Indexed OCR Text
Pages 201-220
القاشاني الذي كان وزير المسترشد ، وقد تقدم ذكره في ترجمة الحريري صاحب المقامات ؛ وكان سلطاناً عادلاً لين الجانب كبير النفس، فرق مملكته على أصحابه ، ولم يكن له من السلطنة غير الاسم ، [ وكان حسن الأخلاق كثير المزاح والانبساط مع الناس ، فمن ذلك أن أتابك زنكي صاحب الموصل أرسل إليه القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله بن القاسم الشهر زوري في رسالة ، فوصل إليه وأقام معه في العسكر ، فوقف يوماً على خيمة الوزير حتى قارب أذان المغرب فعاد إلى خيمته وأذن المغرب وهو في الطريق، فرأى إنساناً فقيهاً في خيمة، فنزل إليه فصلّى معه ، فسأله كمال الدين من أين هو ؟ فقال : أنا قاضي مدينة كذا ، فقال له كمال الدين : القضاة ثلاثة : قاضيان في النار وهو أنا وأنت ، وقاضٍ في الجنة وهو من لا يعرف أبواب هؤلاء الظلمة ولا يراهم . فلما كان من الغد أرسل السلطان وأحضر كمال الدين، فلما دخل عليه ورآه ضحك وقال : القضاة ثلاثة ، فقال كمال الدين : نعم يا مولانا، فقال: والله صدقت، ما أسعد من لا يرانا ولا نراه ، ثم أمر به فقضيت حاجته وأعاده من يومه . ومن ذلك أنه اجتاز يوماً في بعض أطراف بغداد فسمع امرأة تقول لأخرى : تعالي انظري إلى السلطان ، فوقف وقال : نقف حتى تجيء هذه الست تنظر إلينا . وله مناقب کثیرة ]١ وکان مع لين جانبه ما ناواه أحدٌ وظفر به،وقتل من الأمراء الأكابر خلقاً كثيراً، ومن جملة من قتل الخليفتان المسترشد بالله والراشد لأنه كان قد وقع بينه وبين الخليفة المسترشد وحشة قبل استقلاله في السلطنة ، فلما استقل استطال نوابه على العراق ، وعارضوا الخليفة في أملاكه ، فقويت الوحشة بينهما ، وتجهز المسترشد وخرج لمحاربته ، وكان السلطان مسعود بهمذان ، فجمع جيشاً عظيماً وخرج للقائه ، وتصافا بالقرب من هذان فكسر عسكر الخليفة، وأسر هو وأرباب دولته ، وأخذه السلطان مسعود مأسوراً وطاف به بلاد أذربيجان، وقتل على باب المراغة ، حسبما شرحناه في ترجمة دبيس بن صدقة ، وهو الذي خلع الراشد وأقام المقتفي كما هو مشهور ١ ما بين معقفين انفردت به لي بر من ، وهو وارد عند وستنفيلد . ٢٠١ ثم أقبل مسعود على الاشتغال باللذات والانعكاف على مواصلة وجوه الراحات ، متكلاً على السعادة تعمل له ما يؤثره، إلى أن حدث له القيء وعلة الغَنَّيان ، واستمر به ذلك إلى أن توفي في حادي عشر جمادى الآخرة ، سنة سبع وأربعين وخمسمائة ، وقيل يوم الأربعاء، الثاني والعشرين من الشهر المذكور بهمذان [ ومات معه سعادة البيت السلجوقي فلم تقم له بعده راية يعتد بها ولا يلتفت إليها : فما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما ]١ ودفن في مدرسة بناها! جمال الدين إقبال الخادم . وقال ابن الأزرق الفارقي في تاريخه: رأيت السلطان المذكور ببغداد ، في السنة المذكورة، وسار إلى همذان ومات بباب همذان، وحمل إلى أصبهان رحمه الله تعالى ، وقد تقدم شيء من خبره في ترجمة دبيس بن صدقة صاحب الحِلّة. ومولده يوم الجمعة ، لثلاث خلون من ذي القعدة ، سنة اثنتين وخمسمائة . ولما ولي السلطنة جرت بينه وبين عمه سنجر - المقدم ذكره - منازعة ، ثم خطب له بعد عمه المذكور ببغداد ، يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر سنة سبع وعشرين وخمسمائة ، والله أعلم . ١ زيادة من لي ، وردت عند وستنفيلد . ٢ لي : مدرسته التي بناها . ٢٠٢ ٧٢١ عز الدين مسعود صاحب الموصل أبو الفتح وأبو المظفر ، مسعود بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي ابن آق سنقر ، أنابك صاحب الموصل ، الملقب عز الدين - قد تقدم خبر جده وجد أبيه ، وخبر ولده نور الدين أرسلان شاه وغيرهم من أهل بيته ، وسيأتي ذكر أبيه في هذا الحرف إن شاء الله تعالى - ولما توفي والده قام بالملك ولده سيف الدين غازي - المقدم ذكره - لأنه كان أكبر الإخوة ، وكان قد خلف هذين الولدين ، وعماد الدين زنكي صاحب سنجار المذكور عقيب ترجمة جده عماد الدين زنكي . وكان عز الدين المذكور مقدم الجيوش في أيام أخيه غازي؛ ولما خرج السلطان صلاح الدين من الديار المصرية بعد وفاة الملك العادل نور الدين محمود - المقدم ذکره - وأخذ دمشق وتقدم إلى حلب وحاصرها ، خاف غازي منه، وعلم أنه قد استفحل أمره وعظم شأنه ، واستشعر أنه متى استحوذ على الشام تعدى الأمر إليه ، فجهز جيشاً عظيماً وقدم عليه أخاه عز الدين مسعوداً المذكور ، وسار يريد لقاء السلطان ، وضرب المصاف معه ليرده عن البلاد فلما بلغ السلطان خروجه رحل عن حلب ، وذلك في مستهل رجب الفرد سنة سبعين وخمسمائة، وسار إلى حمص وأخذ قلعتها . وكان قد أخذ البلد في جمادى الأولى من السنة المذكورة بعد خروجه من دمشق قاصداً حلب ، ووصل عز الدين مسعود إلى حلب لينجد ابن عمه الملك الصالح إسماعيل ابن نور الدين ، صاحب حلب . هذا كان في الصورة الظاهرة ، وفي الباطن كان غرضهم ما ذكرناه من ٧٢١- أخباره في الباهر: ١٨١ - ١٨٩ والكامل ( ج ١١، ١٢ ) والنجوم الزاهرة ٦ : ١٣٦ وعبر الذهبي ٥ : ٢٦٩ والشذرات ٤ : ٢٩٧. ٢٠٣ خوفهم على بلادهم ، فانضم إلى عز الدين مسعود عسكر حلب وخرج في جمع كثير . ولما عرف السلطان مسيرهم سار حتى وافاهم على قرون حماة، ورأسلهم وراسلوه ، واجتهد في أن يصالحوه فلم يفعلوا ، ورأوا أن ضرب المصاف معه ربما قالوا به الغرض الأكبر والمقصود الأوفر، والقضاء يجر إلى أمور لا يشعرون بها، فقام المصاف بين العسكرين ، وقضى الله تعالى أن انكسر جيش عز الدين وأسر السلطان جماعة من أمرائه ثم أطلقهم، وذلك يوم الأحد التاسع عشر من شهر رمضان المعظم من السنة المذكورة ، وهذه الواقعة من الوقائع المشهورة . ثم سار السلطان عقيبَ الكسرة إلى حلب ونزل عليها، وهي الدفعة الثانية، فصالحه الملك الصالح إسماعيل على أخذ المعرة وكفرطاب وبارين ثم رحل عنها . وشرح ذلك يطول ، وتتمة هذه القضية مذكورة في ترجمة أخيه سيف الدين غازي ولما توفي أخوه سيف الدين في التاريخ المذكور في ترجمته ، استقل عز الدين المذكور بالملك من بعده ، ولم يزل إلى أن حضرت الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين الوفاة - في التاريخ المذكور في ترجمة أبيه نور الدين - فأوصى بمملكة حلب وما معها لابن عمه عز الدين مسعود المذكور ، واستحلف له الأمراء والأجناد ، فلما توفي وبلغ الخبر عز الدين مسعوداً، بادر متوجهاً إليها خوفاً من صلاح الدين أن يسبقه فيأخذها ، وكان وصوله إليها في العشرين من شعبان سنة سبع وسبعين وخمسمائة ، وصعد القلعة واستولى على ما بها من الخزائن والحواصل ، وتزوج أم الملك الصالح في خامس شوال من السنة ، وأقام بها إلى سادس عشر شوال . ثم علم أنه لا يمكنه حفظ الشام والموصل ، وخاف من جانب صلاح الدين ، وألح عليه الأمراء في طلب الزيادات ، وتبسطوا عليه في المطالب١ ، وضاق عنهم عَطَنه ، وكان المستولي على أمره مجاهد الدين قابماز الزيني - المقدم ذكره في حرف القاف - فرحل عن حلب وخلف بها مظفر الدين ولده ، ومظفر ١ لي : الطلب. ٢٠٤ الدين بن زين الدين صاحب إربل - المذكور في حرف الكاف ؛ ولما وصل إلى الرقة لقيه بها أخوه عماد الدين زنكي صاحب سنجار ، فقرر معه مقايضة حلب بسنجار وتحالفا على ذلك ، وسير عماد الدين من يتسلم حلب ، وسير عز الدين من يتسلم سنجار . وفي ثالث عشر المحرم سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، صعد عماد الدين إلى قلعة حلب ، وكان قد تقرر الصلح بين عز الدين المذكور وابن عمه الملك الصالح ، وبين صلاح الدين، على يد قليج أرسلان صاحب الروم، وصعد السلطان صلاح الدين إلى الديار المصرية ، واستناب بدمشق ابنَ أخيه عز الدين فروخ شاه بن شاهان شاه بن أيوب ، فلما بلغه خبر وفاة الملك الصالح وهذه الأمور المتجددة عاد إلى الشام. وكان وصوله إلى دمشق في سابع عشر صفر سنة ثمان وسبعين، وبلغه بها أن رسول عز الدين مسعود وصل إلى الفرنج يحثهم على قتال السلطان ویبعثهم على قصده ، فعلم أنه قد غدر به ونکث اليمين ، فعزم على قصد حلب والموصل وأخذ في التأهب للحرب ، فبلغ عماد الدين صاحب حلب ذلك ، فسير إلى أخيه صاحب الموصل يعلمه ذلك ويستدعي منه العساكر . فسار السلطان صلاح الدين من دمشق ونزل على حلب ، في ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وأقام عليها ثلاثة أيام. ثم رحل في الجادي والعشرين من الشهر، ثم جاءه مظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل ، وكان يوم ذلك في خدمة صاحب الموصل، وهو صاحب حران ، وكان قد استوحش. من عز الدين مسعود صاحب الموصل وخاف من مجاهد الدين قايماز الزيني - المذكور في حرف القاف - فالتجأ إلى السلطان صلاح الدين وقطع الفرات وعبر إليه ، وقوَّى عزمه على قصد بلاد الجزيرة وسهَّل أمرها عليه ، فعبر السلطان صلاح الدين الفرات، وأخذ الرها والرقة ونصيبين وسروج ، ثم أشحن١ على بلاد الخابور وأقطعها، وتوجه إلى الموصل، ونزل عليها يوم الخميس حادي عشر رجب سنة ثمان وسبعين وخمسمائة ليحاصرها ، فأقام أياماً، وعلم أنه بلد عظيم لا يتحصل منه شيء بالمحاصرة ، وأن طريق أخذه أخذ قلاعه ١ ن ر لي بر من : شحن . ٢٠٥ ٠٠. وبلاده وإضعاف أهله على طول الزمان ، فرحل عنها ونزل على سنجار في سادس عشر شعبان من السنة ، وأخذها في ثاني شهر رمضان المعظم ، وأعطاها لابن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر - المقدم ذكره - وشرح ذلك يطول . وخلاصة الأمر أنه رجع إلى الشام فكان وصوله إلى حَرّان في أول ذي القعدة ثم عاد إلى منازلة الموصل ، وكان وصوله إليها في أول شهر ربيع الأول سنة إحدى وثمانين ، ونزلت إليه والدة عز الدين ومعها جماعة من نساء بني أتابك وابنه نور الدين أرسلان شاه بن مسعود - وقد سبق ذكره في حرف الهمزة - وطلبت منه المصالحة ، فردّها خائبة ظناً منه أن عز الدين أرسلها عجزاً عن حفظ الموصل ، واعتذر بأعذار ندم عليها بعد ذلك، وبذل أهل الموصل نفوسهم في القتال لكونه رد النساء والولد بالخيبة ، فأقام عليها إلى أن أتاه خبر وفاة شاه أرمن ناصر الدين محمد بن إبراهيم بن سكمان القطبي صاحب خلاط ، وقيام مملوكه بكتمر بالأمر من بعده ، وطمع فيه من جاوره من الملوك وعزموا على قصده، فسير إلى السلطان وأطمعه في خلاط، وقرر معه تسليمها إليه وأن يعوضه عنها ما يرضيه . وكانت وفاة شاه أرمن يوم الخميس تاسع شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة . فرحل السلطان [صلاح الدين] عن الموصل لهذا السبب في العشرين من الشهر المذكور وتوجَّه نحو خلاط ، وفي مقدمته مظفر الدين صاحب إربل وهو يوم ذاك صاحب حران ، وناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه وهو ابن عم صلاح الدين، فنزلوا بالطوانة، البليدة التي هي بالقرب من خِلاط ، وسير الرسل إلى بكتمر لتقرير القاعدة، فوصلت الرسل إليه وشمس الدين بهلوان بن الذكر١ صاحب أذربيجان وعراق العجم قد قرب من خلاط ليحاصرها ، فبعث إليه بكتمر يعرفه أنه إن لم يرجع عنه وإلا سلم البلاد إلى السلطان [صلاح الدين] فصالحه وزوجه ابنته ورجع عنه، وسير بكتمر إلى السلطان [صلاح الدين] يعتذر عما قاله من تسليم خلاط ، وكان السلطان قد نزل على مَيّافارقين يحاصرها ، فقاتلها قتالاً شديداً ، ثم أخذها عن صلح بالخديعة في التاسع والعشرين من ١ ر: الدكن، ن بر من: الدكر؛ ق لي: الذكز؛ ولعل الصواب ((الدكز)). ٢٠٦ ٠٠ جمادى الأولى من السنة المذكورة، وكان صاحبها قطب الدين ايلغازي بن البي بن کرماس١ بن غازي٢ بن أرتق ، فمات وتركها لولده حسام الدين بولق أرسلان، وهو طفل صغير ، فطمع في أخذها من واليها فأخذها . ولما أيس السلطان من خلاط عاد إلى الموصل ، وهي الدفعة الثالثة ، ونزل بعيداً عنها بموضع يقال له كفر زمار ، فأقام به مدة ، وكان الحر شديداً ، فمرض السلطان مرضاً شديداً أشفى على الموت ، فرحل طالباً حران في مستهل شوال من السنة . ولما علم عز الدين مسعود المذكور بمرض السلطان وأنه رقيق القلب ، انتهز الفرصة وسير القاضي بهاء الدين بن شداد - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف الياء - ومعه بهاء الدين الربيب ، فوصلا إلى حران في الرسالة والتماس الصلح ، فأجاب إلى ذلك ، وحلف يوم عرفة من السنة وقد تمائل للصحة ، ولم يتغير عن تلك اليمين إلى أن مات رحمه الله تعالى ، ثم رحل إلى الشام . وأمِنَ حينئذ عز الدين مسعود وطابت نفسه ، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي في السابع والعشرين من شعبان سنة تسع وثمانين وخمسمائة بعلة الإسهال . وكان قد بنى بالموصل مدرسة كبيرة وقفها على الفقهاء الشافعية والحنفية ، فدفن بهذه المدرسة في تربة هي بداخلها ، رحمه الله تعالى؛ ورأيت المدرسة والتربة ، وهي من أحسن المدارس والترب ، ومدرسة ولده نور الدين أرسلان شاه في قبالتها ، وبينهما ساحة كبيرة . ولما مات خلف ولده نور الدين المذكور - وقد تقدم ذكره في حرف الهمزة - ولما مات نور الدين - في التاريخ المذكور في ترجمته- خلف ولدين أحدهما الملك القاهر عز الدين أبو الفتح مسعود، والآخر الملك المنصور عماد الدين زنكي ولما حضرته الوفاة قسم البلاد بينهما ، فأعطى الملك القاهر - وهو الأكبر - الموصل وأعمالها، وأعطى عماد الدين الشوش٣ والعقر وتلك النواحي . ١ ق .: كرماش؛ ر : كرقاس ؛ ن : تمرتاش؛ وسقط النص من بر من . ٢ ن : ايلغازي . ٣ ق ر : التوش ؛ ن : السوس . ٢٠٧ (249) فأما الملك القاهر فكانت ولادته في سنة تسعين وخمسمائة بالموصل، وتوفي بها فجأة ليلة الاثنين لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وستمائة ، وكان قد بنى مدرسة أيضاً فدفن بها . (250) وأما عماد الدين فإنه أخذ بعد موت أخيه الملك القاهر قلعة العمادية، ثم أخذت منه ، وهي من أحسن القلاع يجبل الهكارية من أعمال الموصل ، وكذلك عدة قلاع مما يجاورها، وانتقل إلى إربل، وكان زوج ابنة مظفر الدين صاحب إربل ، فأقام بها زماناً ، وكنا في جواره ، وكان من أحسن الناس صورة ، ثم قيض عليه مظفر الدين لأمر يطول شرحه، وسيره إلى سنجار إلى الملك الأشرف ابن الملك العادل - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - فأفرج عنه الملك الأشرف، وعاد إلى إربل ، وقايضه مظفر الدين عن العقر بشهرزور وأعمالها، فانتقل إليها وأقام بها إلى أن توفي في حدود سنة ثلاثين وستمائة ، وخلف ولداً أقام بعده قليلاً ثم مات ، رحمهما الله تعالى . ولما مات عز الدين مسعود بن أرسلان شاه خلف ولدين نور الدين أرسلان شاه ، وكان سمي عليا في حياة جده أرسلان شاه ، فلما مات جده نور الدين سموه باسمه ، وناصر الدين محمد . (251) فتولى بعده نور الدين المذكور، وكان تقدير عمره عشر سنين، وبقي بعد أبيه قليلاً وتوفي في بقية السنة . (252) وتولى أخوه بعده ناصر الدين محمود، والمدير لأمر المملكة بدر الدين لؤلؤ الذي ملك الموصل فيما بعد . (253) وتوفي بهلوان بن الذكر١ المذكور، في سلخ ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى . (254) وتوفي والده شمس الدين الذكر الأتابك في أواخر شهر ربيع الآخر سنة سبعين وخمسمائة ، بنقجوان ، ودفن بها رحمه الله تعالى ؛ وكان أتابك السلطان أرسلان شاه بن طُفْرُلبك بن محمد بن ملكشاه بن محمد السلجوقي. ١ ر: الذكر ؛ لي : الدكز . ٢٠٨ وبعد الذكر بمقدار شهر توفي أرسلان شاه المذكور بهمذان ودفن بها رحمه الله تعالى . (255) وقتل قزل بن الذكر المذكور في أوائل شعبان سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وكان ملكاً كبيراً، وهو ابن الذكر المذكور، رحمهم الله تعالى أجمعين. والله تعالى أعلم بالصواب . ٧٢٢ مطرف الصنعاني أبو أيوب مطرف بن مازن، الكناني بالولاء، وقيل القيسي بالولاء ، الباني الصنعاني ؛ ولى القضاء بصنعاء اليمن، وحدث عن عبد الملك بن عبد العزير بن جريج وجماعة كثيرة، وروى عنه الإمام الشافعي، رضي الله عنه ، وخلق كثير . واختلفوا في روايته : فنقل عن يحيى بن معين أنه سئل عنه فقال: كذاب. وقال النسائي: مطرف بن مازن ليس بثقة. وقال السعدي١ : مطرف بن مازن الصنعاني يتثبت في حديثه حتى يُبْلى ما عنده . وقال أبو حاتم محمد بن حبان البستي : مطرف بن مازن الكناني قاضي اليمن يروي عن معمر وابن جريج ، روى عنه الشافعي وأهل العراق، وكان يحدث بما لم يسمع، ويروي ما لم يكتب جمن لم يره )، ولا تجوز الرواية عنه إلا عند الخواص للاعتبار فقط . وقال حاجب ابن سليمان : كان مطرف بن مازن قاضي صنعاء وكان رجلاً صالحاً، وذكر عنه حكاية في إبراره قسم من أقسم على أمر شنيع يفعله به . وذكر أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني أحاديث من رواية مطرف بن مازن وقال : لمطرف غير ٧٢٢ - ترجمته في ميزان الاعتدال ٤ : ١٢٥ . ١ يريد عبد الله بن محمود السعدي محدث مرو، توفي سنة ٣٠٢. ١٤ - ٥ ٢٠٩ ما ذكرت أفراد يتفرد بها عمن يرويها عنه، ولم أر فيما يرويه شيئاً! منكراً . وقال أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي : أخبرنا أبو سعيد قال ، حدثنا أبو العباس قال ، أخبرنا الربيع قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: وقد كان من حكام الآفاق من يستخلف على المصحف وذلك عندي حسن ، وقال : وأخبرني مطرف بن مازن بإسناد لا أحفظه أن ابن الزبير أمر بأن يحلف على المصحف قال الشافعي ، رضي الله عنه: ورأيت مطرفاً بصنعاء اليمن يحلف على المصحف، وقال غيره ، قال الشافعي رضي الله عنه: ورأيت ابن مازن - وهو قاضي صنعاء - يغلظ باليمين بالمصحف . وتوفي مطرف المذكور بالرقة ، وقيل بمنبج ، وكانت وفاته في أواخر خلافة هارون الرشيد ، وتوفي هارون الرشيد ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة بطوس ، وكانت ولايته يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة سبعين ومائة ، رحمه الله تعالى . وهذا مطرف ليس من المشاهير الذين أحتاج إلى ذكرهم ، والذي حملني على ذكره أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي ، رحمه الله تعالى، ذكره في كتاب ((المهذب)) في باب اليمين في الدعاوى في فصل التغليظ، فقال: ((وإن حلف بالمصحف وما فيه من القرآن فقد حكى الشافعي رضي الله عنه عن مطرف أن ابن الزبير كان يحلف على المصحف ، قال: ورأيت مطرفاً بصنعاء يستحلف على المصحف، قال الشافعي رضي الله عنه: وهو حسن)) انتهى كلام صاحب (المهذب)). ورأيت الفقهاء يسألون عن مطرف المذكور ولا يعرفه أحد، حتى غلط فيه صاحبنا عماد الدين أبو المجد إسماعيل بن أبي البركات هبة الله بن أبي الرضى بن باطيش الموصلي الفقيه الشافعي في كتابه الذي وضعه على ((المهذب» في أسماء رجاله والكلام على غريبه فقال: ((مطرف بن عبد الله بن الشخير)) ثم قال (( وتوفي سنة٢ سبع وثمانين)) يعني للهجرة ، فيا لله العجب ! شخص يموت في هذا التاريخ كيف يمكن أن يراه الشافعي رضي الله عنه ؟ ومولد الشافعي ١ ق : متناً ٢ ق : بعد سنة . ٢١٠ سنة خمسين ومائة بعد موت ابن الشخير بثلاث وستين سنة ، وما أدري كيف وقع هذا الغلط ؟ فلو أنه ما حكى تاريخ وفاته كان يمكن أن يقال : ظن أنه أدر كه الشافعي . ولما انتهيت في هذه الترجمة إلى هذا الموضع رأيت في تاريخ أبي الحسين عبد الباقي بن قانع الذي جعله مرتباً على السنين أن مطرف بن مازن توفي سنة إحدى وتسعين ومائة، وهذا يوافق ما قاله الأول من أنه توفي في أواخر خلافة مارون الرشيد . والذي أفادني هذه الترجمة على الصورة المحكية في الأول هو الشيخ الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري ، نفع الله به . ومُطَرَّف : بضم الميم وفتح الطاء المهملة وتشديد الراء المكسورة وبعدها فاء. والباقي معروف فلا حاجة إلى ضبطه وتقييده . (256) وأما مطرف الذي ذكره عماد الدين فهو أبو عبد الله مطرف بن عبد الله بن الشخير١ بن عوف بن كعب بن وقدان بن الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن معد بن عدنان ، الحرشي ، كان فقيهاً ، وكان لوالده عبد الله صحبة ، وكان مطرف من أعبد الناس وأنسکهم ، فذكروا أنه وقع بينه وبين رجل منازعة ، فرفع يديه ، وكان ذلك في مسجد البصرة ، وقال : اللهم إني أسألك أن لا يقوم من مجلسه حتى تكفيني إياه ، فلم يفرغ مطرف من كلامه حتى صُرِع الرجل فمات ، وأخذ مطرف وقدموه إلى القاضي ، فقال القاضي : لم يقتله ، وإنما دعا عليه فأجاب الله دعوته ، فكان بعد ذلك تُتقى دعوته ، ومات في سنة سبع وثمانين الهجرة [وقيل غير ذلك ]٢ وقال ابن قانع: سنة خمس وتسعين ، والله تعالى أعلم بالصواب . ١ ترجمته في طبقات ابن سعد ٧ : ١٤١ وتذكرة الحفاظ : ٦٤ ورجال ابن حيان : ٨٨. ٢ زيادة من ق . ٢١١ ٤٢٫٠٠ ٧٢٣ الواعظ المروزي أبو منصور المظفر بن أبي الحسين أزدشير بن أبي منصور العبادي، الواعظ المروزي الملقب قطب الدين ، المعروف بالأمير ؛ كان من أهل مرو ، وله اليد الطولى في الوعظ والتذكير وحسن العبارة ، ومارس هذا الفن من صغره إلى كبره )، ومهر فيه حتى صار ممن يضرب به المثل في ذلك، وصار عَيْنَ ذلك العصر)، وشهد له الكل بالفضل وحيازة قصب السبق . وقدم بغداد فأقام بها قريباً من ثلاث سنين يعقد له فيها مجالس الوعظ، ولقي من الخلق قبولاً تاماً، وحظي عند الإمام المقتفي لأمر الله، ثم خرج منها رسولاً إلى جهة السلطان سنجر بن ملك شاه السلجوقي - المقدم ذكره - فوصل إلى خراسان، ثم عاد إلى بغداد، وخرج منها إلى خوزستان في رسالة فمات بعسكر مكرم في سلخ ربيع الآخر يوم الخميس، وقيل الاثنين، سنة سبع وأربعين وخمسمائة ، وحمل تابوته إلى بغداد ، ودفن بها في الشونيزية في حظيرة الشيخ الجنيد بن محمد العبد الصالح ، رضي الله عنه . وهولده في شهر رمضان سنة إحدى وتسعين وأربعمائة ، وسمع الحديث الكثير بنيسابور من أبي علي نصر الله بن أحمد بن عثمان الخشتامي وأبي عبد الله إسماعيل بن الحافظ عبد الغافر الفارسي وغيرهما ، وروى عنه الحافظ أبو سعد السمعاني، وقال عنه: كان صحيح السماع ، ولم يكن موثوقاً به في دينه ، رأيت منه أشياء، وطالعت بخطه رسالة جمعها في إباحة شرب الخمر ، سامحه الله تعالی وعفا عنه وكان والده أبو الحسين يعرف بالأمير أيضاً، وكان مليح الوعظ حسن السيرة توفي سنة نيف وتسعين وأربعمائة ، رحمهما الله تعالى . والعَبّادي : بفتح العين المهملة وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف دال مهملة هذه النسبة إلى سنج عَبّاد ، وهي قرية من قرى مرو . ٢١٢ وسنج : بكسر السين المهملة وسكون النون وبعدها جيم ؛ وبأعمال مرو أيضاً قرية كبيرة يقال لها سِنْج، منها الفقيه أبو علي السنجي - وقد تقدم ذكره في حرف الحاء - وتكلمنا على سنج هناك، فلا يظن ظان أنهما موضع واحد ، بل هما قريتان ، وقد نبّه على ذلك جماعة من أرباب هذا الفن . وأما أزدشير فقد تقدم الكلام على ضبطه في ترجمة الوزير سابور ، فلا حاجة إلى إعادته ، والله تعالى أعلم . ٧٢٤ موفق الدين الغيلاني المصري أبو العز مظفر بن إبراهيم بن جماعة بن علي بن شامي١ بن أحمد بن ناهض من عبد الرزاق العيلاني ، الحنبلي المذهب الملقب موفق الدين ، الشاعر المشهور المصري ؛ كان أديباً عروضياً شاعراً مجيداً، صنف في العروض مختصراً جيداً دل على حذقه فيه، وله ديوان شعر رائق٢، وكان ضريراً، فمن شعره : ظبياً كحيل الطرف ألمى قالوا عشقت وأنت أعمى فنقولَ قد شغفتك ممّا وجُلاَهُ ما عاينتَها فما أطاف ولا أما وخيالهُ بكَ في المنا د، وأنتَ لم تنظرْهُ، سها من أينَ أرْسلَ للفؤا حتى كساك هواه سقما [ ومتى رأيت جماله ٧٢٤ - ترجمته في حاشية إنباه الرواة ٣: ٣٣٠ وفي الحاشية ثبت بمصادر أخرى. ١ ق : سامي. ٢ زاد في ن : في غاية الرقة ٢١٣ وبه تنمّ إذا تنسى ]! والعين داعية الهوى تَ لوصفه نثراً ونظمها وبأيّ جارحةٍ وصل ي العشق إنصاتاً وفها فأجبت إني مُوسَوٍ أهوى يجارحة السما ع، ولا أرى ذات المسمى ولقد أذكرتني هذه الأبيات أبياتاً لرجل ضرير أيضاً، والشيء بالشيء يذكر، وهي هذه : وغادةٍ قالت لأترابها يا قوم ما أعجب هذا الضرير أيمشق- الإنسان ما لا يرى فقلت والدمع بعيني غزير : فإنها قد مثلت في الضمير إِن لم تکن عيني رأت شخصها ومثل هذا أيضاً قول المهذب عمر بن محمد المعروف بابن الشحنة الموصلي الأديب الشاعر المشهور من جملة قصيدة طويلة مدح بها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ، والبيت المقصود قوله : وإني امرؤ أحببتكم لمكارم سمعت بها، والأذن كالعين تعشق وقد أخذ هذا المعنى من قول بشار بن برد الشاعر المقدم ذكره : يا قوم أُذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا٢ وكان الوزير صفي الدين أبو محمد عبد الله بن على ، عرف بابن شكر ، قد عاد من الشام إلى مصر ، فخرج أصحابه للقائه إلى الخشبي المنزلة المجاورة للعباسة، فكتب مظفر المذكور إليه هذه الأبيات ، يعتذر من تأخره عن الخروج إليه وهي : قالوا إلى الخشبي سرنا على عجل نلقى الوزير جميعاً من ذوي الرتبِ ٣ ١ زيادة من ر : ثابتة عند وستنفيلد . ٢ ولقد أذكرتني . أحياناً: لم ترد هذه الفقرة في لي بر من . ٣. ق: النسب. ٢١٤ ولم تسر أيها الأعمى، فقلت لهم: لم أخش من تعب ألقى ولا نصب وإنما النار في قلبي لوحشته فخفت أجمع بين النار والخشب وهذا المعنى مطروق لكنه استعمله حسناً وأخبرني أحد أصحابه أن شخصاً قال له : رأيت في بعض تواليف أبي العلاء المعري ما صورته : أصلحك الله وأبقاك ، لقد كان من الواجب أن تأتينا اليوم إلى منزلنا الحالي ، لكي نحدث عهداً بك يا زين الأخلاء، فما مثلك من غيّرَ عهداً أو غفل؛ وسأله : من أي الأبحر هذا ؟ وهل هو بيت واحد ام أكثر ؟ فإن كان أكثر فهل أبياته على روي واحد أم هي مختلفة الروي ؟ قال : فأفكر فيه ، ثم أجابه يجواب حسن، فلما قال لي الخبر ذلك قلت له : اصبر عليَّ حتى أنظر فيه ولا تقل ما قاله، ثم أفكرت فيه فوجدته يخرج من مجر الرجز، وهو المجزوء منه، وتشتمل هذه الكلمات على أربع أبيات على رويّ اللام، وهي على صورة يسوغ استعمالها عند العروضيين، ومن لا يكون له معرفة بهذا الفن فإنه ينكرها، لأجل قطع الموصول منها ، ولا بد من الإتيان بها لتظهر صورة ذلك ، وهي : أصلحك! الله وأب قاك لقد كان من الـ بواجب أن تأتيناً اليوم إلى منزلنا الـ بداً بك يا زين الأخل غالي لکي نحدث عهـ لاء فما مثلك من غير عهداً أو غفل وهذا إنما يذكره أهلُ هذا الشأن للمعاياة، لا لأنه من الأشعار المستعملة ، فلما استخرجته عرضته على ذلك الشخص فقال : هكذا قاله مظفر الأعمى . وقال الشيخ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المحدث المصري ، رحمه الله تعالى ، أخبرني الأديب موفق الدين مظفر الضرير الشاعر المصري أنه دخل على القاضي السعيد بن سناء الملك - قلت : وسيأتي ذكره إن ١ ق لي ر : أكرمك ٢١٥ شاء الله تعالى، واسمه هبة الله - قال : فقال لي : يا أديب، قد صنعت نصف بيت ، ولي أيام أُفكر فيه ، ولا يأتي لي تمامه، فقلت: وما هو ؟ فأنشدني : بياض عذاري من سواد عذاره قال مظفر : فقلت : قد حصل تمامه وأنشدت : كما جُلُّ ناري فيه من جلناره فاستحسنه )، وجعل يعمل عليه، فقلت في نفسي : أقوم وإلا يعمل المقطوع من كيسي١ . وبالجملة فقد خرجنا عن المقصود ، لكن الكلام يسوق بعضه بعضاً. [ وكتب مظفر المذكور لتقي الدين، ومدحه جماعة هو منهم، فخلع على الجميع ولم يخلع عليه : مظفر الشاعر الأعمى حليف ضنى العبد مملوك مولانا وخادمه رقاً، وينهي إليه بعد كلّ هنا يقبل الأرض إجلالاً لمالكه به وما منهم يعقوب غير أنا أن القميص جميع الناس قد بصروا وله يوم رمي الشواني يا أيها الملك المسرور آمله هذي شوانيك ترمى يوم سرّاءٍ كأنما هي عقبان بها ظمأ طارت من البحر وانقضت على الماءِ وله في يوم لعبها: مثل الشواهين بين السهل والجبل مولاي هذه الشواني في ملاعبها تسقي مجاذيفها ماءً وتنفضه نفض العقاب جناحيها من البلل وله يصف فانوس الجامع العتيق بمصر : أرى علماً للناس في الصوم ينصب على جامع ابن العاص أعلاه كوكب ١ وقال الشيخ ... كيسي: سقط من لي بر من ٢١٦ وما هو في الظلماء إلا كأنه على رمح زنجيّ سنان مذهب ومن عجب ان الثريا سماؤها مع الليل تلهي كلّ من يترقب وطوراً يحييها بكاس تلهب قطوراً تحييه بباقة نرجس بفانوس نارٍ نحوها يتطلب وما الليل إلا قانص الغزالة إذا قربت منه الغزالة يهرب ولم أر صياداً على البعد قبله وشعره كثير ]١ . وكانت ولادة مظفر المذكور خمس بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة بمصر . وتوفي بها سحر يوم السبت التاسع من المحرم سنة ثلاث وعشرين وستمائة ، ودفن من الغد بسفح المقطم ، رحمه الله تعالى . والعيلاني: بفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعد اللام ألف فون، هذه النسبة إلى قيس عَيْلان، وقيل قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن عدنان ، فمن قال إنه قيس عيلان فقد اختلفوا في عيلان ماذا؟ فمنهم من قال : هو اسم فرس كان له فأضيف إليه ، وقيل اسم كلب كان له ، وقيل اسم رجل كان قد حضنه صغيراً ، وإنما أضيف إلى عيلان لأنه كان في عصره شخص يقال له قيس كبَّة - بضم الكاف وتشديد الياء الموحدة - وهو اسم فرس كانت له أيضاً ، فكان كل واحد منهما يضاف إلى ما له ليتميز عن الآخر ، والله أعلم، وقد قيل إن قيس عيلان اسمه الناس - بالنون- وهو أخو إلياس - بالياء - جد النبي صلى الله عليه وسلم ، والله أعلم بالصواب ١ زيادة من لي وبر من ، واردة عند وستنفيلد . ٢١٧ ٧٢٥ الهرّا النحوي أبو مسلم معاذ بن مسلم الهرّا النحوي الكوفي"، من موالي محمد بن كعب القرظي ؛ قرأ عليه الكسائي وروى الحديث عنه ، وحُكِيت عنه في القراءات حكايات كثيرة ، وصنف في النحو كثيراً ، ولم يظهر له شيء من التصانيف ، وكان يتشيع ، وله شعر كشعر النحاة . وكان في عصره مشهوراً بالعمر الطويل، وكان له أولاد وأولاد أولاد، فمات الكل وهو باق . وحكى بعض كتابه قال : صحبت معاذ بن مسلم زماناً ، فسأله رجل ذات يوم : كم سنك ؟ فقال : ثلاث وستون ، قال : ثم مكث بعد ذلك سنين وسأله: كم سنك ؟ فقال ثلاث وستون ، فقلت : أنا معك منذ إِحدى وعشرين سنة، وكلما سألك أحد: كم سنك ؟ تقول : ثلاث وستون ، فقال : لو كنت معي إحدى وعشرين سنة أخرى ما قلت إلا هذا . وقال عثمان بن أبي شيبة : رأيت معاذ بن مسلم الهرا، وقد شد أسنانه بالذهب من الكبر ، وفيه يقول أبو السريّ سهل بن أبي غالب الخزرجي الشاعر المشهور١ : إن معاذ بن مسلم رجل - ليس لميقات عمره أمَدُ قد شاب رأس الزمان واكتهل الدهر وأثواب عمره جُدُّد قد ضج من طول عمرك الأبد قل لمعاذ إذا مررت به يا بكرَ حَوّاء كم تعيش وكم تسحب ذيل الحياة يا لُبَد وأنت فيها كأنك الوَتِد قد أصبحت دار آدم خربت ٧٢٥ - ترجمته في نور القبس : ٢٧٦ وعبر الذهبي ١ : ٢٩٨ وانباه الرواة ٣: ٢٨٨ (وانظر مصادر أخرى في الحاشية ) . ١ وردت في بعض المصادر المشار اليها ، وانظر الحيوان ٧ : ٥١ ٢١٨ تسأل غربانها إذا نعبت كيف يكون الصداع والرمد مصححاً كالظلم ترفل في بُرْديك مثل السعير تتقد صاحَبْتَ نوحا ورضت بغلة ذي القرنين شيخا لولدك الولد فارجل ودعنا لأن غايتك الموت وإِن شد ركنك الجلد قوله ((تسحب ذيل الحياة يا ليد)) فهذا لُيَدُ آخر نسور لقمان بن عاد ، وكان لقمان قد سيره قومه - وهم عاد الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز - إلى الحرم يستقي لها ، فلما هلكت عادُ خيّر لقمان بين أن يعيش عمر سبع بعرات سمر أو عمر سبعة أنسر ، كلما هلك نسر خلف بعده نسر ، فاختار النسور ، فكان يأخذ الفرخ عند خروجه من البيضة فيربيه فيعيش ثمانين سنة ، وهكذا ، حتى هلك منها ستة ، وبقي السابع فسمي لبداً، فلما كبر وعجز عن الطيران كان يقول له لقمان : انهض لبد ، فلما هلك لبد مات لقمان، وقد ذكرت العرب لبداً في أشعارها كثيراً، فمن ذلك قول النابغة الذبياني : أضحت خَلاء وأضحى أهلها احتَمَلوا أخنى عليها الذي أخنى على لبدٍ رجعنا إلى حديث معاذا : لما مات بنوه وحفَدته قال : ما يرتجي في العيش من قد طّوَّى من عمره الذاهب تسعينا أفنى بنيه وبنيهم فقد جَرّعِه الدهر الأمرينا لا بد أن يشرب من حوضهم وإن تراخى عمره حينا وكان معاذ المذكور صديقاً للكيت بن زيد الشاعر المشهور ؛ قال محمد بن سهل راوية الكيت : صار الطرماح الشاعر إلى خالد بن عبد الله القسري أمير ١ قوله تسحب ... حديث معاذ : سقط من ر لي بر من . ٢١٩ العراقين وهو بواسط فامتدحه، فأمر له بثلاثين ألف درهم وخلع عليه حُلِّي وشي لا قيمة لهما١، فبلغ ذلك الكميت، فعزم على قصده ، فقال له معاذ الهرا: لا تفعل فلست كالطرماح ، فإنه ابن عمه ، وبينكما بون : أنت مصري وخالد يني متعصب على مضر ، وأنت شيعي وهو أموي ، وأنت عراقي وهو شامي ، فلم يقبل إشارته ، وأبى إلا قصد خالد ، فقصده ، فقالت اليانية لخالد : قد جاء الكميت وقد هجانا بقصيدة نونية فخر فيها علينا ، فحبسه خالد وقال : في حبسه صلاح لأنه يهجو الناس ويتأكلهم ، فبلغ ذلك معاذاً فغمه فقال: نصحتك والنصيحة إن تَعَدَّت هَوى المنصوح عَزَّ لها القبولُ فخالفت الذي لك فيه رشد فغالت دون ما أملت غول فعاد خلاف ما تهوى خلافاً له عرض من البلوى طويل فبلغ الكميت قوله ، فكتب إليه : أراك كمهدي الماء للبحر حاملا إلى الرمل من يبرين مُتَّجراً رملا ثم كتب تحته : قد جرى علىَّ القضاء فما الحيلة الآن ؟ فأشار عليه أن يحتال في الهرب ، وقال له : إن خالداً قاتلك لا محالة ، فاحتال بامرأته ، وكانت تأتيه بالطعام وترجع، فلبس ثيابها وخرج كأنه هي، فلحق بمسلمة بن عبد الملك فاستجار به وقال : خرجت خروج القِدْحِ قدح ابن مقبل إليك على تلك الهزاهز والأزل عزيمة رأى أشبهت سلة الفصل عليَّ ثيابُ الغانيات وتحتها فكان ذلك سبب نجاته من خالد . وسأل شخص معاذاً عن مولده فقال : ولدت في أيام يزيد بن عبد الملك أو في أيام عبد الملك ؛ وكان يزيد بن عبد الملك قد تولى بعد موت عمر بن عبد العزيز في شهر رجب سنة إحدى ومائة ، وتوفي في شعبان سنة خمس ومائة ، : أي لا يمكن تقدير قيمتهما . ٢٢٠