Indexed OCR Text
Pages 1-20
جَرفُ الْغَيْنُّ ٥٢٠ غازي بن زنكي سيف الدين غازي بن عماد الدين زنكي بن آق سنقر، صاحب الموصل - وقد تقدم ذكر والده في حرف الزاي١ - وأنه قتل على حصار قلعة جَعْبَر، فلما قتل وكان معه ألب أرسلان بن السلطان محمود المعروف بالخفاجي السلجوقي ، المذكور في ترجمة عماد الدين زنكي ، اجتمع أكابر الدولة ، وفيهم الوزير جمال الدين محمد٢ الأصبهاني ، المعروف بالجواد ، والقاضي كمال الدين أبو الفضل محمد بن الشهرزوري - وسيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى - وقصدوا خيمة ألب أرسلان المذكور ، وقالوا له : كان عماد الدين زنكي غلامك ونحن غلمانك ، والبلاد لك ، وطمنوا٣ الناس بهذا الكلام . ثم إن العسكر افترق فرقتين : فطائفة منهم٤ توجهت صحبة نور الدين محمود ابن عماد الدين زنكي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - إلى الشام ، والطائفة الثانية سارت مع ألب أرسلان وعساكر الموصل وديار ربيعة إلى الموصل ، فلما انتهوا إلى سنجار تخيل ألب أرسلان منهم الغدر فتركهم وهرب ، فلحقه بعض ٥٢٠ - أخباره في التاريخ الباهر: ٨٦ - ٩٣ ومرآة الزمان: ٢٠٣ ومفرج الكروب ١ : ١١٦ والسلوك ١/١: ٣٨ والنجوم الزاهرة ٥ : ٢٨٦ وعبر الذهبي ٤: ١٢٣ والشذرات ٤ : ١٣٩ وأماكن متفرقة من الجزء الحادي عشر من تاريخ ابن الأثير ؛ وهذه الترجمة شديدة الإيجاز في م ، مستوفاة في المسودة ، ولم ترد في المختار . ١ المجلد الثاني : ٣٢٧. ٢ ر : أبو الفضل محمد . ٣ يريد: وطمأنوا ، وحذف الهمزة للتخفيف : ٤ ل س : منه . ٣ العسكر وردّوه ، فلما وصلوا إلى الموصل وصلهم سيف الدين غازي المذكور ، وكان مقيماً بشهرزور لأنها كانت إقطاعه من جهة السلطان مسعود السلجوقي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - فلما استقر بالموصل قبض على ألب أرسلان المذكور وسيّره إلى بعض القلاع، وملك الموصل وما كان لأبيه من ديار ربيعة ، وترتبت أحواله ، وأخذ أخوه نور الدين محمود - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - حلَبَ وما والاها من بلاد الشام ، ولم تكن دمشق يومئذ لهم . وكان غازي المذكور منطوياً على خير وصلاح يحب العلم وأهله ، وبنى بالموصل المدرسة المعروفة بالعتيقة ، ولم تطل مدته في المملكة١ حتى توفي في أواخر جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة ، وقد قارب في العمر أربعين سنة ، ودفن في مدرسته المذكورة ، رحمه الله تعالى ، وتولى بعده أخوه قطب الدين مودود - وسيأتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى . ٥٢١ الغازي ابن مودود سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي بن آق سنقر، صاحب الموصل ، وهو ابن أخي المذكور قبله ؛ تقلد المملكة بعد وفاة أبيه مودود ، وهو والد سنجر شاه صاحب جزيرة ابني عمر ، ولما توفي والده - في التاريخ الآتي ذكره في ترجمته - بلغ الخبرُ نورَ الدين وهو بتلّ باشر، فسار من ١ ر : الملك . ٥٢١ - أخباره في التاريخ الباهر: ١٤٦، ١٧٥، ١٨٠ ومرآة الزمان: ٣٦٣ وصفحات متفرقة من تاريخ ابن الأثير (جـ: ١١) ومفرج الكروب (الجزء ١، ٢) والنجوم الزاهرة ٦ : ٨٨ والسلوك ١ / ١: ٥٨، ٦١، ٧٠ وعبر الذهبي ٤: ٢٣٠ والشذرات ٤: ٢٥٧؛ وقد سقطت الترجمة من م ، وجاءت كاملة في المسودة ، ولم ترد في المختار . ٤ ليلته طالباً بلاد الموصل فوصل إلى الرقة في المحرم سنة ست وستين وخمسمائة وملكها ، وسار منها إلى نصيبين فملكها في بقية الشهر ، وأخذ سنجار في شهر ربيع الآخر منها ، ثم قصد الموصل وقصد أن لا يقاتلها ، فعبر بعسكره من مخاضة بلد - وهي بُليدة بقرب الموصل - وسار حتى خيّم قبالة الموصل ، وراسل ابن أخيه سيف الدين المذكور وعرّفه صحة قصده ، فصالحه ودخل الموصل في ثالث عشر جمادى الأولى ، وأقر صاحبها فيها وزوجه ابنته وأعطى أخاه عماد الدين زنكي - المذ کور في ترجمة جده عماد الدين زنكي١ - سنجار ، وخرج من الموصل وعاد إلى الشام ودخل حلب في شعبان من السنة المذكورة ، فلما مات نور الدين وملك صلاح الدين دمشق ونزل على حلب يحاصرها سير سيف الدين المذكور جيشاً مقدَّمه أخوه عز الدين مسعود - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - والتقوا عند قرون حماة، وسيأتي تفصيل ذلك هناك، فلما انكسر عز الدين مسعود تجهّز سيف الدين بنفسه وخرج إلى لقائه وتصافًا على تل السلطان ، وهي قرية بين حلب وحماة، وذلك في بكرة الخميس عاشر شوال سنة إحدى وسبعين وخمسمائة؛ قال العماد الأصبهاني في ((البرق الشامي)) وابن شداد في ((سيرة صلاح الدين))٢: إنه انكسرت ميسرة صلاح الدين بمظفر الدين ابن زين الدين ، فإنه كان في ميمنة سيف الدين ثم حمل صلاح الدين بنفسه ، فانهزم جيشُ سيف الدين وعاد إلى حلب ، ثم رحل إلى الموصل ، ومظفر الدين المذكور هو صاحب إربل -وترجمته في حرف الكاف- وأقام غازي في المملكة عشر سنين وشهوراً، وأصابه مرض مُزمِن٣ وتوفي يوم الأحد ثالث صفر سنة ست وسبعين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى ، وتولى بعده أخوه عز الدين مسعود - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وكان مرضه السل ، وطال به ، وعاش مقدار ثلاثين سنة ٤ .. ١ وردت ترجمة عماد الدين زنكي الشهيد في جـ ٢ : ٣٢٧ وليس فيها ذكر لما أشار إليه المؤلف هنا ؛ ولعماد الدين زنكي صاحب سنجار ترجمة مستقلة رقم : ٢٤٦ . ٢ سيرة صلاح الدين : ٥٢ ٠ ٤ وكان مرضه ... سنة: سقط من لي ل ن س بر . ٣ لي ل ن س بر : مرض السل . ٥٢٢ الملك الظاهر صاحب حلب أبو الفتح وأبو منصور غازي ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ، الملقب الملك١ الظاهر غياث الدين صاحب حلب؛ كان ملكاً مهيباً حازماً متيقظاً كثير الاطلاع على أحوال رعيته وأخبار الملوك ، عالي الهمة حسن التدبير والسياسة باسط العدل محبّاً للعلماء مجيزاً للشعراء ، أعطاه والده مملكة حلب في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة بعد أن كانت لعمه الملك العادل، فنزل عنها وتعوّض غيرها ، كما قد شهر . ويحكى عن سرعة إدراكه أشياء حسنة : منها أنه جلس يوماً لعرض العسكر ، وديوان الجيش بين يديه، فكان كلما حضر واحد من الأجناد سأله الديوان عن اسمه لينزلوه٢ ، حتى حضر واحد فسألوه٣ فقبل الأرض ، فلم يفطن أحد من أرباب الديوان لما أراد ، فعاودوا سؤاله ، فقال الملك الظاهر : اسمه غازي ، وكان كذلك، وتأدب الجندي أن يذكر اسمه لما كان موافقاً لاسم السلطان، وعرَفَ هو مقصوده ، وله من هذا الجنس شيء كثير لا حاجة إلى التطويل فيه . وكانت ولادته بالقاهرة في منتصف رمضان سنة ثمان وستين وخمسمائة ، وهي السنة الثانية من استقلال أبيه بمملكة الديار المصرية . وتوفي بقلعة حلب ، ليلة ..... ٥٢٢ - أخباره في ذيل الروضتين: ٩٤ ومرآة الزمان: ٥٧٩ ومفرج الكروب ٢ : ١٧٨ ، ٣ : ٢٣٧ وصفحات متفرقة من السلوك (جـ : ١) ومن تاريخ ابن الأثير (جـ : ١٢) والنجوم الزاهرة ٦ : ٢١٦ وعبر الذهبي ٥ : ٤٦ والشذرات ٥ : ٥٥. ١ الملك : سقطت من س ر . ٢ ر : ليزكوه . ٣ ن : فسألوه عن اسمه . ٦ الثلاثاء العشرين من جمادى الآخرة ، سنة ثلاث عشرة وستمائة ، ودفن بالقلعة ، ثم بنى الطواشي شهاب الدين طغريل الخادم أتابك ولده الملك العزيز مدرسة تحت القلعة وعمّر فيها تربة ونقله إليها ، رحمه الله تعالى. والعجب أنه دخل حلب مالكاً لها في الشهر بعينه واليوم من سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة . ورثاه شاعره الشرف راجح بن إسماعيل بن أبي القاسم الأسدي الحلي١، وكنيته أبو الوفاء ، بهذه القصيدة ، ومدح ولديه السلطان الملك العزيز محمداً وأخاه الملك الصالح صاحب عين تاب ، وما أقصر فيها ، وهي : سَل الخطبَ إِن أصْغى إلى من يخاطبه بمِنْ عَلِقَتْ أنيابُهُ ومخالِيُهْ وإن كان نائي السمعَ عمن بُعاتِبه نشَدتُكَ عاتِبْهُ على نائِباتِهِ ليَ الله كمْ أرمي بطَرْفِي ضَلالةٌ فما لي أرى الشَّهْباء قد حال صُبْحُها أحقّاً حِمى الغازي الغياثِ بن يوسفٍ نعمْ كُوْرَت شمسُ المدائِحِ وانطَوت فمن مُخْبري عن ذلك الطَّوْدِ هِل وهَتْ أجل ضُعضِعَت بعد الثَّبَاتِ وِزُعزِيمَت وغُيِّضَ ذاكَ البحرُ من بعد ما طَمَتْ فشَكَّتْ يمِينُ الخطب أيُّ مُهنَّدٍ لئن حبَسَ الغيثُ الغياني قَطْرَهُ إلى أفْقِ مجدٍ قد تَهاوت كواكبه عليّ دُجِّى لا تستنيرُ غَيَاهِيه أُبِيحَ وعادتْ خائباتٍ مواكِبه سماءُ العُلا والنجْحُ ضاقَتْ مَذاهِبه قواعِدُهُ أم لانَ للخطبِ جانِبه بريحِ المَنايا العاصِفاتِ مَناكِيه وطَمَّتْ لغيبان٢ البلاد غواربه برغم العُلا سلّتْ وفُلّتْ مَضاربه فقد سحَبَتْ في كل قُطْرٍ سحائبه فأنَّى يلدُّ العيشَ بعد ابنِ يوسفٍ أُخُو أملٍ أكدَتْ عليه مطالبه فلا أدركَتْ نِيلَ المُنى طالباتُهُ ولا بركت في أرض يُمن٣ِ ركائبه ١ انظر ترجمة راجح الحلي في الفوات ١: ٣١٨ والشذرات ٥ : ١٢٣ والنجوم الزاهرة ٦: ٢٧٥. ٢ الغيبان: بتخفيف الباء هنا وقد تشدد، ما لم تصبه الشمس من النبات. وفي ر : الغيبات ، وقد خطأه صاحب التاج . ٣ في هامش المسودة: خ: أمن؛ وكذلك وردت في لي ن ل . ٧ ولا انتَجَعَت إلا معبّسَ حقبةٍ مَضى من أقامَ الناسُ في ظلِّ عدلِهِ فكم مِن حِمَى صَعْبٍ أباحت سُوفُهُ أُرَى اليومَ دَسْتَ الملكِ أصبحَ خالياً فمن سائلي عن سائل الدمع لِمْ جَرى فكم من ندوبٍ في قلوبٍ نضیجةٍ ٢ أيُسلَمُ لم تُحطَمْ صدورُ رِماحِهِ ولا اصطَدمتْ عندَ الحتوف٣ كُماتُهُ ولا سِيمَ أخذَ الثار يومَ كريهةٍ فيا مُلبسي ثوباً من الحزنِ مُسبلاً خدَمْتْكَ، روضُ المجدِ تضفُو ظلالُ؛ وقد كنتَ تُدنيني وترفعُ مَجْلسي فما بالُ إذني قد تمادى ولم يكُنْ أرى الشمسَ أخفتْ يوم فقدِكَ نورَها فكيفَ نَبَا سيفُ اعتزامِكَ أو كَبَا فمَنْ لليتامى يا غِياثُ يُغِيثُهُمْ ومَنْ لملوكٍ كنت ظِلاًّ عليهمُ أيا تاركي ألقى العدُوَّ مُسالماً سِقَتْ قبرَكَ الغَرُّ الفَوادي وجادَهُ من الجدب لا تُثني عليهِ حقائبه وآمنَ من خَطبٍ تَدِب١ُ عقاربه ومِن مُستباحٍ قد حَمَته كَتائِبه أما فيكُمُ مِن مخبرٍ أينَ صاحبه لعل فؤادي بالوجيب يُجاوِبِه بنارِ كروبٍ أُجْجَتْها نوادبه بِذَبٍّ ولمْ تُثْلَمْ بضَرْبٍ قواضبه ولا ازدَحمَت بينَ الصفوفِ جنائبه تشقُ مُثارَ النقعِ فيها سلاهبه أيحسنُ بي أن التسلَّ سالِبه عليّ ، وحوْضُ الجودِ تصفو مشاربه المفروضٍ مدحِ ما تَعَدّاكَ واجِبهِ إذا جئتُ يَئنيني عن البابِ حاجبه فلا كان يومٌ كاسِفُ الوجهِ شاحِبه جوادٌ من الحزمِ الذي أنت راكبه إذا الغيث٥ُ لم ينقعْ صَدى العامِ ساكبه ظليلاً إذا ما الدهر نابت نوائبه متى ساءني بالجدّ قمتُ ألاعبه من الغيثِ ساريه الملِثُ وساربه ١ س : وآمن خطباً أن تدب . ٢ ر : صحيحة . ٣ ر : الحروب . ٤ لي : يصفو جلاله . ٥ ر : الغيم . فإن يكُ نورٌ من شِهابكَ قد خَبَا فيا طالما جلّ دُجى الليلِ ثاقبه صباحُ هدى كنا زماناً نراقبه فقد لاحَ بالملكِ العزيزِ محمدٍ فتى لم يَفْتْهُ من أبيهِ وجدّهِ ومن كان في المسعى أبوهُ دليلهُ وبالصالحِ استَعلى صلاحُ رعيةٍ فحسبُ الوَرَى من أحمدٍ ومحمدٍ هما أحرَزا عَلياء غازي بن يوسفٍ فأفْقُ الوَرى لولاهما كان أظلمت سيَخْمي على رغم الليالي حماهما فكم من مُلمِّ جَلَّ مَوْقِعُ خطبه فيا قَمَرَيْ سعدٍ أُطَلاً على الدجى أيمكثُ في الشَّهْباءِ عبدُ أبيكما إِياءُ وجدّ غالبا من يُغالبه تدانى له الشّأوُ الذي هو طالبه لها منهُ رَعْيٌ ليس يُقْلِعُ راتِبه مليكانِ مَنْ عاداهما ذَلَّ جانبه وما ضَيَّعا المجدَ الذي هوَ كاسِبه مشارقهُ من بعدهِ ومغاربه عوالي قَناً تُرْدي الأسود ثعالبه فساءت مباديهِ وسَرَّتْ عواقبه فولى وما ألوَى على الأرضِ ١ هاربه وما دِحهُ أم تستقل نجائبه مُصابَ سهامٍ فَوَّقَتها مصائبه فإن شِئْتُما بعدَ الغياثِ أغثْتُا وتضحكُ في وجهِ الأماني مواهبه٢ كأن لم أقفْ أجلو التهاني أمامَهُ فَهُنْيْتُها ما نِلتُما وبَقيما لإعلاءِ ملكٍ سامياتٍ مراتبه وهذه القصيدة مع جَوْدتها فيها مواضع مأخوذة من مرئية الفقيه عمارة اليمني للصالح بن رُزِّيك ، وبعضها مذكور في ترجمة الصالح ، وكأنه قد نسج على منوالها ، فإنها على وزنها وإن كان حرف الروي مختلفاً ، فقد استعمل ماء الوصل كما استعمله عمارة ، والظاهر أنه كان قد وقف عليها فقصد مُضاهاتها٣ . (145) وقام بالأمر ومملكة حلب من بعده : ولَدُه الملك العزيز غياث الدين أبو المظفر محمد ابن الملك الظاهر ، ومولده يوم الخميس خامس ذي الحجة ١ س: الأفق، وفي الحاشية: خ: الأرض. وقد سقط البيت من لي . ٢ هنا تنتهي الترجمة في م بعد حذف كثير من أبيات القصيدة . ٣ هنا تنتهي الترجمة في بر س ل ن لي بعد ذكر ترجمة راجح الحلي . ٩ سنة عشر وستمائة بقلعة حلب ، وتوفي يوم الأربعاء رابع شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وستمائة ، وكنت بجلب في ذلك الوقت ، ودفن بالقلعة . (146) وترتب مكانه ولده الملك الناصر صلاح الدين أبو المظفر يوسف ابن الملك العزيز، واتسعت مملكته ، فإنه ملك عدة بلاد من الجزيرة الفراتية لما كسر الخوارزمية ، وكان مقدم جيشه الملك المنصور صاحب حمص ، وذلك في أواخر سنة إحدى وأربعين أو أوائل سنة اثنتين وأربعين ، ثم ملك دمشق والبلاد الشامية يوم الأحد سابع عشر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وستمائة ، ومولده بقلعة حلب في تاسع عشر رمضان سنة سبع وعشرين وسمائة، وقصده التَّتَر وملكوا الشام ، فخرج من دمشق في صفر سنة ثمان وخمسين ، وقُتل في الثالث والعشرين من شوال سنة ثمان وخمسين بالقرب من المراغة من أعمال أذربيجان على ما نقل الناقل ، والله أعلم ، وقصته مشهورة . (147) وتوفي عمه الملك الصالح صلاح الدين أحمد ابن الملك الظاهر صاحب عين تاب في شعبان سنة إحدى وخمسين وستمائة ، وكانت ولادته في صفر سنة ستمائة بجلب ، ومات بعين تاب ، رحمهم الله تعالى أجمعين . وإنما قدموا العزيز وهو الأصغر على أخيه الصالح لأن أمه صفية خاتون بنت الملك العادل بن أيوب ، فقدموه في الملك لأجل جده وأخواله أولاد العادل ، وأما الصالح فإن أمه جارية . (148) وتوفي الشرف الحلي المذكور في ليلة السابع والعشرين من شعبان سنة سبع وعشرين وستمائة بدمشق، رحمه الله تعالى، ودفن بظاهرها في جوار مسجد النارنج شرقي مصلى العيد ، ومولده في منتصف شهر ربيع الآخر سنة سبعين وخمسمائة بالحلة ، وهو من مشاهير شعراء عصره . ١٠ ٠ ٥٢٣ ذو الرمة أبو الحارث غَيْلان بن عُقبة بن بُهَيْش١ بن مسعود بن حارثة بن عمرو بن ربيعة بن ساعدة بن كعب بن عوف بن ربيعة بن مِلْكان بن عدي بن عبد مناة ابن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، الشاعر المشهور المعروف بذي الرُّمة، أحد فحولة الشعراء؛ ويقال إنه كان ينشد شعره في سوق الإبل ، فجاء الفرزدق فوقف عليه ، فقال له ذو الرُّمة : كيف ترى ما تسمع يا أبا فراس ؟ فقال : ما أحسن ما تقول ! قال : فما لي لا أذكر مع الفحول ؟ قال: قَصْر بك عن غايتهم بكاؤك في الدِّمَنِ ، وصفتك للأبعار والعَطَن . وهو أحد عشاق العرب المشهورين بذلك ، وصاحبته مَيَّةُ ابنة مقاتل بن طلبة٢ بن قيس بن عاصم المنقري، وقيس بن عاصم هو الذي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بني تميم فأكرمه ، وقال له : أنت سيد أهل الوبر ، وقال أبو عبيد البكري٣ : هي مية بنت عاصم بن طلبة بن قيس بن عاصم ، والله أعلم بالصواب . وكان ذو الرمة كثير التشبيب بها في شعره ، وإياهما عنى أبو تمام الطائي بقوله في قصيدته البائية : ما رَبْعُ مَيَّةَ معمُوراً يطيفُ بهِ غَيَلانُ أبهى رُباً من رَبْعِها الخرِبِ ٥٢٣ - ترجمته في طبقات ابن سلام: ٤٦٥ والشعر والشعراء : ٤٣٧ والأغاني ١٧ : ٣٠٤ والموشح: ١٧٠ وسمط اللآلي: ٨١ والشريشي ٢ : ٥٣ وتزيين الأسواق ١: ٨٨ والعيني ١: ٤١٢ وشرح شواهد المغني: ٥٢ ومعاهد التنصيص ٣: ٢٦٠ والخزانة ١ : ٥٠. ١ كذا في المسودة ، واضطرب في سائر النسخ ، وفي س : نهيس وكذلك ورد في السمط . ٢ وضع فتحة وكسرة على اللام في المسودة وكتب فوق الكلمة ((معاً)). ٣ السمط : ٨٢ . ١ : وقال ابن قتيبة في كتاب ((طبقات الشعراء))١: قال أبو ضرار الغنوي٢: رأيت مية وإذا معها بَنُونَ لها ، فقلت : صفها لي، قال: مَسنُونة الوجه طويلة الخد شماء الأنف ، عليها وَسْم جمال، قلت : أكانت تنشدك شيئاً مما قال فيها ذو الرمة ؟ قال : نعم . ومكثت مية زماناً تسمع شعر ذي الرمة ولا تراه، فجعلت لله تعالى عليها أن تنْحَر بَدَنة يوم تراه ، فلما رأته رأت رجلاً دميماً أسود، وكانت من أهل الجمال، فقالت: واسوأتاه، وابؤساه ! فقال ذو الرمة٣: على وجهٍ مَيّ مِسْحة من مَلاحةٍ وتحتَ الثيابِ العارُ لو كانَ باديا وإِن كانَ لونُ الماءِ أبيضَ صافيا ألم تَرَ أنَّ الماءَ يُخْبُثُ طعمهُ فَوَاضَيعَةَ الشعر الذي لجّ فانقضى بميٍّ ولم أملك ضلالَ فُؤَادِيا [ويروى أن ذا الرمة لم يَرَ مية قط إلا في بُرْقُع، فأحبَّ أن ينظر إِلى وجهها فقال : جَزَى اللهُ البراقِعَ من ثيابٍ عن الفتيانِ شَرّاً ما بقينا يُوارينَ الملاحَ فلا نَراها ويُخْفينَ القباحَ فيزدهينا فنزعت البرقع عن وجهها ، وكانت باهرة الحسن ، فلما رآها مسفرة قال : على وجه ميّ مسحةٌ من ملاحة البيتَ المقدم ، فنزعت ثيابها وقامت عريانة ، فقال : ألم تر أن الماء يخبث طعمه البيتَ المذكور ، فقالت له : أتحب أن تذوق طعمه ؟ قال : إي والله ، فقالت ١ الشعر والشعراء : ٤٣٩. ٢ الشعر والشعراء : أبو سوار الغنوي . ٣ أكثر المصادر على أن هذه الأبيات موضوعة على لسان ذي الرمة (انظر مثلا الأغاني: ٣٢٧) والمؤلف ينقل هنا عن ابن قتيبة . ١٢ له : تذوقُ الموتَ قبل أن تذوقه، والله أعلم]١. ومن شعره السائر فيها٢ : إذا هبّتِ الأرواح من نحوٍ جانبٍ به أهلُ مَيّ هاجَ قلي هُبوبُها هَوَى تذرفُ العينانِ مِنهُ وإِنما هَوَى كُلِّ نفسٍ حيث كان٣ حبيبُها وكان؛ ذو الرمة يُشَبْب بخَرْقاء أيضاً، وهي من بني البكاء بن عامر بن صعصعة وسببُ تشبيبه بها أنه مر في سفر ببعض البوادي ، فإذا خرقاء خارجة من خباء ، فنظر إليها فوقعت في قلبه، فخرق إداوته ودنا منها يستطعم كلامها، فقال : إني رجل على ظهر سفر، وقد تخرقت إداوتي ، فأصلحيها لي ، فقالت : والله ما أحسن العمل وإني لخرقاء، والخرقاء التي لا تعمل شغلاً لكرامتها على أهلها ، فشبب بها ذو الرمة وسماها خرقاء ، وإياها عنى بقوله وهو في غاية المبالغة٦ : وما شَنّتا خرقاءَ واهيتا الكُلى سَقى بها ساقٍ ولم يَتَبَللا بأَضْيَعَ من عَينَيكَ للدمع كلما تذكرتَ رَبْعاً أو توهمتَ مَنزلا وقال المفضل الضبي٧ : كنت أنزل على بعض الأعراب إذا حججت ، فقال لي يوماً : هل لك أن أريك خرقاء صاحبة ذي الرمة ؟ فقلت له : إن فعلت فقد بررتني ، فتوجهنا جميعاً نريدها ، فعدل بي عن الطريق بقدر ميل ، ثم أتينا ١ انفردت ر بما وضعناه بين معقفين . ٢ ديوانه : ٦٦ - ٦٧ . ٣ ر والمختار : حيث حل . ؛ يتابع المؤلف النقل عن ابن قتيبة . ٥ و : تشبب . ٦ أدرج البيتان في ملحقات الديوان: ٦٧١ وقول المؤلف إن الشاعر عنى صاحبته خرقاء بهذين البيتين من التأويل الذي لا داعي له . ٧ الشعر والشعراء : ٤٤٠ . ١٣ أبيات شَعر، فاستفتح بيتاً ففتح له ، وخرجت علينا امرأة طويلة حُسّانة بها قوة ، والحسّانة أشد حسناً من الحسناء ، فسلمت وجلست وتحدثنا ساعة ، ثم قالت لي : هل حججت قط؟ قلت : غير مرة ، قالت : فما منعك من زيارتي، أما علمت أني مَنْسَك١ من مناسك الحج؟ قلت : وكيف ذلك ؟ قالت : أما سمعت قول عمك ذي الرمة٢ : تَمامُ الحج أن تَقِفَ المطايا على خرقاء واضعَةَ اللئامِ وكان ذو الرمة كثير المديح لبلال بن أبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وفيه يقول مخاطباً ناقته صَيْدَح ، وهذا الاسم علم عليها : إذا ابنُ أبي مُوسى بلالاً بلغْتِهِ فقامَ بفأسٍ بين وصْلَيكِ جازِرُ وقد أخذ هذا المعنى من قول الشماخ في عَرابة الأوسي رضي الله عنه ، وهو . .. أيضاً يخاطب ناقته من جملة أبيات : إذا بلغْتِنِي وحملتِ رَحْلِي عَرابَةَ فَاشْرَقي بدم الوتين وجاء بعدهما أبو نُواس٣ فكشف عن هذا المعنى وأوضحه بقوله في الأمين محمد بن هارون الرشيد : وإِذا المطيُ بنا بَلَغنَ محمداً فظهورهُنَّ على الرجال حرامٌ حتى قال بعض العلماء ، ولا أستحضر الآن مَنْ هو القائل ، لما وقف على بيت أبي نواس : هذا المعنى والله الذي كانت العربُ تحوم حوله فتخطئه ولا تصيبه فقال الشماخ كذا ، وقال ذو الرمة كذا ، وأنشد بيتيهما المذكورين ، وما أبانه إلا أبو نواس بهذا البيت، وهو في نهاية الحسن . والأصل في هذا المعنى؛ ١ وضع على السين في المسودة فتحة وكسرة وكتب فوقها ((معاً)). ٢ ديوانه (الملحقات) : ٦٧٣ . ٣ ن : أبو نواس بعدهما . ٤ س : البيت . ١٤ قول الأنصارية المأسورة بمكة ، وكانت قد نجَتْ على ناقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما وصلت إليه قالت : يا رسول الله، إني نذرت إن نجوتُ عليها أن أنحرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لبئس ما جزَيْتها)). وتفسير هذا المعنى : إني لست أحتاج أن أرحل إلى غيرك ، فقد كفيتني وأغنيتني ، إلا أن الشماخ وعَدَ ناقته بالذبح ، وذا الرمة دعا عليها أيضاً بالذبح ، وأبو نواس حرم الركوب على ظهرها وأراحها من الكد في الأسفار ، فهو أتم في المقصود ، لكونه أحسن إليها في قبالة إحسانها إليه ، حيث أوصلته إلى الممدوح . وكان لذي الرمة إخوة : هشام وأوفى١ ومسعود ، فمات أوفى ثم مات ذو الرمة بعده، فقال مسعود يرثيهما - هكذا قال ابن قتيبة، وقال في ((الحماسة)) في المرائي خلاف هذا، والله أعلم بالصواب - والأبيات التي قالها مسعود : تعزيْتُ عن أوفى بغَيْلانِ بَعْدَه عَزَاءً وجَفْنُ العين ملآن مُتْرَعُ ولم يُنسِنِي أوفى المصيبات بعده ولكن نَكَ القرح بالقرح أو جَعُ وهي من جملة أبيات ؛ وهذا مسعود هو الذي أشار إليه أبو تمام بقوله : إن كان مَسعُودٌ سقى أطلالمُهمْ سَبَلَ الشؤون فلست من مسعودِ قال أبو القاسم الآمدي صاحب كتاب ((الموازنة بين الطائيين)) في الكلام على هذا البيت : هذا مسعود أخو ذي الرمة ، وكان يلوم أخاه ذا الرمة على بكائه الطلول ، حتى قال فيه ذو الرمة٢ : عشيّةَ مسعودٌ يقول وقد جَرى على لِحْيقٍ من واكِفِ الدمعِ قاطِرٌ أفي الدار تبكي إذا بكيتَ صَبابةً وأنتَ امرؤ قد حلَّمَتْكَ العشائِرُ ١ ذكر أبو الفرج أو فى بن دلهم وقال إنه ابن عم لذي الرمة ومسعود ، وكذلك قال التبريزي في شرح الحماسة وغيره ، والأبيات في الحماسة منسوبة لهشام أخي ذي الرمة لا لمسعود ( انظر شرح المرزوقي: ٧٩٣) وانظر تحقيق الأستاذ محمود شاكر لهذا الخلاف في هامش ابن سلام: ٤٨٠ . ٢ ديوان ذي الرمة : ٢٤٠ . ١٥ فكأن أبا تمام يقول : إن كان مسعود قد رجع عن ذلك المذهب وصار يبكي على الطلول فلست منه ، وهذا أبلغ في التبري منه مما إذا كان هذا شأنه، فصار كقول القائل : إن كان حاتم قد بخل أو السموأل قد غدر فلست منهما ، وهذا أبلغ من قوله : إن كان البخيل قد بخل والغادر قد غدر فلست منهما ، هذا حاصل ما قاله الآمدي ، وإن كان بغير هذه العبارة١ . وأخبار ذي الرمة كثيرة، والاختصار أولى. وكانت وفاته سنة سبع عشرة ومائة ، رحمه الله تعالى ، ولما حضرته الوفاة قال : أنا ابن نصف الهرم ، أنا ابن أربعين سنة، وأنشد٢ : يا قابضَ الروح عن نفسي إذا احتُضِرَت وغافرَ الذنب زَحْزحني عن النّار وإنما قيل له ((ذو الرمة)) بقوله في الوقد٣ : أشعث باقي رمة التقليد والرمة - بضم الراء - الحبل البالي ، وبكسرها العظم البالي . وقال أبو عمرو بن العلاء: ختم الشعر بذي الرمة والرجز برؤية بن العجاج٤، فقيل له : إن رؤبة حي ، فقال : نعم ، ولكن ذهب شعره كما ذهب مطعمه وملبسه ومنكحه، فقيل له : فهؤلاء الآخرون ؟ فقال : مرقعون مهدمون ، إنما هم كَلِّ على غيرهم . . ١ قد وردت صورة من هذا الخبر ومعها نقل عن الآمدي في ترجمة أبي تمام (٢: ١١) مختلف عن المثبت هنا ، والذي أورده هنا رغم أنه منقول بالمعنى أقرب إلى ما جاء في الموازنة ؛ قلت : والذي ذكر في ترجمة أبي تمام هنالك من زيادات بعض النسخ وليس هناك ما يدل على أن له وجوداً في مسودة المؤلف . ٢ ملحقات الديوان : ٦٦٧ . ٣ الديوان : ١٥٥ . ٤ في المختار : افتتح الشعر بامرىء القيس وختم بذي الرمة ؛ وهنا تنتهي الترجمة في م . ٥ عند هذا الحد ينتهي القسم الأول الموجود من مسودة المؤلف ، وبه تنتهي الترجمة في بر والنسخ الأخرى ما عدا ر . ١٦ [وقال أبو عمرو ، قال جرير: لو خرس ذو الرمة بعد قوله قصيدته التي أولها : ما بال عينك منها الماء ينسكب كان أشعر الناس ؛ وقال أبو عمرو: سمعت ذا الرمة يقول : إذا نزل بنا نازل قلنا له : الحليب أحبُ إليك أم الخيض ؟ فإن قال الخيض ، قلنا : عبد من أنت ؟ وإن قال الحليب ، قلنا : ابن من أنت ؟ وقال أبو عمرو : شعر ذي الرمة نقط عروس يضمحل عن قليل ، وأبعار ظباء لها شَمَّ في أول رائحة ، ثم يعود إلى البعر . وبالجملة فقد كان من مشاهير الشعراء في عصره ، وذوي التقدم في النظم في دهره ، رحمه الله تعالى . وذكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتاب ((اعتلال القلوب)» عن محمد ابن سلمة الضبي قال: حججت، فلما صدرت من الحج تيممت مَنْهَلاً من المناهل، وإذا بيت بناحية من الطريق ، فأنخت بفنائه ، فقلت : أنزل ؟ فقالت ربة البيت : نعم ، فقلت : وأدخل ؟ قالت : أجل ، فدخلت فإذا جارية أحسن من الشمس، فجلست أحدثها وكأن الدر ينثر من فيها، فبينا أنا كذلك إذ خرجت عجوز مؤتزرة بعباءة مشتملة بأخرى، فقالت : يا عبد الله، ما جلوسك ماهنا عند هذا الغَزال النجدي الذي لا تأمن حباله ، ولا ترجو نَواله؟ فقالت لها الجارية : أي جدة دعيه يتعلل كما قال ذو الرمة١: فإن لا يكن إلا تَعَلُلَ ساعة" قليلاً فإني نافع لي قليلها قال : فأقمت يومي وانصرفت ، وفي قلبي كجمر الفَضا من حبها]٢. ١ ديوانه : ٥٥٠ . ٢ انفردت ر بما بين معقفين، ومعظمه في المختار، وأكثر ما سيرد بين معقفين إنما هو مما تنفرد به ر . ٢ - ٤ ١٧ . نعرف الفَاء