Indexed OCR Text

Pages 1-15

وَفِيَاتُ الأَغْيَانُ
وَاسْتَّاءُ ابْنَاءِ الزَّان
لِأَبِى العَبَّاسِ شْسُ الدِّين ◌َجْمَدَبن مُحَدَ بْن إِبِى بَكْرِ بْنْ خَلْكَان
(٦٠٨ - ٦٨١ هـ )
حققه
الدكتور احسان عباس
المجلد الرابع
دار صادر
بيروت

وفيات الأعيان
٤

مقدمة الجزء الرابع
١ - النسخ السابقة
استمرّ الاعتماد في تحقيق هذا الجزء على عدد من النسخ المعتمدة في تحقيق
الأجزاء الثلاثة السابقة ، وهذه النسخ هي :
- مسودة المؤلف التي انتهت عند ترجمة غيلان ( ذي الرمة ) من هذا
الجزء ، وكان فقدان القسم التالي منها يمثل فقدان الحَكّم الذي
نطمئن إليه حين تتعدد الخلافات بين النسخ .
- نسخة الظاهرية (ر) التي ستظل معتمدة حتى نهاية الكتاب .
- النسختان ل ( كوبريللي: ١١٩٢) لي ( لاله لي: ٢٢١٣) وكلتاهما
تنتهي عند ترجمة ابن التعاويذي .
- النسخة ن ( ولي الدين : ٢٤٦٠ ) ويستمر الاعتماد عليها بعد هذا
الجزء أيضاً .
أما النسخة ( ٢) التي اعتمدنا عليها في الأجزاء السابقة ، ثم وقع فيها خرم
كبير أشرنا إليه في موضعه ، فإننا سنهمل الاعتماد عليها بعد إذا توفر لدينا عدد
غير قليل من النسخ .
٢ - النسخ الجديدة
ذكرنا ستّ نسخ أسعفتنا في تحقيق هذا الجزء ، وقد حصلنا على خمس نسخ
أخرى لنجعل عملنا أدقَّ وأوفى ، فيكون مجموع النسخ التي راجعناها في تحقيق
هذا الجزء ( عدا نسخة المختار التي سنتحدث عنها منفردة) إحدى عشرة نسخة،
وهذا بيان بالنسخ الجديدة :

(١) نسخة المجمع العلمي العراقي، ورمزها (مج): كتب على الورقة الأولى
منها ((الخامس من تاريخ ابن خلكان)) وتحت هذه العبارة بخط مختلف ((بخط
مصنفه رحمه الله تعالى)) ثم ذكر لبعض التملكات .
وهذه النسخة في ١٥٠ ورقة مسطرتها ١٧ ×٢٧ سم وفي كل صفحة ١٢ سطراً
ومعدل الكلمات في السطر الواحد ٨ كلمات ، وتبدأ بترجمة الأمير المختار عز ...
الملك المسبحي وتنتهي بترجمة الحاكم بأمر الله العبيدي وقد وقع فيها خرم كبير
عند الورقة ١٤١/أ ضاعت بسببه تراجم كثيرة. وعند مقارنتها بالنسخ الأخرى
تبين لنا أنها نسخة غريبة حقاً لعدة أمور : فهي تسقط كثيراً من النصوص
الواردة في النسخ الأخرى حتى فيما عددناه نسخاً لا تمثل العمل النهائي للمؤلف ،
وتنفرد بزيادات في الترجمة الواحدة لا ترد في أية نسخة سواها ، وأحياناً يجيء
نص الرواية المشتركة بينها وبين النسخ الأخرى بعبارة مختلفة كثيراً، وقد سقطت
منها بعض التراجم التي لا ريب في أنها من عمل المؤلف ، كترجمة ابن مقلة ،
وانفردت بإيراد ترجمة محمد بن عبد الله بن طاهر ولم ترد في غيرها ، كذلك فإن
سياق بعض الترجمات فيها ( مثل ترجمة ابن الزيات وابن العميد والملك الكامل )
يختلف في مجمله عما اتفقت عليه سائر النسخ ولذلك أثبتنا هذه الترجمات مرتين :
مرة كما وردت في النسخ المتفقة ومرة كما وردت في ( مج ) .
وعلى الرغم مما تتمتع به هذه النسخة من دقة وضبط فإنها ليست بخط المؤلف
كما توهم العبارة المكتوبة على الورقة الأولى ، ذلك أنه لا جدال في أن مسودة
المؤلف هي النسخة المحفوظة في المتحف البريطاني ، وعند مقارنة الخط فيها
بالخط في هذه النسخة يتبدى الاختلاف واضحاً حتى لمن لم يكن ذا خبرة بأنواع
الخطوط ؛ كذلك فإن في حاشية النسخة ( مج ) بخط الناسخ نفسه إشارة إلى
أنه ينقل عن أصل ، ومثل هذا يبعد أن تكون نسخة المؤلف ؛ ثم ان اعتبارها
((الخامس)) من تاريخ ابن خلكان ينفي عنها النسبة إلى المؤلف مباشرة لأن تجزئة
المؤلف ( كما سيتبين عند الحديث عن المختار) تختلف اختلافاً بعيداً عن هذه التجزئة.
ومهما يكن من شيء فإن الخصائص التي تفرد هذه النسخة عما عداها تضعنا
أمام سؤال ليس من الممكن أن نجيب عليه ، وذلك هو : كيف يفسّر مثل هذا
ب

التفرد ؟ لا ريب في أن هذه النسخة قطعة من تاريخ ابن خلكان ولكني أقرّ
بأني عاجز عن تعليل هذا التفاوت الكبير بينها وبين النسخ الأخرى .
(٢) نسخة مكتبة قاضي زاده محمد باستانبول، رقم: ٣٧١ ( ورمزها:
ق ) : في المكتبة المذكورة مجلدان ، في كل مجلد جزءان ، وتحتوي الأجزاء
الأربعة جميع كتاب الوفيات، فالمجلد الأول (رقم: ٣٧٠) يضمّ التراجم حتى
قسم من حرف الميم ، في ٤٧٣ ورقة ، ولم نعتمد عليه في هذا التحقيق ، وعليه
تملك يعود إلى سنة ٩٢٦، ولكنه مكتوب بنفس الخط الذي كتب به المجلد
الثاني . غير أني لما بلغت إلى هذا الحدّ من تحقيق الكتاب حصلت على الجزء
الثاني المشار إليه ، وهو يبدأ بترجمة محمد بن السائب الكلبي ويستمر حتى نهاية
الكتاب . نسخه محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن النقاش في يوم الأحد الثالث
والعشرين من شهر رمضان سنة ٧٣٩ ، عدد أوراقه ٥٣٢ ورقة ، في كل صفحة
٢٣ سطراً ومعدل الكلمات في السطر ١١ كلمة ؛ وهذه النسخة مكتوبة بخط
نسخي جميل، والصحة غالبة عليها، إلا أنها غير بارئة من الوهم والسقط والخطأ،
وفي قسم من التراجم يغلب عليها التلخيص، ثم تعود النسخة بعد ذلك إلى متابعة
نص المؤلف دون حذف ، وذلك أمر محيّر فيها ، لأن التراجم التي يغلب عليها
التلخيص ليست بخط مختلف عن سائر الخط في هذه النسخة .
(٣) النسخة (ت) وهي قطعة من الكتاب كانت بحوزة الصديق الاستاذ
محمد بن قاويت الطنجي، وقدَّمها إليّ ؛ وتبدأ بجانب من ترجمة مظفر الدين
كوكبوري، وتنتهي عند جزء من ترجمة ألب أرسلان السلجوقي، وهي في ١١١
ورقة ، في كل صفحة ٢٣ سطراً، ومعدل الكلمات في السطر ١٣، مكتوبة
بخط نسخي واضح . وقد أهملت عدداً غير قليل من التراجم الواردة في النسخ
الأخرى ، وليس فيها اهتمام بالإعجام ، ولكن خطها يدل على أنها ربما كانت
تنتمي إلى القرن الثامن؛ وهي تقع في صف الفئة الموجزة من النسخ ، التي نقلت
عن أصل المؤلف قبل أن يضيف إليه ، وتقارب النسخة ( س ) فيما أوردته
من تراجم .
(٤) نسخة مكتبة جامعة أدنبره باسكتلنده (رقم : ٢٢)؛ رمزها (بر)
ج

وتمثل نسخة كاملة من وفيات الأعيان ، في ٣٩٤ ورقة بمعدل ٣٥ سطراً في
الصفحة، و١٦ كلمة في كل سطر ، وفي الورقات العشرين الأخيرة منها بعض
طمس ومحو أو عطب ، وانقطعت عند جزء من ترجمة يونس بن حبيب ، فضاع
منها بقية الترجمة وترجمتان ثاليتان وخاتمة المؤلف وتاريخ النسخ واسم الناسخ .
وعلى الورقة الأولى منها تملكات تواريخها على التوالي: ١٠٢٨، ١٠٨٣،
١١٢٧ وربما كانت من نسخ القرن التاسع أو العاشر ، ولا تنفرد بأية زيادات ،
وهي متوسطة في تراجمها بين النسخ الموجزة ( مثل س) والأخرى الطويلة
التراجم ( مثل ر ) .
(٥) نسخة مكتبة جون رايلندز، بمنشستر (رقم ٢٩٧ [٦٢٣]) تمثل
الجزء الثاني من وفيات الأعيان وتبدأ بترجمة أبي شجاع فاتك الكبير ، وتنتهي
بخاتمة المؤلف ، وقد جاء في آخر ورقة ان ناسخها هو محمد بن أبي حامد محمد
الحسني الحسيني المكي وان النسخ تم بمكة ، وفرغ منه يوم الثلاثاء سابع عشر
ذي الحجة الحرام آخر شهور سنة إحدى وتسعين وتسعمائة .
وبما أنها تمثل الجزء الثاني فإن أوراقها تبدأ بالرقم ٢٣٩ وتنتهي بالرقم ٥١٦
ومسطرتها ١٩ ×١٧,٥، في كل صفحة ٢٩ سطراً، بمعدل ١٧ كلمة للسطر الواحد؛
وخطها نسخي دقيق جميل ، ونسبة الضبط فيها جيدة ، ولكن أوراقها
مضطربة دون أن يكون قد ضاع منها شيء . والمطابقة بينها وبين النسخة
السابقة ( بر) تكاد تكون تامة ، فإذا لم نفترض أنهما نقلتا عن أصل واحد ،
فليس من المستبعد أن تكون إحداهما قد نقلت عن الأخرى .
٣ - المختار من وفيات الأعيان لابن المؤلف
لكتاب وفيات الأعيان في المكتبات المختلفة عدد من الاختصارات
والمختارات ، رأيت منها في مكتبات استانبول ثلاثة وهي :
(١) تجريد ابن خلكان (طوبقبوسراي، رقم: ١٢٢٢ .E. H) في ٩١ ورقة
وفي آخر النسخة: ((تم المختصر المسمى بالتجريد نهار الأحد عشرين خلت من

ربيع الأول سنة ستين ومائة بعد الألف )، ومن الطريف أن يقول صانع هذه
النسخة، وهو إبراهيم بن مصطفى، إن الدفتر المسمى وفيات الأعيان عزيز
الوجود عزيز المقدار ، لا يمكن توصيله إلا بتكثير من الدينار ، وأنه لذلك
يلخصه مع المحافظة على تبيان زمان الولادة والوفاة .
(٢) المختار من وفيات الأعيان (طوبقبوسراي، رقم ٢٩١٩ .A) وما
تبقى منه هو الجزء الأول في ٢١٢ ورقة ينتهي بترجمة ذي الرمة ، وكان تاريخ
الاختيار شهر المحرم عام ٧٢٤ على يد محمد بن الحسن بن عقيل البلبيسي الناسخ
بالقاهرة المعزية .
(٣) مختصر ابن خلكان ( أسعد أفندي، رقم : ٢١٩٥) في ٤٣٢ ورقة ،
والنسخة ناقصة من أولها، تبدأ ببقية من ترجمة المتنبي، وفي آخرها ((تم المختصر
المبارك)) ( دون تاريخ ) .
ولكني لم أتوقف عند هذه المختصرات والمختارات عند التحقيق، لكثرة النسخ
الكاملة وتوفرها ، إلا اختيار واحد ، صنعه موسى ولد المؤلف، ولذلك حصلت
عليه وجعلته بمنزلة إحدى النسخ ، إن لم أضعه فوق سائر النسخ من حيث
القيمة .
المختار من وفيات الأعيان محفوظ بمكتبة وزارة شئون الهند India Office
بلندن ( رقم : ٧٠٥ Loth)؛ وقد كتب على الورقة الأولى منه بخط غير خط
الأصل: ((كتاب مختار وفيات الأعيان لموسى بن قاضي القضاة أحمد بن خلكان
المشهور ، رحمه الله تعالى بمنه وكرمه آمين .... وهو الجزء الثاني ابتداء من
حرف العين ، ويختم به ، تغمدهم الله برحمته الواسعة )) ؛ ثم تملكات ومطالعات ،
فالكتاب كان في ملك عبد الرحمن الحموي بالشراء الشرعي ، وطالع فيه عثمان
ابن الحافظ المغربي سنة ١١٧٢، ونظر فيه آخرون منهم عبد الرحمن العمادي
سنة ١٢٠١. ويبدأ القسم المتبقي من هذه النسخة بترجمة أبي القاسم علي بن أفلح
( الترجمة رقم ٤٧٦ في الجزء الثالث ) ويستمر الاختيار فيه حتى آخر الوفيات،
ويقع في ٣٣٣ ورقة، مسطرته ٣٥×١٩ وعدد الأسطر في كل صفحة ٢١ سطراً،
ومعدل الكلمات في السطر الواحد ١٢ كلمة ، والخط نسخي قليل الاعجام أميل

إلى التعليق ، ولكنه في جملته واضح حسن الضبط ، يقل فيه السهو والخطأ .
إلا أن الترقيم للأوراق ترقيم حديث ، وقد ضاعت أوراق كثيرة من هذه النسخة
في عدة مواطن متفرقة ، رغم تسلسل الارقام ، كذلك فإن بعض الأوراق
لم تقع في أماكنها الصحيحة .
ومن بداية النسخة حتى الورقة ١٥٠ ينتهي ما يعده صاحب المختار ((المجلد
الأول)) ويبدأ ((المجلد الثاني)) وقد كتب على الورقة الأولى منه: ((المجلد الثاني
من المختار من وفيات الأعيان)) وتحت هذا العنوان: ((يقول الفقير إليه تعالى
موسى بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن خلكان كاتب هذه التعليقة والمختار
لطف الله به : انني اعتمدت في اختيار هذا المجلد من الكتاب ... ما شرحته
في أول المجلد الاول من هذا المختار، من غير إخلال بشيء في ذلك ... الخ)) ولما
كان أول المجلد الاول قد ضاع مع قسم كبير منه، فانا لا نعرف ما هو المنهج
الذي شرحه ابن المؤلف في اختياره .
وعلى الورقة ١٥١ ب من المجلد الثاني كتب ابن المؤلف (( بسم الله الرحمن
الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً : نقلت مبتدئاً من
أول الجزء الرابع من كتاب وفيات الاعيان تأليف سيدي والدي أحمد بن محمد
ابن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان قدّس الله روحه ونوّر ضريحه مقتضباً تذكرة
لنفسي، ومبدأ النقل يوم الاحد ثاني شهر ذي الحجة سنة إحدى وسبعمائة بمدينة
بعلبك المحروسة، كتبه ولد المؤلف، الفقير إليه تعالى موسى بن أحمد لطف الله به»
ويستمر النقل من الجزء الرابع حتى الورقة ٢٣٣ ب حيث جاء ((هذا آخر ما
نقلته من الجزء الرابع من كتاب وفيات الاعيان ، ويتلوه ما أنقله من المجلد
الخامس إن شاء الله تعالى وأوله ترجمة عون الدين ابن هبيرة )).
وهذا يدلنا على أن التجزئة النهائية التي اعتمدها المؤلف لكتابه جعلته في
خمسة أجزاء نعرف منها بوضوح حدود الجزءين الاخيرين وهما الرابع والخامس .
فالرابع حسب تجزئة المؤلف يبتدى بترجمة أبي تميم معد الملقب المعز لدين الله
الفاطمي وينتهي بترجمة يحيى بن خالد البرمكي ، والخامس يبدأ بترجمة الوزير
ابن هبيرة ويستمر حتى آخر الكتاب .
و

ولا بأس أن نعيد هنا حقيقتين وردة في النصوص التي نقلناها عن ولد
المؤلف وهما :
(١) أن نقل المجلد الثاني من المختار بدأ في ذي الحجة سنة ٧٠١، وهذا يعني
طبعاً أن نقل المجلد الأول بدأ قبل ذلك، ولكنا لا نظنه بدأ قبل العام المذكور.
(٢) ان ابن المؤلف حين كان ينقل المجلد الأول وبعض الثاني كان يسكن
مدينة بعلبك ، ونزيد هنا انه حين انتهى من ترجمة ابن شداد ( الورقة ٢٨٩)
انتقل من بعلبك إلى دمشق، وهو يشير إلى ذلك بقوله: ((قلت ، أعني كاتبها
موسى بن أحمد لطف الله به : هذا آخر ما نقلته من أول كتاب وفيات الأعيان
المشار إليه إلى هذا المكان بمدينة بعلبك المحروسة ، وذلك في يوم الاثنين سابع
صفر سنة اثنتين وسبعمائة ، ويتلوه ما أنقله منه بدمشق المحروسة إن شاء الله
تعالى » .
ثم انتهى من نقل بقية الكتاب بدمشق يوم الأحد ثالث شهر ربيع الآخر
سنة ٧٠٢ وهو يسكن قبل الصالحيين بخط ابن جهاركس، قال: ((وكان مبدأ
ما اخترته منه بدمشق عند قدومي إليها من بعلبك يوم الأحد العشرون من
شهر ربيع الأول سنة ٧٠٢ )). وهذا يفيد أنه حين كان في بعلبك أنهى حوالي
١٣٨ ورقة في ٦٥ يوماً، وحين كان في دمشق أنجز نسخ ٤٥ ورقة في ١٢ يوماً،
وذلك يعطي فكرة تقريبية عن نسخ الكتاب كله ، إذا كان النسخ متتابعاً دون
انقطاع ؛ ويجب أن نذكر هنا أن النسخ لم يكن دائماً مطرداً ، لأن موسى كان
يختار ، ويتوقف عندما يحذفه أو يثبته .
تلك هي نسخة (( المختار)) وعلى أنها غير كاملة ، وقد سقطت منها أوراق
في عدة مواضع، فإنها تعد نسخة بالغة الأهمية، ولعلها تلي ((مسودة المؤلف))
من حيث القيمة ؛ ولما كان جانب كبير من مسودة المؤلف بعد حرف الغين ما
يزال مفقوداً ، فقد كانت الاستعانة بالمختار أمراً ضرورياً أثناء التحقيق لأنه
منقول مباشرة عن نسخة المؤلف، ولأن الذي نقله امرؤ عرف المؤلف والكتاب
معرفة وثيقة ، وهو رجل مثقف ذو مشاركة حسنة في الفن الذي ندب نفسه
لأدائه ( وسنتحدث عنه بشيء من التفصيل عند الحديث عن المؤلف وكتابه وما
ز

يتصل بها في موضع آخر ) . وقد أضاف موسى إلى الكتاب فوائد جليلة يتصل
كثير منها بأبيه ، ويلقي على جوانب من شخصيته وعلاقاته أضواء كاشفة ، وكان
يضع بين هذه الفوائد المضافة وبين المتن جملة فاصلة يبدأها بقوله: ((قال كاتبه
موسى بن أحمد لطف الله به )) وقد أدرجنا جميع هذه الفوائد في هوامش الكتاب
لإيماننا بأنها مفيدة ومنها ما يصور جانباً من ثقافة صانع المختار .
وقد أعطانا المختار أحياناً فكرة عن مدى ما أدرجه المؤلف في الترجمة
الواحدة ، بحيث تأكد لنا أن بعض ما استقلت به مفردات النسخ إنما كان من
عمل المؤلف نفسه ، وأثبت لدينا أن مجموعة كبيرة من النسخ التي اعتمدناها لا
تمثل الشكل النهائي للكتاب ، كما أراده مؤلفه ، وأن الزيادات التي انفردت بها
النسخة (ر) على وجه الخصوص ، هي من أصل المؤلف أيضاً ( في هذا القسم
من الكتاب ) فأما زيادات ( مج ) فليس هناك ما يثبت ، ولو مرة واحدة انها
أصيلة في الكتاب . وكذلك اتضح أن بعض التراجم التي لم ترد في كثير من
النسخ ( مثل ترجمة يعقوب بن الليث الصفار ) إنما هي مما أثبته المؤلف نفسه ،
لأنها وردت في المختار . أما التراجم التي لم يرد لها ذكر في المختار فلا نقطع
بأنها دخيلة لأن المختار يقوم في أساسه على الإيجاز والحذف؛ وقد أهمل صاحب
المختار - على هذا الأساس- بعض التراجم كما أنه كان شديد الإيجاز في ما يختاره
من بعضها الآخر، وليس له في اختياره منهج محدد، فهو حيناً يهتم بإيراد الشعر،
وحيناً يهتم بإيراد الخبر ، ومرة ثالثة يكاد لا يحذف شيئاً من الترجمة . غير أنه
كان يقدم ويؤخر حسبما تمليه عليه طريقته ، ويجمع الاشياء المتشابهة في نطاق ،
ويحذف في الغالب اسم المصدر المنقول عنه . ونراه في أحيان أخرى يحمل الخبر
على طريقته الخاصة ، ولكنه في ذلك كله لم يحاول أن يغير في العبارة الأصلية
للمؤلف أو أن يقحم في السياق ما ليس من الأصل دون أن ينبه إليه؛ وقد اعتذر
عن الطريقة التي جرى عليها في اختياره بقوله في الخاتمة: ((وقد قدمت في
أول هذا المختار أنني اخترت ما اخترته منه ونقلته تذكرة لنفسي ، فليعذر من
يقف على ذلك، فأن الآراء والأهواء تختلف ، والله أعلم )).
ومع ذلك كله فإن المختار سيبقى ذا قيمة كبيرة حتى بعد أن تكتشف
ح

الأقسام الضائعة من مسودة المؤلف .
وقد ختم موسى كتابه بترجمة موجزة لوالده ، وتقديراً لما توضحه من
معلومات دقيقة رأينا أن نثبتها في هذه المقدمة .
٤ - ترجمة المؤلف بقلم ابنه موسى
قلت ، أعني كاتبها موسى بن أحمد مؤلف هذا الكتاب [المختار] لطف الله
به : وكانت وفاة والدي أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان، تغمده
الله برحمته ، وقت أذان العصر من يوم السبت السادس والعشرين من شهر رجب
سنة إحدى وثمانين وستمائة بدمشق المحروسة ، بالمدرسة الجمالية النجيبية ، رحم
الله واقفها ، المجاورة للمدرسة النورية التي بحضرة الخواصين ؛ ودفن يوم الأحد
السابع والعشرين من بعد ما صلي عليه يجامع دمشق في الساعة الثانية بسفح جبل
قاسيون ، في الصحراء ، جوار التربة الصوابية التي بالسفح من غربي الجبل ، من
شرقيها ؛ وكان مبدأ مرضه يوم الثلاثاء ثاني عشرين شهر رجب المذكور .
وأخبرني غير مرة أنه ولد وقت أذان العصر من يوم الخميس حادي عشر شهر
ربيع الآخر سنة ثمان وستمائة بمدينة إربل ، بالمدرسة المظفرية . وقد تقدم في
هذا الكتاب في عدة مواضع ذكر نبذ من أحواله وماجراياته وذكر بعض شيوخه
وصفة بعض اشتغاله فأغنى عن الإعادة هنا طلباً للايجاز والاختصار .
وأخبرني أيضاً أن قبيلته التي ينتسب إليها من الأكراد القبيلة المعروفة
بالزرزارية ، وأن أباه وأمه أصلهما من مدينة بلخ إحدى كراسيّ خراسان ،
وذلك أن أباه هو محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان بائك بن عبد الله بن الحسين
ابن مالك بن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي ، وبرمك وبيته من أهل
بلغ ، وأمه من ولد خلف بن أيوب صاحب الإمام أبي حنيفة ، رضي الله عنهما،
وهو من أهل بلغ أيضاً، وكانت حنفية من أهل الموصل واسمها آمنة ولأبيها
الشيخ شمس الدين [ ..... ] الحنفي شيخ الطائفة الحنفية بالموصل في عصره.
وأخبرني أيضاً أن جده أبا بكر ابن خلكان اشتغل في الفقه على الشيخ أبي
ط

إسحاق الفيروزابادي الشيرازي وتخرج عليه ، وأنه أول من اشتغل بالفقه من
عمود نسبه ، وأنه توفي سنة خمس وعشرين وخمسمائة ، وقد ناهز تسعين سنة
من العمر .
قلت : وكان عود والدي رحمه الله تعالى إلى دمشق المحروسة في يوم الخميس
السابع والعشرين من المحرم سنة سبع وسبعين وستمائة ، وقد قلد الأحكام بالشام
المحروس على ما كان عليه الرسم في مباشرة ذلك إلى ثاني عشر صفر سنة تسع
وسبعين وستمائة ؛ وصرف عن الحكم في ذلك في المحنة التي جرت بدمشق بسبب
قيام الأمير شمس الدين سنقر الأشقر الصالحي بالأمر بدمشق وأعمالها، وما آل
أمره إليه من الحروب في دمشق في التاريخ المذكور ، عندما كسره العسكر
القادم من الديار المصرية ، وكان مقدمه الأمير علم الدين الحلي الكبير الصالحي .
ثم أعيد والدي إلى الحكم بالبلاد الشامية في رابع عشر شهر ربيع الأول من السنة
المذكورة فاستمرَّ إِلى سلخ المحرم سنة ثمانين وستمائة ، وانفصل عنها ، وانقطع
بالمدرسة النجيبية التي توفي فيها حسبما تقدم ذكره ، وكنت أنا يومئذ مدرّسها،
واستمرت بيدي ثلاث عشرة سنة . ورتب له على المصالح في كل شهر ثلاثمائة
درهم ، ثم أضيفت إليه المدرسة الأمينية التي بدمشق في أثناء السنة المذكورة ،
واستمرّ على ذكر الدرس بها والعود إلى مسكنه والاجتماع بمن يتردد إليه من
العلماء والفضلاء والأدباء على اختلاف طبقاتهم، والبحث معهم والمذاكرة لهم وبث
العلوم والفوائد إلى أن توفي في التاريخ المقدم ذكره، قدَّس الله روحه ونوَّر ضريحه.
وهذه نبذة فيها خلاصة أحواله المتأخرة مع المبالغة في الاختصار والإيجاز ،
ولم أذكر منها هذه اللمعة إلا لاحتمال من يتفق وقوفه على هذه التعليقة، ويتشوف
للوقوف على شيء من أحواله، لكونه تأسياً لما في هذا الكتاب من ذكر التواريخ.
وقد ذكرت في أول هذه التعليقة صورة ما اخترته وما اعتمدته فيما نقلته
من هذا الكتاب ، فأغنى عن إعادته ، والله الموفق للصواب .
ـي
:

٥ - شكر وتقدير
وفي الختام أحب أن أتوجه بالشكر الجزيل لعدد من أعانني في تذليل بعض
العقبات التي اعترضت سبيلي في تحقيق هذا الجزء، وأخصّ بالذكر منهم الأصدقاء:
العلامة المحقق محمد بن تاويت الطنجي الأستاذ بكلية الالهيات بجامعة أنقرة الذي
أهداني النسخة المرموز إليها بالحرف (ت) والأستاذ عبد الله الجبوري أمين مكتبة
المتحف العراقي الذي أهداني ميكروفيلم من النسخة (مج) والأستاذ سامي
الصفار الذي قدَّم إليّ صورة عن قطعة من تاريخ إربل محفوظة بمكتبة تشستر بيتي
بدبلن ( ار لنده ) وصوراً عن فهارس صنعها لعدد من المخطوطات القيمة المحفوظة
يجامعة كيمبردج ؛ والدكتور أحمد أبو حاكمة الذي أمن إيصال نسخة المختار
إليّ؛ والدكتور إبراهيم السامرائي الذي أبدى اهتماماً فائقاً بهذا العمل وكتب إليّ
عن استعداده لتصوير ما أريده من مكتبة جامعة بغداد مما يعين على التحقيق ؛
ولن يفوتني أيضاً أن أشكر المس واطسن المسئولة عن المخطوطات بمكتبة وزارة
شئون الهند India Office ومدير مكتبة ادنبره ومدير مكتبة جون رايلندز
بمنشستر فقد أبدوا جميعاً عوناً مشكوراً في إرسال ما طلبته من مصوّرات ؛ فما
كان هذا العمل ليتم على النحو الذي ارتضيته لولا هذا العون الكثير الذي تلقيته،
وفيه نفسه حافز لي للمضي بهذا العمل إلى أن يكتمل بتوفيق الله وعونه .
بيروت في ١١ كانون الثاني (يناير) ١٩٧١
إحسان عباس