، وتبحر في جمع الفنون، وجمع من العلوم ما لم يجمعه أحد ، وتفرد بعلم الرياضة ، ولقد رأيته بالموصل في شهر رمضان سنة ست وعشرين وستمائة ، وترددت إليه دفعات١ عديدة لما كان بينه وبين الوالد رحمه الله من المؤانسة والمودة الأكيدة ، ولم يتفق لي الأخذ عنه لعدم الإقامة وسرعة الحركة إلى الشام، وكان الفقهاء يقولون : إنه يدري أربعة ٧٤٧ - ترجمته في طبقات السبكي ٥ : ١٥٨ والحوادث الجامعة : ١٤٩ وذيل الروضتين : ١٧٢ والفلاكة والمفلوكون : ٨٤ والبداية والنهاية ١٣: ١٥٨ وعبر الذهبي ٥: ١٦٢ والشذرات ٥ : ٢٠٦ ٠ ١ ق ن : دفيعات . ٣١١ وعشرين فنّاً دراية متقنة ، فمن ذلك المذهب وكان فيه أوحد الزمان ، وكان جماعة من الطائفة الحنفية يشتغلون عليه بمذهبهم، ويحل لهم مسائل ((الجامع الكبير))١ أحسن حل مع ما هي عليه من الإشكال المشهور ؛ وكان يتقن فنّي الخلاف العراقي والبخاري ، وأصول الفقه وأصول الدين . ولما وصلت كتب فخر الدين الرازي إلى الموصل وكان بها إذ ذاك جماعة من الفضلاء لم يفهم أحد منهم اصطلاحه فيها سواه، وكذلك ((الإرشاد)) للعميدي لما وقف عليها حلها في ليلة واحدة وأقرأها على ما قالوه . وكان يدري فن الحكمة: المنطق والطبيعي والإلهي ، وكذلك الطب ، ويعرف فنون الرياضة من اقليدس والهيئة والمخروطات والمتوسطات٢ والمجسطي - المجسطي لفظة يونانية معناها بالعربي الترتيب، ذكر ذلك الوكري٣ في كتابه- وأنواع الحساب: المفتوح؛ منه والجبر والمقابلة والأرثماطيقي وطريق الخطأين° ، والموسيقى والمساحة، معرفة لا يشار كه فيها غيره إلا في ظواهر هذه العلوم دون دقائقها والوقوف على حقائقها ، وبالجملة فلقد كان كما قال الشاعر : وكان من العلوم بحيث يقضى له في كل فن بالجميع واستخرج في علم الأوفاق طرقاً لم يهتد إليها أحد ؛ وكان يبحث في العربية والتصريف بحثاً تاماً مستوفى، حتى إنه كان يقرىء كتاب سيبويه و(«الإيضاح)» و ((التكلة)) لأبي علي الفارسي، و((المفصل)) للزمخشري، وكان له في التفسير والحديث وأسماء الرجال وما يتعلق به يدٌ جيدة ؛ وكان يحفظ من التواريخ وأيام العرب ووقائعهم ، والأشعار والمحاضرات، شيئاً كثيراً . وكان أهل الذمة يقرءون عليه التوراة والإنجيل ، ويشرح لهما هذين الكتابين شرحاً يعترفون ١ الجامع الكبير من تأليف أبي الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي (- ٣٤٠) في الفقه الحنفي. ٢ ر : والمبسوطات . ٣ ر : الكوكري . ٤ ن : الفتوح . ٥ ق : بطريق الخطأين . ٣١٢ أنهم لا يجدون من يوضحها لهم مثله. وكان في كل فن من هذه الفنون كأنه لا يعرف سواه لقوته فيه . وبالجملة فإن مجموع ما كان يعلمه من الفنون لم يسمع عن أحد ممن تقدمه أنه قد جمعه . ولقد جاءنا الشيخ أثير الدين المفضل بن عمر بن المفضل الأبهري ، صاحب التعليقة في الخلاف والزيج والتصانيف المشهورة ، من الموصل إلى إربل في سنة ست وعشرين وستمائة وقبلها في خمس وعشرين وستمائة ، ونزل بدار الحديث ، وكنت أشتغل عليه بشيء من الخلاف ، فبينما أنا يوماً عنده إذ دخل عليه بعض فقهاء بغداد ، وكان فاضلاً ، فتجاريا في الحديث زماناً ، وجرى ذكر الشيخ كمال الدين في أثناء الحديث، فقال له الأثير: لما حج الشيخ كمال الدين ودخل بغداد كنت هناك ؟ فقال : نعم ، فقال: كيف كان إقبال الديوان العزيز عليه ؟ فقال ذلك الفقيه : ما أنصفوه على قدر استحقاقه ، فقال الأثير : ما هذا إلا عجب، والله ما دخل إلى بغداد مثل الشيخ، فاستعظمت منه هذا الكلام، وقلت له : يا سيدنا كيف تقول كذا؟ ؟ فقال: يا ولدي ما دخل إلى بغداد مثل أبي حامد الغزالي ، ووالله ما بينه وبين الشيخ نسبة . وكان الأثير - على جلالة قدره في العلوم - يأخذ الكتاب ويجلس بين يديه يقرأ عليه ، والناس يوم ذاك يشتغلون في تصانيف الأثير . ولقد شاهدت هذا بعيني، وهو يقرأ عليه كتاب ((المجسطي))٢. ولقد حكى لي بعض الفقهاء أنه سأل الشيخ كمال الدين عن الأثير ومنزلته في العلوم فقال : ما أعلم ، فقال : وكيف هذا يا مولانا. وهو في خدمتك منذ سنين عديدة ، ويشتغل عليك ؟ فقال: لأني مهما٣ قلت له تلقاه بالقبول وقال: نعم يا مولانا ، فما جاذبني في مبحث قط حتى أعلم حقيقة فضله، ولا شك أنه كان يعتمد هذا القدر مع الشيخ تأدباً ، وكان معيداً عنده في المدرسة البدرية ، وكان يقول : ما تركت بلادي وقصدت الموصل إلا للاشتغال على الشيخ . ١ بر من : هذا . ٢ ر : المجريطي . ٣ بر من : كلما . ٣١٣ J وكان شيخنا تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح - المقدم ذكره١ - يبالغ في الثناء على فضائله وتعظيم شأنه وتوحده في العلوم ؛ فذكره يوماً وشرع في وصفه على عادته ، فقال له بعض الحاضرين : يا سيدنا ، على من اشتغل ؟ ومن كان شيخه ؟ فقال: هذا الرجل خلقه الله تعالى عالماً إماماً في فنونه ، لا يقال على من اشتغل ولا من شيخه ، فإنه أكبر من هذا . وحكى لي بعض الفقهاء بالموصل أن ابن الصلاح المذكور سأله أن يقرأ عليه شيئاً من المنطق سرّاً، فأجابه إلى ذلك، وتردد إليه مدة فلم يفتح عليه فيه بشيء فقال له : يا فقيه ، المصلحة عندي أن تترك الاشتغال بهذا الفن، فقال له: ولم ذاك يا مولانا ؟ فقال : لأن الناس يعتقدون فيك الخير ، وهم ينسبون كل من اشتغل بهذا الفن إلى فساد الاعتقاد ، فكأنك تفسد عقائدهم فيك ولا يحصل لك من هذا الفن شيء ؛ فقبل إشارته وترك قراءته٢ . ومن يقف على هذه الترجمة فلا٣ ينسبني إلى المغالاة في حق الشيخ . ومن كان من أهل تلك البلاد وعرف ما كان عليه الشيخ ، عرف أني ما أعرته وصفاً ونعوذ بالله من الغلو والتساهل في النقل . ولقد ذكره أبو البركات المبارك بن المستوفي - المقدم ذكره٤ - في ((تاريخ إربل)) فقال: هو عالم مقدم، ضرب في كل علم ، وهو في علم الأوائل : كالهندسة والمنطق وغيرهما ممن يشار إليه ، حل اقليدس° والمجسطي على الشيخ شرف الدين المظفر بن محمد بن المظفر الطوسي الفارابي ، يعني صاحب الاصطرلاب الخطي المعروف بالعصا . ثم قال ابن المستوفي : وردت عليه مسائل من بغداد في مشكلات هذا العلم ، فحلها واستصغرها، ونبه على براهينها، بعد أن احتقرها، وهو في الفقه والعلوم ١ انظر جـ ٣ : ٢٤٣ . ٢ وكان شيخنا ... قراءته : سقط من بعض النسخ ومن المطبوعة المصرية . ٣ ر لي : قد . ٤ جـ ٤ : ١٤٧ . ٥ لي : أوقليدس . ٣١٤ الإسلامية نَسيجُ وحْدِهِ ، ودرس في عدة مدارس بالموصل ، وتخرج عليه خلق کثیر في كل فن . ثم قال : أنشدنا لنفسه، وأنفذها إلى صاحب الموصل يشفع عنده: لئن شَرُفَتِ أرضٌ بمالك رقها فمملكة الدنيا بكم تتشرف١ٌ بقيتَ بقاء الدهر أمرُكَ نافذ وسعيك مشكور وحكمك منصف ومكنت في حفظ البسيطة مثل ما تمكن في أمصار فرعون يوسف قلت أنا : ولقد أنشدني هذه الأبيات عنه أحد أصحابنا بمدينة حلب ، وكنت بدمشق سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ، وبها رجل فاضل في علوم الرياضة ، فأشكل عليه مواضع في مسائل الحساب والجبر والمقابلة والمساحة واقليدس ، فكتب جميعها في دَرْج وسيرها إلى الموصل ، ثم بعد أشهر عاد جوابه ، وقد كشف عن خفيها وأوضح غامضها وذكر ما يعجز الإنسان عن وصفه ، ثم كتب في آخر الجواب : فليمهد العذر في التقصير في الأجوبة ، فإن القريحة جامدة ، والفطنة خامدة ، قد استولى عليها كثرة النسيان ، وشغلتها حوادث الزمان ، وكثير مما استخرجناه وعرفناه نسيناه ، بحيث صرنا كأنا ما عرفناه ؛ وقال لي صاحب المسائل المذكورة : ما سمعت مثل هذا الكلام إلا للأوائل المتقنين٢ لهذه العلوم ، ما هذا من كلام أبناء هذا الزمان . وحكى لي الشيخ الفقيه الرياضي علم الدين قيصر بن أبي القاسم عبد الغني بن مسافر الحنفي المصري المعروف بتعاسيف، وكان إماماً في علوم الرياضة ، قال٣ : لما أتقنت علوم الرياضة بالديار المصرية ودمشق، تاقت نفسي إلى الاجتماع بالشيخ كمال الدين لما كنت أسمعه من تفرده بهذه العلوم ، فسافرت إلى الموصل قصد الاجتماع به، فلما حضرت في خدمته وجدته على حلية الحكماء المتقدمين، وكنت ١ علق على هامش ن بخط مختلف: ((ولقد كتبت هذه الأبيات في مكتوب إلى أمير الأمراء بالقاهرة حضرة سنان باشا وأصاب فخرها (؟) وذلك في سنة ست وسبعين وتسعمائة)). ٢ ق : المتقدمين المتقنين . ٣ بعض هذا النص ورد في الطالع السعيد نقلا عن المؤلف . ٣١٥ قد طالعت أخبارهم ، فسلمت عليه وعرفته قصدي له للقراءة عليه ، فقال لي : في أي العلوم تريد تشرع ؟ فقلت : في الموسيقى ، فقال : مصلحة هو ، فلي زمان ما قرأه أحد عليّ، فأنا أوثر مذاكرته ، وتجديد العهد به ، فشرعت فيه ثم في غيره حتى شققت عليه أكثر من أربعين كتاباً في مقدار ستة أشهر ، وكنت عارفاً بهذا الفن ، لكن كان غرضي الانتساب في القراءة إليه ، وكان إذا لم أعرف المسألة أوضحها لي ، وما كنت أجد من يقوم مقامه في ذلك١ . وقد أطلت الشرح في نشر علومه ، ولعمري لقد اختصرت . ولما توفي أخوه الشيخ عماد الدين محمد - المقدم ذكره - تولى الشيخ المدرسة العلائية موضع أخيه ، ولما فتحت المدرسة القاهرية تولاها . ثم تولى المدرسة البدرية في ذي الحجة سنة عشرين وستمائة . وكان مواظباً على إلقاء الدروس والإفادة . وحضر في بعض الأيام دروسه جماعة من المدرسين أرباب الطيالس ، وكان العماد أبو علي عمر بن عبد النور بن ماجوج٢ بن يوسف الصنهاجي اللَّزْني النحوي البجائي حاضراً ، فأنشد على البديهة قوله : .فهيهات ساع في مساعيك يطمعُ كمال كمال الدين للعلم والعلى إذا اجتمع النظّار في كل موطن فغاية كلّ أن تقول ويسمعوا فلا تحسبوهم من غَناء٣ تطيلسوا ولكن حياء واعترافاً تقنعوا والعماد المذكور فيه أيضاً : تجر الموصلُ الأفيالَ فخراً على كل المنازل والرسوم. بدجلة والكمال، هما شفاء لهمِ أو لذي فهم سقيم فذا بحرٌ تدفق وهو عذب وذا بحر ولكن من علوم وكان الشيخ - سامحه الله تعالى - يتهم في دينه لكون العلوم العقلية غالبة ١ وحكى لي الشيخ ... في ذلك: سقط هذا النص من: لي بر من والمطبوعة المصرية. ٢ ر : ماخوخ، وكذلك أثبته دي سلان، وسقط من بقية النسخ . ٣ بر من لي : عناد . ٣١٦ عليه ، وكانت تعتريه غفلة في بعض الأحيان لاستيلاء الفكرة عليه بسبب هذه العلوم ، فعمل فيه العماد المذكور : غزال بوصلٍ لي وأصبح مؤنسي أجدَّكَ أن قد جاد بعد التعبس کرقة شعري أو کدین ابن يونس وعاطيتهُ صَهباء مِن فيه مَزْجها وقد خرجنا عن المقصود إلى ما لا حاجة بنا إليه . وكانت ولادته يوم الخميس، خامس صفر سنة إحدى وخمسين وخمسمائة ، بالموصل . وتوفي بها رابع عشر شعبان سنة تسع وثلاثين وستمائة ، ودفن في تربتهم المعروفة بهم عند تربة عنّاز١ ، خارج باب العراق . وقد سبق ذكر ولده شرف الدين أحمد في حرف الهمزة ، وأخيه عماد الدين في حرف الميم ، وسيأتي ذكر والده في حرف الياء إن شاء الله تعالى ، رحمهم الله أجمعين . ولما كنت أتردد إلى خدمته بالموصل أوقع الله في نفسي أنه إن رزقت ولداً ذكراً سميته باسمه، ثم سافرت في بقية السنة المذكورة إلى الشام وأقمت به عشر سنين ، ثم سافرت إلى الديار المصرية في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة وتقلبت الأحوال ثم حصل التأهل ، فرزقني الله ولدي الأكبر في بكرة يوم السبت حادي عشر صفر سنة إحدى وخمسين وستمائة بالقاهرة المحروسة فسميته موسى٢، وعجبت من موافقته للشيخ في الولادة ، في الشهر والسنة ، فكان بين مولدهما سنة . وذكرت ذلك للشيخ الحافظ زكي الدين عبد العظيم المحدث فعجب من هذا الاتفاق ، وجعل يكرر التعجب ويقول : والله ان هذا لشيء غريب٣ . (274) وتوفي الشيخ رضي الدين القزويني٤ مدرس المدرسة النظامية ، المذكور ١٠ ر : عنان . ٢ قلت: هو الذي انتقى من كتاب أبيه ما أسماه ((المختار من وفيات الأعيان)» وزوده بتعليقات قيمة ( انظر مقدمة الجزء الرابع ) . ٣ ولما كنت .... غريب: سقط من: لي بر من والمطبوعة المصرية . ٤ ترجمة رضي الدين في الشذرات ٤ : ٣٠٠ ومرآة الزمان : ٤٤٣. ٣١٧ .٠ في أول هذه الترجمة ، في الثالث والعشرين من المحرم سنة تسعين وخمسمائة . وكانت ولادته في شهر رمضان سنة اثنتي عشرة وخمسمائة بقزوين ، وموته بها أيضاً . ولولا خوف الإطالة لذكرت من مناقب الشيخ كمال الدين ما يستغرق الوصف. وقد تقدم الكلام على الصنهاجي . وأما اللّزْني: فهو بفتح اللام وسكون الزاي وبعدها نون ، هذه النسبة إِلى لَزْفَة ، وهي قبيلة من البربر تسكن بالقرب من بَجايّة من عمل إفريقية . (275) وتوفي علم الدين تعاسيف١ المذكور يوم الأحد ثالث عشر رجب من سنة تسع وأربعين وستمائة بدمشق ، ودفن خارج باب شرقي ، ثم نقل إلى باب الصغير . ومولده في سنة أربع وسبعين وخمسمائة بأصفون٢ ، من شرقي صعيد مصر ، رحمه الله تعالى . ٧٤٨ موسى بن نصير أبو عبد الرحمن موسى بن نُصَير ، اللّخْمي بالولاء، صاحب فتح الأندلس ؛ كان من التابعين ، رضي الله عنهم ، وروى عن تميم الداري ، رضي الله عنه ، ١ ترجمة قيصر بن عبد الغني المعروف بتعاسيف في الطالع السعيد : ٤٦٩ (الطبعة الثانية)، وكان فقيهاً حنفي المذهب ، اشتغل بالرياضيات بالديار المصرية والشامية ، ثم أقام بحماة ، وتولى تدريس المدرسة النورية ، وقد كان هو الذي أجاب عن أسئلة الانبرور صاحب صقلية ؛ وانظر أيضا مختصر أبي الفدا ٣ : ١٨٦ وتاريخ ابن الوردي: ٢: ١٨٨ والسلوك ١ : ٣٨٢ وحسن المحاضرة ١ : ٢٥٦ . ٢ عند الأدفوي: أسفون ، بالسين لا بالصاد . ٧٤٨ - أخباره في كتب التاريخ العامة كالطبري وابن الأثير والامامة والسياسة وابن خلدون .. الخ وانظر جذوة المقتبس : ٣١٧ وتاريخ ابن الفرضي ٢: ١٤٤ وأخبار مجموعة: ٣ وبغية الملتمس : ٤٤٢ والبيان المغرب ١ : ٤٦ وتاريخ ابن عبد الحكم: ٢٠٣ والحلة السيراء ٢: ٣٣٢ ونفح الطيب (ج : ١) وتاريخ دمشق لابن عساكر. ٣١٨ وكان عاقلاً كريماً شجاعاً ورعاً تقياً لله تعالى، لم يهزم له جيش قط . (276) وكان والده نُصَير على حَرَس معاوية بن أبي سفيان ، ومنزلته عنده مكينة . ولما خرج معاوية لقتال علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، لم يخرج معه ، فقال له معاوية : ما منعك من الخروج معي ولي عندك يد لم تكافئني عليها ؟ فقال: لم يمكن أن أشكرك بكفر مَنْ هو أولى بشكري ، فقال: ومن هو ؟ قال: الله عز وجل، فقال: وكيف لا أُم لك ؟ قال : وكيف لا أعلمك هذا، فأعض وأمص١ّ، قال: فأطرق معاوية ملياً، ثم قال: أستغفر الله ، ورضي عنه . وكان عبد الله بن مروان أخو عبد الملك بن مروان والياً على مصر وإفريقية ، فبعث إليه ابن أخيه الوليد بن عبد الملك أيام خلافته يقول له : أرسل موسى بن نصير إلى إفريقية ، وذلك في سنة تسع وثمانين للهجرة . وقال الحافظ أبو عبد الله الحميدي في كتاب ((جذوة المقتبس»: إن موسى ابن نصير تولى إفريقية والمغرب سنة سبع وسبعين ، فأرسله إليها ، فلما قدمها ومعه جماعة من الجند ، بلغه أن بأطراف البلاد جماعة خارجين عن الطاعة ، فوجه ولده عبد الله ، فأناه بمائة ألف رأس من السبايا ، ثم وجه ولده مروان إلى جهة أخرى فأناه بمائة ألف رأس . قال الليث بن سعد: فبلغ الخمس ستين ألف رأس ، وقال أبو شبيب٢ الصدفي: لم يسمع في الإسلام بمثل سبايا موسى بن نصير . ووجد أكثر مدن إفريقية خالية لاختلاف أيدي البربر عليها ، وكانت البلاد٣ في قحط شديد ، فأمر الناس بالصوم والصلاة وإصلاح ذات البين ، وخرج بهم إلى الصحراء ، ومعه سائر الحيوانات ، وفرق بينها وبين أولادها ، فوقع البكاء والصراخ والضجيج ، وأقام على ذلك إلى منتصف النهار ، ثم صلى وخطب بالناس ، ولم يذكر الوليد بن عبد الملك ، فقيل له : ألا تدعو لأمير المؤمنين ؟ فقال : هذا مقام لا يدعى فيه لغير ١ في أكثر النسخ : فأغض وأمض . ٢ ن : شيئ . ٣ لي : وكان الناس . ٣١٩ الله عز وجل ، فسُقوا حق رَوُوا . ثم خرج موسى غازياً ، وتتبع البربر وقتل فيهم قتلاً ذريعاً ، وسبى سبياً عظيماً، وسار حتى انتهى إلى السوس الأدنى لا يدافعه أحد . فلما رأى بقية البربر ما نزل بهم استأمنوا وبذلوا له الطاعة فقبل منهم ، وولى عليهم والياً ، واستعمل على طنجة وأعمالها مولاه طارق بن زياد البربري ، ويقال إنه من الصَّدِف ، وترك عنده تسعة عشر ألف فارس من البربر بالأسلحة والعدد الكاملة، وكانوا قد أسلموا وحسن إسلامهم ، وترك موسى عندهم خلقاً يسيراً من العرب لتعليم البربر القرآن وفرائض الإسلام ، ورجع إلى إفريقية، ولم يبق بالبلاد من ينازعه من البربر ولا من الروم . فلما استقرت له القواعد كتب إلى طارق وهو بطَنْجة يأمره بغزو بلاد الأندلس في جيش من البربر ليس فيه من العرب إلا قدر يسير ، فامتثل طارق أمره ، وركب البحر١ من سبتة إلى الجزيرة الخضراء من بر الأندلس، وصعد إلى جبل يعرف اليوم يجبل طارق لأنه نسب إليه لما حصل عليه ، وكان صعوده إليه يوم الاثنين لخمس خلون من رجب سنة اثنتين وتسعين للهجرة في اثني عشر ألف فارس من البربر خلا اثني عشر رجلً . وذكر عن طارق أنه كان نائماً في المركب وقت التعدية ، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الأربعة رضي الله عنهم يمشون على الماء ، حتى مروا به فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتح، وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد، ذكر ذلك ابن بشكوال - المقدم ذكره في حرف الخاء - في ((تاريخ الأندلس » . وكان صاحب طليطلة ومعظم بلاد الأندلس ملك يقال له لذريق٢. ولما احتل٣ طارق بالجبل المذكور كتب إلى موسى بن نصير : إني فعلت ما أمرتني به ، وسهل الله سبحانه وتعالى بالدخول . فلما وصل كتابه إلى موسى ندم على تأخره، ١ زاد في ر : في من معه . ٢ ق : الذريق ؛ صف : أزريق ؛ لي : لذريس . ٣ لي بر من : صار ، ق ص : أحفل . ٣٢٠