Indexed OCR Text
Pages 281-300
مسلم - واسمه شهراب - ابن شاذل بن سند بن سروان بن بزدك بن يغوب ابن كسرى ] . قال ابن عائشة : كان مولى لامرأة من قيس ، وكان سندياً لا يفصح ؛ وقال الواقدي : كان مولى لامرأة من هذيل ، وقيل هو مولى سعيد بن العاص ، وقيل مولى لبني ليث . قال الخطيب٢: كان جده شاذل من أهل هَراة، فتزوج ابنة ملك من ملوك كابل ، ثم هلك عنها وهي حامل ، فانصرفت إلى أهلها ، فولدت شهراب٣ فلم يزل في أخواله بكابل حتى ولد له مكحول ، فلما ترعرع سبي ، ثم وقع إلى سعيد ابن العاص فوهبه لامرأة من هذيل فأعتقته . وكان معلم الأوزاعي - المقدم ذكره في حرف الهمزة - وسعيد بن عبد العزيز ، قال الزهري : العلماء أربعة ، سعيد بن المسيب بالمدينة ، والشعبي بالكوفة ، والحسن البصري بالبصرة ، ومكحول بالشام . ولم يكن في زمنه أبصر منه بالفتيا ، وكان لا يفتي حتى يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، هذا رأي والرأي يخطىء ويصيب . وسمع أنس بن مالك وواثلة بن الأسقع وأبا هند الداري؛ وغيرهم ، وكان مقامه بدمشق . وكان في لسانه عجمة ظاهرة ، ويبدل بعض الحروف بغيره ، قال نوح بن قيس : سأله بعض الأمراء عن القَدَر ، فقال: أساهر أنا ؟ يريد أساحر أنا . وكان يقول بالقدر ورجع عنه ، وقال معقل بن عبد الأعلى القرشي : سمعته يقول لرجل : ما فعلت تلك الهاجة ؟ يريد الحاجة ؛ وهذه العجمة تغلب على أهل السند . ١٠ زيادة من ر، وانظر الاكمال ٥ : ١ وعنه أثبتنا صور الأسماء إذ أنها في ر : مروان بن برديك بن يعقوب .. الخ . ٢ لم يرد النقل عن الخطيب في : لي بر من . ٣ ق ص : شهران . ٤ في المختار : الرازي . ٢٨١ (271) يحكى عن أبي عطاء السندي الشاعر١ المشهور ، واسمه مرزوق ، وهو من موالي أسد بن خزيمة ، أنه كان في لسانه هذه العجمة ، فاجتمع حماد الراوية وحماد عجرد الشاعر - المقدم ذكرهما٢ - وحماد بن الزبرقان النحوي وبكر بن مصعب المزني ، في بعض الليالي ليتذاكروا فقالوا : ما بقي شيء إلا وقد تهيأ لنا في مجلسنا هذا، فلو بعثنا إلى أبي عطاء السندي ليحضر عندنا ويكمل به المجلس ، فارسلوا إليه ، فقال حماد بن الزبرقان : أيكم يحتال لأبي عطاء حتى يقول : جرادة وزج وشيطان ؟ وإنما اختار له هذه الألفاظ لأنه كان يُبْدِل من الجيم زاياً ومن الشين سيناً ، فقال حماد الراوية : أنا أحتال في ذلك ، فلم يلبثوا أن جاءهم أبو عطاء فقال لهم : هياكم الله ، يريد حياكم الله ، فقالوا له : مرهبا مرهبا ، يريدون مرحباً مرحبا على لغته ، فقالوا له : ألا تتعشى ؟ فقال : قد تعسيت ، فهل عندكم نبيذ نشرب ؟ فقالوا : نعم ، فأتوا له بنبيذ فشرب حتى استرخى٣ فقال له حماد الراوية: يا أبا عطاء ، كيف معرفتك باللغز ؟ فقال : هسن ، يريد حسن ، فقال له ملغزاً في جرادة : فما صَفْراء تُكنى أم عوفٍ كان رجيلتيها منجلان فقال : زرادة ، فقال : صدقت ، ثم قال ملغزاً في زُجّ: فما اسم حديدةٍ في الرمح ترسى دُوَيْنَ الصدرِ ليست بالسنانِ فقال أبو عطاء: زُزّ، فقال حماد: أصبت، ثم قال ملغزاً في مسجد يجوار بني شيطان ، وهو بالبصرة : فويق الميل دون بني أبان أتعرف مسجداً لبني تميم ١ ترجمة أبي عطاء السندي في معجم المرزباني: ٤٥٦ والشعر والشعراء: ٦٥٢ والأغاني ١٧ : ٢٤٥ والخزانة ٤: ١٦٧ والعيني ١: ٥٦٠ والسمط: ٦٠٢ والقصة المروية هنا متابعة للشعر والشعراء. ٢ انظر = ٢ : ٢٠٦، ٢١٠ . ٣ الشعر والشعراء : حتى استرخت ؛ أي أعصاب عنقه ٢٨٢ فقال: هو في بني سيطان ، فقال: أحسنت ، ثم تنادموا وتفاكهوا إلى سحرة في أرغد عيش وهذا أبو عطاء من الشعراء المجيدين، وكان عبداً أخْرَب، والأخرب : المشقوق الأذن، وله في كتاب ((الحماسة))١ مقاطيع نادرة، ولولا خشية التطويل والخروج عن المقصود لذكرت جملة من شعره ونوادره . وتوفي مكحول المذكور ستة ثماني عشرة ، وقيل ثلاث عشرة ، وقيل ست عشرة ، وقيل اثنتي عشرة ، وقيل أربع عشرة ومائة ، رضي الله عنه . وكابُل: بفتح الكاف وبعد الألف باء موحدة مضمومة ثم لام ، وهي ناحية معروفة بلاد السند . ٧٤٠ ملكشاه السلجوقي أبو الفتح ملكشاه بن ألب أرسلان محمد بن داود بن ميكائيل بن سَلجُوق بن دُقاق ، الملقب جلال الدولة - وقد تقدم ذكر أبيه وجماعة من أهل بيته . ولما توفي أبوه - في التاريخ المذكور في ترجمته - كان ملكشاه المذكور في صحبته ، ولم يصحبه قبلها في سفر غير هذه المرة ، فولي الأمر من بعده بوصية والده وتحليف الأمراء والأجناد على طاعته ، ووصى وزيره نظام الملك أبا علي الحسن - المقدم ذكره في حرف الحاء٢ - على تفرفة البلاد بين أولاده، ويكون مرجعهم إلى ملكشاه المذكور، ففعل ذلك وعَبَر بهم نهر جيحون راجعاً إلى ١- أنظر مثلا شرح التبريزي للحماسة ٢: ١٥١. ٧٤٠ - انظر المنتظم ٩: ٦٩ وتاريخ ابن الأثير (جـ : ١٠) والنجوم الزاهرة ٥ : ١٣٤ وعبر الذهبي ٣ : ٣٠٩ والشذرات ٣: ٣٧٦ وأخبار الدولة السلجوقية: ٥٥. ٢ جـ ٢ : ١٢٨ ٢٨٣ البلاد ، وقد شرحت الواقعة في ترجمة والده فلا حاجة إلى الإعادة . فلما وصل إلى البلاد وجد بعض أعمامه وهو قاروت بك١ صاحب كرمان قد خرج عليه ، فعاجله وتصافا بالقرب من همذان ، فنصره الله عليه وانهزم عمه ، فتبعه بعض جند ملكشاه فأسروه وحملوه إلى ملكشاه ، فبذل التوبة ورضي بالاعتقال وأن لا يقتل ، فلم يجبه ملكشاه إلى ذلك ، فأنفذ له خريطة مملوءة من كتب أمرائه ، وأنهم حملوه على الخروج عن طاعته وحَسَّنوا له ذلك ، فدعا السلطان بالوزير نظام الملك فأعطاه الخريطة ليفتحها ويقرأ ما فيها، فلم يفتحها، وكان هناك كانون نار فرمى الخريطة فيه فاحترقت الكتب ، فسكنت قلوب العساكر وأمِنوا، ووطنوا أنفسهم على الخدمة ، بعد أن كانوا قد خافوا من الخريطة لأن أكثرهم كان قد كاتبه ، وكان ذلك سبب ثبات قدم ملكشاه في السلطنة ، وكانت هذه معدودة في جميل آراء نظام الملك . ثم إن ملكشاه أمر بقتل عمه فخنق بوتر قوسه، واستقرت القواعد السلطان وفتح البلاد واتسعت عليه المملكة ، وملك ما لم يملكه أحد من ملوك الإسلام بعد الخلفاء المتقدمين فكان في مملكته جميع بلاد ما وراء النهر وبلاد الهياطلة وباب الأبواب والروم وديار بكر والجزيرة والشام وخطب له على جميع منابر الإسلام سوى بلاد المغرب، فإنه ملك من كاشغر - وهي مدينة في أقصى بلاد الترك - إلى بيت المقدس طولاً ، ومن القسطنطينية إلى بلاد الخزر وبحر الهند عرضاً ، وكان قد قدر لمالكه ملك الدنيا . وكان من أحسن الملوك سيرة حتى كان يلقب بالسلطان العادل ، وكان منصوراً في الحروب ، ومغرماً بالعمائر ، فحفر كثيراً من الأنهار ، وعمر على كثير من البلدان الأسوار ، وأنشأ في المفاوز رباطات وقناطر ، وهو الذي عمر جامع السلطان ببغداد ابتدأ بعمارته في المحرم من سنة خمس وثمانين وأربعمائة ، وزاد في دار السلطنة بها ، وصنع بطريق مكة مصانع ، وغرم عليها أموالاً كثيرة خارجة عن الحصر ، وأبطل المكوس والخفارات في جميع البلاد . وكان لهجاً بالصيد ، حتى قيل إنه ضبط ما اصطاده بيده فكان عشرة ١ أخبار الدولة السلجوقية : قاورد . ٢٨٤ آلاف، فتصدق بعشرة آلاف دينار بعد أن نسي كثيراً منه ، وقال : إنني خائف من الله سبحانه وتعالى لإزهاق الأرواح لغير مأكلة ، وصار بعد ذلك كلما قتل صيداً تصدق بدینار . وخرج من الكوفة لتوديع الحاج ، فجاوز العذيب وشيعهم بالقرب من الواقصة وصاد في طريقه وحشاً كثيراً فبنى هناك منارة من حوافر الحمر الوحشية وقرون الظباء التي صادها في ذلك الطريق ، والمنارة باقية إلى الآن وتعرف بمنارة القرون ، وذلك في سنة ثمانين وأربعمائة . وكانت السبل في أيامه ساكنة والمخاوف آمنة ، تسير القوافل من ما وراء النهر إلى أقصى الشام وليس معها خفير ، ويسافر الواحد والاثنان من غير خوف ولا رَهَب . وحكى محمد بن عبد الملك الهمداني في تاريخه أن السلطان ملكشاه المذكور توجه لحرب أخيه تكش فاجتاز بمشهد علي بن موسى الرضا رضي الله عنهما بطوس ودخل مع نظام الملك الوزير وصليا فيه وأطالا الدعاء ، ثم قال لنظام الملك : بأي شيء دعوت ؟ قال : دعوت الله تعالى أن ينصرك ويظفرك بأخيك، فقال: أما أنا فلم أدع بهذا بل قلت : اللهم انصر أصلحنا للمسلمين وأنفعنا للرعية . ثم قال الهمداني أيضاً عقيب١ هذا : وحكي أن واعظاً دخل عليه ووعظه ، فكان من جملة ما حكى له أن بعض الأكاسرة اجتاز منفرداً عن عسكره على باب بستان ، فتقدم إلى الباب٢ وطلب ماء يشربه ، فأخرجت له صبية إناء فيه ماء السكر والثلج ، فشربه واستطابه ، فقال لها : هذا كيف يعمل ؟ فقالت : إن قصب السكر يزكو عندنا حق نعصره بأيدينا ، فيخرج منه هذا الماء ، فقال : ارجعي وأحضري شيئاً آخر ، وكانت الصبية غير عارفة به ، ففعلت ، فقال في نفسه : الصواب أن أعوضهم عن هذا المكان وأصطفيه لنفسي ، فما كان بأسرع من خروجها باكية ، وقالت: إن نية سلطاننا قد تغيرت ، فقال : ومن أين علمتِ ذلك ؟ قالت : كنت آخذ من هذا ما أريد من غير تعسف ، والآن ١ ق ن : بعد . ٢ فتقدم إلى الباب: سقطت من ر والمختار؛ وفي بر : إلى البستان . ٢٨٥ فقد اجتهدت في عصر القصب فلم يسمح ببعض ما كان يأتي ، فعلم صدقها، فرجع عن تلك النية ، ثم قال لها: ارجعي الآن فإنك تبلغين الغرض، وعقد على نفسه أن لا يفعل ما نواه ، فخرجت الصبية ومعها ما شاءت من ماء السكر وهي مستبشرة . فقال السلطان للواعظ : فلم لا تذكر للرعية أن كسرى اجتاز على بستان فقال للناطور : ناولني عنقوداً من الحصرم ، فقال له : ما يمكنني ذلك ، فإن السلطان لم يأخذ حقه ولا تجوز لي خيانته ، فعجب الحاضرون من مقابلته الحكاية بمثلها ، ومعارضته بما أوجب الحق له ما أوجب الحق عليه . وحكى الهمداني أيضاً أن سوادياً لقيه وهو يبكي ، فسأله السلطان عن سبب بكائه، فقال١: ابتعت بطيخاً بدريهمات لا أملك غيرها، فلقيني ثلاثة أغلمة أتراك فأخذوه مني ، ومالي حيلة سواه ، فقال : أمسك، واستدعى فراشاً ، وكان ذلك عند باكورة البطيخ، وقال له : إن نفسي قد تاقت إلى البطيخ ، فطف في العسكر وانظر من عنده شيء فأحضره ، فعاد ومعه بطيخ ، فقال : عند من رأيته ؟ قال: عند الأمير فلان، فأحضره وقال : من أين لك هذا البطيخ ؟ فقال: جاء به الغلمان، فقال : أريدهم الساعة ، فمضى وقد عرف نية السلطان فيهم ، فهربهم وعاد فقال: لم أجدهم ، فالتفت إلى السوادي وقال: هذا مملوكي وقد وهبته لك حين لم يحضر القوم الذين أخذوا متاعك ، والله لئن خليته لأضربن عنقك ، فأخذه السوادي بيده ، وأخرجه من بين يدي السلطان فاشترى الأمير نفسه بثلثمائة دينار ، وعاد السوادي وقال : يا سلطان ، قد بعت المملوك بثلثمائة دينار، فقال: أو قد رضيت؟ قال: نعم، قال: امض مصاحبا٢ً . وكانت البركة واليُمن مقرونين بناصيته ، فكان إذا يدخل أصبهان أو بغداد أو أي بلد من البلاد كان ، دخل مع عدد لا يحصى لكثرته فيرخص السعر وتنحط أثمان الأشياء عما كانت عليه قبله، ويكتسب المتعيشون مع عسكره الكسب الكثير . وحكى الهمداني أيضاً أنه أحضرت إليه مغنية وهو بالري ، فأعجب بها ١ انظر أخبار الدولة السلجوقية : ٧٣ . ٢ ر : مصاحباً بالسلامة. ٢٨٦ واستطاب غناءها ، فهم بها فقالت : يا سلطان، إني أغار على هذا الوجه الجميل أن يعذب بالنار ، وإنّ الحلال أيسر ، وبينه وبين الحرام١ كلمة، فقال : صدقت ، واستدعى القاضي فتزوجها منه وابتنى بها ، وتوفي عنها . [ وقال صاحب ((الدول المنقطعة)): ومن جملة ما سعى تاج الملك٢ في نظام الملك الوزير أن قال للسلطان: إنه ينفق في كل سنة على أرباب المدارس والرباطات ثلثمائة ألف دينار، ولو جيش بها جيشاً لبلغ باب القسطنطينية، فاستحضر النظام واستفسره عن الحال ، فقال : يا سلطان العالم اني أنا رجل شيخ ، ولو نودي عليّ لما زادت قيمتي على ثلاثة دنانير ، وأنت حدث لو نودي عليك لما زادت قيمتك على ثلاثين ديناراً ، وقد أعطاك الله تعالى وأعطاني بك ما لم يعطه أحداً من خلقه ، أفلا نعوضه عن ذلك في حَمَلة دينه وحَفَظة كتابه ثلاثمائة ألف دينار ؟ ثم إنك تنفق على الجيوش المحاربة في كل سنة أضعاف هذا المال ، مع أن أقواهم وأرماهم لا تبلغ رميته ميلاً ولا يضرب بسيفه إلا ما قرب منه، وأنا أجيش لك بهذا المال جيشاً تصل من الدعاء سهامه إلى العرش لا يحجبها شيء عن الله تعالى ، فبكى السلطان وقال : يا أبت استكثر من الجيش، والأموال مبذولة لك ، والدنيا بين يديك ]٣. وعیون محاسنه أكثر من أن تحصى وحكى الهمداني أيضاً أن نظام الملك الوزير وقع للملاحين الذين عبروا بالسلطان والعسكر نهر جيحون على العامل بأنطاكية ، وذلك لسعة المملكة ، وكان مبلغ أجرة المعابر أحد عشر ألف دينار . وتزوج الإمام المقتدي بأمر الله أمير المؤمنين ابنة السلطان ، وكان السفير في الخطبة الشيخ أبا إسحاق الشيرازي صاحب ((المهذب)) و((التنبيه)) رحمه الله تعالى، وأنفذه الخليفة إلى نيسابور لهذا السبب ، فإن السلطان كان هناك ، فلما وصل إليه أدى الرسالة ونجز الشغل . قال الهمداني أيضاً: وعاد الشيخ أبو إسحاق إلى بغداد في أقل من أربعة أشهر ، وناظر إمام الحرمين هناك ، فلما ١ لي : وبينك وبين الحلال . ٢ هو تاج الملك أبو الغنائم صاحب خزانة السلطان والناظر في أمر دوره وفي وزارة أولاده. ٣ زيادة انفردت بها النسخة ر ، وانظر أخبار الدولة السلجوقية : ٦٧ . ٢٨٧ أراد الانصراف من نيسابور خرج إمام الحرمين للوداع ، وأخذ بركابه حتى ركب أبو إسحاق، وظهر له في خراسان منزلة١ عظيمة ، وكانوا يأخذون التراب الذي وطئته بغلته فيتبركون به . وكان زفاف ابنة السلطان إلى الخليفة في سنة ثمانين وأربعمائة ، وفي صبيحة دخولها عليه أحضر الخليفة المقتدي عسكر السلطان على سماط صنعه لهم كان فيه أربعون ألف منّاً سكراً ، وفي بقية هذه السنة في ذي القعدة منها رزق الخليفة ولداً من ابنة السلطان سماه أبا الفضل جعفراً ، وزينت بغداد لأجله . وكان السلطان قد دخل إلى بغداد دفعتين ، وهي من جملة بلاده التي تحتوي عليها مملكته ، وليس للخليفة فيها سوى الاسم ، فلما عاد إليها الدفعة الثالثة دخلها في أوائل شوال سنة خمس وثمانين وأربعمائة ، وخرج من فوره إلى ناحية دجيل لأجل الصيد ، فاصطاد وحشاً وأكل من لحمه ، فابتدأت به العلة ، وافتصد ، فلم يكثر من إخراج الدم ، فعاد إلى بغداد مريضاً ، ولم يصل إليه أحد من خاصته ، فلما دخلها توفي ثاني يوم دخوله ، وهو السادس عشر من شوال سنة خمس وثمانين وأربعمائة ، وكانت ولادته في التاسع من جمادى الأولى سنة سبع وأربعين وأربعمائة ، رحمه الله تعالى، وقيل انه سم في خلال تخلل به ، وحمل تابوته إلى أصبهان ودفن بها في مدرسة عظيمة موقوفة على طائفة الشافعية والحنفية ، ولم يشهد أحد جنازته ببغداد ولا صلي عليه في الصورة الظاهرة ولا جلسوا للعزاء ، ولا حذف عليه ذنب فرس كعادة أمثاله ، بل كأنه اختلس من العالم٢ . ومن عجيب الاتفاق أنه لما دخل بغداد في هذه المرة، وكان للخليفة المقتدي ولدان أحدهما الإمام المستظهر بالله والآخر أبو الفضل جعفر ابن بنت السلطان وقد تقدم ذكر ولادته ، وكان الخليفة قد بايع لولده المستظهر بالله بولاية العهد من بعده لأنه كان الأكبر ، فألزم السلطان الخليفة أن يخلعه ويجعل ابن بنته جعفراً ولي العهد ، ويسلم بغداد إليه ، ويخرج الخليفة إلى البصرة ، فشق ذلك ١ ق : بركة . ٢ وكانت ولادته .. العالم : اتبعنا في ترتيب النص هنا ما جاء في ٠٫٠ المختار ، وفيه بعض اختلاف عن النسخ الأخرى في الترتيب العام . ٢٨٨ ٠ على الخليفة ، وبالغ في استنزال السلطان عن هذا الرأي ، فلم يفعل ، فسأل المهلة عشرة أيام ليتجهز فأمهله ، فقيل إن الخليفة في تلك الأيام جعل يصوم ويطوي وإذا أفطر جلس على الرماد للإفطار ، وهو يدعو الله سبحانه وتعالى على السلطان ، فمرض السلطان في تلك الأيام ومات ، وكفي الخليفة أمره ، وتزوج ابنه الإمام المستظهر بالله ابنة السلطان خاتون العصمة١ في سنة اثنتين وخمسمائة . وقد تقدم ذكر أولاده الثلاثة الملوك ، وهم بركياروق وسنجر ومحمد ، كل واحد له ترجمة في حرفه ، رحمهم الله تعالى أجمعين . وكاشْفَر: بفتح الكاف وبعد الألف شين معجمة ساكنة وغين معجمة مفتوحة وبعدها راء ، وقد ذكرت أين هي فلا حاجة إلى الإعادة ، وهي قصبة بلاد تركستان . والواقصة : بفتح الواو وبعد الألف قاف مكسورة وبعدها صاد مهملة مفتوحة ثم هاء ساكنة، وهي منزل معروف بطريق مكة يقال لها واقصة الحرون . والباقي معروف فلا حاجة إلى تفسيره ، والله أعلم بالصواب . ٧٤١ منصور الفقيه أبو الحسن منصور بن إسماعيل بن عمر التميمي المصري الفقيه الشافعي الضرير ؛ أصله من رأس عين، البلدة المشهورة بالجزيرة ، وأخذ الفقه عن أصحاب الشافعي، رضي الله عنه وعن أصحاب أصحابه . وله مصنفات في المذهب مليحة منها ١ ق ن : العظمة . ٧٤١ - ترجمته في معجم الأدباء ١٩: ١٨٥ ونكت الهميان: ٢٩٧ والمغرب (قسم مصر) ١ : ٢٦٢ والمنتظم ٦: ١٥٢ وطبقات السبكي ١: ٣١٧ وحسن المحاضرة ١: ١٦٨ والشذرات ٢ : ٢٤٩، وهذه الترجمة شديدة الايجاز في: مج بر من، على تفاوت بينها. ١٩ - ٥ ٢٨٩ ((الواجب)) و((المستعمل)) و((المسافر)) و((الهداية)) وغير ذلك من الكتب، وله شعر جيد سائر، وذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ، رحمه الله تعالى ، في ((طبقات الفقهاء))١ وأنشد له : عاب التفقهَ. قومٌ لا عقولَ لهم وما عليه إذا عابوه من ضررٍ ما ضر شمسَ الضحى والشمسُ طالعةٌ أن لا يرى ضوءها مَنْ ليس ذا بصر ومن هنا أخذ أبو العلاء المعري قوله من قصيدته المشهورة٢ : والنجمُ تستصغرُ الأبصارُ رؤيتهُ والذنبُ للطرف لا النجم في الصغر ومن شعره أيضاً : لي حيلةٌ فيمن ينمُّ وليس في الكذاب حيله من كان يخلقُ ما يقو لُ فحيلتي فيه قليله وله أيضاً : الكلبُ أحسن عشرةً وهو النهاية في الخساسه من ينازعُ في الريا سة قبل أوقات الرياسه وحكي أنه أصابته مسغبة في سنة شديدة القحط ، فرقي سطح داره ونادى بأعلى صوته في الليل : الغياتَ الغياث يا أخرار نحن خلجانكم وأنتم بجارُ إنما تحسن المواساة في الشــدة لا حين ترخص الأسعار فسمعه جيرانه ، فأصبح على بابه مائة حمل برّ . وحكاياته وأخباره مشهورة ؛ وتوفي في جمادى الأولى سنة ست وثلثمائة بمصر، ١ طبقات الشيرازي : ١٠٧ ٢ شروح السقط : ١٦٢ : ٢٩٠ وقال الشيخ أبو إسحاق في ((الطبقات)): إنه مات قبل العشرين والثلثمائة ، رحمه الله تعالى . وذكره القاضي أبو عبد الله القضاعي في كتاب ((خطط مصر)) فقال: أصله من رأس عين وسكن الرملة ، وقدم إلى مصر وسكنها ، وتوفي سنة ست وثلثمائة ، وكان فقيهاً جليل القدر ، متصرفاً في كل علم ، شاعراً مجيداً ، لم يكن في زمانه مثله بمصر . وكان من أكرم الناس على أبي عبيد القاضي ، حتى كان منهما ما كان بسبب المسألة، وكان لأبي عبيد في كل عشية مجلس يذاكر فيه رجلاً من أهل العلم ويخلو به ، خلا عشية الجمعة فإنه كان يخلو بنفسه فيها ، فكان من المشايا عشية يخلو فيها بمنصور ، وعشية يخلو فيها بأبي جعفر الطحاوي ، وعشية يخلو فيها بمحمد بن الربيع الجيزي ، وعشية يخلو فيها بعفان بن سليمان ، وعشية يخلو فيها بالسجستاني، وعشية يخلو فيها للنظر مع الفقهاء ، وربما حدث ، فجرى بينه وبين منصور في بعض المشايا ذكر الحامل المطلقة ثلاثا ، ووجوب نفقتها ، فقال أبو عبيد: زعم قوم أن لا نفقة لها في الثلاث، وأن نفقتها في الطلاق غير الثلاث ، فأنكر ذلك منصور، وقال : قائل هذا ليس من أهل القبلة. ثم انصرف منصور فحدث بذلك أبا جعفر الطحاوي ، فحكاه أبو جعفر لأبي عبيد فأنكره ، وبلغ ذلك منصوراً فقال : أنا أكذبه ، واجتمع الناس عند القاضي وقواعدوا لحضور ذلك ، فلما حضروا لم يتكلم أحد ، فابتدأ أبو عبيد وقال : ما أريد أحداً يدخل عليّ، ما أريد منصوراً ولا نصاراً ولا منتصراً، قوم عميت قلوبهم كما عميت أبصارهم يحكون عنا ما لم نقله ، فقال له منصور : قد علم الله أنك قلت كذا وكذا ، فقال أبو عبيد: كذبت، فقال له منصور: قد علم الله الكاذب ، ونهض فلم يأخذ أحد بيده غير أبي بكر ابن الحداد فإنه أخذ بيده وخرج معه حتى ركب ، وزاد الأمر فيما بينها ، وتعصب الأمير ذكا وجماعة من الجند وغيرهم لمنصور، وتعصب للقاضي جماعة ، وشهد على منصور محمد بن الربيع الجيزي بكلام سمعه منه يقال إن منصوراً حكاه عن النظام ، فقال القاضي : إن شهد عليه آخر مثل ما شهد به عليه محمد بن الربيع ضربت عنقه ، فخاف ٢٩١ على نفسه ومات في جمادى الأولى من السنة المذكورة . وخاف أبو عبيد أن يصلي عليه لأجل الجند الذين تعصبوا لمنصور ، فتأخر عن جنازته لهذا السبب ، وحضرها الأمير ذكا وابن بسطام صاحب الخراج ، وأوعب الناس ولم يتخلف كبير أحد ، وذكر لأبي عبيد أن منصوراً قال عند موته : قضيت نَحْي فسر قوم حمقى بهم غفِلة ونومُ كأن يومي عليّ حتم وليس الشامتين يوم ونحن يوم النشور توم تموت قبلي ولو بيوم فأطرق أبو عبيد ساعة ثم قال : فقد فرحنا وقد شمتنا وليس للشامتين لوم والله أعلم بالصواب . ٧٤٢ الحاكم العبيدي أبو علي المنصور الملقب الحاكم بأمر الله بن العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم ابن المهدي صاحب مصر - وقد تقدم ذكر أجداده وجماعة من أحفاده ، وسيأتي ذكر أبيه في حرف النون إن شاء الله تعالى - وكلهم كانوا يتسمّون بالخلفاء. وتولى الحاكم المذكور عهد أبيه في حياته ، وذلك في شعبان سنة ثلاث وثمانين وثلثمائة ، ثم استقل بالأمر يوم وفاة والده - على ما سيأتي في تاريخه إن شاء الله تعالى ؛ وكان جواداً بالمال مفاكاً للدماء، قتل عدداً كثيراً من أماثل ٧٤٢ - أخباره في الخطط ١: ٣٥٤، ٢: ٢٨٥ والنجوم ٤: ١٧٦ وتاريخ ابن خلدون ؛ : ٥٦ والاشارة إلى من نال الوزارة: ٣١ وتاريخ ابن الأثير (جـ : ٩) والدرة المضية : ٢٥٦ وعبر الذهبي ٣: ١٠٤ والشذرات ٣ : ١٩٢. ـاء ٢٩٢ أهل دولته وغيرهم صبراً . وكانت سيرته من أعجب السير ، يخترع كل وقت أحكاماً يحمل الناس على العمل بها، منها أنه أمر الناس في سنة خمس وتسعين وثلثمائة بكتب سب الصحابة ١ رضوان الله عليهم في حيطان المساجد والقياسر والشوارع، وكتب إلى سائر عمال الديار المصرية يأمرهم بالسب، ثم أمر بقطع ذلك ونهى عنه وعن فعله في سنة سبع وتسعين ، ثم تقدم بعد ذلك بمدة يسيرة بضرب من يسب الصحابة وتأديبه ثم يشهره ؛ ومنها أنه أمر بقتل الكلاب في سنة خمس وتسعين وثلثمائة فلم ير كلب في الأسواق والأزقة والشوارع إلا قتل ؛ ومنها أنه نهى عن بيع الفُقّاع والملوخيا وكبب الترمس المتخذة لها والجرجير والسمكة التي لا قشر لها ، وأمر بالتشديد في ذلك والمبالغة في تأديب من يتعرض لشيء منه ، فظهر على جماعة أنهم باعوا أشياء منه ، فضربوا بالسياط وطيف بهم ، ثم ضربت أعناقهم، ومنها أنه في سنة اثنتين وأربعمائة نهى عن بيع الزبيب٣ قليله وكثيره على اختلاف أنواعه ، ونهى التجار عن حمله إلى مصر ، ثم جمع بعد ذلك منه جملة كثيرة وأحرق جميعها ، ويقال إن مقدار النفقة التي غرموها على إحراقه كانت خمسمائة دينار٤ ، وفي هذه السنة منع من بيع العنب وأنفذ الشهود إلى الجيزة حتى قطعوا كثيرا من كرومها° ورموها في الأرض وداسوها بالبقر ، وجمع ما كان في مخازنها من جرار العسل فكانت خمسة آلاف جرة ، وحملت إلى شاطىء النيل وكسرت وقلبت في بحر النيل ؛ وفي هذه السنة أمر النصارى واليهود إلا الخيابرة بلبس العمائم السود، وأن يعمل النصارى في أعناقهم الصلبان ما يكون طوله ذراعاً ووزنه خمسة أرطال . وأن تحمل اليهود في أعناقهم قرامي ١ زاد في ر : أبي بكر وعمر وعثمان . ٢ ر : العمال بالديار؛ ق والمختار : سائر أعمال . ٣ ق والمختار : الرطب . ٤ مج: وذكر أن ثمنها كان ألفي قطعة وثمانمائة قطعة وأحرق جميعها بظاهر الحمراء على شاطئ. ... دينار . النيل ، وذكر أن مقدار النفقة . . ٥ ن : قطعوا كروماً كثيرة . ٢٩٣ الخشب على وزن صلبان النصارى ، ولا يركبوا شيئاً من المراكب المحلاة ، وأن تكون ركبهم من الخشب، ولا يستخدموا أحداً من المسلمين، ولا يركبوا حماراً لمكار مسلم ولا سفينة نوتيها مسلم، وأن يكون في أعناق النصارى إذا دخلوا الحمام الصلبان ، وفي أعناق اليهود الجلاجل ليتميزوا عن المسلمين ، ثم أفرد حمامات اليهود والنصارى من حمامات المسلمين١ وحط على حمامات النصارى الصلبان ، وعلى حمامات اليهود القرامي ، وذلك في سنة٢ ثمان وأربعمائة . وفيها أمر بهدم الكنيسة المعروفة بقمامة وجميع الكنائس بالديار المصرية ، ووهب جميع ما فيها من الآلات وجميع ما لها من الارباع والأحباس لجماعة من المسلمين، وتتابع إسلام جماعة من النصارى ؛ وفي هذه السنة نهى عن تقبيل الأرض له وعن الدعاء له والصلاة عليه في الخطب والمكاتبات٣ ، وأن يجعل عوض ذلك (((السلام على أمير المؤمنين))٤. وفي سنة أربع وأربعمائة أمر أن لا ينجم أحد ولا يتكلم في صناعة النجوم ، وأن ينفى المنجمون من البلاد» ، فحضر جميعهم إلى القاضي مالك بن سعيد الحاكم بمصر . كان - وعقد عليهم توبة٦، وأعفوا من النفي وكذلك أصحاب الغناء. وفي شعبان من هذه السنة منع النساء من الخروج إلى الطرقات ليلاً ونهاراً، ومنع الأساكفة من عمل الخفاف النساء ، ومحيت صورهن من الحمامات٧، ولم تزل النساء ممنوعات عن الخروج إلى أيام ولده الظاهر المقدم ذكره ، وكانت مدة منعهن سبع سنين وسبعة أشهر . وفي شعبان سنة إحدى عشرة وأربعمائة تنصّر جماعة ممن كان أسلم من النصارى ، وأمر ببناء ما كان قد هدم من كنائسهم وردّ ما كان أخذ من أحباسها ، وبالجملة فهذه نبذة ١ زاد في مج: وبهوا عن الاجتماع مع المسلمين في الحمامات. ٢ مج: وكان افرادهم الحمامات في سنة ... الخ. ٣ زاد في مج: والمخاطبات . ٤ زاد في مج : ونهى أن يقبل التراب له وتشدد في ذلك ٥ مج : وأن ينفى جميع المعروفين بهذه الصناعة . ٦ مج: وعقد أيضاً التوبة مع جماعة كانوا مشهورين بصناعة الغناء ٧ زاد في مج: ومنع من بيع اللعب. ٢٩٤ من أحواله ، وإن كان شرحها يطول . وكان أبو الحسن علي المعروف بابن يونس المنجم قد صنع له الزيج المشهور المعروف بالحاكمي ، وهو زيج كبير مبسوط . ونقلت من خط الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد السّلفي ، رحمه الله تعالى ، أن الحاكم المذكور كان جالساً في مجلسه العام وهو حفل بأعيان دولته ، فقرأ بعض الحاضرين قوله تعالى ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ ( النساء: ٦٥) والقارئ، في أثناء ذلك يشير إلى الحاكم ، فلما فرغ من القراءة قرأ شخص آخر يعرف بابن المُشَجّر وكان رجلاً صالحاً ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له، إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له ، وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ، ضعف الطالب والمطلوب ، ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز﴾ (الحج : ٧٣) فلما أنهى١ قراءته تغير وجه الحاكم، ثم أمر لابن المشَجْر المذكور بمائة دينار، ولم يطلق للآخر شيئاً؛ ثم إن بعض أصحاب ابن المشجَّر قال له : أنت تعرف خلق الحاكم ، وكثرة استحالاته ، وما نأمن أن يحقد عليك ، وأنه لا يؤاخذك في هذا الوقت ثم يؤاخذك بعد هذا فتتأذى معه، ومن المصلحة عندي أن تغيب عنه ، فتجهز ابن المشَجَّر للحج ، وركب في البحر فغرق ، فرآه صاحبه في النوم ، فسأله عن حاله ، فقال : ما أقصر الرُّبّان معنا أرسى بنا على باب الجنة ، رحمه الله تعالى؛ وذلك ببركة جميل نيته٢ وحسن قصده . [ومن أخباره المستطرفة التي تدخل في أبواب الفرج بعد الشدة ما حدّث به بعض الرؤساء أن ولي الدولة ابن خيران استحضره الحاكم ذات يوم وقال له : يا ولي الدولة، إني أريد أن أزوج مملوكي فلاناً على جاريتي فلانة بعد عتقهما وكذلك آخر لأخرى فخذ هاتين الشقتين واخطب فيها خطبتين حسنتين وانسق الصداق والمهر بعد ذلك على ما تقتضيه صناعة الوراق ، وبكر إلينا من الفجر ١ ق : أنهى القارىء ٢ ق ن : ببركة نيتة . ٢٩٥ ولا تتأخر . فقبل ذلك من الحاكم بالسمع والطاعة وانصرف ، ووصل إلى داره بمصر وأسهر نفسه واستنتج قريحته وجود فكرته وعمل ما أشار له في الكتابين ولم يزل في السهر إلى وقت السحر، فاستحثه الرسل فقام ليتوضأ ويتهيأ إليه فعثرت رجله في المحبرة فتطرطش الكتابين ، فلطم وجهه ووقع مغشياً عليه وانقبض أهله ، وعلم أنه مقتول ، فوصى أهله الوصية التامة وركب وأخذ الكتابين في كمه مطويين ، ولم يزل إلى أن دخل من باب القاهرة ووصل إلى القصر مغلساً، والرسل والحجاب منتظرون قدومه ، وحين وصل أذن له في الدخول ، فوجد الحاكم في الإيوان الكبير جالساً على سرير ، وبين يديه طشطان وعليهما قوارتان١، فلما رأى الحاكم قبل الأرض ووقف صامتاً فقال له : يا ولي الدولة اكشف هذين الطشطين، فكشف عنهما فإذا في كل منهما رأس رجل ورأس امرأة ، فقال : هؤلاء اطلعنا منهم على قضية منحوسة وفساد لا ينبغي الصبر عليه ففعلنا بهم ما فعلنا ، وتلك الثوبان خذهما فصّلهما لأهلك ، امض لشأنك ، فخرج من بين يديه مغشياً عليه ، فأقام في الديوان إلى أن سكنت نفسه وهدأ روعه ، وكتب إلى أهله رقعة يأمرهم فيها بالسكون والسكوت إلى أن يجتمع بهم]. والحاكم المذكور هو الذي بنى الجامع الكبير بالقاهرة ، بعد أن كان قد شرع فيه والده العزيز بالله - كما سيأتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى - وأكمله وأبّده، وبنى جامع راشدة بظاهر مصر، وكان شروعه في عمارته يوم الاثنين سابع عشر شهر ربيع الأول سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة ، وكان متولي بنائه الحافظ أبا محمد عبد الغني بن سعيد ، والمصحح لمحرابه أبا الحسن علي بن يونس المنجم ، وقد تقدم ذكرهما ، وأنشأ عدة مساجد بالقرافة وغيرها ، وحمل إلى الجوامع من المصاحف والآلات الفضية والستور والحصُر السامان ما له قيمة طائلة. وكان يفعل الشيء وينقضه . [وخرج عليه في سنة خمس وتسعين وثلثمائة أبو ركوة الوليد بن هشام العثماني ١ انفردت مج بهذه القصة، وقد أبقيناها على حالها مع ما فيها مما لا يتفق والصحة اللغوية . ٢ التاء غير معجمة في النسخة . ٢٩٦ الأندلسي ، وكان خروجه في نواحي برقة ، ومال إليه خلق عظيم ، وسير إليه الحاكم المذكور جيشاً كبيراً وانتصر عليهم وملك ، ثم تكاثروا عليه وأمسكوه، ويقال إنه قتل من أصحابه مقدار سبعين ألفاً ، وكان قبضهم إياه في سنة سبع وتسعين ، وحمل إلى الحاكم فشهره وقتله، يوم الأحد السابع والعشرين من جمادى الآخرة من السنة، وحديثه مستوفّى في تاريخ ابن الصابي]١. وكانت ولادته بالقاهرة ليلة الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين وثلثمائة . وكان يحب الانفراد والركوب على بهيمة وحده، فاتفق أنه خرج ليلة الاثنين السابع والعشرين من شوال سنة٢ إحدى عشرة وأربعمائة إلى ظاهر مصر، وطاف لیلتہ کلہا وأصبح عند قبر الفقاعي ، ثم توجه إلى شرقي حلوان ومعه ر كابیان، فأعاد أحدهما مع تسعة من العرب السويديين ، ثم أعاد الركابي الآخر ، وذكر هذا الركابي أنه خلفه عند القبر والمقصبة ، وبقي الناس على رسمهم يخرجون يلتمسون رجوعه ومعهم دوابّ الموكب إلى يوم الخميس سلخ الشهر المذكور ، ثم خرج يوم الأحد ثاني ذي القعدة مُظَفَّر صاحب المظلة وخطى الصقلبي ونسيم متولي الستر وابن بشتكين٣ التركي صاحب الرمح وجماعة من الأولياء الكتاميين والأتراك٤، فبلغوا دير القصير والموضع المعروف بسلوان٥، ثم أمعنوا في الدخول في الجبل فبينما هم كذلك إذ أبصروا حماره الأشهب الذي كان راكباً عليه المدعو بالقمر ، وهو على قرنة الجبل٦، وقد ضربت يداه بسيف فأثر فيها ، وعليه سرجه ولجامه، فتتبعوا الأثر فإذا أثر الحمار في الأرض وأثر راجل خلفه وراجل ١ ما بين معقفين ورد في ص ن رق وعند وستنفيلد، ولم يرد في المختار ولي مج والمطبوعة المصرية . ٢ ر : من شهر شوال المبارك من شهور السنة. ٣ ق ن : نشتكين . ٤٠ زاد في مج: ومعهم ماضي القري . ٥ مج : بعسلان ، وغير واضحة في المختار ؛ وفي دي سلان : بحلوان. ٦ مج: فبصروا بالحمار الذي كان راكبه على قرنة الجبل .. فتتبع الأثر فإذا أثر الحمار . ٢٩٧ قدامه ، فلم يزالوا يقصون هذا الأثر حتى انتهوا إلى البركة التي في شرقي حلوان ، فنزل إليها بعض الرجالة فوجد فيها ثيابه ، وهي سبع جباب١ ، ووجدت مزررة لم تحل أزرارها ، وفيها آثار السكاكين فأخذت وحملت إلى القصر٢. بالقاهرة ، ولم يشك في قتله، مع أن جماعة من المغالين في حبهم السخيفي العقول يظنون حياته ، وأنه لا بد أن سيظهر ، ويحلفون بغيبة الحاكم وتلك خيالات هذيانية٣، ويقال إن أخته دَسَّت عليه من يقتله لأمر يطول شرحه، والله أعلم. وابن المُشَجَّر : بضم الميم وفتح الشين المعجمة والجيم المشددة وبعدها راء. وحلوان : بضم الحاء المهملة وسكون الميم وفتح الواو وبعد الألف نون ، وهي قرية مليحة كثيرة النزه فوق مصر بمقدار خمسة أميال ، كان يسكنها عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي لما كان والياً بمصر نيابة عن أخيه عبد الملك أيام خلافته ، وبها توفي ، وبها وُلد ولده عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه؛ ١ مج : سبع جبب . ٢ مج: فأخذها ماضي وجاء بها إلى القصر . ٣ لا بد أن نشير هنا إلى أن قتل الحاكم قد اتخذ في حينه صورة قضية واقعية يتعقب فاعلوها ، إذ يذكر المسيحي في تاريخه (الجزء ٤٠: ١٤٨) أن ثائراً في الصعيد أخذ فقرر ((فأقر أنه قتل الحاكم بأمر الله عليه السلام في جملة أربعة أنفس تفرقوا في البلاد فمنهم من مضى إلى برقة ومنهم من مضى إلى العراق، وأنه أظهر ( لمقرره ) قطعة من جلد رأسه عليه السلام وقطعة من الفوطة التي كانت عليه، فقال له حيدرة ( المقرر) ولم قتلته ؟ فقال: غرت اللّه وللاسلام ، فقال كيف قتلته ، فأخرج سكيناً فضرب بها فؤاد نفسه فقتل نفسه وقال : هكذا قتلته .. الخ، وانظر الخطط ٢ : ٢٨٩ ٠ ٤ هنا تنتهي النسخة مج ٢٩٨ ٧٤٣ الآمر بأحكام الله أبو علي المنصور الملقب الآمر بأحكام الله بن المستعلي بن المستنصر بن الظاهر ابن الحاكم العبيدي المذكور قبله ، وقد تقدم بقية نسبه ، وسبق ذكر والده في الأحمدين في حرف الهمزة . وبويع الآمر بالولاية يوم مات أبوه - في التاريخ المذكور في ترجمته - وقام بتدبير دولته الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش -المذكور في حرف الشين- وكان وزير والده ، وقد ذكرنا في ترجمته طرفاً من أخبار الآمر المذكور ، ولما اشتد الآمر وفطن لنفسه قتل الأفضل - حسبما تقدم شرحه - واستوزر المأمون أبا عبد الله محمد بن أبي شجاع فاتك بن أبي الحسن مختار المعروف بابن فاتك البطائحي١، فاستولى هذا الوزير عليه، وقبح سمعته وأساء السيرة ، ولما كثر ذلك منه قبض عليه الآمر أيضاً ليلة السبت رابع شهر رمضان سنة تسع عشرة وخمسمائة واستصفى جميع أمواله، ثم قتله في رجب سنة إحدى وعشرين، وصلب بظاهر القاهرة وقتل معه خمسة من إخوته، أحدهم يقال له المؤتمن ، وكان متكبراً متجبراً خارجاً عن طوره ، وله أخبار مشهورة . [ثم ظهر في مدة القبض على المأمون المصادرات على يد الراهب المسمى أبا شجاع بن قساً، فلم يبق أحد إلا وناله بمكروه من ضرب ونهب مال، وكان هذا الراهب الملعون في ابتداء حاله يخدم ولي الدولة أبا البركات بن يحيى بن أبي الليث ثم اتصل بالآمر وبذل له في مصادرة قوم من النصارى مائة ألف دينار ، فأطلق يده فيهم ، وتسلسل الحال إلى أن عم البلاد جميع رؤساء مصر وقضاتها وكتابها. ٧٤٣ - أخباره في النجوم الزاهرة ٥ : ١٧٠ وابن الأثير ( ج : ١٠) والخطط ٢ : ٢٩٠ والدرة المضية: ٤٦١ وتاريخ ابن خلدون ٤: ٦٨ وعبر الذهبي ٤: ٦٢ والثذرات ٤: ٧٣ . ٢ كذا، وعند المقريزي : ابن أبي نجاح ١ ترجمته في الاشارة : ٦٢ والدرة : ٤٨٨. ٢٩٩ وشهودها وسوقتها إلى أن صادر رجلاً حمّالاً فأخذ عشرين ديناراً ثمن جمل باعه لم يكن يملك سواه ، وارتفع عنده إلى أن كان يستعمل بتذس ودمياط ملابس مخصوصة من الصوف الأبيض معلمة بالذهب، فكان يلبسها ويلبس فوقها الدماقس والديباج، وكان يتطيب من المسك بعدة من المثاقيل كلّ يوم، وكان يشم رائحة طيبه من مكان بعيد، وكان يركب الحمر بالسروج المحلاة بالذهب والفضة، ويدخل إلى دهليز القاعة المعروفة بلباس الخطباء بالجامع العتيق بمصر ، فيجلس هناك ويستدعي الناس للمصادرة ، وأقام كذلك مدة إلى أن قتل في سنة ثلاث وعشرين ، على يد المقداد الوالي بمصر ثم صلب عند الجسر . ذكر أنه لما قبض على دار الراهب وجد فيها مكان فيه ثمانمائة طراحة جدد لم تستعمل قدّرت إلى السقف ، هذا نوع واحد قليل الاستعمال فكيف ما عداه من الديباج وأنواع المتاع الفاخر]١. وكان الآمر سيء الرأي٢ جائر السيرة مستهتراً متظاهراً باللهو واللعب، وفي أيامه أخذ الفرنج مدينة عكا في شعبان سنة سبع وتسعين وأربعمائة ، وأخذوا طرابلس الشام بالسيف يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة اثنتين وخمسمائة ، وكان أخذهم لها بالسيف٣ ، ونهبوا ما فيها ، وأسروا رجالها وسبوا نساءها وأطفالها، وحصل في أيديهم من أمتعتها وذخائرها وكتب دار علمها وما كان في خزائن أربابها ما لا يحد عدده ولا يحصى ، وعوقب من بقي من أهلها ، واستصفيت أموالهم ، ثم وصلتها نَجْدَة المصريين بعد فوات الامر فيها ، وفي هذه السنة ملكوا عرْقَة وكان نزولهم عليها أول شعبان من السنة المذكورة ، وفيها ملكوا بانياس ، وفيها تسلموا جبيل بالأمان ، وتسلموا قلعة تِبنِينَ يوم الجمعة لثمان بقين من ذي الحجة سنة إحدى عشرة وخمسمائة،ثم تسلموا مدينة صُور يوم الاثنين لسبع بقين من جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وخمسمائة ، وكان الوالي بها من جهة الأتابك ظهير الدين طفتكين - المذكور في حرف التاء ١ ما بين معقفين زيادة من ر . ٢ ر: سيء الخلق والرأي . ٣ هذا مكرر . ٣٠٠