Indexed OCR Text

Pages 341-360

٦٤٢
أبو بكر ابن الأنباري
أبو بكر محمد بن أبي محمد القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن بن بيان بن سماعة
ابن فروة بن قطن بن دعامة الأنباري النحوي صاحب التصانيف في النحو والأدب؛
كان علامة وقته في الآداب وأكثر الناس حفظاً لها ، وكان صدوقاً ثقة ديّناً
خَيْراً من أهل السنة ، وصنف كتباً كثيرة في علوم القرآن وغريب الحديث
والمشكل١ والوقف والابتداء والرد على من خالف مصحف العامة وكتاب
((الزاهر)). ذكره الخطيب في ((تاريخ بغداد))٢ وأثنى عليه وقال: بلغني أنه
كتب عنه وأبوه حيّ، وكان يملي في ناحية من المسجد وأبوه في ناحية أخرى .
(186) وكان أبوه عالماً بالأدب موثقاً في الرواية صدوقاً أميناً سكن بغداد
وروى عنه جماعة من العلماء، وروى عنه ولده المذكور، وله تصانيف فمن ذلك
كتاب (خلق الإنسان)) وكتاب ((خلق الفرس)) وكتاب (( الأمثال)) وكتاب
((المقصور والممدود)) وكتاب ((المؤنث والمذكر)) وكتاب («غريب الحديث)).
وقال أبو علي القالي : كان أبو بكر ابن الأنباري يحفظ فيما ذكر ثلثمائة ألف
بيت شاهد في القرآن الكريم ، وقيل له : قد أكثر الناس من محفوظاتك فكم
تحفظ ؟ فقال : أحفظ ثلاثة عشر صندوقاً ، وقيل إنه كان يحفظ مائة وعشرين
تفسيراً للقرآن بأسانيدها .
وحكى أبو الحسن الدارقطني أنه حضر في مجلس إملائه يوم جمعة فصحف
اسماً أورده في إسناد حديث إما كان حَيّان فقال حبان أو حبان فقال حيان،
٦٤٢ - ترجمته في انباه الرواة ٣: ٢٠١ (وفي الحاشية ذكر لمصادر أخرى) وانظر نور القبس :
٣٤٥ وعبر الذهبي ٢: ٢١٤؛ وبشار في نسبه ورد بصورة ((يسار)) في ق .
١ ذكر القفطي أن كتاب ((المشكل)) في معاني القرآن وأنه لم يتمه ، بل بلغ فيه إلى سورة طه .
٢ تاريخ بغداد ٣ : ١٨١ .
٣٤١

قال الدارقطني: فأعظمت أن يُحْمل عن مثله في فضله وجلالته وهمٌ، وهِبْتُ
أن أوقفه على ذلك ، فلما انقضى الإملاء تقدمت إلى المستملي فذكرت له وهمه
وعرفته صواب القول فيه ، وانصرفت ثم حضرت الجمعة الثانية مجلسه ، فقال
أبو بكر : عرف جماعة الحاضرين أنا صحفنا الاسم الفلاني لما أملينا حديث كذا
في الجمعة الماضية ، ونبهنا ذلك الشاب على الصواب ، وهو كذا ، وعرف ذلك
الشاب أنا رجعنا إلى الأصل فوجدناه كما قال .
ومن جملة تصانيفه (( غريب الحديث)) قيل إنه خمسة وأربعون ألف ورقة ،
وكتاب ((شرح الكافي)) وهو نحو ألف ورقة، وكتاب ((الهاءات)) نحو ألف
ورقة، وكتاب ((الأضداد)) وكتاب ((الجاهليات)) وهو سبعمائة ورقة، و((المذكر
والمؤنث)) ما عمل أحد أتَمَّ منه، و((رسالة المشكل))١ رد فيها على ابن قتيبة
وأبي حاتم .
وكانت ولادته يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب سنة إحدى
وسبعين ومائتين . وتوفي ليلة عيد النحر سنة ثمان وعشرين ، وقيل سنة سبع
وعشرين وثلثمائة .
وتوفي أبوه القاسم سنة أربع وثلثمائة ببغداد ، وقيل في صفر سنة خمس
وثلثمائة ، رحمه الله تعالى٢ .
وقد تقدم الكلام على الأنباري في ترجمة عبد الرحمن الأنباري النحوي٣ .
وأملى أبو بكر المذكور في بعض أماليه لبعض العرب :
خيالاً يوافيني على النأي هاديا
فهلا منعتمْ إِذْ منعتم كلامها
وإِن كُنَّ قد أبدينَ للناسِ حاليا
سقى الله أطلالاً بأكثبةِ الحمى
لقال الصَّدَى يا صاحبيّ انزلا بيا
منازلُ لو مَرَّت بهن جنازتي
١ يبدو أن رسالة المشكل شيء آخر غير كتاب ((المشكل)) المتقدم ذكره، فقد ذكر القفطي الكتابين
أيضاً .
٢ هنا تنتهي الترجمة في ق .
٣ أنظر الترجمة رقم: ٣٦٩ (٣: ١٣٩).
٣٤٢

وأملى أيضاً في مجلس آخر :
وبالعَرصَةِ البيضاء إن زرتَ أهلها مَها مهملات ما عليهنَّ سائِسُ
خرجنَ لحبّ اللهوِ من غيرِ ريبةٍ عفائف باغي اللهو منهنَّ آيِسُ
٦٤٣
أبو العيناء
أبو عبد الله محمد بن القاسم بن خلاد بن ياسر بن سليمان ، الهاشمي بالولاء ،
الضرير ، مولى أبي جعفر المنصور ، المعروف بأبي العيناء صاحب النوادر والشعر
والأدب؛ أصله من اليمامة ومولده بالأهواز ومنشؤه بالبصرة ، وبها طلب الحديث
وكسب١ الأدب، وسمع من أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد الأنصاري والعتبي
وغيرهم ، وكان من أحفظ الناس وأفصحهم لساناً ، وكان من ظرفاء العالم ،
وفيه من اللّسَنِ وسرعة الجواب والذكاء ما لم يكن في أحد من نظرائه ، وله
أخبار حسان وأشعار ملاح مع أبي علي الضرير .
وحضر يوماً مجلس بعض الوزراء ، فتفاوضوا حديث البرامكة وكرمهم وما
كانوا عليه من الجود ، فقال الوزير لأبي العيناء - وكان قد بالغ في وصفهم وما
كانوا عليه من البذل والإفضال -: قد أكثرت من ذكرهم ووصفك إياهم ، وإنما
هذا تصنيف الورّاقين ، وكذب المؤلفين . فقال له أبو العيناء : فلم لا يكذب
الوراقون عليك أيها الوزير؟ فسكت الوزير، وعجب الحاضرون من إقدامه عليه.
٦٤٣ - أخباره ونوادره منثورة في كثير من الكتب الادبية، وانظر معجم الأدباء ١٨ : ٢٨٦ ونكت
الهميان: ٢٦٥ وميزان الاعتدال ٤ : ١٣ وعبر الذهبي ٢: ٦٩ ولسان الميزان ٥ : ٣٤٤
ومعجم المرزباني : ٤٠٢ وتاريخ بغداد ٣ : ١٧٠ والديارات : ٥٢ والوافي ٤ : ٣٤١ وطبقات
ابن المعتز: ٤١٥ والفهرست: ١٢٥ والمنتظم ٥: ١٥٦ والشذرات ٢: ١٨٠.
١ ق ر بر من : وكتب .
٣٤٣

وشكا إلى عبيد الله بن سليمان بن وهب الوزير سوء الحال ، فقال له : أليس
قد كتبنا إلى إبراهيم بن المدبر في أمرك ؟ قال : نعم ، قد كتبت إلى رجل قد
قصر من همته طول الفقر، وذل الأسر، ومُعاناة الدهر ، فأخفق سَمْي وخابت
طلبقي ، فقال عبيد الله : أنت اخترته ، فقال : وما عليّ أيها الوزير في ذلك
وقد اختار موسى قومه سبعين رجلاً فما كان فيهم رشيد ، واختار النبي صلى الله
عليه وسلم ، عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح كاتباً فرجع إلى المشركين١ مرتداً ،
واختار علي بن أبي طالب رضي الله عنه أبا موسى الأشعري حاكماً له فحكم عليه.
وإنما قال ((ذل الأسر)) لأن إبراهيم المذكور كان قد أسره علي بن محمد صاحب
الزنج بالبصرة وسجنه فنقب السجن وهرب .
ودخل٢ على أبي الصقر إسماعيل بن بلبل الوزير يوماً فقال له : ما الذي
أخرك عنا يا أبا العيناء ؟ فقال: سُرق حماري ، فقال : وكيف سرق ؟ قال :
لم أكن مع اللص فأخبرك ، قال : فهلا أتيتنا على غيره ، قال : قعد بي عن
الشراء قلة يساري وكرهت ذلّة٣ المُكاري، ومنة العَواري . وخاصم علوياً
فقال له العلوي : تخاصمني وأنت تقول كل يوم: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد،
فقال : لكني أقول : الطيبين الطاهرين ، ولست منهم ، ووقف عليه رجل
من العامة فلما أحس به قال : من هذا؟ قال : رجل من بني آدم ، فقال أبو
العيناء : مرحباً بك أطال الله بقاءك، ما كنت أظن هذا النسل إلا قد انقطع.
وصار يوماً إلى باب صاعد بن مخلد فاستأذن عليه ، فقيل هو مشغول بالصلاة ،
فقال : لكل جديد لذة ، وكان صاعد قبل الوزارة نصرانياً. ومر بباب عبد الله
ابن منصور وهو مريض وقد صلح ، فقال لغلامه : كيف خبره ؟ فقال : كما
تحب ، فقال : ما لي لا أسمع الصراخ عليه ؟ ودعا سائلاً ليعشيه فلم يدع شيئاً
إلا أكله ، فقال: يا هذا دعوتك رحمة فتر كتني رحمة . ولقيه بعض أصحابه في
١ ق : مكة .
٢ في : ودخل أبو العيناء.
٣ ل ن : دلة .
٤ لي : بلى ولكني .
٣٤٤

السَّحَر، فجعل يتعجب من بكوره، فقال أبو العيناء: أراك تشر كني في الفعل،
وتفردني بالتعجب. وذكر له أن المتوكل قال: لولا أنه ضرير لنادمناه ، فقال:
إن أعفاني من رؤية الأهلة وقراءة نقوش الفُصوص فأنا أصلح للمنادمة . وقيل
له : إلى متى تمدح وتهجو ؟ فقال : ما دام المحسن محسناً والمسيء مسيئاً ، بل
أعوذ بالله أن أكون كالعقرب التي تلسب النبي والذمي .
وذكر الزمخشري في كتاب ((ربيع الأبرار)) في باب الظلم قال أبو العيناء
فقلت : قد تضافروا عليّ وصاروا يداً واحدة، فقال: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾
( الفتح: ١٠) قلت: فإن لهم مكراً، قال: ﴿ولا يحيق المكر السيء إلا
بأهله﴾ (فاطر: ٤٣) قلت: هم كثير، قال: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة
كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾ ( البقرة : ٢٤٩).
وكان بينه وبين ابن مكرم مداعبات ، فسمع ابن مكرم رجلاً يقول : من
ذهب بصره قلت حيلته ، فقال : ما أغفلك عن أبي العيناء ! ذهب بصره
فعظمت حيلته . وقد ألم أبو علي البصير إلى هذا المعنى يشير به إلى أبي العيناء،
فقال :
قد كنت خفتُ يدَ الزما ن عليكَ أنْ ذهبَ البصرْ
لم أدر أنكَ بالعمى تغنى ويفتقر البشر
وسمع ابن مكرم أبا العيناء يقول في بعض دعائه : يا رب سائلك ، فقال :
يا ابن الفاعلة، ومن لست١ سائله. وقال له ابن مكرم يوماً يعرض به: كم عدد
المكدين بالبصرة ؟ فقال له : مثل عدد البغائين ببغداد .
ودخل على ابن ثوابة عقيب كلام جرى بينه وبين أبي الصقر أربى ابن ثوابة
عليه فيه ، فقال له : بلغني ما جرى بينك وبين أبي الصقر ، وما منعه من
استقصاء الجواب إلا أنه لم يجد عزاً فيضعه ، ولا مجداً فينقصه ، وبعد فإنه
عافَ لمك أن يأكله، وسهك٢ دمك أن يسفكه، فقال ابن ثوابة: وما أنت
١ ر : ومن لست فاعله ؛ ن : ومن الذي ليس ، ق : ومن لست بسائله .
٢ لي: ونهك ؛ ن ل ق بر: وسهل؛ س ت: وسفك ؛ وسهك بمعنى كره رائحته
٣٤٥

٠
والدخول بيني وبين هؤلاء يا مكدي ؟ فقال : لا تنكر على ابن ثمانين قد ذهب
بصره وجفاه سلطانه أن يعوّل على إخوانه فيأخذ من أموالهم، ولكن أشد من
هذا من يستنزل الماء من أصلاب الرجال فيستفرغه في جوفه ، فيقطع أنسابهم
ويعظم أوزارهم ، فقال ابن ثوابة : ما تساب اثنان إلا غلب ألأمهما ، فقال أبو
العيناء : وبها غلبت أبا الصقر بالأمس ، فأسكته .
ودخل على المتوكل في قصره المعروف بالجعفري سنة ست وأربعين ومائتين
فقال له : ما تقول في دارنا هذه ؟ فقال : إن الناس بنوا الدور في الدنيا وأنت
بنيت الدنيا في دارك ، فاستحسن كلامه ، ثم قال له : كيف شربك للخمر ؟
قال : أعجز عن قليله وأفتضح عند كثيره ، فقال له : دع هذا عنك ونادمنا ،
فقال : أنا رجل مكفوف ، وكل من في مجلسك يخدمك، وأنا أحتاج أن أُخدم١
ولست آمن من أن تنظر إلي بعين راض ، وقلبك علي غضبان ، أو بعين غضبان
وقلبك راض ، ومتى لم أميز بين هذين هلكت ، فأختار العافية على التعرض
للبلاء ، فقال: بلغنا عنك بذاء في لسانك ، فقال: يا أمير المؤمنين ، قد مدح
الله تعالى وذم، فقال ﴿ نعم العبد إنه أواب ﴾ ( ص: ٤٤) وقال عز وجل
هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم﴾ (القلم: ١١) وقال الشاعر:
إذا أنا بالمعروف لم أثْنِ صادقاً ولم أشتم النِّكْسَ اللثيمَ المذمما
ففيمَ عرفتُ الخير والشر باسمه وشقَّ لِيَ الله المسامع والفَما
قال : فمن أين أنت ، قال : من البصرة ، قال : فما تقول فيها ؟ قال :
ماؤها أجاج وحرها عذاب ، وتطيب في الوقت الذي تطيب فيه جهنم .
ولما سلم نجاح بن سلمة إلى موسى بن عبد الله الأصبهاني ليستأدي ما عليه من
الأموال عاقبه فتلف في مطالبته ، وذلك في يوم الاثنين لثمان بقين من ذي
القعدة سنة خمس وأربعين ومائتين ، وفي تلك الليلة بلغ المعتز بالله ابن المتوكل
الخبر٢ ، فاجتمع بعض الرؤساء بأبي العيناء ، فقال له: ما عندك من خبر نجاح
١ ق : وأنا أحتاج إلى من يخدمني .
٢ وذلك ... الخبر: سقط من س بر من ل لي ت ؛ ق : الحكم .
٣٤٦
١

ابن سلمة ؟ فقال أبو العيناء ﴿فوكزه موسى فقضى عليه﴾ (القصص: ١٥)
فبلغت كلمته موسى فلقيه في الطريق فتهدده ، فقال له أبو العيناء ﴿أتريد أن
تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس﴾ (القصص: ١٩).
وكتب إلى بعض الرؤساء وقد وعده بشيء فلم ينجزه : ثقتي بك تمنعني من
استبطائك ، وعلمي بشغلك يدعوني إلى إذ كارك ، ولست آمن ، مع استحكام
ثقتي بطولك والمعرفة بعلو همتك، اخترامَ الأجل ، فإن الآجال آفات الآمال،
فسح الله في أجلك ، وبلغك منتهى أملك ، والسلام .
وأحواله ونوادره كثيرة١ .
وروي عنه أنه قال : كنت يوماً جالساً عند أبي الحكم إذ أتاه رجل فقال
له : وعدتني وعداً فإن رأيت أن تنجزه، فقال: ما أذكره ، فقال: إِن لم
تذكره فلأن من تعده مثلي كثير ، وأنا لا أنساه ، لأن من أسأله مثلك قليل ،
فقال : أحسنت الله أبوك٣ ، وقضى حاجته .
وكانت ولادته سنة إحدى وتسعين ومائة بالأهواز- كما تقدم ، ونشأ بالبصرة
وكف بصره وقد بلغ أربعين سنة . وكان جده الأكبر لقي علي بن أبي طالب
فأعياه في المخاطبة معه فدعا عليه بالعمى له ولولده ، فكل من عمي من ولد جدّ
أبي العيناء فهو صحيح النسب فيهم ، هكذا قاله أبو سعيد٤ الطلحي . وخرج
من البصرة وهو بصير وقدم سرّ من رأى فاعتلت عيناه فعمي وسكن بغداد مدة
وعاد إلى البصرة ، وتوفي بها في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين ، وقيل اثنتين
وثمانين ومائتين٥ . وقال ابنه جعفر: توفي أبي لعشر ليال خلون من جمادى
الأولى ، ومولده سنة تسعين ومائة ، والله أعلم ، رحمه الله تعالى . ولقب بأبي
١ ورد هنا في رق والمختار ذكر تاريخ ولادة أبي العيناء .
٢ يوماً جالساً: سقط من س ن ل لي بر من والمختار ؛ وهذه القصة وردت آخر شيء في المختار ،
وفي بر : عند أبي الجهم .
٣ ن : لله درك .
٤ ق : سعد .
٥ س ل لي بر من: وقيل سنة ثمانين ومائتين ، وسقط ما بعد ذلك حتى قوله : تعالى .
٣٤٧

العيناء لأنه قال لأبي زيد الأنصاري : كيف تصغر عينا ؟ فقال : عيينا يا أبا
العيناء ، فبقي عليه .
وعَيْناء: بفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح النون
وبعدها ألف ممدودة .
وخلاد : بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام ألف .
وقد تقدم الكلام على اليمامة والأهواز فأغنى عن الإعادة .
٦٤٤
الواقدي
أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد الواقدي المدني مولى بني هاشم ، وقيل مولى
بني سهم بن أسلم ؛ كان إماماً عالماً له التصانيف في المغازي وغيرها ، وله كتاب
((الردة)) ذكر فيه ارتداد العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومحاربة
الصحابة رضي الله عنهم ، لطليحة بن خويلد الأزدي والأسود العنسي ومُسيلمة
الكذاب ، وما أقصر فيه .
سمع من ابن أبي ذئب ومعمر بن راشد ومالك بن أنس والثوري وغيرهم .
وروى عنه كاتبه محمد بن سعد - المذكور عقيبه١ إن شاء الله تعالى - وجماعة
من الأعيان، وتولى القضاء بشرقي بغداد، وولاء المأمون القضاء بعسكر المهدي .
وضعفوه في الحديث وتكلموا فيه .
٦٤٤ - ترجمته في الفهرست: ٩٨ وطبقات ابن سعد ٧ : ٣٣٤ وكتاب بغداد : ٣٩ وتاريخ
بغداد ٣ : ٣ ونور القبس: ٣١١ ومعجم الأدباء ١٨: ٢٧٧ وتذكرة الحفاظ : ٣٤٨
وعبر الذهبي ١ : ٣٥٣ وميزان الاعتدال ٣ : ٦٦٢ وتهذيب التهذيب ٩ : ٣٦٣ وعيون
الأثر ١: ١٧ والشذرات ٢: ١٨.
١ ق : بعده ؛ وفي المختار : الآتي ذكره .
٣٤٨

وكان المأمون يكرم جانبه ويبالغ في رعايته ، وكتب إليه مرة يشكو
ضائقة لحقته وركبه بسببها دين، وعيَّنَ مقداره في قصته ، فوقع المأمون فيها
بخطه : فيك خلتان سخاء وحياء ، فالسخاء أطلق يديك بتبذير ما ملكت ،
والحياء حملك أن ذكرت لنا بعض دينك ، وقد أمرنا لك بضعف ما سألت ،
وإن كنا قصرنا عن بلوغ حاجتك فبجنايتك على نفسك ، وإن كنا بلغنا بغيتك
فزد في بسطة يدك ، فإن خزائن الله مفتوحة ويده بالخير مبسوطة ، وأنت
حدثتني حين كنت على قضاء الرشيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الزبير :
يا زبير إن مفاتيح الرزق بإزاء العرش ، ينزل الله سبحانه العباد أرزاقهم على
قدر نفقاتهم ، فمن كثر كثر له ، ومن قلل قلل عليه ، قال الواقدي : وكنت
نسيت الحديث ، فكانت مذاكرته إياي أعجب إليّ من صلته .
وروى عنه بشر الحافي - المقدم ذكره١ - رضي الله عنه، حكاية واحدة ،
وهي أنه سمعه يقول : ما يكتب للحمی ، یؤخذ [ثلاث]٢ ورقات زيتون
تكتب يوم السبت وأنت على طهارة على واحدة منها (( جهنم غرئي)) وعلى الأخرى
(((جهنم عطشى)) وعلى الأخرى ((جهنم مقرورة)) ثم تجعل في خرقة وتشد على
عضد المحموم الأيسر ، قال الواقدي المذكور جربته فوجدته نافعاً ، هكذا نقل
هذه الحكاية أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه الذي وضعه في أخبار بشر الحافي .
وروى المسعودي في كتاب ((مروج الذهب)) أن الواقدي المذكور قال:
كان لي صديقان أحدهما هاشمي ، وكنا كنفس واحدة ، فنالتني ضائقة شديدة،
وحضر العيد فقالت امرأتي : أما نحن في أنفسنا فنصبر على البؤس والشدة ،
وأما صبياننا هؤلاء فقد قطعوا قلبي رحمة لهم ، لأنهم يرون صبيان الجيران قد
تزينوا في عيدهم وأصلحوا ثيابهم وهم على هذه الحال من الثياب الرثة ، فلو
احتلْتَ في شيء تصرفه في كسوتهم، قال: فكتبت إلى صديق لي وهو الهاشمي
أسأله التوسعة عليَّ بما حضر، فوجه إليّ كيساً مختوماً ذكر أن فيه ألف درهم ،
١ ترجمة بشر في جـ ١ : ٢٧٤.
٢ زيادة من ن .
٣٤٩

فما استقر قراري حتى كتب إليّ الصديق الآخر يشكو مثل ما شكوت إلى
صاحبي الهاشمي ، فوجهت إليه الكيس بحاله ، وخرجت إلى المسجد فأقمت فيه
ليلتي مستحيياً من امرأتي ، فلما دخلت عليها استحسنت ما كان مني ولم تعنفني
عليه ، فبينا أنا كذلك إذ وافى صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته ، فقال
لي: اصدقني عما فعلته فيما وجهت به إليك، فعرفته الخبر على وجهه ، فقال لي:
إنك وجهت إلي وما أملك على الأرض إلا ما بعثت به إليك ، وكتبت إلى
صديقنا أسأله المواساة ، فوجه كيسي بخاتمي ، قال الواقدي : فتواسينا ألف
درهم فيما بيننا١ ، ثم إنا أخرجنا للمرأة مائة درهم قبل ذلك ، ومي الخبر إلى
المأمون ، فدعاني وسألني٢ ، فشرحت له الخبر ، فأمر لنا بسبعة آلاف دينار ،
لكل واحد منا ألفا دينار وللمرأة ألف دينار .
وقد ذكر الخطيب في (( تاريخ بغداد))٣ هذه الحكاية وبينها وبين ما ذكرناه
هاهنا اختلاف يسير .
وكانت ولادة الواقدي في أول سنة ثلاثين ومائة . وتوفي عشية يوم الاثنين
حادي عشر ذي الحجة سنة سبع ومائتين ، وهو يومئذ قاض ببغداد٤ في الجانب
الغربي ، كذا قاله ابن قتيبة . وقال السمعاني : كان قاضياً بالجانب الشرقي كما
تقدم ، والله أعلم . وصلى عليه محمد بن سماعة التميمي ودفن في مقابر الخيزران،
وقيل مات سنة تسع ، وقيل سنة ست ومائتين ، والأول أصح، وقال الخطيب
في ((تاريخ بغداد )) في أوّل ترجمة الواقدي: إنه توفي في ذي القعدة ، وقال في
آخر الترجمة : إنه مات في ذي الحجة ، والله أعلم ، رحمه الله تعالى [ورأيت
بخطي في مسوّداتي أن الواقدي مات وعمره ثماني وسبعون سنة]°.
١ ن : فقسمنا الألف بيننا .
٢ ن : فسألني ؛ وسقطت من رق والمختار .
٣ تاريخ بغداد ٣ : ١٩ - ٢٠.
٤ ق : قاضي بغداد .
٥ ر : ورأيت بخطي في مسوداتي أن الواقدي عاش ثمانياً وأربعين سنة ؛ وقد سقطت العبارة من
النسخ الأخرى .
٣٥٠

والواقدي : بفتح الواو وبعد الألف قاف مكسورة ثم دال مهملة ، هذه
النسبة إلى واقد وهو جده المذكور .
وقد تقدم الكلام على المدني .
وعسكر المهدي هي المحلة المعروفة اليوم بالرصافة في الجانب١ الشرقي من
بغداد ، عمّرها أبو جعفر المنصور لولده المهدي فنسبت إليه ، وهذا يؤيد أن
الواقدي كان قاضي الجانب الشرقي لا الغربي ، والله أعلم .
٦٤٥
محمد بن سعد كاتب الواقدي
أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع ، الزهري البصري كاتب الواقدي ؛ كان
أحد الفضلاء النبلاء الأجلاء، صحب الواقدي المذكور قبله زماناً وكتب له فعرف
به ، وسمع سفيان بن عيينة وأنظاره ، وروى عنه أبو بكر ابن أبي الدنيا وأبو
محمد الحارث بن أبي أسامة التميمي وغيرهما وصنف كتاباً كبيراً في طبقات
الصحابة والتابعين والخلفاء إلى وقته ، فأجاد فيه وأحسن، وهو يدخل في خمس
عشرة مجلدة٢ ، وله طبقات أخرى صغرى ، وكان صدوقاً ثقة .
ويقال اجتمعت كتب الواقدي عند أربعة أنفس : أولهم كاتبه محمد بن سعد
المذكور، وكان كثير العلم غزير الحديث والرواية كثير الكَتْبَة٣ ، كتب
١ ق : بالجانب .
٦٤٥ - ترجمته في الفهرست: ٩٩ وتاريخ بغداد ٥ : ٣٢١ والوافي ٣: ٨٨ وطبقات ابن سعد
٧ : ٣٦٤ وتذكرة الحفاظ: ٤٢٥ وعبر الذهبي ١: ٤٠٧ وميزان الاعتدال ٣ : ٥٦٠
وغاية النهاية ١ : ١٤٢ والجرح والتعديل (رقم : ١٤٣٣) وتهذيب التهذيب ٩ : ١٨٢
والشذرات ٢: ٦٩ والنجوم الزاهرة (وفيات: ٢٣٠).
٢ رن : خمسة عشر مجلداً .
٣ ن : كثير كتب الحديث .
٣٥١

الحديث والفقه وغيرهما . وقال الحافظ أبو بكر الخطيب صاحب ((تاريخ بغداد)»
في حقه١ : ومحمد بن سعد عندنا من أهل العدالة وحديثه يدل على صدقه فإنه
يتحرى في كثير من رواياته ، وهو من موالي الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن
العباس بن عبد المطلب .
وتوفي يوم الأحد لأربع خلون من جمادى الآخرة، سنة ثلاثين ومائتين ببغداد.
ودفن في مقبرة باب الشام ، وهو ابن اثنتين وستين سنة ، رحمه الله تعالى .
٦٤٦
الدولابي
أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد بن سعد ، الأنصاري بالولاء ، الوراق الرازي
الدولابي؛ كان عالماً بالحديث والأخبار والتواريخ، سمع الأحاديث بالعراق والشام
وروى عن محمد بن بشار وأحمد بن عبد الجبار العطاردي وخلق كثير ؛ وروى
عنه الطبراني وأبو حاتم ابن حِبّان البستي . وله تصانيف مفيدة في التاريخ
ومواليد العلماء ووفياتهم ، واعتمد عليه أرباب هذا الفن في النقل وأخبروا عنه
في كتبهم ومصنفاتهم المشهورة . وبالجملة فقد كان من الأعلام في هذا الشأن وممن
يرجع إليه، وكان حسن التصنيف . وتوفي سنة عشرين وثلثمائة بالعَرْجِ ، رحمه
الله تعالى .
وروي عنه أنه كان ينشد لعروة بن حزام العُذْري [حيث قال]٢:
١ تاريخ بغداد ٥ : ٣٢١.
٦٤٦ - ترجمته في المنتظم ٦: ١٦٩ والوافي ٢ : ٣٦ وتذكرة الحفاظ : ٧٥٩ والأنساب ٥ :
٤١٣ ولسان الميزان ٥: ١؛ والشذرات ٢: ٢٦٠، ولم يورد في المختار من هذه
الترجمة إلا بيتي عروة بن حزام .
٢ زيادة من ر ق .
٣٥٢

إذا رامَ قلبي هجرها حالَ دونه شفيعان من قلبي لها جَدِلانِ
إذا قال: لا، قالا : بلى، ثم أصبحوا جميعاً على الرأي الذي يريانٍ!
والدولابي : بضم الدال المهملة وفتحها - قال السمعاني: والفتح أصح -
وسكون الواو وبعد اللام ألف باء موحدة ، هذه النسبة إلى الدولاب ، وهي
قرية من أعمال الري ، وبالأهواز قرية يقال لها الدولاب ، وبها كانت الوقعة
المشهورة الأزارقة، وبشرقي بغداد موضع آخر يقال له الدولاب ، ودولاب
الجار أيضاً موضع آخر ، والدولاب الذي يدار ويستعمل بضم الدال وفتحها .
والعَرْج: بفتح العين المهملة وسكون الراء وبعدها جيم ، وهي عَقَبة بين
مكة والمدينة على جادة الحاج٢ . والعرج أيضاً : قرية جامعة من نواحي الطائف
إليها ينسب العَرْجي الشاعر، وهو عبد الله [بن عمرو]٣ بن عمر بن عثمان بن
عفان ، رضي الله عنه .
ولا أعلم هل توفي الدولابي في العرج الأولى أم الثانية ، وباليمن بلد آخر
يقال له سوق العرج٤ ، والله أعلم .
۔۔
١ وروي عنه ... يريان: سقط من س ل لي ت بر من .
٢ هنا تنتهي الترجمة فيما عدا ن ر .
٣ بن عمرو : سقط من ن ر .
٤ ق : يقال له العرج .
٢٣ - ٤
٣٥٣

٦٤٧
المرزباني
أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى بن سعيد بن عبيد الله ، الكاتب
المَرْزُباني الخراساني الأصل البغدادي المولد، صاحب التصانيف المشهورة والمجاميع
الغريبة ؛ كان راوية للأدب صاحب أخبار ، وتواليفه كثيرة ، وكان ثقة في
الحديث ومائلا إلى التشيع في المذهب ، حدث عن عبد الله بن محمد البغوي وأبي
بكر ابن أبي داود السجستاني في آخرين .
وهو أول من جمع ديوان يزيد١ بن معاوية بن أبي سفيان الأموي واعتنى به،
وهو صغير الحجم يدخل في مقدار ثلاث كراريس ، وقد جمعه من بعده جماعة
وزادوا فيه أشياء كثيرة ليست له وكنت حفظت جميع ديوان يزيد لشدة غرامي
به ، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بمدينة دمشق وعرفت صحيحه من
المنسوب إليه الذي ليس له ، وتتبعته حتى ظفرت بصاحب كل أبيات ، ولولا
خوف التطويل لبينت ذلك . وشعر يزيد ، مع قلته ، في نهاية الحسن ، ومن
أطايب شعره الأبيات العينية التي منها :
إذا رُمْتُ من ليلى على البعدِ نظرةً تُطَفِّي٢ جَوّى بين الحَشا والأضالِعِ
تقولُ نساءُ الحي تَطْمعُ أنْ تَرى محاسِنَ ليلى؟ مُتْ بداءِ المطامع
.....
٦٤٧ - ترجمته في تاريخ بغداد ٣ : ١٣٥ والفهرست: ١٣٢ ومعجم الادباء ١٨ : ٢٦٨ والوافي
٤ : ٢٣ وميزان الاعتدال ٣: ٦٧٢ وعبر الذهبي ٣: ٢٧ ولسان الميزان ٥ : ٢٣٦
والشذرات ٣ : ١١١ والنجوم الزاهرة ٤: ١٦٨ وقد اتبعنا في ترتيب هذه الترجمة نسخة
المختار .
١ ق : ودون شعر يزيد بن معاوية .
٢ ر : لتطفي .
٣٥٤
!

سواها ؟ وما طَهَّرْتَها بالمدامع
وكيفَ تَرى ليلى بعينٍ ترى بها
حديث سواها في خُرُوقِ المسامع
أراكِ بقلبٍ خاشعٍ لكِ خاضع
وتلتذُ منها بالحديثِ وقد جرى
أجلكِ يا ليلى عن العينِ إنما
[ومن لطيف شعره قوله :
ولي ولها إذا الكاسات دارتْ رقى سحرٍ يفكُ عرى الهموم
مُعاتبة ألذّ من الأماني وبث جَوَّى أرقّ من النسيمِ
ومن شعره :
قلائص قد أعنقن خلف فنیقٍ
وداعٍ دعاني والثريا كأنها
مخلقة من نورها بخلوق
وناولني كأساً كأنَّ بنانه
نجوم لآَلٍ في سماءِ عقيق
إذا ما سما فيها المزاج حسبتها
فعقد نظام الدهر غير وثيق
وقال اغتنم من دهرنا غفلاته
بحلوٍ حديثٍ أو بمرّ عتيق
وإنيَ من لذّاتٍ دهري لقانعٌ
حديث صديق أو عتيق رحيق]١
هما ما هما لم يبقَ شيءٌ سواهما
وكانت ولادة المرزباني المذكور٢ في جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين ومائتين،
وقيل سنة ست وتسعين . وتوفي يوم الجمعة ثاني شوال سنة أربع وثمانين ، وقيل
سنة ثمان وسبعين وثلثمائة، والأول أصح ، رحمه الله تعالى ، وصلى عليه الفقيه
أبو بكر الخوارزمي ودفن في داره بشارع عمرو٣ الرومي ببغداد في الجانب
الشرقي .
وروی عن أبي القاسم البغدادي وأبي بكر ابن دريد وأبي بكر ابن الأنباري،
وروى عنه أبو عبد الله الصيمري وأبو القاسم التنوخي وأبو محمد الجوهري وغيرهم.
١ زيادة من هامش المختار .
٢ ن : وكانت ولادته .
٣ س : عمر .
٣٥٥

والمرزباني : بفتح الميم وسكون الراء وضم الزاي وفتح الباء الموحدة وبعد
الألف نون ، هذه النسبة إلى بعض أجداده ، وكان اسمه المرزبان ، وهذا الاسم
لا يطلق عند العجم إلا على الرجل المقدم العظيم القدر، وتفسيره بالعربية حافظ
الحدّ، قاله ابن الجواليقي في كتابه ((المعرب))١.
٦٤٨
أبو بكر الصولي
أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس بن محمد بن صول تکین الكاتب،
المعروف بالصولي الشطرنجي ؛ كان أحد الأدباء الفضلاء المشاهير ، روى عن أبي
داود السجستاني وأبي العباس ثعلب وأبي العباس المبرد وغيرهم ، وروى عنه أبو
الحسن الدار قطني الحافظ، وأبو عبيد الله المرزباني المذكور قبه وغيرهما . ونادم
الراضي ، وكان أولاً يعلمه ثم نادم المقتدر ، ونادم قبله المكتفي .
وله التصانيف المشهورة منها كتاب ((الوزراء)) وكتاب (( الورقة)) وكتاب٢
((أدب الكاتب)) وكتاب ((الأنواع)) وكتاب ((أخبار أبي تمام)) وكتاب ((أخبار
القرامطة)) وكتاب ((الغرر)) وكتاب (( أخبار أبي عمرو بن العلاء)) وكتاب
(((العبادة))٣ وكتاب (( أخبار ابن ھَرْمَة)) وكتاب ((أخبار السيد الحميري))
وكتاب (( أخبار إسحاق بن إبراهيم))، وجمع أخبار جماعة من الشعراء ، ورتبه
...
١ المعرب : ٣١٧؛ ق : في كتابه المعروف .
٦٤٨ - ترجمته في الفهرست : ١٥٠، ١٥٦ وتاريخ بغداد ٣ : ٤٢٧ ومعجم الأدباء ١٩ : ١٠٩
ونزهة الالبا : ١٨٨ ومعجم المرزباني: ٤٣١ واللباب: (الصولي) وعبر الذهبي ٢: ٢٤١
ولسان الميزان ٥ : ٤٢٧ والنجوم الزاهرة ٣: ٢٩٦ والشذرات ٢ : ٣٣٩.
٢ لا ترد كلمة ((كتاب)» في سرد مؤلفاته في النسخ ن ل لي س من بر بعد هذا الموضع .
٣ س ن ق : العيادة .
٣٥٦

على حروف المعجم ، وكلهم من الشعراء المحدثين ، وغير ذلك .
وكان ينادم الخلفاء ، وكان أغلب فنونه أخبار الناس ، وله رواية واسعة
ومحفوظات كثيرة ، وكان حسن الاعتقاد جميل الطريقة مقبول القول ، وكان
أوحد وقته في لعب الشطرنج، لم يكن في عصره مثله في معرفته . والناس إلى
الآن يضربون به المثل في ذلك فيقولون لمن يبالغون في حسن لعبه ((فلان يلعب
الشطرنج ١ مثل الصولي)) ٢ .
ورأيت خلقاً كثيراً يعتقدون أن الصولي المذكور هو الذي وضع الشطرنج ،
وهو غلط ، فإن الذي وضعه صِصّه بن داهر الهندي ، واسم الملك الذي وضعه
له شِهْرام ، بكسر الشين المعجمة .
وكان أردشير ابن بابك أول ملوك الفرس الأخيرة قد وضع الفرد ، ولذلك
قيل له الفردشير لأنهم نسبوه إلى واضعه المذكور ، وجعله مثالاً الدنيا وأهلها٣،
فرتب الرقعة اثني عشر بيتاً بعدد شهور السنة ، وجعل القطع ثلاثين قطعة بعدد
أيام كل شهر، وجعل الفصوص مثل القدر وتقلُبه بأهل الدنيا . وبالجملة فالكلام
في هذا يطول ويخرج عما نحن بصدده ؛ فافتخرت الفرس بوضع الفرد وكان ملك
الهند يومئذ بَلْهَيْت، فوضع له صِصَّه المذكور الشطرنج ، فقضت حكماء
ذلك العصر بترجيحه على الفرد لأمور يطول شرحها .
ويقال إن صِصّه لما وضع الشطرنج وعرضه على الملك شِهْرام المذكور أعجبه
وفرح به كثيراً، وأمر أن يكون في بيوت الديانة ، ورآه أفضل ما علم لأنه
آلة الحرب وعز الدين والدنيا وأساس لكل عدل ، وأظهر الشكر والسرور
على ما أنعم عليه في ملكه منه ، وقال لصِصَّه : اقترح علي ما تشتهي ، فقال
له : اقترحت أن تضع حبة قمح في البيت الأول ، ولا تزال تضعفها حتى تنتهي
إلى آخرها ، فمهما بلغ تعطيني ، فاستصغر الملك ذلك ، وأنكر عليه كونه
١ ق س : بالشطرنج ؛ ر: في الشطرنج .
٢ ن : فيقولون : فلان يلعب .... وهم يبالغون في ذلك في حسن لعبه
٣ بهامش ن هنا تعليق طويل حول تحريم الشطرنج والنردشير وتحليلهما ؛ وهو بخط غير خط
الأصل .
٣٥٧

قابله بالنزر اليسير ، وكان قد أضمر له شيئاً كثيراً ، فقال : ما أريد إلا هذا ،
فرادَّه١ فيه وهو مصر عليه فأجابه إلى مطلوبه وتقدم له به ، فلما
قيل لأرباب الديوان حسبوه فقالوا ما عندنا قمح يفي بهذا ولا بما يقاربه ، فلما
قيل للملك استنكر هذه المقالة ، وأحضر أرباب الديوان وسألهم فقالوا له : لو
جمع كل قمح في الدنيا ما بلغ هذا القدر ، فطالبهم بإقامة البرهان على ذلك ،
فقعدوا وحسبوه، فظهر له صدق ذلك٢، فقال الملك لصِصَّه: أنت في اقتراحك
ما اقترحت أعجب حالاً من وضعك الشطرنج .
وطريق هذا التضعيف أن يضع الحاسب في البيت الأول حبة وفي الثاني
حبتين وفي الثالث أربع حبات وفي الرابع ثماني حبات، وهكذا إلى آخره ، كلما
انتقل إلى بيت ضاعف ما قبله وأثبته فيه . ولقد كان في نفسي من هذه المبالغة
شيء حتى اجتمع بي بعض حُسّاب الإسكندرية، وذكر لي طريقاً تبين لي صحة
ما ذكروه، وأحضر لي ورقة بصورة ذلك، وهو أنه ضاعف الأعداد إلى البيت
السادس عشر فأثبت فيه اثنين وثلاثين ألفاً وسبعمائة وثمانياً وستين حبة، وقال :
تجعل هذه الجملة مقدار قدح ، وقد اعتبرتها٣ فكانت كذلك ، والعهدة عليه في
هذا النقل ، ثم ضاعف القدح في البيت السابع عشر ، وهكذا حتى بلغ ويبة
في البيت العشرين ثم انتقل إلى الويبات ، ومنها إلى الأرادب ، ولم يزل يضاعفها
حتى انتهى في بيت الأربعين إلى مائة ألف إردب وأربعة وسبعين ألف إردب
وسبعمائة واثنين وستين إردباً وثلثين، فقال: تجعل هذه الجملة في شونة فإن
الشونة لا يكون فيها أكثر من هذا ، ثم ضاعف الشون إلى بيت الخمسين فكانت
الجملة ألفاً وأربعاً وعشرين شونة، فقال : تجعل هذه في مدينة ، فإن المدينة
لا يكون فيها أكثر من هذه الشون ، وأي مدينة يكون فيها هذه الجملة من
الشون ؟ ثم ضاعف المدن حتى انتهى في البيت٤ الرابع والستين - وهو آخر
١ ن س ت والمختار : فرواده ؛ ل لي بر من : فراوده .
٢ ر : فظهر صحة ذلك له .
٣ ت لي من بر : عبرتها ؛ س : عبر بها .
٤ لي : في بيت .
٣٥٨

أبيات رقعة الشطرنج - إلى ستة عشر ألف مدينة وثلثمائة وأربع وثمانين مدينة،
وقال : تعلم أنه ليس في الدنيا مدن أكثر من هذا العدد، فإن دور كرة الأرض
معلوم بطريق الهندسة ، وهو ثمانية آلاف فرسخ ، بحيث لو وضعنا طرف حبل
على أي موضع كان من الأرض وأدرنا الحبل على كرة الأرض حتى انتهينا
بالطرف الآخر إلى ذلك الموضع من الأرض والتقى الطرفان فإذا مسحنا ذلك
الحبل كان طوله أربعة وعشرين ألف ميل ، وهي ثمانية آلاف فرسخ ، وهو
قطعي لا شك فيه ، ولولا خوف التطويل والخروج عن المقصود لبينت ذلك
- وسأذكره إن شاء الله تعالى في ترجمة بني موسى١ - وتعلم ما في الأرض من
المعمور وهو مقدار ربع الكرة بطريق التقريب .
وقد انتشر الكلام وخرجنا عن المقصود ، لكنه ما خلا عن فائدة ، فإن
هذه الطريقة غريبة ، فأحببت إثباتها ليقف عليها من يستنكر ما قالوه في
تضعيف رقعة الشطرنج ويعلم أن ذلك حق ، وأن هذه الطريقة سهلة٢ الاطلاع
على حقيقة ما ذكروه .
ولنرجع إلى حديث الصولي :
حكى المسعودي في كتاب ((مروج الذهب))٣ أن الإمام الراضي بالله أتى
في بعض منتزهاته بستاناً مُونِقاً وزهراً رائقاً ، فقال لمن حضره ممن كان من
ندمائه : هل رأيتم منظراً أحسن من هذا ؟ فكل أثنى، وذهب فيه إلى مدحه
ووصف محاسنه ، وأنها لا يفي بها شيء من زهرات الدنيا ، فقال الراضي :
لعب الصولي بالشطرنج أحسن من هذا ، ومن كل ما تصفون .
ثم قال المسعودي : وقد ذكر أن الصولي في بدء دخوله على الإمام المكتفي،
وقد كان ذكر له تخرجه في اللعب بالشطرنج ، وكان الماوردي اللاعب متقدماً
١ وهو ثمانية ... موسى : سقط من ر .
٢ ت : سهلت .
٣ مروج الذهب ٤ : ٣٢٤.
٣٥٩

عنده ، متمكناً من قلبه معجباً به للعبه ، فلما لعبا جميعاً بحضرة المكتفي حمل
المكتفي حسنُ رأيه في الماوردي وتقدم الحرمة في الألفة على نصرته وتشجيعه
وتنبيهه حتى أدهش ذلك الصولي في أول وهلة ، فلما اتصل اللعب بينهما وجمع له
الصولي متانته وقصد قصده غلبه غلباً لا يكاد يرد عليه شيئاً، وتبين حسن
لعب الصولي للمكتفي ، فعدل عن هواه ونصرة الماوردي ، وقال له : عاد ماء
وردك بَوْلاً .
وأخبار الصولي ونوادره كثيرة ، وماجراياته أكثر من أن تحصى . ومع
فضائله والاتفاق على تفننه في العلوم وخلاعته وظرافته ما خلا من منتقص هجاه
هجواً لطيفاً، وهو أبو سعيد العقيلي، فإنه رأى له بيتاً مملوءاً كتباً قد صفّها
وجلودها مختلفة الألوان، وكان يقول: هذه كلها سماعي، وإذا احتاج إلى معاودة
شيء منها قال : يا غلام هات الكتاب الفلاني ، فقال أبو سعيد المذكور هذه
الأبيات :
إنما الصوليُّ شيخٌ أعلم الناس خِزانَهْ
طلباً منه إيانه
إِن سألناهُ بعلمٍ
رزمة العلم فلانه
قال يا غلمان هاتوا
وتوفي الصولي المذكور سنة خمس - وقيل ست - وثلاثين وثلثمائة بالبصرة
مستتراً ، لأنه روى خبراً في حق علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فطلبته
الخاصة والعامة لتقتله فلم تقدر عليه ، وكان قد خرج من بغداد لإضافة لحقته .
وقد سبق الكلام على الصولي في ترجمة إبراهيم بن العباس الصولي ، وهو عم
والد أبي بكر المذكور ، فليطلب هناك .
وصِصَّه : بصادين مهملتين الأولى منهما مكسورة والثانية مشددة مفتوحة
وفي الآخر هاء ساكنة .
وداهر : بدال مهملة وبعد الألف هاء مكسورة ثم راء .
وأرْدَ شِيرُ : بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الدال المهملة وكسر الشين
المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وفي آخرها راء ؛ هكذا قاله الحافظ
٣٦٠