Indexed OCR Text
Pages 61-80
على ذلك إلى يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان من سنة ثمان وخمسين وثلثمائة ، ودخل إلى مصر رايات المغاربة الواصلين صحبة القائد جوهر المغربي - المقدم ذكره١ - وانقرضت الدولة الإخشيدية، وكانت مدتها أربعاً وثلاثين سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرين يوماً . وكان قد قدم ابن عبيد الله من الشام منهزماً من القرامطة لما استولوا على الشام ودخل على ابنة عمه التي تزوجها وحكم وتصرف ، وقبض على الوزير جعفر ابن الفرات وصادره وعذبه ، ثم سار إلى الشام في مستهل شهر ربيع الآخر من سنة ثمان وخمسين وثلثمائة . ولما سير القائد جوهر المغربي جعفر بن فَلاح إلى الشام ، وملك البلاد حسبما شرحته في ترجمته ، أسر جعفر بن فلاح أبا محمد ابن عبيد الله، وسيره إلى مصر مع جماعة من أمراء الشام إلى القائد جوهر، ودخلوا مصر في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين ، وكان ابن عبيد الله قد أساء إلى أهل مصر في مدة ولايته عليهم فلما وصلوا إلى مصر تركوهم وقوفاً مشهورين مقدار سبع٢ ساعات ، والناس ينظرون إليهم ، وشمت بهم من في نفسه منهم شيء ، ثم أنزلوا في مضرب القائد جوهر وجعلوا مع المعتقلين . وفي السابع عشر من جمادى الأولى أرسل القائد جوهر ولده جعفراً إلى مولاه المعز ، ومعه هدايا عظيمة تجل عن الوصف ، وأرسل معه المأسورين الواصلين من الشام ، وفيهم ابن عبيد الله، وحملوا في مركب بالنيل ، وجوهر واقف ينظر إليهم ، فانقلب المركب ، فصاح ابن عبيد الله على القائد٣ جوهر: يا أبا الحسن ، أتريد أن تغرقنا ؟ فاعتذر إليه وأظهر التوجع له ، ثم نقلوا إلى مركب آخر ، وكانوا مقيدين ، فلم أقف لهم بعدها على خبر ، والله أعلم . ثم وجدت بعدها في تاريخ العتقي أن الحسن المذكور توفي ليلة الجمعة لعشر بقين من شهر رجب سنة إحدى وسبعين وثلثمائة ، وصلى عليه العزيز نزار بن المعز المذكور في القصر بالقاهرة . ١ ٢ ١ : ٣٧٥ ٠ ٢ ر ق بر من : خمس . ٣ ر ق بر من : للقائد . ٦١ وذكر الفرغاني في تاريخه أن ولادة الحسن المذكور في سنة اثنتي عشرة وثلثمائة ، وأنه توفي في التاريخ المذكور ، وأن أبا الفوارس أحمد بن علي المذكور توفي لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة سبع وسبعين وثلثمائة ، والله أعلم . والإخشيد : بكسر الهمزة وسكون الخاء المعجمة وكسر الشين المعجمة وبعدها ياء ساكنة مثناة من تحتها ثم دال مهملة ١ - وقد تقدم الكلام على تفسير هذه الكلمة . وطفج : بضم الطاء المهملة وسكون الغين المعجمة وبعدها جيم . وجُفٌ : بضم الجيم وفتحها وبعدها فاء مشددة . ويَلْتِكِينُ : بفتح الياء المثناة من تحتها وسكون اللام وكسر التاء المثناة من فوقها وبعدها كاف مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها ثم نون . وفُوران بضم الفاء ، وفوري بضم الفاء٢ . (212) وأما تكين المذكور فإنه ولي مصر ثلاث مرات ، وتوفي بها في المرة الثالثة يوم السبت لست عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وثلثمائة وتولاها بعده أبو بكر الإخشيد كما تقدم ذكره . (213) وأما أحمد بن كَيَغْلَغ فقد ذكره الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق )) في ترجمة مستقلة٣ وذکر ولايته مصر وقال : وجرت بينه وبين محمد بن تكين الخاصة حروب إلى أن خلص الأمر له ، ثم قدم محمد بن طُفْج أميراً على مصر من قبل الراضي فسلم إليه مصر ، وكان أحمد أديباً شاعراً ، ومن شعره : لا يكن الكاس في كفــ ـك يوم الغيث لبث أوما تعلم أن الـ غيث ساق مستحث ومن شعره أيضاً : ١ ق ر ن بر من : ثم ذال معجمة . ٢ مج: وقوران وقوري بالغت في الكشف عنهما فلم أجد من يحقق ضبطهما . ٣ تهذيب ابن عساكر ١ : ٤٤٠ . ٦٢ واعطشا إلى فم يمج خمراً من برد إن قسم الناس فحـ ـي بك من كل أحد (214) ثم قال: ومات أخوه إبراهيم بن كيفلغ في مستهل ذي القعدة سنة ثلاث وثلثمائة . (215) وابنه إسحاق بن إبراهيم هو الذي كان بطرابلس ، وعاق بها أبا الطيب المتنبي لما قدمها من الرملة يريد أنطاكية ليمدحه فلم يفعل ، وهجاه بقصيدته التي أولها١ : لهوى القلوب سريرة لا تعلم عرضاً نظرتُ وخلت أني أسلمُ ثم راح من عنده فبلغه موته يجبلة فقال٢: قالوا لنا مات إسحاق فقلت لهم هذا الدواء الذي يشفي من الحمقٍ وهذه القصيدة والتي قبلها موجودتان في ديوانه ، فلذلك تركنا ذكرهما ، وله فيه أيضاً غير ذلك من الهجاء ، تجاوز الله عنا وعنهم أجمعين . ٦٩٠ طغر لبك أبو طالب محمد بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق، الملقب ركن الدين طغرلْبَك أول ملوك السلجوقية ؛ كان هؤلاء القوم قبل استيلائهم على المالك يسكنون فيما ١ ديوان المتنبي : ٢١٧ . ٢ ديوان المتنبي : ٢٢١. ٦٩٠ - أخباره في تاريخ ابن الأثير وأخبار الدولة السلجوقية ونصرة الفترة والنجوم الزاهرة وانظر المنتظم ٨: ٢٣٣ والوافي ٥: ٢٥ وعبر الذهبي ٣: ٢٣٥ والشذرات ٣ : ٢٩٤. ٦٣ وراء النهر في موضع بينه وبين بخارى مسافة عشرين فرسخاً، وهم أتراك١، وكانوا عدداً يجل عن الحصر والإحصاء ، وكانوا لا يدخلون تحت طاعة سلطان ، وإذا قصدهم جمع لا طاقة لهم به دخلوا المفاوز وتحصنوا بالرمال فلا يصل إليهم أحد ، فلما عبر السلطان محمود بن سبكتكين إلى ما وراء النهر - وكان سلطان خراسان وغَزْنَة وتلك النواحي وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وجداً زعيم بني سلجوق قوي الشوكة كثير العدة ، يتصرف في أمره على المخاتلة والمراوغة وينتقل من أرض إلى غيرها ويغير في أثناء ذلك على تلك البلاد ، فاستماله وجذبه ، ولم يزل يخدعه حتى أقدمه إليه ، فأمسكه وحمله إلى بعض القلاع واعتقله٣ ، وخرج في إعمال الحيلة في تدبير أمر أصحابه ، واستشار أعيان دولته في شأنهم ، فمنهم من أشار بإغراقهم في نهر جيحون ، وأشار آخرون بقطع إبهام كل رجل منهم ليتعذر عليهم الرمي والعمل بالسلاح ، واختلفت الآراء في ذلك ، وآخر ما وقع الاتفاق عليه أن يعبر بهم جيحون إلى أرض خراسان ويفرقهم في النواحي ، ويضع عليهم الخراج ، ففعل ذلك ، فدخلوا في الطاعة واستقاموا ، وأقاموا على تلك الحالة مدة ، فطمع فيهم العمال وظلموهم وامتدت إليهم أيدي الناس وتهضموا جانبهم وأخذوا من أموالهم ومواشيهم ، فانفصل منهم ألفا بيت ، ومضوا إلى بلاد كَرْمان ، وملكها يومئذ الأمير أبو الفوارس ابن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن بويه ، فأقبل عليهم وخلع على وجوههم ، وعزم على استخدامهم فلم يستتموا عشرة أيام حتى مات أبو الفوارس ، وخافوا من الدَّيْلم، وهم أهل ذلك الإقليم ، فبادروا إلى قصد أصبهان ونزلوا بظاهرها ، وصاحبها علاء الدولة أبو جعفر بن كاكويه ، فرغب في استخدامهم ، فكتب إليه السلطان محمود يأمره بالإيقاع بهم ونهبهم، فتواقعوا ١ وهم اتراك: سقطت من أكثر النسخ . ٢ اختلف النص هنا في مج، إذ جاء فيه: ((فمر على أحياء هذه القبيلة وخر كاواتها فاستكثر حاشيتها وليستعظم ماشيتها وتخوف معرتها وخشي مضرتها ، فاستدعى مقدمها واستماله ولم يزل يخدعه حتى أقدمه عليه وأمسكه وحمله . ٣ واعتقله : سقطت من ق ر ن بر من . ٦٤ وقتل من الطائفتين جماعة ، وقصد الباقون أذربيجان وانحاز الذين بخراسان إلى جبل قريب من خوارزم ، فجرد السلطان محمود جيشاً وأرسله في طلبهم ، فتتبعوهم في تلك المفاوز مقدار سنتين، ثم قصدهم محمود بنفسه ولم يزل في أثرهم حتى شردهم وشتتهم. ثم توفي محمود عقيب ذلك - في التاريخ الآتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى - وقام بالأمر بعده ولده مسعود، فاحتاج إلى الاستظهار بالجيوش ، فكتب إلى الطائفة التي بأذربيجان لتتوجه إليه ، فجاءه منهم ألف فارس ، فاستخدمهم ومضى بهم إلى خراسان ، فسألوه في أمر الباقين الذين شقتهم والده محمود ، فراسلهم وشرط عليهم لزوم الطاعة ، فأجابوه إلى ذلك وأمنهم ، وحضروا إليه ورتبهم على ما كان والده قد رتبهم أولاً ، ثم دخل مسعود بلاد الهند لاضطراب أحوالها عليه، فخلت لهم البلاد وعادوا إلى الفساد ، وبالجملة فإن الشرح في هذا يطول . وجرى هذا كله والسلطان طغرلبك المذكور وأخوه داود ليسا معهم ، بل كانا في موضعهم من نواحي ما وراء النهر ، وجرت بينهما وبين ملكشاه صاحب بخارى وقعة عظيمة قتل فيها خلق كثير من أصحابها ، ودعت حاجتها إلى اللحاق بأصحابها الذين بخراسان فكاتبوا مسعوداً وسألوه الأمان والاستخدام ، فحبس الرسل وجرد جيوشاً لمواقعة من بخراسان منهم ، فكانت مقتلة عظيمة ، ثم إنهم اعتذروا إلى مسعود وبذلوا له الطاعة وضمنوا له أخذ خوارزم من صاحبها ، فطيب قلوبهم وأفرج عن الرسل الواصلين من جهة ما وراء النهر وسألوه أن يفرج عن زعيمهم الذي اعتقله أبوه محمود في أول الأمر ، فأجابهم إلى سؤالهم وأنزله من تلك القلعة ، وحمل إلى بلغ مقيداً فاستأذن مسعوداً في مراسلة ابني أخيه طغرلبك وداود - المقدم ذكرهما - فأذن له ، فراسلهما . وحاصل الأمر أنها وصلا إلى خرسان ومعهما أيضاً جيش كبير ، فاجتمع الجميع ، وجرت لهم مع ولاة خراسان ونواب مسعود في البلاد أسباب يطول شرحها . وخلاصة الأمر أنهم استظهروا عليهم وظفروا بهم ، وأول شيء ملكوه من البلاد طوس ، وقيل الري ، وكان تملكهم في سنة تسع وعشرين وأربعمائة ، ثم ٥ -٥ ٦٥ بعد ذلك بقليل ملكوا نيسابور ، إحدى قواعد خراسان ، في شهر رمضان من السنة المذكورة ، وكان السلطان طغرلبك المذكور كبيرهم، وإليه الأمر والنهي في السلطنة ، وأخذ أخوه داود المذكور مدينة بلغ، وهو والد ألب أرسلان - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - واتسع لهم الملك واقتسموا البلاد ، وانحاز مسعود إلى غَزْفَة وتلك النواحي ، وكانوا يخطبون له في أول الأمر ، وعظم شأنهم إلى أن راسلهم الإمام القائم بأمر الله ، وكان الرسول الذي أرسله إليهم القاضي أبا الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، مصنف ((الحاوي)) في الفقه - وقد تقدم ذكره١ - ثم ملك بغداد والعراق ، في سادس عشر شهر رمضان المعظم ، سنة سبع وأربعين وأربعمائة ، وأوصاهم بتقوى الله تعالى والعدل في الرّعية والرفق بهم وبثّ الإحسان إلى الناس. وكان طغرلبك حليماً كريماً محافظاً على الصلوات الخمس في أوقاتها جماعة، وكان يصوم الاثنين والخميس ويكثر الصدقات ويبني المساجد ، ويقول : أستحي من الله سبحانه وتعالى أن أبني لي داراً ولا أبني إلى جانبها مسجداً، ومن محاسنه المسطورة أنه سير الشريف ناصر بن إسماعيل رسولاً إلى ملكة الروم ، وكانت إذ ذاك امرأة كافرة، فاستأذنها الشريف في الصلاة يجامع القسطنطينية جماعة يوم الجمعة ، فأذنت له في ذلك، فصلى وخطب للإمام القائم ، وكان رسول المستنصر العبيدي صاحب مصر حاضراً فأنكر ذلك ، وكان من أكبر الأسباب في فساد الحال بين المصريين والروم ولما تمهدت له البلاد وملك العراق وبغداد، سير إلى الإمام القائم وخطب ابنته ، فشق على القائم ذلك واستعفى منه ، وترددت الرسل بينهما ، ذكر ذلك في (( الشذور)) سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، فلم يجد من ذلك بداً فزوجه بها، وعقد العقد بظاهر مدينة تبريز، ثم توجه إلى بغداد في سنة خمس وخمسين وأربعمائة ، ولما دخلها سير طلب الزفاف وحمل مائة ألف دينار برسم حمل القماش ونقله ، فزفت إليه ليلة الاثنين خامس عشر صفر بدار المملكة، وجلست على سرير ملبس بالذهب ، ودخل إليها السلطان فقبل الأرض بين يديها ولم يكشف ١ انظر ج ٣ : ٠٢٨٢. البرقع عن وجهها في ذلك الوقت ، وقدم لها تحفاً يقصر الوصف عن ضبطها ، وقبل الأرض وخدم وانصرف وظهر عليه سرور عظيم١ . وبالجملة فأخبار الدولة السلجوقية كثيرة ، وقد اعتنى بها جماعة من المؤرخين وألفوا فيها تآليف اشتملت على تفاصيل أمرهم ، وما قصدت من الإتيان بهذه النبذة إلا التنبيه على مبدإ حالهم، ليكشف جلية ذلك من يروم الوقوف عليه . وتوفي طغرلبك المذكور يوم الجمعة ثامن شهر رمضان المعظم سنة خمس وخمسين وأربعمائة بالري ، وعمره سبعون سنة ، ونقل إلى مرو ودفن عند قبر أخيه داود - وسيأتي ذكره في ترجمة ولده ألب أرسلان، إن شاء الله تعالى - وقال ابن الهمداني في تاريخه: إنه دفن بالري في تربة هناك٢، وكذا قال السمعاني في ((الذيل))٣، في ترجمة السلطان سنجر المقدم ذكره . وحكى وزيره محمد بن منصور الكندري - الآتي ذكره٤ - عنه أنه قال: رأيت وأنا بخرسان في المنام كأنني رفعت إلى السماء، وأنا في ضباب لا أبصر معه شيئاً غير أني أشم رائحة طيبة ، وإذا بمنادٍ ينادي : أنت قريب من الباري جلت قدرته ، فاسأل حاجتك لتقضى ، فقلت في نفسي : أسأل طول العمر ، فقيل لك سبعون سنة ، فقلت: يا رب لا تكفيني، فقيل لك سبعون سنة ، فقلت : لا تكفيني ، فقيل لك سبعون سنة ، ذكر هذا شيخنا ابن الأثير في تاريخه . . ولما حضرته الوفاة قال: إنما مثلي مثل شاة تشد قوائمها لجز الصوف ، فتظن أنها تذبح فتضطرب ، حتى إذا أطلقت تفرح ، ثم تشد للذبح فتظن أنه لجز الصوف فتسكن فتذبح ، وهذا المرض الذي أنا فيه هو شد القوائم للذبح ، فمات منه، رحمه الله تعالى؛ ولم تقم بنت الإمام القائم في صحبته إلا مقدار ستة أشهر. ١ جاءت هذه الفقرة بايجاز شديد في مج ت ؛ ر ن من بر: السرور. ٢ ق : تربة والده هناك . ٣ ق ن ر : المذيل . ٤ في النسخ : المقدم ذكره . · ابن الأثير ١٠ : ٢٦ . ٦٧ ولم يخلف ولداً ذكراً ، فانتقل ملكه إلى ابن أخيه ألب أرسلان حسبما شرح في ترجمته . وماتت زوجته ابنة القائم في سنة ست وتسعين وأربعمائة ، في سادس المحرم . -٠ وطُفْرُ لْبَك : بضم الطاء المهملة وسكون الغين المعجمة وضم الراء وسكون اللام وفتح الباء الموحدة وبعدها كاف ، وهو اسم علم تركي مركب من طغرل وهو اسم علم بلغة الترك لطائر معروف عندهم ، وبه سمي الرجل ، وبك معناه الأمير . وسَلْجُوق : بفتح السين المهملة وسكون السلام وضم الجيم وسكون الواو وبعدها قاف . ودُقاق : بضم الدال المهملة وبين القافين ألف ساكنة . وجَيْحُون : بفتح الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الحاء المهملة وسكون الواو وبعدها نون ، وهو النهر العظيم الفاصل ما بين خوارزم وبلاد خراسان وبين بخارى وسمرقند وتلك البلاد ، فكل ما كان من تلك الناحية فهو ما وراء النهر ، والمراد بالنهر هو النهر المذكور ، وهو أحد أنهار الجنة الذي جاء ذكره في الحديث أنه يخرج منها أربعة أنهار : نهران ظاهران ونهران باطنان ، فالظاهران : النيل والفرات ، والباطنان : سيحون وجيحون . وسَيحون: بفتح السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الحاء المهملة وسكون الواو وبعدها نون ، وهو وراء جيحون فيما يلي بلاد الترك ، وبينهما مسافة خمسة وعشرين يوما١ً ، وهذان النهران مع عظمهما وسعة عرضهما يجمدان في زمن الشتاء ، وتعبر القوافل عليهما بدوابهما وأثقالهما ويقيمان كذلك مقدار ثلاثة أشهر . وهذا كله وإن كان خارجاً عن مقصودنا لكنه متعلق بما نحن فيه ، فانتشر الكلام ، وما يخلو من فائدة يقف عليها من كان يتوقعها ممن بعدت بلاده ولا يعرف صورة الحال . ١ رق بر من : خمسة عشر يوماً . ٦٨ ٦٩١ ألب أرسلان أبو شجاع محمد بن جغري بك داود بن ميكائيل بن سَلْجُوق بن دقَاق ، الملقب عضد الدولة ألب أرسلان، وهو ابن أخي السلطان طُفْرُ لْبَك - المقدم ذكره - وقد تقدم في ترجمة طفْرُ لْبَك طرف من أخبار والده داود المذكور . ولما مات السلطان طغرلبك - في التاريخ المذكور في ترجمته - نص على تولية الأمر لسليمان بن داود أخي ألب أرسلان المذكور ، ولم ينص عليه إلا لأن أمه كانت عنده فتبع هواها في ولدها ، فقام سليمان بالأمر وثار عليه أخوه ألب أرسلان وعمه شهاب الدولة قتلمش، وجرت بينهم خطوب فلم يتم لسليمان الأمر، وكانت النصرة لأخيه ألب أرسلان . فاستولى على المالك، وعظمت مملكته ورهبت سطوته ، وفتح من البلاد ما لم يكن لعمه طُغْرُ لبَك مع سعة ملك عمه ، وقصد بلاد الشام فانتهى إلى مدينة حلب وصاحبها يومئذ محمود بن نصر بن صالح بن مرداس الكلابي ، فحاصره مدة ثم جرت المصالحة بينهما، فقال ألب أرسلان : لا يد له من دوس بساطي ، فخرج إليه محمود ليلاً ومعه أمه ، فتلقاهما بالجميل وخلع عليهما وأعادهما إلى البلد ورحل عنها . وقال المأموني في تاريخه : قيل إنه لم يعبر الفرات في قديم الزمان ولا حديثه في الإسلام ملك تركي قبل ألب أرسلان ، فانه أول من عبرها١ من ملوك الترك. ولما عاد عزم على قصد بلاد الترك ، وقد كمل عسكره مائتي ألف فارس أو يزيدون ، فمد على جيحون - النهر المقدم ذكره - جسراً وأقام العسكر ٦٩١ - ترجمته في المصادر التاريخية المذكورة في الترجمة السابقة، وانظر الوافي ٢: ٣٠٨ والمنتظم ٨ : ٢٧٩ والنجوم الزاهرة ٥ : ٩٢ وعبر الذهبي ٤: ٢٥٨ والشذرات ٣: ٣١٨. ١ كذا هو في المختار وق ر بر من، وسقط النص من مج ت. ٦٩ يعبر عليه شهراً، وعبر هو بنفسه أيضاً، ومد السماط في بليدة يقال لها ((فربر)) ولتلك البليدة حصن على شاطىء جيحون ، في السادس من شهر ربيع الأول ، سنة خمس وستين وأربعمائة، فأحضر إليه أصحابه مستحفظ الحصن ، ويقال١ له يوسف الخوارزمي، وكان قد ارتكب جريمة في أمر الحصن ، فحمل إليه مقيداً، فلما قرب منه أمر أن تضرب٢ أربعة أوتاد لتشد أطرافه الأربعة إليها ويعذبه ثم يقتله ، فقال يوسف المذكور : ومثلى يُفعل به هذه المثلة ؟ فغضب ألب أرسلان وأخذ قوسه وجعل فيها سهماً ، وأمر يحل قيده ورماه فأخطأه وكان مُدِلاً برميه، وكان جالساً على سريره، فنزل عنه فعثر ووقع على وجهه، فبادره يوسف المذكور وضربه بسكين كانت معه في خاصرته ، فوثب عليه فرّاش أرمني فضربه في رأسه بمرزبة فقتله، فانتقل ألب أرسلان إلى خيمة أخرى مجروحاً، فأحضر وزيره نظام الملك أبا علي الحسن - المذكور في حرف الحاء؟- وأوصى به إليه ، وجعل ولده ملك شاه ولي عهده - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى . ثم توفي يوم السبت عاشر الشهر المذكور، وكانت ولادته سنة أربع وعشرين وأربعمائة ، وكانت مدة ملكه تسع سنين وأشهراً، ونقل إلى مرو ودفن عند قبر أبيه داود وعمه طُفْرُلبَك، ولم يدخل بغداد ولا رآها، مع أنها كانت داخلة في ملكه ، وهو الذي بنى على قبر الإمام أبي حنيفة مشهداً، وبنى ببغداد مدرسة أنفق عليها أموالاً عظيمة؛ وذكر في كتاب ((زبدة التواريخ)) أنه جرح يوم السبت، سلخ شهر ربيع الأول سنة خمس وستين ، وعاش بعد الجراحة ثلاثة أيام ، والله أعلم . وقد تقدم ذكر أبيه ، وأنه كان صاحب بَلْخ ، وتوفي بها في رجب سنة إحدى وخمسين ، وقيل سنة خمسين وأربعمائة ، ونقل إلى مرو ودفن بها ، وقيل إنه توفي بمرو، والله أعلم بالصواب ، وقيل توفي في صفر سنة اثنتين وخمسين ١٠ ت مج : مستحفظ قلعة يقال له. ٢ إلى هنا تنتهي النسخة ت وقد سقطت منها أوراق كثيرة. ٣ = ٢ :٠١٢٨ وأربعمائة ، ودفن بمدرسة مرو، رحمه الله تعالى . وقد تقدم ذكر ولده تنش في حرف التاء . وألب أرسلان : بفتح الهمزة وسكون اللام وبعدها باء موحدة ، وبقية الاسم معروفة فلا حاجة إلى تفسيرها، وهو اسم تركي معناه شجاع أسد ، فألب شجاع ، وأرسلان أسد . (216) وأما شهاب الدولة قتلمش بن إسرائيل بن سلجوق ، فإنه والد سليمان ابن قتلمش جد الملوك أصحاب الروم إلى الآن ، وكان له حصون وقلاع من جملتها كردكوه وغيرها من عراق العجم ، وعصى على ابن أخيه ألب أرسلان المذكور وحاربه بالقرب من الري ، فلما انجلى الأمر وجد قتلمش ميتاً لا يدرى كيف كان موته ، وذلك في المحرم من سنة ست وخمسين وأربعمائة، قيل إنه مات من الخوف ، فشق ذلك على ألب أرسلان ، والله تعالى أعلم بالصواب . ٦٩٢ محمد بن ملكشاه السلجوقي أبو شجاع محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان المذكور قبله، الملقب غياث الدين ، وقد تقدم في ترجمة جده تتمة نسبه فلا حاجة إلى الإعادة . ولما توفي والده ملكشاه اقتسم مملكته أولاده الثلاثة، وهم بركياروق وسنجر - وقد تقدم ذكرهما - ومحمد المذكور، ولم يكن لمحمد وسنجر، وهما من أم واحدة ، مع وجود بركياروق حديث ، لأنه كان السلطان المشار إليه ، وهما كالأتباع له ، ثم اختلف محمد وبر كباروق ، فدخل محمد المذكور وأخوه سنجر إلى بغداد، وخلع عليهما الإمام المستظهر بالله، وكان محمد قد التمس من ٦٩٢ - أنظر المصادر التاريخية السابقة وراجع المنتظم ٩: ١٩٦ والنجوم ٥ : ٢١٤ وعبر الذهبي ٤ : ٢٣ والشذرات ٤: ٣٠، ولم يقف صاحب المختار عند هذه الترجمة ٧١ أمير المؤمنين أن يجلس له ولأخيه سنجر ، فأجيب إلى ذلك، وجلس لهما في قبة التاج وحضر أرباب المناصب وأتباعهم وجلس أمير المؤمنين على سُدّته ، ووقف سيف الدولة صَدَقة بن مزيد صاحب الحلة عن يمين السدة ، وعلى كتفه بردة النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى رأسه العمامة وبين يديه القضيب ، وأفيض على محمد الخلع السبع التي جرت عادة السلاطين بها ، وألبس الطوق والتاج والسوارين ، وعقد له الخليفة اللواء بيده وقلده سيفين ، وأعطاه خمسة أفراس بمراكبها ، وخلع على أخيه سنجر خلعة أمثاله، وخطب لمحمد بالسلطنة في جامع بغداد کجاري عادتهم في ذلك الزمان وتركوا الخطبة لبر كياروق لسبب اقتضى ذلك ، ولا حاجة إلى شرحه لطوله ، قال محمد بن عبد الملك الهمداني في تاريخه : وكان ذلك في سنة خمس وتسعين وأربعمائة ، وقال صاحب تاريخ السلجوقية: أقيمت الخطبة ببغداد للسلطان محمد في سابع عشر ذي الحجة من سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة ، ووافقه على ذلك غيره ؛ ثم قال الهمداني : وكان من الاتفاق العجيب أن خطيب جامع القصر ببغداد لما بلغ إلى الدعاء للسلطان بر كياروق ، وأراد أن يذكره ، سبق لسانه للسلطان محمد ودعا له ، فأتى أصحاب بركياروق وشنعوا بما جرى في الديوان العزيز ، فعزل الخطيب لهذا السبب ورتبوا ولده موضعه ، فلم تتأخر خطبة السلطان محمد عن هذه الواقعة إِلا أياماً قلائل، وكان ذلك فألّ السلطان محمد ، وأما بركياروق فإنه كان مريضاً وانحدر إلى واسط ، ثم قوي أمره واستظهر، وجرى بينه وبين أخيه محمد مصاف على الري ، وانكسر محمد ، وبالجملة فان شرح ذلك يطول . وكان السلطان محمد المذكور رجل الملوك السلجوقية وفحلهم ، وله الآثار الجميلة والسيرة الحسنة، والمعدلة الشاملة، والبر للفقراء والأيتام ، والحرب للطائفة الملحدة والنظر في أُمور الرعية . وذكره أبو البركات ابن المستوفي في ((تاريخ إربل)) وذكر أنه وصل إليها في تاسع شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وأربعمائة ، ورحل عنها متوجهاً إلى الموصل في ثاني عشر الشهر المذكور ، ثم قال : ووجدت في كتاب ذكره الإمام أبو حامد الغزالي في مخاطبته السلطان محمد بن ملكشاه : اعلم يا سلطان ٧٢ العالم أن بني آدم طائفتان : طائفة غفلاء نظروا إلى مُشاهد حال الدنيا ، وتمسكوا بتأميل العمر الطويل ، ولم يتفكروا في النفس الأخير ، وطائفة عقلاء جعلوا النفس الأخير نصب أعينهم ، لينظروا إلى ماذا يكون مصيرهم ، وكيف يخرجون من الدنيا ويفارقونها وإيمانهم سالم ، وما الذي ينزل من الدنيا في قبورهم ، وما الذي يتركون لأعاديهم من بعدهم ويبقى عليهم وباله ونكاله . ثم إن السلطان محمداً استقل بالممالك بعد موت أخيه بركياروق - في التاريخ المذكور في ترجمته - ولم يبق له منازع وصفت له الدنيا، وأقام على ذلك مدة، ثم مرض زماناً طويلاً، وتوفي يوم الخميس الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى عشرة وخمسمائة بمدينة أصبهان ، وعمره سبع وثلاثون سنة وأربعة أشهر وستة أيام ، وهو مدفون بأصبهان في مدرسة عظيمة ، وهي موقوفة على الطائفة الحنفية، وليس بأصبهان مدرسة مثلها. ولما أيس من نفسه١ أحضر ولده محمداً - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - فقبله وبكى كل واحد منهما ، وأمره أن يخرج ويجلس على تخت السلطنة وينظر في أمور الناس ، فقال لوالده : إنه يوم غير مبارك ، يعني من طريق النجوم ، فقال : صدقت ، ولكن على أبيك ، وأما عليك فمبارك بالسلطنة . فخرج وجلس على التخت بالتاج والسوارين ، ولم يخلف أحد من الملوك السلجوقية ما خلفه من الذخائر وأصناف الأموال والدواب وغير ذلك مما يطول شرحه ، رحمه الله تعالى ؛ وسيأتي ذكر والده في هذا الحرف ، إن شاء الله تعالى . (217) وتزوج الإمام المقتفي لأمر الله فاطمة ابنة السلطان محمد المذكور ، وكان الوكيل في قبول النكاح الوزير شرف الدين أبا القاسم علي ابن طراد الزيني، وذلك في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة ، وحضر أخوها مسعود العقد ، ونقلت٢ فاطمة ابنة السلطان المذكورة إلى دار الخلافة للزفاف سنة أربع وثلاثين ، ويقال إنها كانت تقرأ وتكتب ، ولها التدبير الصائب ، وسكنت في الموضع المعروف بدر كاه خاتون ، وتوفيت في عصمته يوم السبت الثاني والعشرين من شهر ربيع ١ ق : حياته . ٢ ق : ودخلت ٧٣ الآخر سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة ، ودفنت بالرُّصافة ، رحمها الله تعالى، والله أعلم بالصواب . ٦٩٣ الملك العادل ابن أيوب أبو بكر محمد بن أبي الشكر أيوب بن شاذي بن مروان ، الملقب بالملك العادل سيف الدين ، أخو السلطان صلاح الدين ، رحمهما الله تعالى - وقد تقدم ذكر والده في حرف الهمزة١، وسيأتي ذكر أخيه صلاح الدين في حرف الياء إن شاء الله تعالى ؛ وكان الملك العادل قد وصل إلى الديار المصرية صحبة أخيه وعمه أسد الدين شيركوه - المقدم ذكره - وكان يقول : لما عزمنا على المسير إلى مصر احتجت إلى حرمدان، فطلبته من والدي فأعطاني وقال: يا أبا بكر إذا ملكتم مصر أعظني ملئه ذهباً، فلما جاء إلى مصر قال : يا أبا بكر أين الحرمدان ؟ فرحت وملأته من الدراهم السود وجعلت أعلاها شيئاً من الذهب وأحضرته إليه، فلما رآه اعتقده ذهباً، فقلبه فظهرت الفضة السوداء ، فقال: يا أبا بكر، تعلمت من زغل المصريين . ولما ملك صلاح الدين الديار المصرية كان ينوب عنه في حال غيبته في الشام ويستدعي منه الأموال للإنفاق في الجند وغيرهم، ورأيت في بعض رسائل القاضي الفاضل أن المحمول تأخرت مدة ، فتقدم السلطان إلى العماد الأصبهافي أن يكتب إلى أخيه الملك العادل يستحثه على إنقاذها حتى قال : يسير لنا الحمل من مالنا أو من ماله؛ فلما وصل الكتاب إليه ووقف على هذا الفصل شقَّ عليه ، ٦٩٣ - أخباره في تاريخ ابن الأثير ومفرج الكروب والسلوك وابن اياس ١ : ٧٥ ومرآة الزمان : ٥٩٤ وذيل الروضتين: ١١١ والشذرات ٥: ٦٥ والوافي ٢: ٢٣٥ والنجوم ٦ : ١٦٠ وعبر الذهبي ٥ : ٥٨ . ١ = ١ : ٢٥٥، ٢٦٠ . ٧٤ وكتب إلى القاضي الفاضل يشكو من السلطان لأجل ذلك ، فكتب القاضي الفاضل جوابه، وفي جملته: ((وأما ما ذكره المولى من قوله يسير لنا الحمل من مالنا أو من ماله ، فتلك لفظة ما المقصود بها من المالك النجعة ، وإنما المقصود بها من الكاتب السجعة ، وكم من لفظة فظة ، وكلمة فيها غلظة ، جبرت عيّ الأقلام ، وسدَّت خلل الكلام ، وعلى المملوك الضمان في هذه النكتة ، وقد فات لسان القلم منها أي سكتة، وكان المملوك حاضراً وقد خرجت قوارع الاستحثاث، وصرصر البازي وقوة نفس العماد قوة نفس البغاث ، والسلام )). ولما ملك السلطان مدينة حلب في صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة - كما تقدم في ترجمة عماد الدين زنكي١- أعطاها لولده الملك الظاهر غازي - المقدم ذكره - ثم أخذها منه وأعطاها الملك العادل ، فانتقل إليها وقصد٢ قلعتها يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر رمضان المعظم من السنة المذكورة ، ثم نزل عنها للملك الظاهر غازي ابن السلطان - المقدم ذكره - لمصلحةٍ وقع الاتفاق عليها بينه وبين أخيه صلاح الدين ، وخرج منها في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة ليلة السبت الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول ، ثم أعطاه السلطان قلعة الكرك ، وتنقل في الممالك في حياة السلطان وبعد وفاته ؛ وقضاياه مشهورة مع الملك الأفضل والملك العزيز والملك الظاهر ، فلا حاجة إلى الإطالة بشرحها؛ وآخر الأمر أنه استقل بمملكة الديار المصرية ، وكان دخوله القاهرة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة ، واستقرت له القواعد . ٤ وقال أبو البركات ابن المستوفي في ((تاريخ إربل)) في ترجمة ضياء الدين أبي الفتح نصر الله المعروف بابن الأثير الوزير الجزري ما مثاله : وجدت بخطه ( خطب الملك العادل أبي بكر ابن أيوب بالقاهرة ومصر يوم الجمعة الحادي والعشرين من شوال سنة ست وتسعين وخمسمائة ، وخطب له بحلب يوم الجمعة حادي عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وخمسمائة . وملك معها البلاد الشامية والشرقية وصفت له الدنيا ، ثم ملك بلاد اليمن في سنة اثنتي عشرة وستمائة ، وسير إليها ١ انظر جـ ٢ : ٣٢٧، ٢ ن ر. ق بر من : وصعد ٧٥ ولد ولده الملك المسعود صلاح الدين أبا المظفر يوسف المعروف بأطسيس ابن الملك الكامل - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - . وكان ولده الملك الأوحد نجم الدين أيوب ينوب عنه في مَيّافارقين وتلك النواحي، فاستولى على مدينة خلاط وبلاد أرمينية واتسعت مملكته ، وذلك في سنة أربع وستمائة . ولما تمهدت له البلاد قسمها بين أولاده ، فأعطى الملك الكامل الديار المصرية والملك المعظم البلاد الشامية، والملك الأشرف البلاد الشرقية، والأوحد في المواضع التي ذكرناها . وكان ملكاً عظيماً ذا رأي ومعرفة تامة قد حنكته التجارب ، حسن السيرة جميل الطوية وافر العقل ، حازماً في الأمور صالحاً محافظاً على الصلوات في أوقاتها ، متبعاً لأرباب السنة مائلاً إلى العلماء ، حتى صنف له فخر الدين الرازي کتاب « تأسیس التقدیس » وذ کر اسمه في خطبته وسيره إليه من بلاد خراسان وبالجملة فإنه كان رجلاً مسعوداً، ومن سعادته أنه خلف أولاداً لم يخلف أحد من الملوك أمثالهم في نجابتهم وبسالتهم ومعرفتهم وعلو همتهم ، ودانت لهم العباد وملكوا خيار١ البلاد ، ولما مدح ابن عنين - المقدم ذكره٢ - الملك العادل بقصيدته الرائية المذكور بعضها في ترجمته جاء منها في مديح أولاده المذكورين قوله٣ : وله البنونَ بكلِّ أرضٍ منهمُ ملكٌ يقود إلى الأعادي عسكرا من كلّ وضاح الجبين تخاله بدراً ، وإن شهد الوغى فغضنفرا ١ ق : خير . ٢ انظر ما تقدم = ٥ : ١٤ . ٣ ديوان ابن عنين: ٧؛ وعلق ابن المؤلف هنا بقوله: (( قلت ، أعني كاتبها موسى بن أحمد لطف الله به : أخبرني والدي قدس الله روحه أن ابن عنين لما كان ينشد هذه القصيدة بين يدي الملك العادل ووصل إلى هذا البيت (( وله البنون ... )) قال له ولده الملك المعظم: يا خونه، قصد بقوله ((يقود)» القيادة، وذلك في حالة المجون ، فقال له الملك العادل : ما ترى في ما يقوله يا ابن عنين ، فأنكر ثم أقسم عليه فقال: هذا أردت ، فضحكوا من ذلك)) . ٧٦ متقدمٌ حتى إذا النقعُ انجلى بالبيض عن سبي الحريم تأخرا وتدفقوا جوداً وراقوا منظرا قوم زكوا أصلاً وطابوا محتدا وتعافُ خيلهم الورودَ بمنهلٍ ما لم يكن بدم الوقائع أحمرا يعشو إلى نار الوغى شغفاً بها ويجل أن يعشو إلى نار القرى وكم للشعراء فيهم من القصائد المختارة ، لكن ذكرت هذه لكونها جامعة لجميعهم ، ومن جملة هذه القصيدة في مدح الملك العادل قوله ولقد أحسن فيه : العادل الملك الذي أسماؤه في كل ناحية تشرف منبرا ـافي أسال نداه فيها كوثرا غرثان وهو يرى الغزال الأعفرا شك یریبُ بأنه خير الورى وأبان طيبُ الأصل منه الجوهرا آیات سؤدده حديث يفترى في الفضل ما بين الثريا والثرى فيالکتب عنکسری الملوك و قیصرا في الروع زاد رصانة١ وتوقُّرا وثباته يوم الوغى أسدُ الشرى ببديهة أغنته أن يتفكرا رأي وعزم يحقر الإسكندرا ويصد عن قول الخنا متكبرا وبكل أرض جنة من عدله الصـ عدل يبيت الذئب منه على الطوی ما في أبي بكر لمعتقد الهدى سيف صقال المجد أخلص متنه ما مدحه بالمستعار له ولا بين الملوك الغابرين وبينه نسخت خلائقه الحميدة ما أتى ملك إذا خفّت حلوم ذوي النهى ثبت الجنان تراع من وثباته لفظٌ يكاد يقول عما في غد حلم تخف له الحلوم وراءه يعفو عن الذنب العظيم تكرماً لا تسمعنّ حديث ملك غيره يُرْوَى، فكل الصيد في جوف الفرا وبالجملة فإنها من القصائد المختارة . ولما قسم البلاد بين أولاده كان يتردد بينهم، وينتقل إليهم من مملكة إلى ١٠ ر : صيانة. ٧٧ أخرى. وكان في الغالب يصيف بالشام لأجل الفواكه١ والثلج والمياه الباردة ، ويشتي في الديار المصرية لاعتدال الوقت فيها وقلة البرد ، وعاش في أرغد عيش، وكان يأكل كثيراً خارجاً عن المعتاد ، حتى يقال إنه يأكل وحده خروفاً لطيفاً مشوياً، وكان له في النكاح نصيب وافر، وحاصل الأمر٢ أنه كان متعاً في دنياه . وكانت ولادته بدمشق في المحرم سنة أربعين، وقيل ثمان وثلاثين وخمسمائة . وتوفي في سابع جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة بعالقين ، ونقل إلى دمشق ودفن بالقلعة ثاني يوم وفاته ، ثم نقل إلى مدرسته المعروفة به ودفن في التربة التي بها٣ ، وقبره على الطريق يراه المجتاز من الشباك المركب هناك، رحمه الله تعالى . وعالِقِين : بفتح العين المهملة وبعد الألف لام مكسورة وقاف مكسورة أيضاً وياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها نون ، وهي قرية بظاهر دمشق من الجيدور وكان ذلك عند وصول الفرنج إلى ساحل الشام، وقصدوا أولاً لقاء الملك العادل، فتوجه قدامهم إلى جهة دمشق ليتجهز ويتأهب للقائهم ، فلما وصل إلى الموضع المذكور توفي به ، فحينئذ أعرض جميع الفرنج عن دمشق٤ ، وقصدوا الديار المصرية فكانت وقعة دمياط المشهورة في ذلك التاريخ ، وتاريخها مضبوط في ترجمة يحيى بن منصور المعروف بابن جراح في حرف الياء . وأطسيس : بفتح الهمزة وسكون الطاء المهملة وكسر السين المهملة وبعدها ياء مثناة من تحتها ثم سين ثانية ، وهي كلمة تركية معناها بالعربية ما له اسم ، ويقال : إنما سمي بذلك لأن الملك الكامل ما كان يعيش له ولد ، فلما ولد هذا المسعود المذكور قال بعض الحاضرين في مجلسه من الأتراك : في بلادنا إذا كان الإنسان لا يعيش له ولد سماه أطسيس ، فسماه أطسيس، والناس يقولون ١ ر : الفاكهة . ٢ ر ق: وحاصل ذلك ٣ إلى هنا انتهت الترجمة في مج . ٤ ق ر : دمشق والشام . ٥ ق : بذلك ؛ المختار : ذلك . ٧٨ أقسيس بالقاف ، وصوابه١ بالطاء ، كذا قالوا والله أعلم . ثم ظفرت بتاريخ تسلم حلب محرراً ، وهو أن عماد الدين زنكي نزل من قلعتها يوم الخميس الثاني والعشرين من صفر ، وصعد صلاح الدين إليها يوم الاثنين السادس٢ والعشرين من صفر المذكور ، والله أعلم . ٦٩٤ الملك الكامل الايوبي أبو المعالي محمد، ابن الملك العادل المذكور ، الملقب بالملك الكامل ناصر الدين، قد سبق في ترجمة والده طرف من خبره ؛ ولما وصل الفرنج إلى دمياط - كما تقدم ذكره - كان الملك الكامل في مبدأ استقلاله بالسلطنة ، وكان عنده جماعة كثيرة من أكابر الأمراء ، وفيهم عماد الدين أحمد بن المشطوب - المذكور في حرف الهمزة - فاتفقوا مع أخيه الملك الفائز سابق الدين إبراهيم بن الملك العادل وانضموا إليه، وظهر للملك الكامل منهم أمور تدل على أنهم عازمون على تفويض السلطنة إليه وخلع الملك الكامل ، واشتهر ذلك بين الناس ؛ وكان الملك الكامل يداريهم لكونه في قبالة العدو ، ولا يمكنه المقافزة والمنافرة ، وطول نفسه معهم، ولم يزل على ذلك حتى وصل إليه أخوه الملك المعظم صاحب دمشق - المذكور في حرف العين٣ - يوم الخميس تاسع عشر ذي القعدة سنة خمس عشرة وستمائة ، فأطلعه الملك الكامل في الباطن على صورة الحال ، وأن رأس هذه ١٤ ق : والصواب . ٢ ق ر : السابع . ٦٩٤ - اخباره في تاريخ ابن الأثير ومفرج الكروب والسلوك (ج ١) وابن اياس والوافي ١ : ١٩٣ وابن الشعار جـ ٧ الورقة : ٢٤٠ والحوادث الجامعة : ١٠٧ ومرآة الزمان : ٧٠٥ وذيل الروضتين: ١٦٦ وعبر الذهبي ٥ : ١٤٤ والشذرات ٥ : ١٧٢ . ٣ انظر ج ٣ : ٤٩٤. ٧٩ الطائفة١ ابن المشطوب، فجاءه يوماً على غفلة إلى خيمته واستدعاه ، فخرج إليه فقال له : أريد أن أتحدث معك سراً في خلوة ، فركب فرسه وسار معه وهو جريدة وقد جرد٢ المعظم جماعة ممن يعتمد عليهم ويثق إليهم ، وقال لهم : اتبعونا ، ولم يزل المعظم يشاغله بالحديث ويخرج معه من شيء إلى شيء حتى أبعدا عن المخيم ، ثم قال له: يا عماد الدين، هذه البلاد لك ونشتهي أن تهبها لنا، ثم أعطاه شيئاً من النفقة، وقال لأولئك المجردين : تساموه حتى تخرجوه من الرمل ، فلم يسعه إلا امتثال الأمر لانفراده وعدم القدرة على المانعة في تلك الحال . ثم عاد المعظم إلى أخيه الكامل وعرفه صورة ما جرى ، ثم جهز أخاه الملك الفائز إلى الموصل لإحضار النجدة منها ومن بلاد الشرق ، فمات بسنجار وكان ذلك خديعة لإخراجه من البلاد ، فلما خرج هذان الشخصان من العسكر تحللت عزائم من بقي من الأمراء الموافقين لهما ، ودخلوا في طاعة الملك الكامل كرهاً لا طوعاً ، وجرى في قضية دمياط ما هو مشهور، فلا حاجة إلى الإطالة بذكره؛ ولما ملك الفرنج دمياط وصارت في قبضتهم خرجوا منها قاصدين القاهرة ومصر ، ونزلوا في رأس الجزيرة التي دمياط في برها ، وكان المسلمون قبالتهم في القرية المعروفة بالمنصورة ، والبحر حائل بينهم ، وهو بحر أشموم ، ونصر الله تعالى بمنه وجميل لطفه المسلمين عليهم ، كما هو مشهور، ورحل الفرنج عن منزلهم ليلة الجمعة سابع شهر رجب سنة ثمان عشرة وستمائة، وتم الصلح بينهم وبين المسلمين في حادي عشر الشهر المذكور ، ورحل الفرنج عن البلاد في شعبان من السنة المذكورة ، وكانت مدة إقامتهم في بلاد الإسلام ما بين الشام والديار المصرية أربعين شهراً وسبعة عشر يوماً، وكفى الله شرهم والحمد لله على ذلك ، وقد فصلت ذلك في ترجمة يحيى بن جراح فيكشف هناك . فلما استراح خاطر الملك الكامل من جهة هذا العدو تفرغ للأمراء الذين كانوا متحاملين عليه فنفاه عن البلاد ، وبدد شملهم وشردهم ، ودخل إلى القاهرة ١ المختار : القضية . ٢ هامش ن : أعلم . ٨٠