Indexed OCR Text

Pages 361-380

الدار قطني [وقال غير الدارقطني : هذا لفظ عجمي، وتفسيره بالعربي دقيق
وحليب ، فأرد : دقيق ، وشير : حليب ، وقيل دقيق وحلاوة ، وقيل إنه
بالزاي لا بالراء ، والله أعلم]١ وهو الذي أباد ملوك الطوائف، ومهد الملك
لنفسه، واستولى على المالك ، وهو جد ملوك الفرس الذين آخرهم يزدجرد ،
وكان انقراض ملكهم في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة اثنتين وثلاثين
من الهجرة٢، وأخبارهم مشهورة [وهؤلاء غير ملوك الفرس الأوائل الذين آخرهم
دارا بن دارا الذي قتله الإسكندر ، ورتب في البلاد ملوك الطوائف وسماهم
بذلك لأن كل ملك يحكم على طائفة مخصوصة، بعد أن كانت المالك لرجل واحد،
وكان أردشير من ملوك الطوائف ، ثم استقل بالجميع كالعادة الأولى ، وكانت
مدة مملكة ملوك الطوائف أربعمائة سنة ، ومدة مملكة ملوك الفرس الأواخر
أربعمائة سنة ]١.
ويَزْدَ جِرْدُ: بفتح الياء المثناء من تحتها وسكون الزاي وفتح الدال المهملة
وكسر الجيم وسكون الراء وفي الآخر دال مهملة .
وأما بَلْهَيْتُ ملك الهند فلا أتحقق ضبطه، غير أني وجدته مضبوطاً بخط
الناسخ ، وقد فتح الباء الموحدة وسكن اللام وفتح الهاء وسكن الياء المثناة
من تحتها وبعدها تاء مثناة من فوقها ، والله أعلم بصحة ذلك من سقمه .
١ ما بين معقفين انفردت به رق .
٢ ر بر : للهجرة .
٣٦١

٦٤٩
الحاتمي
أبو علي محمد بن الحسن بن المظفر، الكاتب اللغوي البغدادي المعروف بالحاتمي؛
أحد الأعلام المشاهير المطلعين المكثرين ، أخذ الأدب عن أبي عمر الزاهد غلام
ثعلب - وقد تقدم ذكره١ - وروى عنه أخباراً وأملاها في مجالس الأدب ،
وروى عن غيره أيضاً ، وأخذ عنه جماعة من النبلاء : منهم القاضي أبو القاسم
التنوخي - المقدم ذكره٢ - وغيره، وله (( الرسالة الحاتمية)) التي شرح فيها ما
جرى بينه وبين أبي الطيب المتنبي من إظهار سرقاته وإبانة عيوب شعره، ولقد
دلت على غزارة مادته وتوفر اطلاعه .
وحكى في أول الرسالة السبب الحامل له على ذلك فقال٣ : لما ورد أحمد بن
الحسين المتنبي مدينة السلام منصرفاً عن مصر ومتعرضاً للوزير أبي محمد المهلبي ،
بالتخييم عليه والمقام لديه، التَّحَفَ رداء الكبر وأذال ذيول التيه ، ونأى يجانبه
استكباراً وثنى عطفيه جبرية وازوراراً ، فكان لا يلاقي أحداً إلا أعرض عنه
تيهاً وزخرف القول عليه تمويهاً ، تخيل عجباً إليه أن الأدب مقصور عليه، وأن
الشعر بحر لم يرد مير مائه غيره وروض لم يرد نواره سواه ، فهو يجني جناه
ويقطف قطوفه دون من تعاطاه، وكل مُجْرٍ في الخلاء يُسَرُّ ولكل نبأ مستقر،
٦٤٩ - ترجمته في تاريخ بغداد ٢: ٢١٤ واليقيمة ٣: ١٠٨ ومعجم الأدباء ١٨ : ١٥٤
والمحمدون: ٢٣٠ والانباه ٣: ١٠٣ والوافي ٢: ٣٤٣ وانظر الامتاع ١: ١٣٥ والشذرات
٣ : ١٢٩ وعبر الذهبي ٣: ٤٠ وبغية الوعاة: ٣٥ واللباب والأنساب: (الحاتمي) والمنتظم
(وفيات سنة ٣٨٨)؛ وورد اسمه في ت ر: محمد بن الحسين؛ وقد اكتفى المختار من هذه
الترجمة بايراد ثلاثة أبيات من الشعر .
١ انظر الترجمة رقم : ٠٦٣٨
٢ انظر جـ ٣ : ٠٣٦٦
٣ انظر الرسالة الموضحة .
٣٦٢
١

فغبر جارياً على هذه الوتيرة مدة مديدة أجررته رسَنَ البغي فيها ، فظل يمرح
في تيهه حتى إذا تخيل أنه السابق الذي لا يجارى في مضمار ولا يساوى عذاره
بعذار، وأنه رب الكلام ومقتضّ عذارى الألفاظ ، ومالك رق الفصاحة نثراً
ونظماً وقَريحُ دهرهِ الذي لا يقارع فضلاً وعلماً ، وثقلت وطأته على كثير مما
وسم نفسه بميسم الأدب ، وأنبط من مائه أعذَبَ مشرب ، فطأطأ بعض رأسه
وخفض بعض جناحه وطامن على التسليم له طرفه ، وساء معز الدولة أحمد بن
بويه - المقدم ذكره١ - وقد صورت حاله ، أن يرد حضرته وهي دار الخلافة
ومستقر العز وبيضة الملك رجلٌ صدَرَ عن حضرة سيف الدولة بن حمدان - وقد
تقدم ذكره أيضاً - وكان عدواً مبايناً لمعز الدولة ، فلا يلقى أحداً بمملكته
يساويه في صناعته ، وهو ذو النفس الأبية والعزيمة الكسروية ، والهمة التي لو
همت بالدهر لما تصرفت بالأحرار صروفه ولا دارت عليهم دوائره٢، وتخيل الوزير
المهلبي ، رجماً بالغيب ، أن أحداً لا يستطيع مساجلته ولا يرى نفسه كفؤاً له
ولا يضطلع بأعبائه فضلاً عن التعلق بشيء من معانيه ، وللرؤساء مذاهب في
تعظيم من يعظمونه وتفخيم من يفخمونه وتکرمة من يراعونه ویکرمونه ، وربما
حالت بهم الحال وأوشكوا عن هذه الخليقة الانتقال، وتلك صورة الوزير المهلبي
في عوده عن رأيه هذا فيه، ولم يكن هناك مزية يتميز بها أبو الطيب عن الهجين
الجذعِ من أبناء الأدب فضلاً عن العتيق القارح إلا الشعر ، ولعمري إن أفنانه
كانت فيه رطبة ومجانيه عذبة، فنَهَدْتُ له متتبعاً عواره ومقلماً أظفاره ومذيعاً
أسراره ، وناشراً مطاويه ومنتقداً من نظمه ما تسمَّحَ فيه، ومتحيّناً أن تجمعنا
دار يشار إلى ربها فأجري أنا وهو في مضمار يعرف به السابق من المسبوق
واللاحق من المقصر عن اللحوق ، وكنت إذ ذاك ذا سحاب مِدْرار وزَنْد
في كل فضيلة وار، وطبع يناسب صفْوَ العُقار إذا وشيت بالحَباب ووشت بها
سرائر الأكواب ، هذا وغدير الصبا صاف ورداؤه ضاف، وديباجة العيش غضة
وأرواحه معتلة وغمائمه منهلة ، وللشبيبة شِيرَّة وللاقبال من الدهر غرة ، والخيل
١ انظر = ١ : ٠١٧٤
٢ ر : دوائره وحتوفه .
٣٦٣

تجري يوم١ الرهان بإقبال أربابها لا بعروقها ونصابها ، ولكل امرىء حظ من
موافاة زمانه ، يُقْضى في ظله أرب ويُدْرَك مطلب ويُتَوسع مَراد ومذهب ،
حتى إذا عَدَتْ عن اجتماعنا عوادٍ من الأيام قصدت مستقره وتحتي بغلة سفواء
تنظر عن عيني بازٍ وتتشوف مثل قادمتي" نسرٍ ، وهي مر کب رائع، و كأنني
كوكب وقاد من تحته غمامة يقتادها زمام الجنوب ، وبين يدي عدة من الغلمان
الرُّوقَة٢ مماليك وأحرار يتهافتون تهافت فريد الدر عن أسلاكه. ولم أورد هذا
متبجحاً ولا متكثراً بذكره ، بل ذكرته لأن أبا الطيب شاهد جميعه في الحال،
ولم ترعه روعته ولا استعطفه زبرجه ، ولا زادته تلك الجملة الجميلة التي ملأت
أُتهمة طرفه وقلبه إلا عجباً بنفسه وإعراضاً عني بوجهه ، وكان قد أقام هناك
سوقاً عند أغيلمة لم تَرُضْهم العلماء ولا حركتهم رحى النظراء ، ولا أنضوا
أفكاراً في مدارسة الأدب ، ولا فرقوا بين حلو الكلام ومره وسهله ووعره ،
وإنما غاية أحدهم مطالعة شعر أبي تمام وتعاطي الكلام على نبذ من معانيه، وعلى
ما تعلقت الرواة مما يجوز فيه ، فألفيت هناك فتية تأخذ عنه شيئاً من شعره .
فحین أوذن بحضوري واستؤذن عليه لدخولي ، نهض من مجلسه مسرعاً ووارى
شخصه عني مستخفياً ، وأعجلته نازلاً عن البغلة وهو يراني لانتهائي بها إلى حيث
أخذها طرفه، ودخلت فأعظمت الجماعة قدري وأجلستني في مجلسه ، وإذا تحته
أخلاق عباءة قد ألَحَتْ عليها الحوادثُ فهي رسوم دائرة وأسلاك متناثرة ،
فلم يكن إلا ريثما جلست ، فنهضت٣ ، فوفيته حق السلام غير مشاحٍّ له في
القيام، لأنه إنما اعتمد بنهوضه عن الموضع ألا ينهض إلي، والغرض كان٤ في لقائه
غير ذلك ، وحين لقيته تمثلت بقول الشاعر :
وفي المَمْشى إليكَ عليَّ عارٌ ولكن الهَوَى منَعَ القَرار!
١ ت س : في يوم .
٢ ن : الروم .
٣ ن : واذا به فنهضت ؛ ق : فأتانا فنهضت .
٤ ر : كان لي .
٣٦٤

فتمثل بقول الآخر :
ويُسعِدُ الله أقواماً بأقوامٍ
يَشْقى رجالٌ ويشقى آخرونَ بِهِم
لكن جُدُودٌ وأرزاقٌ بأقسام
وليس رزقُ الفتى من فضل حيلته
كالصيد يحرمُه الرامى المُجيد وقد يرمي فيحرزه مَنْ ليس بالرامي
وإذا به لابس سبعة أقبية كل قَباء منها لون، وكنا في وغرة١ القيظ وجمرة
الصيف وفي يوم تكاد ودائع الهامات تسيل فيه ، فجلست مستوفزاً وجلس
متحفزا٢ً ، وأعرض عني لاهياً وأعرضت عنه ساهياً، أؤنب نفسي في قصده
وأستخفُّ رأيها في تكلف ملاقاته ، فغبر هنية ثانياً عِطْفه لا يعيرني طرفه ،
وأقبل على تلك الزَّعنفة التي بين يديه ، وكل يومي إليه ويوحي بلحظه ويشير
إلى مكاني بيديه ٣، ويوقظه من سِنَته وجهله، ويأبى إلا ازوراراً ونفاراً وعتوّاً
واستكبارا ، ثم رأى أن يثني جانبه إليّ ويقبل بعض الإقبال علي ، فأقسمت
بالوفاء والكرم ، فإنهما من محاسن القسم٤ ، أنه لم يزد على أن قال: أيش خبرك،
فقلت : بخير أنا لولا ما جنيته على نفسي من قصدك ووسمت به قدري من ميسم
الذل بزيارتك وجشمت رأيي من السعي إلى مثلك ، ممن لم تهذبه تجربة ولا أدبته
بصيرة . ثم تحدرت عليه تحدر السيل إلى قرارة الوادي وقلت له : أبن لي مم
تيهك وخيلاؤك وعجبك وكبرياؤك؟ وما الذي يوجب ما أنت عليه من الذهاب
بنفسك والرمي بهمتك إلى حيث يقصر عنه باعُكُ ولا تطول إليه ذراعك؟ هل
هاهنا نسب انتسبت إلى المجد به ؟ أو شرف علقت بأذياله ؟ أو سلطان تسلطت
بعزه أو علم تقع الإشارة إليك به ؟ إنك لو قدّرت نفسك بقدرها أو وزنتها
بميزانها ولم يذهب بك التيه مذهباً لما عدوت أن تكون شاعراً مكتسباً، فامتقع°
١ في النسخ ما عدار : وعرة .
٢ ر : محتفزاً .
٣ ر : بيده .
٤ ق : الشيم .
• ن ر : فانتفع .
٣٦٥

لونه وغص بريقه، وجعل يلين في الاعتذار ويرغب في الصفح والاغتفار، ويكرر
الأيمان أنه لم يثبتني ، ولا اعتمد التقصير بي، فقلت : يا هذا إن قَصّدك شريف
في نسبه تجاهلت نسبه ، أو عظيم في أدبه صغرت أدبه ، أو متقدم عند سلطانه
خفضت منزلته ، فهل المجد تراث لك دون غيرك ؟ كلا والله ، لكنك مددت
الكبر ستراً على نقصك وضربته رواقاً حائلاً دون مباحثتك ، فعاود الاعتذار
فقلت : لا عذر لك مع الاصرار . وأخذت الجماعة في الرغبة إليّ في مياسرته
وقبول عذره، واستعمال الأناة التي تستعملها٠١ الحَزَمَةُ عند الحفيظة، وأنا على
شاكلة واحدة في تقريعه وتوبيخه وذم خليقته ، وهو يؤكد القسم أنه لم يعرفني
معرفة ينتهز معها٢ الفرصة في قضاء حقي ، فأقول : ألم أستأذن٣ عليك باسمي
ونسبي ؟ أما كان في هذه الجماعة من كان يعرفني لو كنت جهلتني ؟ وهب أن
ذلك كذلك ، ألم تر شارتي ؟ أما شممت عطر نَشْري ؟ ألم أتميز في نفسك عن
غيري ؟ وهو في أثناء ما أخاطبه وقد ملأت سمعه تأنيباً وتفنيداً يقول: خَفْض
عليك ، اكفف من غَرْبك، اردد من سَوْرتك٤ ، استأنٍ فإن الأناة من شيم
مثلك ، فأصحب حينئذ جانبي له ولانت عريكتي في يده، واستحييت من تجاوز
الغاية التي انتهيت إليها في معاتبته ، وذلك بعد أن رُضْته رياضة الصعب من
الإبل ، وأقبل عليَّ معظماً وتوسّع في تقريظي مفخماً ، وأقسم أنه ينازع منذ
ورد العراق ملاقاتي ويَعِدُ نفسه بالاجتماع معي ويسوفها° التعلق بأسباب مودتي.
فحين استوفى القول في هذا المعنى استأذن عليه فتى من فتيان الطالبيين الكوفيين،
فأذن له ، فإذا حَدَثٌ مرهف الأعطاف تميل به نشوة الصبا ، فتكلم فأعرب
عن نفسه ، فإذا لفظ رخيم ولسان حلو وأخلاق فكهة وجواب حاضر وثغر
١ ر : استعملها ؛ س : يستعملها الخدمة .
٢ ر : بها .
٣ رق بر من : يستأذن .
٤ ر : صوتك .
٥ ر : ويسومها ؛ بر: ويشوقها .
٣٦٦

باسم ، في أناة الكهول، ووقار المشايخ١، فأعجبني ما شاهدته من شمائله
وملكني ما تبينته من فضله ، فجاراه أبياتاً .
ومن هاهنا كان افتتاح الكلام بينهما في إظهار سرقاته ومعايب شعره ؛ وقد
طال الكلام لكنه لزم بعضه بعضاً فما أمكن قطعه . وهذه الرسالة تشتمل على
فوائد جمة، فإن كان كما ذكر أنه أبان له جميعها في ذلك المجلس فما هذا إلا اطلاع
عظيم، وقد سماها ((الموضحة)) وهي كبيرة تدخل في اثنتي عشرة كراسة
شهدت لصاحبها بالفضل الباهر ، مع سرعة الاستحضار وإقامة الشاهد . وله
كتاب (( حلية المحاضرة )) يدخل في مجلدين ، وفيه أدب كثير أيضاً .
وتوفي الحاتمي المذكور يوم الأربعاء لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر سنة
ثمان وثمانين وثلثمائة ، رحمه الله تعالى .
وذكر الحاتمي٢ أنه اعتل فتأخر عن مجلس شيخه أبي عمر الزاهد المذكور
في أول هذه الترجمة ، فسأل عنه ، فقيل له : إنه مريض ، فجاءه يعوده ،
فوجده قد خرج إلى الحمام ، فکتب على بابه بإسفيداج :
وأُعْجَبُ شيءٍ سِمِعنا بهِ عليلٌ يُعاد فلا يُوجَدُ
والحاتمي : بفتح الحاء المهملة وبعد الألف تاء مثناة من فوقها مكسورة وبعدها
ميم ، هذه النسبة إلى بعض أجداده اسمه حاتم .
١ ر : الشيوخ .
٢ ر ق: الحاتمي المذكور ؛ قلت: وقد وردت هذه القصة في ترجمة أبي عمر المطرز ص: ٣٢٩
من هذا الجزء ؛ وفي هامش ل ما يفيد ذلك أيضاً .
٣٦٧

٦٥٠
ابن القوطية
أبو بكر محمد بن عمر بن عبد العزيز بن إبراهيم بن عيسى بن مزاحم، المعروف
بابن القُوطِيَّة، الأندلسي الإشبيلي الأصل القرطبي المولد والدار؛ سمع بإشبيلية من
محمد بن عبدالله بن القوق، وحسن بن عبد الله الزبيدي، وسعيد بن جابر وغيرهم،
وسمع بقرطبة من طاهر بن عبد العزيز وابن أبي الوليد الأعرج ومحمد بن عبد الوهاب
ابن مغيث وغيرهم١ . كان من أعلم أهل زمانه باللغة العربية ، وكان مع ذلك
حافظاً الحديث والفقه والخبر والنادر٢، وأروى الناس للأشعار وأدركهم للآثار،
لا يلحق شأوه ولا يشق غباره ، وكان مضطلعاً بأخبار الأندلس مَلِيّاً برواية
سير أمرائها وأحوال فقهائها وشعرائها ، علي ذلك عن ظهر قلب ، وكانت كتب
اللغة أكثر ما تقرأ عليه وتؤخذ عنه، ولم يكن بالضابط لروايته في الحديث
والفقه ولا كانت له أصول يرجع إليها، وكان ما يسمع٣ عليه من ذلك إنما يحمل
على المعنى لا على اللفظ ، وكان كثيراً ما يقرأ عليه ما لا رواية له به على جهة
التصحيح ، وطال عمره فسمع الناس منه طبقة بعد طبقة ، وروى عنه الشيوخ
والكهول ؛ وكان قد لقي مشايخ عصره بالأندلس وأخذ عنهم وأكثر من النقل
من فوائدهم .
وصنف الكتب المفيدة في اللغة، منها كتاب ((تصاريف الأفعال)) وهو
٦٥٠ - ترجمته في انباه الرواة ٣: ١٧٨ والجذوة: ٧١ وتاريخ ابن الفرضي ٢: ٧٨ والديباج
المذهب : ٢٦٢ واليتيمة ٢: ٧٤ وبغية الوعاة: ٨٤ ومعجم الادباء ١٨: ٢٧٢ وعبر
الذهبي ٢: ٣٤٥ والنفح ٣ : ٧٣.
١ سمع ... وغيرهم: سقط من سن لي ل بر من والمختار .
٢ لي : والنوادر .
٣ ن : سمع .
١
٣٦٨

الذي فتح هذا الباب فجاء من بعده ابن القَطّاع وتبعه - كما سبق في ترجمته١ -
وله كتاب ((المقصور والممدود)) جمع فيه ما لا يحد ولا يوصف، ولقد أعجز من
يأتي٢ بعده وفاق من تقدمه .
وكان أبو علي القالي لما دخل الأندلس اجتمع به ، وكان يبالغ في تعظيمه
حتى قال له الحكم بن الناصر لدين الله عبد الرحمن صاحب الأندلس يومئذ: من
أنبل من رأيته ببلدنا هذا في اللغة ؟ فقال : محمد ابن القوطية ، وكان مع هذه
الفضائل من العباد النساك، وكان جيد الشعر صحيح الألفاظ واضح المعاني حسن
المطالع والمقاطع ، إلا أنه ترك ذلك ورفضه .
حكى الأديب الشاعر أبو بكر يحيى بن هذيل التميمي٣ أنه توجه يوماً إلى
ضيعة له بسفح جبل قرطبة ، وهي من بقاع الأرض الطيبة المونقة ، فصادف
أبا بكر ابن القوطية المذكور صادراً عنها ، وكانت له أيضاً هناك ضيعة ، قال:
فلما رآني عرج علي واستبشر بلقائي ، فقلت له على البديهة مداعباً له :
من أينَ أقبلتَ يا من لا شبيه له ومن هو الشمسُ والدنيا له فلكُ
قال : فتبسم وأجاب بسرعة :
من منزلٍ يعجب النساك خلوته وفيه سترٌ على الفتاك إِن فتكوا
قال : فما تمالكت أن قبلت يده إذا كان شيخي ، ومجدته ودعوت له .
وتوفي أبو بكر المذكور يوم الثلاثاء لسبع بقين من شهر ربيع الأول سنة سبع
وستين وثلثمائة بمدينة قرطبة ، ودفن يوم الأربعاء وقت صلاة العصر بمقبرة قريش
رحمه الله تعالى، وقيل إنه توفي في رجب من السنة المذكورة ، والأول أصح .
والقوطية: بضم القاف وسكون الواو وكسر الطاء المهملة وتشديد الياء المثناة
١ الترجمة رقم : ٤٤٧ .
٢ ق : أتى .
٣ ترجمة ابن هذيل في الجذوة: ٣٥٨ وابن الفرضي ٢ : ١٩٣ ونكت الهميان : ٣٠٧ وله شعر
في اليتيمة وكتاب التشبيهات والمسالك .
٢٤ - ٤
٣٦٩

من تحتها١ وبعدها هاء ساكنة، هذه النسبة إلى قوط بن حام بن نوح عليه السلام،
نسب إليه٢ جده أبي بكر المذكور، وقوط أبو السودان والهند والسند، وهي
أم إبراهيم بن عيسى بن مزاحم٣ جد أبي بكر المذكور ، وهي ابنة وبة بن
غيطشة٤ ، وكان من ملوك الأندلس ، وعليه وعلى أخويه أرطباس قومس
الأندلس وسيدة° افتتح طارق مولى موسى بن نصير مع المسلمين بلاد الأندلس ،
وكانت القوطية المذكورة وفدت على هشام بن عبد الملك٦ متظلمة من عمها
أرطباس المذكور فتزوجها بالشام عيسى بن مزاحم المذكور ، وهو من موالي
عمر بن عبد العزيز الأموي رضي الله عنه ، وسافر معها إلى الأندلس فكان ذلك
سبب انتقال عيسى بن مزاحم إلى الأندلس وإنساله بها، وجاءت القوطية بكتاب
هشام إلى الخطاب الشعبي الكلبي ٧، وكان عامله على الأندلس، بالوصاة عليها فكف
عمها عنها وأنصفها مما كان لها قبله ورعى حرمتها وتمادت بها الحال وطالت
حياتها إلى أيام الأمير عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الداخل إلى
الأندلس من بني أمية ، فكانت تدخل عليه وتقضي حاجتها٩ ، وغلب اسمها على
١ ر : ثم ياء مثناه من تحتها مشددة .
٢ ر : تنسب إليه، س ن بر من : نسب إلى جدة.
٣ زاد في رق هنا : واسمها سارة بنت المند (ق: المنذر ) بن غيطشة ( ق: حنظلة) من ملوك
القوط بالاندلس .
٤ تصحف الاسمان في النسخ كثيراً؛ أما وبة (Oppa) فهو أخو غيطشة ( Witiza) لا
ابنه على الأرجح ، وفي أخبار مجموعة : ٨ أنه ابنه ؛ وأما أبناء غيطشة فهم وقله (Aquila )
ويتصحف أحياناً إلى رملة Romulu وألمند (Olmundo) وأرطباس ( Ardabas ).
٥ كذا وردت هذا اللفظة ؛ وفي ق: سنده، وهي غير معجمة في لي ؛ والأرجح أنها سبسرة
(Sisiberto) الذي تعده بعض الروايات أخاً لغيطشة؛ والقومس (Comes) رتبة
لأرطباس وفي ن لي ل : أرطباس وقومس ، وزيادة الواو هنا خطأ .
٦ زاد في ر : وهو بالشام .
٧ كذا في س ن لي ل ت ، وسقطت لفظة الشعبي من س ت ر ق ، ووالي الأندلس في زمن هشام
هو أبو الخطار حسام الكلبي .
٨ وتمادت : هذه هي رواية رق ؛ وفي النسخ الأخرى : وعادت .
٩ ر : ويقضي حاجاتها .
٣٧٠

ذريتها وعرفوا بها إلى اليوم. ذكر ذلك في كتاب ((الاحتفال في أعلام الرجال ))
مما انتخبه وألفه في أخبار الفقهاء والعلماء المتأخرين من أهل قرطبة الفقيه أبو عمر
أحمد بن محمد بن عفيف التاريخي ١ بما بسطه ومقه من ذلك الفقيه أبو بكر الحسن
ابن محمد بن مفرج بن عبد الله بن مفرج المعافري القرطبي المعروف بالقُبَّشي حامله
عنه٢، قال أبو محمد الرشاطي٣ في كتاب ((الأنساب)): عين قُبَّش في الريض
الغربي من قرطبة ، ينسب بذلك أبو عبد الله محمد بن مفرج المعافري القُبَّشي .
وتوفي ليلة الجمعة خامس شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وثلثمائة .
قلت: وهذا المذكور والد أبي بكر الحسن بن محمد المذكور قبله، والله أعلم.
١ انظر الجذوة : ٣٧٥ ولعله هو المترجم أيضاً في رقم: ١٧٤ وهو من شيوخ أبي العباس
العذري ؛ وترجم له ابن بشكوال ( الصلة : ٤٢) وقد اختصر ابن حيان كتابه وهذبه وعنه
ينقل ابن الابار في التكملة والتباهي في المرقبة العليا .
٢ الصلة: قال ابن بشكوال: ((وجمع كتاباً سماه بكتاب الاحتفال في تاريخ أعلام الرجال في
أخبار الخلفاء والقضاة والفقهاء وقد نقلت منه في كتابي هذا ما نسبته اليه ، ونقلته من خطه))
وقد ابتدأ بتأليفه سنة ٤١٧ بمرسية وأتمه سنة ٤٢٠ وتوفي بعد ٣٠؛ وعن كتابه ينقل النباحي
في المرقبة العليا .
٣ وردت كنية الرشاطي ((أبو بكر)) في النسخ جميعاً ما عدا ق واسمه عبد الله بن علي، انظر الصلة:
٢٨٥ ومعجم شيوخ الصدفي: ٢١٧ وكتابه في الأنساب يسمى: ((اقتباس الأنوار والتماس
الأزهار في أنساب الصحابة ورواة الآثار )) وقد جمع اسماعيل بن ابراهيم البلبيسي بين هذا
هذا الكتاب وزيادات ابن الاثير على أنساب السمعاني .
٣٧١

٦٥١
أبو بكر الزبيدي
أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد الله بن مذحج بن محمد بن عبد الله بن بشر
الزبيدي الإشبيلي نزيل قرطبة ؛ كان واحد عصره في علم النحو وحفظ اللغة ،
وكان أخبر١ أهل زمانه بالإعراب والمعاني والنوادر ، إلى علم السير والأخبار ،
ولم یکن بالأندلس في فنه مثله في زمانه ، وله کتب تدل على وفور علمه٢ منها
((مختصر كتاب العين)) وكتاب ((طبقات النحويين واللغويين بالمشرق والأندلس)»
من زمن أبي الأسود الدؤلي إلى زمن شيخه أبي عبد الله النحوي الرباحي ٣، وله
كتاب الرد على ابن مسرة وأهل مقالته سماه (( هتك ستور الملحدين )) وكتاب
((لحن العامة)) وكتاب ((الواضح)) في العربية وهو مفيد جداً، وكتاب ((الأبنية
في النحو )) ليس لأحد مثله .
واختاره الحكم المستنصر بالله صاحب الأندلس لتأديب ولده ولي عهده هشام
المؤيد بالله ، فكان الذي علمه الحساب والعربية ونفعه نفعاً كثيراً، ونال أبو بكر
الزبيدي منه دنيا عريضة ، وتولى قضاء إشبيلية وخطة الشرطة ، وحصل٤ نعمة
٦٥١ - ترجمته في الجذوة: ٤٣ وبغية الملتمس (رقم: ٨٠) وتاريخ ابن الفرضي ٩٢:٢ والمغرب
١ : ٢٥٠ واليتيمة ٢: ٧١ والانباه ٣: ١٠٩ ومعجم الأدباء ١٨: ١٨٠ والواني ٢ : ٣٥١
وبغية الوعاة: ٣٤ وصفحات متفرقة من فهرسة ابن خير والمقتبس (ط. بيروت)
والمطمح: ٥٣ ونفح الطيب (راجع فهرسه في مادة ((الزبيدي)))؛ وهذه الترجمة اقتصر اكثرها
على الشعر في المختار .
١ ق : أحفظ .
٢ ق : عقله وعلمه .
٣ ر لي: الرياحي، وهو خطأ؛ راجع ترجمة الرباحي في طبقات الزبيدي : ٣٣٥ وابن الفرضي
٢: ٧١ والجذوة: ٩١ وبغية الملتمس رقم: ٣١٢ والقفطي ٣: ٢٢٩ والوافي ٢ : ٣٧٢
وبغية الوعاة : ١١٣.
٤ ق : وحصل له .
٣٧٢

ضخمة لبسها بنوه من بعده زماناً . وكان يستعظم أدب المؤيد بالله أيام صباه
ويصف رجاحته وحجاه ، ويزعم أنه لم يجالس قط من أبناء العظماء من أهل
بيته وغيره في مثل سنه أذكى منه ولا أحضر يقظة وألطف حساً وأرزن حلماً،
وذكر عنه حكايات عجيبة .
وكان الزبيدي المذكور شاعراً كثير الشعر ، فمن ذلك قوله في أبي مسلم
ابن فهر :
ومِقْوَلِهِ لا بالمراكِبِ واللبسِ
أبا مُسْلِمٍ إِنَّ الفَق بِجَنانِهِ
إذا كان مقصوراً على قصرِ النفس
وليس ثياب المرء تغني قُلامة
وليس يفيدُ العلم والحلم والحجا أبا مسلم طول القعود على الكرسي
وكان في صحبة الحكم المستنصر ، وترك جاريته بإشبيلية فاشتاق إليها ،
فاستأذنه في العود إليها فلم يأذن له ، فكتب إليها :
ويحكِ يا سلم لا تراعي لا بدَّ للبينِ من زماعِ
لا تحسبيني صبرتُ إلا كصبرٍ مَيْتٍ على النزاع
أشدّ من وقفةٍ الوداع
ما خلقَ اللهُ من عذابٍ
لولا المناجاة والنواعي
ما بينها والحِمام فرقٌ
من بعد ما كان ذا اجتماع
إن يفترق شملنا وشيكاً
فكلّ شملٍ إلى فراقٍ وكلّ شعبٍ إلى انصداع
وكلّ وصلٍ إلى انقطاع
وكلّ قربٍ إلى بعادٍ
وكان كثيراً ما ينشد :
*
الفقرُ في أوطاننا غربة والمالُ في الغربةِ أوطانُ
والأرضُ شيء كلها واحد والناسُ إِخوانٌ وجيرانُ
وكان قد قيد الأدب واللغة على أبي علي البغدادي المعروف بالقالي - المقدم
ذكره١ - لما دخل الأندلس، وسمع من قاسم بن أصبغ وسعيد بن فحلون وأحمد
١ انظر جـ ١ : ٢٢٦.
٣٧٣

وفاته
ابن سعيد بن حزم . وأصله من جند حمص المدينة التي بالشام .
وتوفي يوم الخميس مستهل جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وثلثمائة بإشبيلية ،
٢٣٧٩ ودفن ذلك اليوم بعد صلاة الظهر، وصلى عليه ابنه أحمد ، وعاش ثلاثاً وستين
سنة ، رحمه الله تعالى .
ومذحج : بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة وبعدها جيم،
وهو في الأصل اسم أكمةٍ حمراء باليمن ، ولد عليها مالك بن أدد فسمي باسمها ،
ثم كثر ذلك في تسمية العرب حتى صاروا يسمون بها ويجعلونها علماً على المسمى،
وقطعوا النظر عن تلك الأكمة .
والزبيدي : بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها
وبعدها دال مهملة ، هذه النسبة إلى زُبَيد، واسمه منبه بن صعب بن سعد
العشيرة بن مذحج ، وهو الذي سمي بالأكمة المذكورة ، وزبيد قبيلة كبيرة
باليمن خرج منها خلق كثير من الصحابة وغيرهم ، رضي الله عنهم .
٦٥٢
القزَّاز
أبو عبد الله محمد بن جعفر التميمي النحوي المعروف بالقزاز القيرواني ؛
كان الغالب عليه علم النحو واللغة والافتنان في التواليف١، فمن ذلك كتاب
((الجامع)) في اللغة، وهو من الكتب الكبار المختارة المشهورة.
وذكر أبو القاسم ابن الصير في الكاتب المصري أن أبا عبد الله القزاز المذكور
٦٥٢ - ترجمته في انباه الرواة ٣ : ٨٤ وفي الحاشية ثبت بمصادر أخرى ، وقد اقتصر صاحب
. المختار على إيراد الأشعار المثبتة في هذه الترجمة .
١٠ ت : في التواريخ ؛ ر : في التأليف .
٣٧٤

كان في خدمة العزيز ابن المعز العُبَيْدي صاحب مصر وصنف له كتباً . وقال
غيره١ : كان العزيز بن المعز العبيدي صاحب مصر قد تقدم إليه أن يؤلف كتاباً
يجمع فيه سائر الحروف التي ذكر النحويون أن الكلام كله اسم وفعل وحرف
جاء لمعنى ، وأن يقصد في تأليفه إلى ذكر الحرف الذي جاء لمعنى ، وأن يجري
ما ألفه من ذلك على حروف المعجم ؛ قال ابن الجزار : وما علمت أن نحوياً
ألف شيئاً من النحو على هذا التأليف ، فسارع أبو عبد الله القزاز إلى ما أمره
العزيز به ، وجمع المفترق من الكتب النفيسة في هذا المعنى على أقصد سبيل
وأقرب مأخذ وأوضح طريق ، فبلغ جملة الكتاب ألفَ ورقة ، ذكر ذلك كله
الأمير المختار المعروف بالمسبحي في تاريخه الكبير. وله كتاب ((التعريض)) ذكر
فيه ما دار بين الناس من المعاريض في كلامهم .
وقال أبو علي الحسن بن رشيق في كتاب ((الأنموذج))٢: إن القزاز المذكور
فَضَح المتقدمين وقطع ألسنة المتأخرين، وكان مهيباً عند الملوك والعلماء وخاصة
الناس محبوباً عند العامة ، قليل الخوض إلا في علم دين أو دنيا ، يملك لسانه
ملكاً شديداً . وكان له شعر مطبوع مصنوع ربما جاء به مفاكهة وممالحة من
غير تحفّز ولا تحفل ، يبلغ بالرفق والدَّعَة على الرحب والسعة أقصى ما يحاوله
أهل القدرة على الشعر من توليد المعاني وتوكيد المباني ، علماً بتفاصيل الكلام
وفواصل النظام ، فمن ذلك قوله :
أما ومحلّ حبك في فؤادي وقدر مكانه فيهِ المكينِ
تُصَيّر من عنانك في يميني
لو انبسطت ليَ الآمال حتى
وخطت عليك من حذر جفوني
لصنتك في مكان سواد عيني
فأبلغ منك غايات الأماني وآمن فيك آفات الظنون
فلي نفس تجرِّع كل يوم عليك بهن كاسات المنون
١ وذكر ... غيره : سقط من س ن لي ل ت بر من .
٢ احتفظ العمري في مسالك الأبصار بقطعة من هذا الكتاب، وترجمة القزاز تقع في جـ ١١ : ٣٧٦
كما أن العمري ذكره في النحويين ٤ : ٣٩٩.
٣٧٥

عليك خفيَّ ألحاظ العيون
إذا أمنت قلوب الناس خافت
عقاب الله فيك لقلت ديني
فكيف وأنت دنياي ولولا
ومن شعره أيضاً :
يُهْدِهِ مِنكمُ إِليَّ الضميرُ
أضمروا لي وداً ولا تظهروه
في هواكم لأي حالٍ أصيرُ
ما أبالي إذا بلغت رضاكم
وله أيضاً :
فمن مُنْجد نائي المحل ومُتْهِمِ
ألا من لركبٍ فرّق الدهْرُ شملهم
فقسَّمهم في الأرض كل مُقَسّمِ
کأن الردی خاف الردی في اجتماعهم
وله أيضاً :
۔۔
ترتعيهِ هواملُ الآمالِ
ولنا من أبي الربيعِ ربيعٌ
ما له عندنا من الإفضالِ.
أبداً يذكر العِداتِ وينسى
وله أيضاً :
وأني لا أرى حتى أراكا
أحين علمت أنك نورُ عيني
يغيِّب كل مخلوقٍ سواكا
جعلت مغيب شخصك عن عباني
وذكر له مقاطيع كثيرة غير هذه ، ثم قال : وشعر أبي عبد الله - يعني
القزاز المذكور - أحسنُ مما ذكرت، لكني لم أتمكن من روايته، وقد شرطت
في هذا الكتاب أن كل ما جئت به من الأشعار على غير جهة الاختيار .
وكانت وفاته بالحضرة سنة اثنتي عشرة١ وأربعمائة، وقد قارب السبعين ،
رحمه الله تعالى؛ والمراد بالحضرة القيروان ، فإنها كانت دار المملكة يوم ذاك .
. والقزاز : بفتح القاف وزايين بينهما ألف والأولى منهما مشددة ، هذه النسبة
إلى عمل القز وبيعه ، وقد اشتهر به جماعة .
١ ق : سنة احدى أو اثنتي عشرة .
٣٧٦

٦٥٣
المسبحي
الأمير المختار عز الملك محمد بن أبي القاسم عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل بن
عبد العزيز ، المعروف بالمُسَبّحي الكاتب ، الحراني الأصل المصري المولد ،
صاحب التاريخ المشهور وغيره من المصنفات ؛ كانت فيه فضائل ولديه معارف،
ورزق حظوة في التصانيف ، وكان على زي الأجناد ، واتصل بخدمة الحاكم بن
العزيز العُبيدي صاحب مصر ونال منه سعادة، وذكر في تاريخه أن أول تصرفه
في خدمة الحاكم صاحب مصر كان في سنة ثمان وتسعين وثلثمائة ، وذكر فيه
أيضاً : أنه تقلد القيس١ والبهنسا من أعمال الصعيد ، ثم تولى ديوان الترتيب ،
وله مع الحاكم مجالس ومحاضرات حسبما يشهد بها٢ تاريخه الكبير.
وجمع مقدار ثلاثين مصنفاً ، منها : التاريخ المذكور الذي قال في حقه
((التاريخ الجليل قدره الذي يستغنى بمضمونه عن غيره من الكتب الواردة في
معانيه، وهو أخبار مصر ومن حلها من الولاة والأمراء والأئمة والخلفاء ، وما
بها من العجائب والأبنية واختلاف أصناف الأطعمة ، وذكر نيلها ، وأحوال
من حل بها إلى الوقت الذي كتبنا فيه تعليق هذه الترجمة ، وأشعار الشعراء
وأخبار المغنين٣ ومجالس القضاة والحكام والمعدلين والأدباء والمتغزلين وغيرهم))
٦٥٣ - ترجمته في اللباب: (المسبحي) والوافي ٤: ٧ والمغرب (قسم مصر) ١ : ٢٦٤ والنجوم
الزاهرة ٤: ٢٧١ وعبر الذهبي ٣ : ١٣٩ والشذرات ٣ : ٢١٥ وحسن المحاضرة ١: ٢٤٨
وتاج العروس : (سبح) ؛ وقد اقتصر صاحب المختار من هذه الترجمة على ايراد مرئيته في
والده ؛ وبهذه الترجمة تبدأ نسخة المجمع العلمي ببغداد ورمزها (مج) .
١ غير معجمة في لي ل ت ر بر وانظر ابن دقماق ٥ : ٤؛ ن: الفشن، وقد وردت عند ابن دقماق
أيضاً ، وهي والقيس من القرى الاطفيحية ؛ ق : المقيس ، وبالهامش : الفيوم .
٢ ت ل بر من لي مج : به .
٣ ل ن لي : المفتين ؛ ق : المفتيين .
٣٧٧

وهو ثلاثة عشر ألف ورقة. ومن تصانيفه كتاب « التلويح والتصريح في معاني
الشعر وغيره)) وهو ألف ورقة، وكتاب ((الراح والارتياح)) ألف وخمسمائة
ورقة، وكتاب ((الغرق والشرق في ذكر من مات غرقاً وشرقاً)) مائتا ورقة ،
وكتاب ((الطعام والإدام)) ألف ورقة، وكتاب ((درك البغية في وصف الأديان
والعبادات)) ثلاثة آلاف وخمسمائة ورقة، و((قصص الأنبياء عليهم السلام
وأحوالهم)) ألف وخمسمائة ورقة، وكتاب (( المفاتحة والمناكحة في أصناف الجماع))
ألف ومائتا ورقة، وكتاب ((الأمثلة للدول المقبلة)) يتعلق بالنجوم والحساب
خمسمائة ورقة، وكتاب ((القضايا الصائبة في معاني أحكام النجوم )) ثلاثة آلاف
ورقة، وكتاب ((جونة الماشطة)) يتضمن غرائب الأخبار والأشعار والنوادر
التي لم يتكرر مرورها على الأسماع، وهو مجموع مختلف غير مؤتلف، ألف وخمسمائة
ورقة، وكتاب (( الشجن والسكن في أخبار أهل الهوى وما يلقاه أربابه)) ألفان
وخمسمائة ورقة، وكتاب ((السؤال والجواب)) ثلثمائة ورقة، وكتاب (( مختار
الأغاني ومعانيها )) وغير ذلك من الكتب .
وله شعر حسن١، فمن ذلك أبيات رئى بها أم ولده ، وهي :
ألا في سبيل الله قلب تقطّعًا وفادحة لم تُبْقِ للعين مدمعا
أصبراً وقد حل الثرى مَنْ أوده فلله هم ما أشدَّ وأوجعا
فيا ليتني للموت قدمت قبلها وإلا فليت الموت أذهبنا معا
وكان المسبحي المذكور قد استزار أبا محمد عبيد الله بن أبي الجوع الأديب
الوراق الكاتب المشهور ، فزاره ؛ فعمل المسبحي هذه الأبيات وأنشده إياها
على البديهة :
حللت فأحللت قلبي السرورا وكاد لفرحته أن يطيرا
وأمطر علمك سحب السماء ولولاك ما كان يوماً مطيرا
تضوَّع نَشْرك لما وردت وعاد الظلام ضياء منيرا
١ ق : جيد حسن .
٣٧٨

(187) وكان ابن أبي الجوع المذكور شاعراً أديباً حلواً مقبولاً له أشعار
كثيرة في المراسلات والمعاتبات والأماجي، وكان نَسْخه في غاية الجودة، وكان
ينسخ كل١ خمسين ورقة بدينار ، وخطه موجود بأيدي الناس ومرغوب فيه،
وكانت وفاة ابن أبي الجوع٢ سنة خمس وتسعين وثلثمائة .
وكانت ولادة المسبحي المذكور يوم الأحد عاشر رجب سنة ست وستين
وثلثمائة ، كذا ذكره في تاريخه الكبير . وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة عشرين
وأربعمائة .
(188) وتوفي والده ضحوة نهار الاثنين تاسع شعبان سنة أربعمائة ، وعمره
ثلاث وتسعون سنة ، وصلي عليه في جسامع مصر ودفن في داره ، رحمهم الله
تعالى أجمعين . ولما توفي الوالد رفاه ولده المسبحي المذكور بهذه الأبيات :
عنه العزاء ويظهر المكتومُ
خطبٌ يقل له البكاء وينطوي
أسَفاً ويُقْعَدُ قارةٌ ويُقيم
خطبٌ يميت من الصدور قلوبها
يا دهرُ قد أنشبتَ فيَّ مَغالباً
يا دهرُ قد ألبستني حلل الأسى
لو كنت تقبل فدية لفديت من
يا من يلوم إذا رآني جازعاً
بأبي فُجْعتُ فأيّ ثكل٣ مثله
بالأسوَدِين لوقعهنَّ كُلُومُ
مذ حلَّ شخصٌ في التراب كريم
رضت عظامي فيه وهو رميم
من طارق الحدثان ، فيمَ تلوم
ثكل الأبوّة في الشباب أليم
قد كنت أجزع أن يلم به الردى أو يعتريه من الزمان هموم
ورثاه جماعة من شعراء عصره؛ ذكرهم ولده في تاريخه وذكر مراثيهم .
والمسبحي : بضم الميم وفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة وفي آخره حاء
١ ق : كل يوم .
٢ مج : وكانت وفاته .
٣ ر : خطب ؛ مج : وأي ثكل .
؛ ق ر : الشعراء في عصره.
٣٧٩

مهملة١ قال السمعاني في كتاب ((الأنساب)): هذه النسبة إلى الجد ، وعرف بها
المسبحي صاحب تاريخ المغاربة ومصر ، يعني الأمير المذكور .
٦٥٤
ابن حمدون صاحب التذكرة
أبو المعالي محمد بن أبي سعد الحسن بن محمد بن علي بن حمدون الكاتب الملقب
كافي الكفاة بهاء الدين البغدادي ؛ كان فاضلاً ذا معرفة تامة بالأدب والكتابة ،
من بيت مشهور بالرياسة والفضل هو وأبوه وأخواه أبو نصر وأبو المظفر ، وسمع
أبو المعالي المذكور من أبي القاسم إسماعيل بن الفضل الجرجاني وغيره ، وصنف
كتاب ((التذكرة)) وهو من أحسن المجاميع ، يشتمل على التاريخ والأدب
والنوادر والأشعار، لم يجمع أحد من المتأخرين مثله ، وهو مشهور بأيدي الناس
كثير الوجود ، وهو من الكتب الممتعة .
ذكره العماد الأصبهاني الكاتب في كتاب ((الخريدة)) فقال: كان عارض
العسكر المقتفوي، ثم صار صاحب ديوان الزمام المستنجدي، وهو كَلِفٌ باقتناء
الحمد وابتناء المجد ، وفيه فضل ونبل وله على أهل الأدب ظل ، وألف كتاباً
سماه ((التذكرة)) وجمع فيه الغث والسمين والمعرفة والنكرة ، فوقف الإمام
المستنجد على حكايات ذكرها نقلاً من التواريخ تُوهم في الدولة غضاضة"، ويعتقد
للتعرض بالقدح فيها عراضة، فأخذ من دست منصبه وحُبس، ولم يزل في نَصَبه
إلى أن رمس ، وذلك في أوائل سنة اثنتين وستين وخمسمائة ، وأنشدني لنفسه
لغزاً في مروحة الخيش :
١ ر : وفي آخرها الحاء المهملة .
٦٥٤ - ترجمته في الخريدة (قسم العراق) ١: ١٨٤ والفوات ٢: ٣٧٧ والوافي ٢ : ٣٥٧
والمنتظم ١٠: ٢٢١ والنجوم الزاهرة ٥ : ٣٧٤ والشذرات ٤: ٢٠٦.
٣٨٠
١