Indexed OCR Text
Pages 181-200
نقرتين كنقرات الديك من غير فصل ومن غير ركوع ، وتشهد، وضرط في آخره ، من غير نية السلام، وقال : أيها السلطان، هذه صلاة أبي حنيفة١، فقال السلطان : لو لم تكن هذه الصلاة صلاة أبي حنيفة لقتلتك ، لأن مثل هذه الصلاة لا يجوزها ذو دين ، فأنكرت الحنفية أن تكون هذه صلاة أبي حنيفة ، فأمر القفال بإحضار كتب أبي حنيفة ، وأمر السلطان نصرانياً كاتباً يقرأ٢ المذهبين جميعاً، فوجدت الصلاة على مذهب أبي حنيفة على ما حكاه القفال ، فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة ، وتمسك بمذهب الشافعي رضي الله عنه؟ انتهى كلام إمام الحرمين . وكانت مناقب السلطان محمود كثيرة ، وسيرته من أحسن السير ، ومولده ليلة عاشوراء سنة إحدى وستين وثلثمائة . وتوفي في شهر ربيع الآخر ، وقيل حادي عشر صفر، سنة إحدى، وقيل اثنتين وعشرين وأربعمائة بغَزفّة، رحمه الله تعالى . (242) وقام بالأمر من بعده ولده محمد بوصية من أبيه ، واجتمعت عليه الكلمة ، وغمرهم بإنفاق الأموال فيهم ، وكان أخوه أبو سعيد مسعود غائباً ، فقدم نيسابور وقد استتب أمر أخيه محمد، فراسله، ومال الناس إليه لقوة نفسه وتمام٣ هيبته ، وزعم أن الإمام القادر بالله قلده خراسان ، ولقبه الناصر لدين الله وخلع عليه وطوقه سواراً ، فقوي أمره لذلك . وكان محمد هذا سيء التدبير منهمكاً في ملاذه ، فأجمع الجند على عزل محمد وتولية الملك لمسعود ، ففعلوا ذلك ، وقبضوا على محمد وحملوه إلى قلعة ووكلوا به . (243) واستقر الملك للأمير مسعود ، وجرى له مع بني سلجوق خطوب يطول شرحها . وله في ترجمة المعتمد بن عباد حكاية في المنام ، فلتنظر هناك٤ . وقتل سنة ثلاثين وأربعمائة ، واستولى على المملكة بنو سلجوق ، وقد تقدم في ١ في حاشية ق تعليق بغير خط الأصل في الدفاع عن مذهب أبي حنيفة . ٢ ن : فقراً. ٣ ن رق: في تمام. ٤٠ لم يرد شيء من ذلك في ترجمة المعتمد ١٨١ ترجمة السلطان طُغْرُلبَك السلجوقي طرف من الخبر ، وكيفية ما اعتمده السلطان محمود في حقهم ، وكيف تغلبوا على الأمر . وسُبُكْتِكين : بضم السين المهملة والباء الموحدة وسكون الكاف وكسر التاء المثناة من فوقها والكاف الثانية وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون . وتفسير (( دو بركك سبز)) ورقتان خضراوان، وهو معنى قوله تعالى في سورة الرحمن ﴿ مدهامتان﴾ ( الرحمن: ٦٤) والله تعالى أعلم. ٧١٤ مغیث الدين السلجوقي أبو القاسم محمود بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي ، الملقب مغيث الدين ، أحد الملوك السلجوقية المشاهير ، وقد تقدم ذكر والده وجماعة من أهل بيته وسيأتي ذكر جده وغيره منهم إن شاء الله تعالى ، وتقدم طرف من خبره في ترجمة العزيز أبي نصر أحمد بن حامد الأصبهاني عم العماد الكاتب . تولى أبو القاسم المذكور السلطنة بعد وفاة والده ، وخطب له بها بمدينة بغداد على جاري عادة الملوك السلجوقية ، يوم الجمعة الثالث والعشرين من المحرم سنة اثنتي عشرة وخمسمائة ، في خلافة المستظهر بالله ، وهو يومئذ في سن الحلم ، وكان متوقداً ذكاء ، قوي المعرفة بالعربية، حافظاً للأشعار والأمثال ، عارفاً بالتواريخ والسير ، شديد الميل إلى أهل العلم والخير ، وكان حَيْصَ بَيْصَ الشاعر المقدم ذكره قد قصده من العراق ومدحه بقصيدته الدالية المشهورة التي أولها : ألق الحدائجَ ترع الضمرُ القودُ طال السرى وتشكت وَخْدَك البيدُ ٧١٤ - أخباره في تاريخ ابن الأثير ( ج : ١٠) وتاريخ الدولة السلجوقية وابن خلدون ٥ : ٤٥ والسلوك ١ : ٣٤ والباهر: ٤٢ والمنتظم ١٠: ٢٤ وعبر الذهبي ٤: ٦٦ والشذرات ٤: ٧٦ . ١٨٢ يا ساريَ الليل لا جَدْبٌ ولا فرق فالنبتُ أُعيد والسلطان محمودُ قَبْلٌ تألفتِ الأضدادُ خيفته فالمورد الضنك فيه الشاء والسِّيد وهي طويلة ومن غرر القصائد ، وأجازه عليها جائزة سنية . وقد كان تزوج بنتي عمه السلطان سنجر - المقدم ذكره - حسبما شرحناه في ترجمة العزيز الأصبهاني، واحدة بعد الأخرى ، وكانت السلطنة في أواخر أيامه قد ضعفت وقلت أموالها، حتى عجزوا عن إقامة وظيفة الفقاعي ، فدفعوا له يوماً بعض صناديق الخزانة حتى باعها وصرف ثمنها في حاجته ، وكان في آخر مدته قد دخل بغداد ، ثم خرج منها ، فمرض في الطريق واشتد به المرض ، وتوفي يوم الخميس خامس عشر شوال سنة خمس وعشرين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى . وذكر ابن الأزرق الفارقي في تاريخه أنه مات خامس عشر شوال سنة أربع وعشرين بباب أصبهان، ودفن بها. وولي السلطنة أخوه طُغْرُ لبَك، ومات سنة سبع عشرين، وتولى أخوه مسعود وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى . (244) وابنه محمد شاه بن محمود بن محمد هو الذي حاصر بغداد ومعه زين الدين أبو الحسن علي بن بلتكين صاحب إربل في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة ، وقال شيخنا ابن الأثير في سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة - قال ذلك في تاريخه الصغير المعروف بالأتابكي : ومات محمد شاه المذكور في ذي الحجة سنة أربع وخمسين وخمسمائة ، وتاريخ وفاة زين الدين المذكور مذكور في ترجمة ولده مظفر الدين صاحب إربل في حرف الكاف ؛ ومات محمد شاه بباب همذان ، ومولده في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة . ١٨٣ ٧١٥ الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن عماد الدين زنكي بن آق سنقر، الملقب الملك العادل نور الدين ، قد تقدم ذكر أبيه في حرف الزاي . ولما حاصر أبوه قلعة جعبر - حسبما تقدم ذكره في ترجمته - كان ولده نور الدين المذكور في خدمته ، فما قتل أبوه سار نور الدين وفي خدمته صلاح الدين محمد بن أيوب اليغيساني وعساكر الشام إلى مدينة حلب١ فملكها في ذلك التاريخ . وملك أخوه سيف الدين غازي - المذكور في حرف الغين - مدينة الموصل وما والاها من تلك النواحي . ثم إنه نزل على دمشق محاصراً لها وصاحبُها يومئذ مجير الدين أبو سعيد أبق ابن جمال الدين محمد بن تاج الملوك بوري بن ظهير الدين طفتكين ، وهو أنابك الملك دُقاق بن تُنُش - المقدم ذكره في ترجمة تتش في حرف التاء - وكان نزوله عليها ثالث صفر سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وملكها يوم الأحد تاسع الشهر المذكور ، وعوض مجير الدين أبق عن دمشق حمص ثم أخذها منه وعوضه عنها بالس ، فانتقل إليها وأقام بها مدة ثم قصد بغداد في أيام الإمام المقتفى . وكان أتابكه معين الدين أنر بن عبد الله عتيق جد أبيه ظهير الدين طفتكين الأنابك - المقدم ذكره في ترجمة تتش السلجوقي ، وقد سبق ذكر ظهير الدين طفتكين الأتابك هناك أيضاً . ثم استولى نور الدين محمود على بقية بلاد الشام من حَماة٢ وبعلبك، وهو ٧١٥ - أخباره في الباهر والكامل ( ج: ١١) وابن خلدون ٥: ٢٥٣ وابن الوردي ٢: ٨٣ ومرآة الزمان : ٣٠٥ ومفرج الكروب ( ج : ١) والنجوم الزاهرة ٦: ٧١ والمنتظم ١٠: ٢٤٨ وعبر الذهبي ٤: ٢٠٨ والشذرات ٤: ٢٢٨ ولابن قاضي شهبة مؤلف في سيرته باسم (( الكواكب الدرية في السيرة النورية))، تحقيق الدكتور محمود زايد (بيروت ١٩٧١). ٢ لي : حمص وحماة . ١ زاد في في بر من : وحماه وحمص ومنبج وحر ان ١٨٤ الذي بنى سورها ، ومنبج وما بين ذلك ، وافتتح من بلاد الروم عدة حصون منها مرعش وبهنا١ وتلك الأطراف ، وكان فتحه لمرعش في ذي القعدة من سنة ثمان وستين وخمسمائة ولبهسنا في ذي الحجة من السنة٢، وافتتح أيضاً من بلاد الفرنج حارم، وكان فتحها في أواخر شهر رمضان سنة تسع وخمسمائة ، وفتح أعزاز وبانياس وغير ذلك ما تزيد عدته على خمسين حصناً . ثم سير الأمير أسد الدين شير كوه - المقدم ذكره - إلى مصر ثلاث دفعات، وملكها السلطان صلاح الدين في الدفعة الثالثة ٣ نيابة عنه، وضرب باسمه السكة والخطبة، وهي قضية مشهورة فلا حاجة إلى الإطالة في شرحها؛، وسيأتي ذلك في ترجمة صلاح الدين إن شاء الله تعالى . وكان ملكاً عادلاً زاهداً عابداً ورعاً ، مستمسكاً" بالشريعة مائلاً إلى أهل الخير ، مجاهداً في سبيل الله تعالى ، كثير الصدقات ، بنى المدارس يجميع بلاد الشام الكبار مثل دمشق وحلب وحماة وحمص وبعلبك ومنبج والرحبة ، وقد تقدم ذلك في ترجمة الشيخ شرف الدين بن أبي عصرون ، وبنى بمدينة الموصل الجامع النوري ورتب له ما يكفيه ، وبحماة الجامع الذي على نهر العاصي ، وجامع الرها وجامع منبج ، وبيارستان دمشق ، ودار الحديث بها أيضاً ، وله من المناقب والمآثر والمفاخر ما يستغرق الوصف . وكان بينه وبين أبي الحسن سنان بن سليمان٦ بن محمد الملقب راشد الدين صاحب قلاع الإسماعيلية ومقدم الفرقة الباطنية بالشام ، وإليه تنسب الطائفة السنانية ، مكاتبات ومحاورات بسبب المجاورة ، فكتب إليه نور الدين في بعض الأزمنة كتاباً يتهدده فيه ويتوعده٧ لسبب اقتضى ذلك ، فشق على سنان فكتب ١ ق : وبهنشا ، لي : وبهشنا ٢ زاد هنا في ق: واعزاز وبانياس في ذي الحجة من السنة المذكورة ؛ وسيأتي هذا بعد قليل . ٣ ق : الأولى والثالثة. ٤ ق : في ذكرها وشرحها. ٥ ق ر بر من : متمسكا . ٦ ق ر لي بر من : سلمان . ٧ لي ر ن : ويتواعده . ١٨٥ جوابه أبياتاً ورسالة ، وهما : يا ذا الذي بقراع السيف هَدَّدَنا١ لا قام مصرع جنبي حين تصرعه واستيقظت الأسود البر أضْبُعه قام الحمام إلى البازي يهدِّده يكفيه ما قد تُلاقي منه إصبعه أضحى يسدُّ فم الأفعى بأصبعه وقفنا على تفاصيله٢ وجمله، وعلمنا ما هددَنا به من قوله وعمله ، فيالله العجب من ذبابة تطن في أذن فيل، وبعوضة تُعَدُّ في التماثيل، ولقد قالها من قبلك قوم آخرون، فدمرنا عليهم وما كان لهم من ناصرين، أوَ الحق تدحضون ، وللباطل تنصرون ؟ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ، وأما ما صدر من قولك في قطع راسي ، وقلعك لقلاعي من الجبال الرواسي ، فتلك أماني كاذبة ، وخيالات غير صائبة، فإن الجواهر لا تزول بالأعراض، كما أن الأرواح لا تضمحل بالأمراض ، كم بين قوي وضعيف ، ودني وشريف ؟ وإن عدنا إلى الظواهر والمحسوسات ، وعدلنا عن البواطن والمعقولات ، فلنا أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ((ما أوذي نيّ ما أوذيت)) ولقد علمتم ما جرى على عترته ، وأهل بيته وشيعته ، والحال ما حال ، والأمر ما زال ، ولله الحمد في الآخرة والأولى إذ نحن مظلومون لا ظالمون، ومغصوبون لا غاصبون ، وإذا جاء الحق زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، ولقد علمتم ظاهر حالنا ، وكيفية رجالنا ، وما يتمنونه من الفوت ، ويتقربون به إلى حياض الموت ، ﴿قل فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ، ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين﴾ ( الجمعة ٦ - ٧) وفي أمثال العامة السائرة : أوَ البط تهددون بالشط ؟ فَهَيِّىء للبلايا جلباباً، وتدرع الرزايا أثواباً، فلأظهرن عليكَ منك، ولأفتنّنهم٣ فيك عنك ، فتكون كالباحث عن حَتفه بظُلفه ، والجادع مارنَ ١ لي : هددني . ٢ ق لي : تفصيله . ٣ وردت هذه اللفظة بصور مختلفة في النسخ: ن: ولا يقيتهم؛ ر: ولا نصبهم؛ لي : ولا يفنيهم ؛ بر من : ولا يقتيهم . ١٨٦ أنفه بكفه ، وما ذلك على الله بعزيز . وهذه الرسالة نقلت من خط القاضي الفاضل على هذه الصورة ، ورأيت في نسخة زيادة على هذا، وهي: فاذا وقفت على كتابنا هذا فكن لأمرنا بالمرصاد ، ومن حالك على اقتصاد ، وأقرأ أول النحل وآخر صاد ؛ والصحيح أنه كتبها إلى السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ، والله أعلم ؛ ورأيت في بعض النسخ زيادة بيت في أول الأبيات الثلاثة ، وهو : يا للرجال لأمرٍ مالَ مفظعه ١ ما مر قطُّ على سمعي توقعه وكتب سنان المذكور مرة أخرى إليه ، وقد جرت بينهما وحشة : بنا نِلتَ هذا الملك حتى تأثْلتْ بيوتكَ فيها واشْمَخرَّ عمودها فأصبحتَ ترمينا بنبل بنا استوى مغارسها منا ، وفينا حديدها وبالجملة فإن محاسن نور الدين كثيرة ؛ وكانت ولادته يوم الأحد عند طلوع الشمس سابع عشر شوال سنة إحدى عشرة وخمسمائة ؛ وتوفي يوم الأربعاء حادي عشر شوال سنة تسع وستين وخمسمائة ، بقلعة دمشق ، بعلة الخوانيق ، وأشار عليه الأطباء بالفَصْد فامتنع، وكان مهيباً فما روجع. ودفن في بيت بالقلعة كان يلازم الجلوس فيه والمبيت أيضاً، ثم نقل إلى تربته بمدرسته التي أنشأها عند باب سوق الخواصين ، وسمعت من جماعة من أهل دمشق يقولون : إن الدعاء عند قبره مستجاب ، ولقد جربت ذلك فصح ، رحمه الله تعالى . [ وذكر شيخنا عز الدين أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري في تاريخه الكبير الذي سمّاه ((الكامل)) في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة٢ أن نور الدين المذكور نزل في البقيعة تحت حصن الاكراد في السنة المذكورة محاصراً الحصن الاكراد ، وعازماً على قصد طرابلس وهو في جميع عساكره ، فاجتمع من الفرنج خلق كثير وكبسوهم في النهار والمسلمون في غفلة عنهم ، فلم يتمكنوا. ١ ق ر لي بر من : مقطعه . ٢ الكامل ١١: ٢٩٥ - ٢٩٦ ١٨٧ من الاستعداد لهم وهربوا منهم ، ونجا نور الدين بنفسه وهي وقعة مشهورة معروفة ، ونزل على بحيرة قدس بالقرب من حمص ، وبينه وبين الفرنج مقدار أربعة فراسخ ، فسير إلى حلب وبقية البلاد وأحضروا الأموال الكثيرة وأنفقها ليقوي جيشه ثم يعود إليهم فيستوفي الثار ، فقال له بعض أصحابه : إن في بلادك إدرارات وصدقات وصلات كثيرة على الفقهاء والصوفية والقرّاء ، ولو استعنت بها في هذا الوقت لكان أصلح ، فغضب من ذلك غضباً شديداً وقال : إني لا أرجو النصر إلا بأولئك، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم، كيف أقطع صلات قوم يقاتلون عني وأنا نائم على فراشي بسهام لا تخطىء ، وأصرفها إلى من لا يقاتل عني إلا بسهام قد تصيب وتخطىء ؟ وهؤلاء القوم لهم نصيب في بيت المال فكيف يحل أن أعطيه غيرم ؟ ] وكان اسمر اللون طويل القامة حسن الصورة، ليس بوجهه شعر سوى ذقنه . (245) وكان قد عهد بالملك إلى ولده الملك الصالح عماد الدين إسماعيل وعمره يوم مات أبوه إحدى عشرة سنة، فقام بالأمر من بعده ، وانتقل من دمشق إلى حلب ودخل قلعتها يوم الجمعة مستهل المحرم سنة سبعين وخمسمائة ، وخرج السلطان صلاح الدين من مصر ، وملك دمشق وغيرها من بلاد الشام ، ولم يبق عليه سوى مدينة حلب، ولم يزل الصالح بها إلى أن توفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من رجب سنة سبع وسبعين وخمسمائة ، وذكروا أنه لم يبلغ عشرين سنة، والله أعلم . وكان مبدأ مرضه في تاسع شهر رجب من السنة المذكورة ، وحدث له قولنج في مستهل جمادى الأولى، وكان لموته وقع عظيم في قلوب الناس ، وتأسفوا عليه لأنه كان محسناً محمود السيرة ، ودفن في المقام الذي في القلعة ، ثم نقل إلى رباطه المعروف به تحت القلعة، وهو مشهور هناك، رحمه الله تعالى . (246) وتوفي مجير الدين أبق ٢ المذكور في سنة أربع وستين وخمسمائة ببغداد، ١ لم ترد في النسخ، وانما اثبتها وستنفيلد . ٢ راجع أخبار مجير الدين في ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي . ١٨٨ ودفن في داره ، كذا وجدته في بعض المسودات التي بخطي، والله أعلم، ومولده يوم الجمعة ثامن شعبان سنة أربع وثلاثين وخمسمائة ببعلبك ، والله تعالى أعلم . ٧١٦ مروان بن أبي حفصة أبو السمط - وقيل أبو الهندام - مروان بن أبي حفصة سليمان بن يحيى ابن أبي حفصة يزيد ، الشاعر المشهور ؛ كان جده أبو حفصة مولى مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي، فأعتقه يوم الدار، لأنه أبلى يومئذ ، فجعل عتقه جزاءه، وقيل إن أبا حفصة كان يهودياً طبيباً أسلم على يد عثمان بن عفان رضي الله عنه. وقيل على يد مروان بن الحكم ، ويزعم أهل المدينة أنه كان من موالي السَّمَوْأل بن عادياء اليهودي المشهور بالوفاء صاحب القصة المشهورة مع امرئ القيس بن حُجْر الشاعر المشهور، وأن أبا حفصة سبي من إصطخر وهو غلام فاشتراه عثمان رضي الله عنه ، ووهبه لمروان بن الحكم . ومروان بن أبي حفصة الشاعر المذكور من أهل اليمامة ، وقدم بغداد ومدح المهدي وهارون الرشيد، وكان يتقرب إلى الرشيد بهجاء العلويين، ومروان المذكور من الشعراء المجيدين، والفحول المقدمين. [ حكى ابن سيف١ عن أبي خليفة عن ابن سلام قال: لما أتشد مروان بن أبي حفصة المهديّ قصيدته التي يقول فيها : إليك قسمنا النصف من صلواتنا مسيرة شهر بعد شهر نواصله ٧١٦ - ترجمته في الفهرست: ١٦٠ والأغاني ١٠: ٧٤ ومعجم المرزباني: ٣٩٦ والشعر والشعراء ٦٤٩ وتاريخ بغداد ١٣ : ١٤٢ وصفحات من أمالي المرتضى، والفلاكة: ٨٠ والموشح: ٢٥١ وطبقات ابن المعتز: ٤٢ ومطالع البدور ١: ٧٣ والشذرات ١ : ٢٠١. ١ وستنفيلد : ابن يوسف . ١٨٩ فلا نحن نخشى أن يخيب رجاؤنا لديك ولكن أهنأ العيش عاجله فقال له المهدي ، قف بحيث أنت ، كم قصيدتك هذه من بيت ؟ قال : سبعون بيتاً، قال : فلك سبعون ألفاً، لا تتم إنشادك حتى يحضر المال، فأحضر المال، فأنشد القصيدة وقبضه وانصرف ]١ . ذكره أبو العباس بن المعتز في كتاب ((طبقات الشعراء)) فقال في حقه٢: وأجود ما قاله مروان قصيدته الغراء اللامية وهي التي فضل بها على شعراء زمانه ، يمدح فيها معن بن زائدة الشيباني، ويقال إنَّه أخذ منه عليها مالاً كثيراً لا يقدر قدره ، ولم ينل أحد من الشعراء الماضين ما ناله مروان بشعره ، فمما ناله ضربة واحدة ثلثمائة ألف درهم من بعض الخلفاء بسبب بيت واحد ؛ انتهى كلام ابن المعتز . والقصيدة اللامية طويلة تناهز الستين بيتاً ولولا خوف الإطالة لذكرتها ، ولكن نأتي ببعض مديحها وهو في أثنائها٣ : بنو مَطَرٍ يومِ اللقاء كأنهم أسُودٌ لهم في بطن خَفَانَ أشْبُلُ لجارهمُ بين السماكين منزل هُمُ يمنعون الجارّ حتى كأنما حرام عليه قول ((لا)) حين يسأل تجنب ((لا)) في القول حتى كأنه فلا نحن ندري أي يوميه أفضل تشابه يوماه علينا فأشكلا أيوم نداه الغمر أم يوم بؤسه وما منهما إلا أغرُ مُحجّل كأولهم في الجاهلية أول بها ليل في الإسلام سادوا ولم يكن هم القوم إن قالوا أصابوا ، وإن دعوا وما يستطيع الفاعلون فعالهم أجابوا، وإن أعطوا أصابوا وأجزلوا وإن أحسنوا في النائبات وأجملوا وأحلامهم منها لدى الوزن أثقل ثُلاث بأمثال الجبال حُباهُم؛ ١ زيادة من لي بر ، وردت عند وستنفيلد . ٢ طبقات الشعراء : ٥١ وفيه اختلاف عما أورده المؤلف . ٣ انظر المصدر السابق : ٤٣ . ٤ لي : جباههم ؛ بر : خباهم . ١٩٠ هذا لعمري هو السحر الحلال المنقح لفظاً ومعنى ، وحقه أن يفضل على شعراء عصره وغيرهم ، وله في مدائح معن المذكور ومراثيه كل معنى بديع ، وسيأتي شيء من ذلك في أخبار معن إن شاء الله تعالى . وحكى ابن المعتز أيضاً عن شراحيل بن معن بن زائدة أنه قال : عرضت في طريق مكة ليحيى بن خالد البرمكي ، وهو في قبة ، وعديله القاضي أبو يوسف الحنفي وهما يريدان الحج ، قال شراحيل : فإني لأسير تحت القبة إذ عرض له رجل من بني أسد في شارة حسنة ، فأنشده شعراً ، فقال له يحيى بن خالد في بيت منها : ألم أنهك عن مثل هذا البيت أيها الرجل ؟ ثم قال : يا أخا بني أسد ، إذا قلت الشعر فقل كقول الذي يقول ، وأنشده الأبيات اللامية المقدم ذكرها ، فقال له القاضي أبو يوسف، وقد أعجبته الأبيات جداً: مَن قائل هذه الأبيات يا أبا الفضل ؟ فقال يحيى : يقولها مروان بن أبي حفصة يمدح بها أبا هذا الفتى الذي تحت القبة ، قال شراحيل: فَرَمَقَني أبو يوسف بعينيه وأنا راکب على فرس لي عتيق وقال لي: من أنت يا فى حياك الله تعالي وقربك قلت : أنا شراحيل بن معن بن زائدة الشيباني، قال شراحيل : فوالله ما أتت عليّ ساعة قط كانت أقر لعيني من تلك الساعة ارتياجاً وسروراً . ويحكى أن ولداً لمروان بن أبي حفصة المذكور دخل على شراحيل المذكور فأنشده : أيا شراحيل من معن بن زائدة يا أكرم الناس من عجم ومن عربٍ فأعطني مثل ما أعطى أبوك أبي أعطى أبوك أبي مالاً فعاش به ما حل قط أبي أرضاً أبوك بها إلا وأعطاهُ قنطاراً من الذهب فأعطاه شراحيل قنطاراً من الذهب . ومما يقارب هذه الحكاية ما يروى عن أبي مليكة جَرْوَل بن أوس المعروف بالحُطَيئة الشاعر المشهور لما اعتقله عمر بن الخطاب، رضي الله عنه ، لبذاءة ١ لم ترد هذه القصة في الطبقات. ١٩١ لسانه وكثرة هجوه الناس ، كتب إليه من الاعتقال : ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ حمر الحواصل لا ماء ولا شجرُ فارحم عليك سلام الله يا عمر ألقيت كاسبهم في قعر مُظلمة ألقت إليك مقاليد النهي البشر أنت الإمام الذي من بعد صاحبه. لكن لأنفسهم قد كانت الأثر ما آثروك بها إذا قدموك لها١ فأطلقه ، وشرط عليه أن يكف لسانه عن الناس ، فقال له : يا أمير المؤمنين اكتب لي كتاباً إلى علقمة بن عُلاثة لأقصده به ، فقد منعتني التكسب بشعري وكان علقمة مقيماً بحُوران، وهو من الأجواد المشهورين - قال ابن الكلبي في كتاب (( جمهرة النسب)): هو علقمة بن عثلاثة بن عوف بن ربيعة، ويقال له الأحوص لصغر عينيه ، ابن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن - وكان عمر ، رضي الله عنه استعمله على حوران ، فامتنع عمر رضي الله عنه من ذلك ، فقيل له : يا أمير المؤمنين وما عليك من ذلك ؟ علقمة ليس من عمالك٢ فتخشى من ذلك أن تأثم، وإنما هو رجل من المسلمين تشفع بك إليه . فكتب له بما أراد ، فمضى الحطيئة بالكتاب ، فصادف علقمة قد مات والناس منصرفون من قبره ، وابنه حاضر ، فوقف عليه ثم أنشد٣: بجوران أمسى علقتهُ الحبائلُ لعمري لنعم المرء من آل جعفر فما في حياةٍ بعد موتك طائل فإن تحي لا أملل حياتي،وإن تمت وبين الغنى إلا ليالٍ قلائل وما كان بيني لو لقيتُكَ سالما. فقال له ابنه : كم ظننت أن علقمة كان يعطيك لو وجدته حياً ؟ فقال : مائة ناقة يتبعها مائة من أولادها ، فأعطاه ابنه إياها . ١ ق : اذ كنت موثلها . ٢ قد مر قبل قليل أن عمر هو الذي استعمله على حوران . ٣ ديوان الحطيئة: ٢١٦ . ١٩٢ والبيتان الأخيران من هذه الثلاثة وجدتها في ديوان النابغة الذبياني ، واسمه زياد بن معاوية بن جابر، من جملة قصيدة يرئي بها النعمان بن أبي شمر الغساني . وأخبار ابن أبي حفصة ونوادره ومحاسنه كثيرة ، فلا حاجة إلى الإطناب بذكرها، وكانت ولادته سنة خمس ومائة . وتوفي سنة إحدى وثمانين ، وقيل سنة اثنتين وثمانين ومائة ببغداد، ودفن بمقبرة نصر بن مالك الخزاعي ، رحمه الله تعالى . (247) وحفيده مروان الأصغر١، وهو أبو السمط مروان بن أبي الجنوب ابن مروان الأكبر المذكور، وكان من شعراء عصره المشاهير المقدمين ، وذكر المبرد في كتاب ((الكامل))٢ طرفاً من أخبار عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري ثم قال : ويروى أن عبد الرحمن المذكور لدغه زنبور فجاء أباه بيكي، فقال له: ما بك ؟ قال: لسعني طائر كأنه ملتف في بردَيْ حِبَرة ، فقال أبوه : قلت الشعر والله ؟ ثم قال بعد ذلك: وأعرق قومٍ كانوا في الشعر آل حسان ، فإنهم كانوا يعدون ستة في نسق كلهم شاعر، وهم : سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام، وبعد هؤلاء في الوقت آل أبي حقصة فإنهم أهل بيت كل واحد منهم شاعر یتوارثونه کابراً عن كابر ٣، ویحیی ابن أبي حفصة كنيته أبو جميل، وأمه تحيا بنت ميمون ، يقال إنها من ولد النابغة الجعدي ، وإن الشعر أتى إلى أبي حفصة بذلك السبب، وكل واحد من هؤلاء كان يضرب بلسانه أرنبة أنفه، وهو دليل على الفصاحة والبلاغة، والله تعالى أعلم . ١ ترجمة مروان الأصغر في معجم المرزباني: ٣٢١ وطبقات ابن المعتز: ٣٩٢ وتاريخ بغداد ١٣: ١٥٣ والأغاني ١٢: ٧١، ٢٣ : ٩٦ . ٢ الكامل للمبرد ١ : ٢٦٣. ٣ إلى هنا انتهت الترجمة في لي بر من . ١٣ - ٥ ١٩٣ ٧١٧ مسلم صاحب الصحيح أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن ورد بن كوشاذ القُشَيْري النيسابوري صاحب الصحيح؛ أحد الأئمة الحفاظ وأعلام المحدثين ، رحل إلى الحجاز والعراق والشام ومصر ، وسمع يحيى بن يحيى النيسابوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن مسلمة القعنبي وغيرهم ، وقدم بغداد غير مرة فروى عنه أهلها، وآخر قدومه إليها في سنة تسع وخمسين ومائتين، وروى عنه الترمذي وكان من الثقات . وقال محمد الماسرجسي ، سمعت مسلم بن الحجاج يقول : صنفت هذا المسند الصحيح من ثلثمائة ألف حديث مسموعة . وقال الحافظ أبو علي النيسابوري : ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم في علم الحديث . وقال الخطيب البغدادي : كان مسلم يناضل عن البخاري ، حتى أوحش ما بينه وبين محمد بن يحيى الذهلي بسببه . وقال أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ : لما استوطن البخاري نيسابور أكثر مسلم: من الاختلاف إليه ، فلما وقع بين محمد بن يحيى والبخاري ما وقع في مسألة اللفظ ، ونادى عليه ، ومنع الناس من الاختلاف إليه ، حتى هجر وخرج من نيسابور في تلك المحنة ، قطعه أكثر الناس غير مسلم ، فإنه لم يتخلف عن زيارته ، فأنهي إلى محمد بن يحيى أن مسلم بن الحجاج على مذهبه قديماً وحديثاً وأنه عوتب على ذلك بالحجاز والعراق ولم يرجع عنه ، فلما كان يوم مجلس محمد ابن يحيى قال في آخر مجلسه : ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا ، فأخذ مسلم الرداء فوق عمامته ، وقام على رؤوس الناس وخرج من مجلسه، وجمع ٧١٧ - ترجمته في تذكرة الحفاظ: ٥٨٨ وتاريخ بغداد ١٣: ١٠٠ وطبقات الحنابلة٠ ١: ٣٣٧ والفهرست : ٢٣١ والمنتظم ٣٢٠:٥ وتهذيب التهذيب ١٠: ١٢٦ والبداية والنهاية ١١ : ٣٣ وعبر الذهبي ٢: ٢٣ والشذرات ٢ : ١٤٤. ١٩٤ كل ما كان كتب منه وبعث به على ظهر حمّال إلى باب محمد بن يحيى، فاستحكمت بذلك الوحشة وتخلف عنه وعن زيارته . وتوفي مسلم المذكور عشية يوم الأحد ودفن بنصر أباذ ظاهر نيسابور يوم الاثنين الخمس ، وقيل لست ، بقين من شهر رجب الفرد سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور ، وعمره خمس وخمسون سنة . هكذا وجدته في بعض الكتب ، ولم أر أحداً من الحفاظ يضبط١ مولده ولا تقدير عمره، وأجمعوا أنه ولد بعد المائتين. وكان شيخنا تقي الدين أبو عمرو عثمان المعروف بابن الصلاح يذكر مولده ، وغالب ظني أنه قال : سنة اثنتين ومائتين ، ثم كشفت ما قاله ابن الصلاح فإذا هو في سنة ست ومائتين ، نقل ذلك من كتاب ((علماء الأمصار)) تصنيف الحاكم أبي عبد الله بن البَيّع النيسابوري الحافظ ، ووقفت على الكتاب الذي نقل منه ، وملكت النسخة التي نقل منها أيضاً ، وكانت ملكه ، وبيعت في تركته ووصلت إلي وملكتها ، وصورة ما قاله بأن مسلم بن الحجاج توفي بنيسابور الخمس بقين من شهر رجب الفرد سنة إحدى وستين ومائتين ، وهو ابن خمس وخمسين سنة، فتكون ولادته في سنة ست ومائتين ، والله أعلم ، رحمه الله تعالى . وقد تقدم الكلام على القشيري صاحب الرسالة٢ فأغنى عن الإعادة . (248) وأما محمد بن يحيى المذكور فهو أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الله ابن خالد ابن فارس بن ذؤيب الذهلي النيسابوري ، وكان أحد الحفاظ الأعيان ، روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة القزويني ، وكان ثقة مأموناً. وكان سبب الوحشة بينه وبين البخاري أنه لما دخل البخاري مدينة نيسابور شعث عليه محمد بن يحيى في مسألة خلق اللفظ ، وكان قد سمع منه ، فلم يمكنه ترك الرواية عنه ، وروى عنه في الصوم والطب والجنائز والعتق وغير ذلك مقدار ثلاثين موضعاً ، ولم يصرح باسمه فيقول حدثنا محمد بن يحيى الذهلي ، بل يقول : حدثنا محمد ، ولا يزيد عليه ، ويقول محمد بن عبد الله ، ١ لي : ولم أر من الحفاظ من يضبط . ٢ زاد في بر : في ترجمة أبي القاسم التستري . ١٩٥ ٠٠ تر فينسبه إلى جده وينسبه أيضاً إلى جد أبيه ، وتوفي محمد المذكور سنة اثنتين ، وقيل سبع ، وقيل ثمان وخمسين ومائتين رحمه الله تعالى ، والله أعلم . ٧١٨ مسعود الطريثي أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود بن طاهر النيسابوري الطريثيني الفقيه الشافعي ، الملقب قطب الدين؛ تفقه بنيسابور ومروَ على أمتها، وسمع الحديث من غير واحد ، ورأى الأستاذ أبا نصر القشيري ، ودرّس بالمدرسة النظامية بنيسابور نيابة عن الجُوَيني. وكان قد قرأ القرآن الكريم والأدب على والده ، وقدم بغداد ووعظ بها وتكلم في المسائل فأحسن ، وقدم دمشق سنة أربعين وخمسمائة ، ووعظ بها وحصل له قبول ، ودرّس بالمدرسة المجاهدية ثم بالزاوية الغربية من جامع دمشق بعد موت الفقيه أبي الفتح نصر الله المصيصي؛ وذكره الحافظ ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)). ثم خرج إلى حلب وتولى التدريس مدة في المدرستين اللتين بناهما له نور الدين محمود وأسد الدين شيركوه، ثم مضى إلى همذان وتولى التدريس بها، ثم رجع إلى دمشق ودرّس بالزاوية الغربية وحدث ، وتفرد برياسة أصحاب الشافعي رضي الله عنه . وكان عالماً صالحا١ً، صنف كتاب ((الهادي)) في الفقه، وهو مختصر نافع لم يأت فيه إلا بالقول الذي عليه الفتوى، وجمع السلطان صلاح الدين عقيدةٌ تجمَعُ جميعَ ما يحتاج إليه في أمور دينه، وحفظها أولاده الصغار حتى تترسخ في ٧١٨ - ترجمته في طبقات السبكي ٤: ٣٠٩ ومرآة الزمان: ٣٧٣ وعبر الذهبي ٤ : ٢٣٥ والشذرات ٤ : ٢٦٣ . ١ لي بر من : صالحاً ورعاً . ١٩٦ أذهانهم من الصغر، قال بهاء الدين ابن شداد في ((سيرة السلطان))١: ورأيته - يعني السلطان - وهو يأخذها عليهم ، وهم يقرؤونها بين يديه من حفظهم . وكان متواضعاً قليل التصنع، مطرحاً للتكليف ؛ وكانت ولادته سنة خمس وخمسمائة ، في الثالث عشر من شهر رجب الفرد٢ ؛ وتوفي في آخر يوم من شهر رمضان المعظم، سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بدمشق ، وصلي عليه يوم العيد ، وكان نهار٣ الجمعة ، ودفن بالمقبرة التي أنشأها جوار مقبرة الصوفية غربي دمشق ، وزرت قبره غير مرة ، رحمه الله تعالى . وكان والده من طُرَيْنيتَ، وقد تقدم الكلام عليها في ترجمة عميد الملك الكندري فلا حاجة إلى إعادته ، وهي من نواحي نيسابور٤ . وقال بعض أصحابه : أنشدنا الشيخ قطب الدين لبعضهم : يقولون إِنْ الحبّ كالنار في الحشا ألا كذبوا فالنارُ تذكو وتخمدُ ومَا هِي إِلا جَذْوَةٌ مَسَّ عودها نَدى فهي لا تخبو ولا تَتوقدُ والله تعالى أعلم بالصواب . ٧١٩ الشريف البياضي الشاعر الشريف أبو جعفر مسعود بن عبد العزيز بن المحسن بن الحسن بن عبد الرزاق البياضي ، الشاعر المشهور ؛ هكذا وجدته بخط بعض الحفاظ المتقنين ، ورأيت ١٠ انظر سيرة صلاح الدين : ٧ وفيها : وهم يقرءونها من حفظهم بين يديه. ٢ ق : من ربيع الآخر أو رجب. ٣ ق : يوم . ٤ انتهت الترجمة هنا في بر من لي . ٧١٩ - ترجمته في تاريخ ابن الأثير ١٠: ٨٨، ٨٩ ودمية القصر: ٨٧ والشذرات ٣: ٣٣١ وله شعر في تاريخ الدولة السلجوقية : ٦٩. ١٩٧ في أول ديوانه أنه أبو جعفر مسعود بن المحسن بن عبد الوهاب بن عبد العزيز ابن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم ، القرشي الهاشمي ، والله أعلم بالصواب . وهو من الشعراء المجيدين في المتأخرين ، وديوان شعره صغير ، وهو في غاية الرقة، وليس فيه من المدائح١ إلا اليسير ، فمن أحسن شعره قصيدته القافية التي أولها : مع ما بقلبك فهو منك نِفاقُ إِن غاضَ دَمْعُكَ والركابُ تُساق لك يا لديغَ هواهمُ ترياق لا تحبسن ماء الجفون فإنه مُفْرٍ ، وظاهرُ عذله إِشْفاق واحْذَر مصاحبة العذول فإنه وعلى متون غصونها أوراق لا يبعدَنْ زمنٌ مضت أيامه غَضُّ الخدود٢ وخمرنا الأرياق كانت تقامُ لطيبها أسواق ذاك الزمان فمثله يشتاق أيام نرجسنا العُيُون ووردنا الـ ولنا يزَوراءِ العراق مواسم فلئن بكت عيني دماً شوقاً إلى ومنها : أين الأغيلمة الآلى لولاهمُ ما كان طعمُ هوى الملاح يُذاق أجسامُهُم ونصولها الأحداق و کأنما أُرماحهم بأکفهِمْ لا يرتجى لأسيرها إطلاق شتّوا الإغارة في القلوب بأعينٍ واستعذبوا ماء الجفون فعذَّبُوا الـ أُسراءً حتى درّت الآماق ونفى الحديثُ بأنهم نذرُوا دمي أوَ لي دمٌ يوم الفراقِ يراق وله ، وهو مما يغنى به : كيف يذوي عشب أشوا في ولي طرفٌ مطيرُ إن يكن في العشقِ حُرّ فأنا العبد الأسير ١ لي بر من : المديح ؛ ر : مدائح ٠ ٢ بر من : عض الخدود . ١٩٨ أو على الحسن زكاة فأنا ذاك الفقير [ وله وكتبها على مروحة : وارحمتا لي أن حللت بمجلس ان لحّنوا فيه يكون كسادي]! وله أيضاً : يا ليلة بات فيها البدر معتنقي إلى الصباح بلا خوفٍ ولا حذرٍ ووَجههُ عِوضٌ فيها عن القمر كلامه الدر يغني عن كواكبها سمعي وطرفيَ إِذ أنذرت بالسحر فبينما أنا أُرعي في محاسنه ولم يكن عيبها إلا تقاصرها وأي عيب لها أشنى من القصر وددت لو أنها طالت عليّ ولو أمددتها بسواد القلب والبصر والبيت الأخير منها ينظر إلى قول أبي العلاء بن سليمان المعري، وهو٢ : يود أن ظلام الليل دام له وزيد فيه سواد القلب والبصر وشعره كله على هذا الأسلوب، وقد تقدم له بيتان في ترجمة صَرَّ دُرّ الشاعر . وتوفي البياضي المذكور يوم الثلاثاء سادس عشر ذي القعدة سنة ثمان وستين وأربعمائة ببغداد ، ودفن بمقبرة باب أبرز . وإنما قيل له البياضي لأن أحد أجداده كان في مجلس بعض الخلفاء مع جماعة من العباسيين ، وكانوا قد لبسوا سواداً، ما عداه ، فإنه كان قد لبس بياضاً فقال الخليفة: من ذلك البياضي ؟ فثبت الاسم عليه واشتهر به . وذكر ابن الجوزي في كتاب ((الألقاب)) أن صاحب هذه الواقعة هو محمد ابن عيسى بن محمد بن عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ، رضي الله عنهم أجمعين ، وهو الذي يقال له البياضي . ورأيت بخط أسامة بن منقذ - المقدم ذكره - أن الذي لقبه بهذا اللقب هو الخليفة الراضي بالله ، والله تعالى أعلم . ١ زيادة من: لي بر من، ثابتة عند وستنفيلد . ٢ شروح السقط : ١١٩ . ١٩٩ ٧٢٠ غياث الدين السلجوقي أبو الفتح مسعود بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي ، الملقب غياث الدين، أحد ملوك١ السلجوقية المشاهير وقد تقدم ذكر والده وأخيه محمود وجماعة من أهل بيته . كان مسعود المذكور قد سلمه والده في سنة خمس وخمسمائة إلى الأمير مودود ابن التوتكين وجعله صاحب الموصل ليربيه، فلما قتل مودود في سنة سبع وخمسمائة وقولى الأمير آق سنقر البرسقي - المذكور في حرف الهمزة - مكانه سلمه والده إليه أيضاً، ثم أرسله من بعده إلى جوش بك٢ أنابك الموصل أيضاً. فلما توفي والده وتولى موضعه ولده محمود - المقدم ذكره - أخذ جوش بك يحسّن لمسعود المذكور الخروج على أخيه محمود وأطمعه في السلطنة ، ولم يزل على ذلك حتى جمع العساكر واستكثر منها، وقصد أخاه ، والتقيا بالقرب من همذان في ربيع الأول سنة أربع عشرة٣ وخمسمائة، وكان النصر لمحمود، وقتل في هذه الواقعة الأستاذ أبو إسماعيل الطغرائي - وقد سبق شيء من خبره في حرف الحاء . ثم تنقلت الأحوال وتقلبت بمسعود المذكور واستقل بالسلطنة سنة ثمان وعشرين وخمسمائة ، ودخل بغداد، واستوزر شرف الدين أنو شروان بن خالد ٧٢٠ - أخباره في تاريخ الدولة السلجوقية وابن الأثير ( = ١٠ ، ١١) وابن خلدون ٥ : ٤٥ والسلوك ١: ٣٤ والباهر (صفحات مختلفة) ومرآة الزمان: ٢١٤ والمنتظم ١٠ : ١٥١ وعير الذهبي ٤ : ١٢٧ والشذرات ٤ : ١٤٥. ١ لي : الملوك . ٢ لي : حوس بك ؛ بر : خوش بك ؛ ر : جيوش بك . ٣ لي : ثلاث عشرة. ٢٠٠