Indexed OCR Text
Pages 481-500
٥١٠ ابن السوادي أبو الفرج العلاء بن علي بن محمد بن علي بن أحمد بن عبيد الله الواسطي ، المعروف بابن السوادي الواسطي الكاتب الشاعر ؛ كان شاعراً فاضلاً ظريفاً خليماً مطبوعاً من بيت كبير في بلده مشهور بالكتابة والنباهة والتميّز، وله شعر حسن فمنه قوله : أشكو إليك ومن صدودك أشتكي وأظن من شَفَفي بأنك منصفي وأصد عنك مخافة من إن يُرى منك الصدود فيشتفي من يشتفي وهو مأخوذ من قول بعضهم : أُخفي هواه عن العذول تجلداً كي لا يَرى جَزَعي عليه فيشتفي وكنت قد وقفت على هذا البيت قبل وقوفي على بيتي ابن السوادي، فأعجبني المعنى ، فنظمته في دوبيت ، وهو : يا غصنَ نقا قوامُهُ ميّادُ أيام رضاك كلتُها أعيادُ ما أكتم حزني عندما تهجرني إلا حذراً أن تشمتَ الحسّادُ وقال عماد الدين الكاتب في كتاب ((الخريدة)): أنشدني لنفسه : يميناً بما ضم المصَلِّ وما حَوَتْ رحابُ مِنَّى إني إليكَ مِشُوقُ وهي ثلاثة أبيات اقتصرت منها على هذا لأنه أحسنها . وكان أبو القاسم هبة الله بن الفضل المعروف بابن القطان - الآتي ذكره في ٥١٠ - وردت الترجمة كاملة في المسودة . ٣١ - ٣ ٤٨١ حرف الهاء إن شاء الله تعالى - قد هجا قاضي القضاة الزيني بقصيدته الكافيّة التي أولها١ : يا أخي الشرطُ أَمْلَكُ لستُ الثّلْبِ أَترُكُ وهي طويلة عدد أبياتها مائة وثمانية عشر بيتاً ، وتناقلتها الرواة وسارت عنه ، فبلغ ذلك الزينبي المذكور ، فأحضر ابن الفضل وصفعه وحبسه مدة ثم أفرج عنه ، فاتفق أن حضر ابن السوادي المذكور إلى بغداد من واسط عقيب هذه الواقعة ، ومدح الزيني المذكور بقصيدة ، فتأخرت عنه الجائزة ، وتردد إلى مجلسه كثيراً فما أجدى عليه ، فاجتمع بابن الفضل المذكور وشرح له حاله ، وقال: أنا على عزم الانحدار إلى واسط ، فإذا وصلت إلى بلدي هجوت الزينبي، وكان الزيني صاحب يقال له أبو الفتح فكتب إليه ابنُ الفضل أبياتاً من جملتها٢: يا أبا الفتح الهجاءُ إذا جاش صَدْرٌ فهو متسعُ وقَوافي الشعر واثبةٌ ولها الشيطانُ متبع فاحْذَرُوا كافاتٍ منحدرٍ ما لكم في صَفْعِهِ طمع فاتصلت الأبيات بالزيني ، فأرسل لابن السوادي جائزة وطَيّب قلبه . وكانت ولادة ابن السوادي بواسط سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة ، منتصف شهر ربيع الآخر ليلة الأربعاء . وتوفي سنة ست وخمسين وخمسمائة بواسط٣ . والسَّوَادي : بفتح السين المهملة والواو وبعد الألف دال مهملة، هذه النسبة إلى سَواد العراق ، وإنما قيل له السواد لأن العرب لما رأت خضرة الأشجار قالت : ما هذا السواد ؟ فبقي الاسم عليه . ١ معاهد التنصيص ٤ : ٠٢٢٢ ٢ المصدر السابق : ٢٢٣. ٣ ن: وتوفي في رجب سنة إحدى وخمسين وخمسمائة؛ وموضع الجملة بياض في س لي؛ وسقطت من ل. ٤٨٢ ٥١١ القاضي عياض القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرو١ بن موسى بن عياض ابن محمد بن موسى بن عياض اليَحْصُبي٢ السَّبقي؛ كان إمام وقته في الحديث وعلومه والنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم وصنف التصانيف المفيدة منها ((الإكمال في شرح كتاب مسلم)) كمل به ((المعلم في شرح مسلم)) المازري، ومنها ((مشارق الأنوار)) وهو كتاب مفيد جداً في تفسير غريب الحديث المختص بالصحاح الثلاثة وهي: الموطأ والبخاري ومسلم، وشَرَح حديث أم زرع شرحاً مستوفى، وله كتاب سماه «التنبيهات)) جمع فيه غرائب وفوائد٣ ، وبالجملة فكل تواليفه بديعة . ذكره أبو القاسم بن بَشْكُوال في كتاب ((الصلة))٤ فقال: دخل الأندلس طالباً للعلم، فأخذ بقرطبة عن جماعة ، وجمع من الحديث كثيراً، وكان له عناية كبيرة به والاهتمام° يجمعه وتقييده. وهو من أهل التفنن في العلم والذكاء واليقظة ٥١١ - ترجمته في بغية الملتمس (رقم: ١٢٩٦) وقلائد العقيان: ٢٢٢ والديباج المذهب: ١٦٨ وانباه الرواة ٢: ٣٦٣ والإحاطة ٢: ١٦٧ وقضاة النباهي: ١٠١ ومعجم الوادي آ شي وتذكرة الحفاظ: ١٣٠٤ وعبر الذهبي ٤: ١٢٢ والشذرات ٤: ١٣٨ والنجوم الزاهرة • : ٢٨٥ وجذوة الاقتباس: ٢٧٧ وأزهار الرياض ١: ٢٣ وفهرس الفهارس ٢: ١٨٣. ١ كذا ثبت عند ابن الأبار ونقل الوادي آشي عن أبي القاسم الملاحي أنه : عمرون بنون بعد الواو . وقال ابن الملجوم اجتاز علينا القاضي عياض عند انصرافه من سبتة قاصداً إلى الحضرة زائراً لأبي بداره عشية يوم الاثنين الثامن لرجب (٥٤٣) ... وسألته عن نسبه فقال لي : أنا أحفظ عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض وأحفظ أيضاً : محمد بن عبد الله بن موسى بن عياض ولا أعرف أن محمداً هذا هو أبو عياض أو بينهما أحد . ٢ وضع على الصاد ضمة وفتحة وتحتها كسرة وكتب فوقها ((جميعاً)» - في المسودة. ٣ زاد في ر ؛ وكتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى، صلى الله عليه وسلم. ٤ الصلة : ٠٤٢٩ • ر : واهتمام . ٤٨٣ والفَهْم، واستقضي ببلده - يعني مدينة سبتة - مدة طويلة حُمدت سيرته فيها، ثم نقل عنها إلى قضاء غرناطة ، فلم يطل أمده فيها ؛ انتهى كلامه . وللقاضي عياض شعر حسن، فمنه ما رواه عنه ولده أبو عبد الله محمد قاضي دانية قال : أنشدني أبي لنفسه في خامات زرع بينها شقائقُ النعمان هَبَّت عليه ريح : انظر إلى الزرع وخاماته تحكي وقد ماست أمام الرياح كتيبةً حمراء١ مهزومة شقائقُ النعمان فيها جراخْ الخامة : القصبة الرطبة من الزرع . وأنشد أيضاً لأبيه : الله يعلمُ أني منذُ لم أرَكُمْ كطائرٍ خانَهُ ريشُ الجناحَينِ فلو قَدَرْت ركبتُ البحر نحوكمُ لأن بعدكم عني جَنى حَيْني ورأيت لابن العريف رسالة كتبها إليه فأحببت ذكرها ، ثم أضربت عنها لطولها . وذكره العماد في ((الخريدة)) فقال : كبير الشان ، غزير البيان ، وذكر له البيتين في الزرع الذي بينه شقائق النعمان ، ثم قال بعد ذلك : وله في لزوم ما لا يلزم : إذا ما نشرتَ بساط انبساطٍ فعنه فدَيْتُكَ فاطوِ المزاحا فإنَّ المزاح على ما حكاه أولو العلم قبلي عن العلم زاحا ومدحه أبو الحسن ابن هارون المالقي الفقيه المشاور بقوله : ٫٠٠٠ ٢٠ ظلموا عِياضاً وهو يَحْلمُ عنهم والظلم بين العالمين قديمُ جَعَلُوا مكان الراء عَيْناً في اسمه كي يكتموه فإنه معلوم ١٠ ١ ن ر : خضراء . ٤٨٤ لولاهُ ما ناحت أباطحُ سَبْتةٍ والروضُ حولَ فنائها معدوم وذكره ابن الأبّار في تسمية أصحاب أبي علي الغساني ، فقال١ : من أهل سبتة ، وأصله من بسطة ، يكنى أبا الفضل ، أحد الأئمة الحفاظ الفقهاء المحدثين الأدباء ، وتواليفه وأشعاره شاهدة بذلك ، كتب إليه أبو علي في جماعة جِلَّة ، ولقي أيضاً آخرين مثلهم ، وشيوخه يقاربون٢ المائة٣. وكان مولد القاضي عياض بمدينة سَبْتَةَ في النصف من شعبان سنة ست وسبعين وأربعمائة . وتوفي بمراكش يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة ، وقيل في شهر رمضان سنة أربع وأربعین و خمسمائة ، رحمه الله تعالى ، ودفن بباب إيلان داخل المدينة ؛ وتولى القضاء بغرناطة سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة . وتوفي ولده المذكور سنة خمس وسبعين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى؛ . وعياض : بكسر العين المهملة وفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف ضاد معجمة . واليَحْصُبي : بفتح الياء المثناة من تحتها وسكون الحاء المهملة وضم الصاد المهملة وفتحها وكسرها وبعدها باء موحدة ، هذه النسبة إلى يحصب بن مالك قبيلة من حمير . وسَبتة: مدينة مشهورة بالمغرب، وكذلك غَرْ ناطة - بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وفتح النون وبعد الألف طاء مهملة ثم هاء - وهي بالأندلس . ١ انظر المعجم في أصحاب الصدفي : ٢٩٤ . ٢ قوله ((يقاربون المائة)) يشير إلى أن العدد الذي تحويه بعض نسخ ((الغنية)) - وهو الكتاب الذي يضم تراجم شيوخ القاضي عياض - ينقص عن مائة . ٣ وذكره العماد ... المائة: انفردت به ر، وموضعه في المسودة «تخريجة)). ؛ زاد في ر: والصواب في وفاة ولده سنة اثنتين وسبعين ، قال رضي الدين الشاطبي : بدانية . ٤٨٥ ٥١٢ عيسى بن عمر الثقفي أبو عمرو عيسى بن عمر الثقفي النحوي البصري ، قيل كان مولى خالد بن الوليد ، رضي الله عنه ، ونزل في ثقيف فنسب إليهم ؛ كان صاحب تقعير في كلامه واستعمال للغريب فيه وفي قراءاته ، وكانت بينه وبين أبي عمرو بن العلاء صحبة، ولهما مسائل ومجالس [وأخذ القراءة عَرْضاً عن عبد الله بن أبي إسحاق وروى الحروف عن عبد الله بن كثير وابن مُحَيْصِن، وسمع الحسن البصري ، وله اختيار في القراءة على قياس العربية ، وروى القراءات عنه أحمد بن موسى اللؤلؤي وهارون بن موسى النحوي والأصمعي والخليل بن أحمد وسهل بن يوسف وعبيد بن عقيل]١ وأخذ سيبويه عنه النحو، وله الكتاب الذي سماه ((الجامع)) في النحو، ويقال إن سيبويه أخذ هذا الكتاب وبَسَطه وحَسَّ عليه من كلام الخليل وغيره ، ولما كمل بالبحث والتحشية نسب إليه ، وهو كتاب سيبويه المشهور ، والذي يدل على صحة هذا القول أن سيبويه لما فارق عيسى بن عمر المذكور ولازم الخليل بن أحمد سأله الخليل عن مصنفات عيسى، فقال له سيبويه: صنف نيفاً وسبعين مصنفاً في النحو ، وإن بعض أهل اليسار جمعها وأتت عنده عليها آفة فذهبت ولم يبق منها في الوجود سوى كتابين: أحدهما اسمه (الإكمال))، وهو بأرض فارس عند فلان، والآخر ((الجامع)) وهو هذا الكتاب الذي أشتغل فيه وأسألك عن غوامضه ، فأطرق الخليل ساعة ثم رفع رأسه وقال : رحم الله عيسى ، وأنشد : ذهبَ النحْوُ جميعاً كله غير ما أحدث عيسى بن عمر ٥١٢ - ترجمته في نور القبس: ٦؛ وانباه الرواة ٢: ٣٧٤ وفي الحاشية ثبت بمصادر أخرى. ١ انفردت ربما بين معقفين، وزاد بعد «عقيل» في المطبوعة المصرية : وشجاع بن أبي نصر، وقاون ابن الجزري ١ : ٦١٣ . ٤٨٦ ذاك إكمال وهذا جامعٌ وهما للناس شمسٌ وقمر فأشار بالإكال إلى الغائب وبالجامع إلى الحاضر١ . وكان الخليل قد أخذ عنه أيضاً . ويقال : إن أبا الأسود الدؤلي لم يضع في النحو إلا باب الفاعل والمفعول فقط، وإِن عيسى بن عمر وضع كتاباً على الأكثر وبَوَّبه وهذه وسَمّى ما شذ عن الأكثر لغات . وكان يطعن على العرب ويخطىء المشاهير منهم ، مثل النابغة في بعض أشعاره وغيره ، وروى الأصمعي قال٢ : قال عيسى بن عمر لأبي عمرو ابن العلاء : أنا أفصح من مَعَدّ بن عدنان ، فقال له أبو عمرو : لقد تعديت ، فكيف تنشد هذا البيت : قد كن يخبأن الوجُوهَ تستثْراً فاليومَ حين بَدَأْنَ النُّظّار٣ أو ((بدين للنظار)) فقال عيسى: بدأن ، فقال له أبو عمرو، أخطأت ؛ يقال : بدا يبدو إذا ظهر، وبدأ يبدأ إذا شرع في الشيء، والصواب ((حين بَدَوْنَ للنظار)). وإنما قصد أبو عمرو تغليطه، لأنه لا يقال في هذا الموضع ((بدأن)) ولا ((بَدَيْنَ)) بل ((بَدَوْنَ)). ومن جملة تقعيره في الكلام ما حكاه الجوهري في كتاب ((الصحاح)) قال؛ : سقط عيسى بن عمر عن حمار له ، فاجتمع عليه الناس، فقال: ما لكم تكأ كأتم علي تكأكؤكم على ذي جِنّة ، افرنقعوا عني ؛ معناه : ما لكم تجمعتم علي تجمعكم على مجنون ، انكشفوا عني . ورأيت في بعض المجاميع أنه كان به ضيق النفس ، فأدركه يوماً وهو في السوق ، فوقع ودار الناس حوله يقولون : مصروع مصروع ، فبين قارئ، ومعوذ من الجان ، فلما أفاق من غشيته نظر إلى ازدحامهم فقال هذه المقالة ، فقال بعض الحاضرين : إِن جنّه يتكلم٥ بالهندية٦. ١ قال القفطي: فأشار إلى الجامع بما يشار به إلى الحاضر، وهي لفظة «هذا». ٢ انظر مجالس العلماء: ١٤٤ وقد رويت القصة عن أبي عمر الجرمي والأصمعي. ٣ البيت للربيع بن زياد العبسي . ٤ الصحاح : ٦٦، ١٢٥٨. ٥ لي ن : جنيته تتكلم . ٦ ر : بالسريانية . ٤٨٧ ويروى أن عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين كان قد ضربه بالسياط ، وهو يقول: والله إن كانت إِلا أثيّاباً في أسَيْفاط قبَضَها عَشّاروك . وله من هذا النوع شيء كثير . وتوفي سنة تسع وأربعين ومائة ، رحمه الله تعالى . وقيل إن الذي ضربه كان يوسف بن عمر أمير العراقين - وسيأتي ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى - وكان سبب ضربه إياه أنه لما تولى العراقين بعد خالد بن عبد الله القَسْري تتبع أصحابه ، وكان بعض جلسائه قد أودع عند عيسى بن عمر المذكور وديعةً فنمي الخبر إلى يوسف ، فكتب إلى نائبه بالبصرة يأمره أن يحمل إليه عيسى بن عمر مقيّداً، فدعا به ودعا حدّاداًا، وأمره بتقييده : فلما قيّده قال له الوالي : لا بأس عليك، إنما أرادك الأمير لتأديب ولده ، قال : فما بال القيد إذا٢ً ؟ فبقيت هذه الكلمة مثلاً بالبصرة ، فلما وصل إلى يوسف سأله عن الوديعة فأنكر ، فأمر بضربه ٣ ، فلما أخذه السوط جزع فقال هذه المقالة المقدم ذكرها . ٥١٣ الجزولي أبو موسى عيسى بن عبد العزيز بن يلَلْبَحْت بن عيسى بن يُوماريلي الجُزُولي اليزْدَ كْتَني؛ كان إماماً في علم النحو، كثير الاطلاع على دقائقه وغريبه وشاذه، وصنف فيه المقدمة التي سماها القانون ، ولقد أتى فيها بالعجائب ، وهي في غاية ١ لي ن ل س : فدعا حداداً . ٢ ن : الأدهم . ٣ ن : فأمر به فضرب ، وكذلك في القفطي . ٥١٣ - ترجمته في انباه الرواة ٢: ٣٧٨ وصلة الصلة: ٥٣ والتكملة (رقم: ١٩٣٢) وعبر الذهبي ٥ : ٢٤، وفي حاشية الانباه ذكر لمصادر أخرى؛ وذكر في الانباه أنه كان مزواراً، قال: والمزوار بالبربرية مقدم جماعة ؛ قلت : وقد أوردت المسودة هذه الترجمة كاملة . ٤٨٨ الإيجاز مع الاشتمال على شيء كثير من النحو ، ولم يُسْبَق إلى مثلها ، واعتنى بها جماعة من الفضلاء فشرحوها، ومنهم من وضع لها أمثلة، ومع هذا كله فلا تفهم حقيقتها، وأكثر النحاة ممن لم يكن قد أخذوها عن مُوَقِّف يعترفون بقصور أفهامهم عن إدراك مراده منها ، فإنها كلها رموز وإشارات ؛ ولقد سمعت من بعض أئمة العربية المشار إليه في وقته وهو يقول : أنا ما أعرف هذه المقدمة ، وما يلزم من كوني ما أعرفها أن لا أعرف النحو . وبالجملة فإنه أبدع فيها . وسمعت أن له أمالي في النحو، ولكنها لم تشتهر، ورأيت له مختصر ((الفَسْر))١ لابن جني في شرح ديوان المتنبي ، ويقال : إنه كان يدري شيئاً من المنطق . ودخل إلى الديار المصرية، وقرأ على الشيخ أبي محمد بن بري المقدم ذكره٢، وقد نقل عنه شيئاً في المقدمة المذكورة ، وذكر بعض المتأخرين في تصنيفه أنه كان قد قرأ ((الجمل)) على ابن بري ، وسأله عن مسائل على أبواب الكتاب ، فأجابه ابن بري عنها ، وجرى فيها بحث بين الطلبة حصلت منه فوائد عَلّقها الجُزولي مفردة ، فجاءت كالمقدمة فيها كلام غامض وعقود لطيفة وإشارات إلى أصول صناعة النحو غريبة، فنقلها الناس عنه واستفادوها منه . ثم قال هذا المصنف٣: وبلغني أنه كان إذا سئل عنها : هل هي من تصنيفك ؟ قال : لا ، لأنه كان متورعاً ، ولما كانت من نتائج خواطر الجماعة عند البحث ومن كلام شيخه ابن بري لم يسعه أن يقول : هي من تصنيفي ، وإن كانت منسوبة إليه ، لأنه هو الذي انفرد بترتيبها . ثم رجع الجُزُولي إلى بلاد المغرب بعد أن حج ، وأقام بمدينة بجاية مدة ، والناس يشتغلون عليه ، وانتفع به خلق كثير؛ ، ورأيت جماعة من أصحابه . وتوفي سنة عشر وستمائة بمدينة مَرّاكُشَ"، رحمه الله تعالى ، هكذا سمعت ١ ل : القسر ، وغير معجمة في ن ؛ ر : التفسير . ٢ انظر ما تقدم ص: ١٠٨ من المجلد الثالث. ٣ النقل متابع لما في انباه الرواة . ٤ ذكر ابن الزبير أن الجزولي دخل الأندلس بعد قفوله من المشرق ، فنزل المرية . ● حاشية س: بل توفي بمدينة أزمور ودفن حذاء قبر الشيخ الصالح أبي شعيب أيوب المعروف = ٤٨٩ جماعة يذكرون تاريخ وفاته ، ثم وقفت على ترجمته ، وقد رتبها أبو عبد الله ابن الأبّار القضاعي فقال: في سنة ست أو سبع وستمائة مات الجُزولي١. ويَلَلْبَحْت: بفتح الياء المثناة من تحتها واللام وسكون اللام الثانية وفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وبعدها تاء مثناة من فوقها، وهو اسم بربري. ويُوماريلي : بضم الياء المثناة من تحتها وسكون الواو وفتح الميم وبعد الألف راء مكسورة ثم ياء ساكنة مثناة من تحتها وبعدها لام ثم ياء ، وهو اسم بربري أيضاً . والجُزُولي: بضم الجيم والزاي وسكون الواو وبعدها لام ، هذه النسبة إلى جُزولة، ويقال لها أيضاً كزولة - بالكاف - وهي بطن من البربر. واليزدكتني : بفتح الياء المثناة من تحتها وسكون الزاي وفتح الدال المهملة وسكون الكاف وفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها نون ، هذه النسبة إلى فخذ من جزولة٢ . ورأيت بخطي في مسوداتي أنه تولى الخطابة بجامع مراكش وأن قبيلته كزولة من الرحالة يكونون بصحراء بلاد السوس في المغرب الأقصى ، وكان إماماً في القراءات والنحو واللغة ، وكان يتصدّر في الجامع للاقراء ، وأنه شرح مقدمته في مجلد كبير أتى فيه بغرائب وفوائد ، وذكر بعض أصحابه أنه حضر عنده ليقرأ عليه قراءة أبي عمرو فقال بعض الحاضرين : أتريد أن تقرأ على الشيخ النحو ؟ قال : فقلت : لا، قال : فسألني آخر كذلك ، فقلت : لا ، فأنشد الشيخ وقال : قل لهم : لستُ للنحو جئتَكُمْ لا ولا فيه أرغَبُ خَلِّ زيداً لشأنه أيما شاء يذهب = بالباريه خارج باب عبدون ، قدمها في رسالة عن المستنصر من بني عبد المؤمن ؛ نقلت هذه الحاشية من خط أبي حيان على بعض النسخ . ١ قال ابن الزبير: مات قبيل سنة ٦٠٠. ٢ هنا تنتهي الترجمة في س ل ن لي . ٤٩٠ ٠ أنا ما لي ولامرىء أبدَ الدهْرِ يَضْرِبِ وكانت وفاته بسكورة من أعمال مراكش ، والله أعلم . ٥١٤ الفائز العبيدي أبو القاسم عيسى الملقب الفائز بن الظافر بن الحافظ بن محمد بن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله، وقد تقدم ذكر والده وجماعة من أهل بيته ، وكيف قتل نصرُ بن عباسٍ أباه حسبما شرح هناك ، وهذا نصر بن عباس هو الذي قتل العادلَ بن السلار، وقد رفعت هناك في نسبه١، فمن أراد معرفته فلينظره هناك . ولما كان صبيحة ليلة قُتل فيها الظافر حضر عباسٌ إلى القصر على جاري عادته في الخدمة ، وأظهر عدم الاطلاع على قضيته وطلَبَ الاجتماع به ، ولم يكن أهل القصر قد علموا بقتله بعد ، فإنه خرج من عندهم في خفية كما ذكر ثَمّ، وما علم أحد بخروجه ، فدخل الخدم إلى موضعه ليستأذنوا لعباس فلم يجدوه ، فدخلوا إلى قاعة الحُرَم فقيل: إنه لم يَبتْ هاهنا، وحاصل الأمر أنهم تطلبوه في جميع مظانّه في القصر فلم يقفوا له على خبر ، فتحققوا عدمه ، فأخرج عباس المذكور أخَوَي الظافر - وهما جبريل ويوسف وهو أبو العاضد المقدم ذكره في جملة من اسمه عبد الله - وقال لهما: أنتما قتلتما إمامنا وما نعرف ٥١٤ - أخباره في المنتظم ١٠ : ١٩٦ واتعاظ الحنفا : ٢٨٧ وتاريخ ابن خلدون ٤ : ٥٧ وتاريخ ابن الأثير ١١: ١٩١، ٢٥٠ وخطط المقريزي ١ : ٣٥٧ والدرة المضية : ٥٦٦ وعبر الذهبي؛: ١٥٦، ١٥٧ - ١٥٨، والشذرات ٤: ١٧٤؛ وقد جاءت هذه الترجمة كاملة في المسودة . ١ انظر ما تقدم في هذا الجزء ص : ٤١٧. ٤٩١ حاله إلا منكما ، فأصرّا على الإنكار وكانا صادقين في ذلك، فقتلهما في الوقت لينفي عن نفسه وابنه التهمة ، ثم استدعى ولَدَه الفائز المذكور وتقديرُ عمره خمس سنين ، وقيل سنتان ، فحمله على كتفه ووقف في صحن الدار ، وأمر أن يدخل الأمراء ، فدخلوا ، فقال لهم: هذا ولد مولاكم وقد قتَلَ عَمّاه أباه ، وقد قتلتهما كما ترون ، والواجبُ إخلاصُ الطاعة لهذا الطفل ، فقالوا بأجمعهم : سمعنا وأطعنا ، وصاحوا صيحة واحدة اضطرب منها الطفل وبال على كتف عباس ، وسَمَّوْه الفائز، وسيّروه١ إلى أُمه، واختلّ من تلك الصيحة فصار يُصْرَع في كل وقت ويختلج، وخرج عباس إلى داره ودبر الأمور وانفرد بالتصرف ولم يبق على يده يد . وأما أهل القصر فإنهم اطلعوا على باطن الأمر ، وأخذوا٢ في إعمال الحيلة في قتل عباس وابنه نصر، وكاتبوا الصالح بن رُزّيك الأرمني - المذكور في حرف الطاء٣ - وكان إذ ذاك والي منية بني خصيب بالصعيد، وسألوه الانتصار لهم ولمولاه والخروج على عباس، وقطعوا شعورهم وسيروها طيء الكتاب وسوَّدوا الكتاب ، فلما وقف الصالح عليه أطلع من حوله من الأجناد عليه وتحدث معهم في المعنى ، فأجابوا إلى الخروج معه ، واستمال جمعاً من العرب ، وساروا قاصدين القاهرة وقد لبسوا السواد ، فلما قاربوها خرج إليهم جميع من بها من الأمراء والأجناد والسودان ، وتركوا عباساً وحده ، فخرج عباس في ساعته من القاهرة هارباً ومعه شيء من ماله، وخرج معه ولده نصر قاتل الظافر، وأسامةُ بن مُنْقذ - المذكور في حرف الهمزة° - فقد قيل: إنه الذي أشار عليهما بقتل الظافر وشرح ذلك يطول وقد تقدم في ترجمة العادل بن السلار ذكره أيضاً وأنه الذي أشار بقتله ، والله العالم بالخفيات . وكان معهم جماعة يسيرة من أتباعهم ، وقصدوا طريق الشام على أيلة ، وذلك في رابع عشر شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وخمسمائة . ١ ن : وأرسلوه . ٢ ر : لما اطلعوا ... فأخذوا. ٣ انظر جـ ٢ : ٥٢٦ . ٤ لي : وسيروها مع . ٥ المجلد الأول : ١٩٥. ٤٩٢ وأما الصالح بن رُزّيك فإنه دخل القاهرة بغير قتال ، وما قدَّم شيئاً على النزول بدار عباس المعروفة بدار المأمون ابن البطائحي وهي اليوم مدرسة للطائفة الحنفية، وتعرف بالسيوفية، واستحضر الخادم الصغير الذي كان١ مع الظافر ساعة قتله ، وسأله عن الموضع الذي دفن فيه ، فعرفه به ، وقلع البلاطة التي كانت٢ عليه، وأخرج الظافر ومن معه من المقتولين وحملوا، وقُطُعت لهم الشعور وانتشر البكاء والنياح في البلد ، ومشى الصالح والخلق قدام الجنازة إلى موضع الدفن، وهو في تربة آبائه ، وهي معروفة في قصرهم . وتكفّل الصالح بالصغير ودبّر أحواله . وأما عباس ومن معه فإن أخت الظافر كاتبت فرنج عسقلان بسببه وشرطت لهم مالاً جزيلاً بسببه إذا أمسكوه، فخرجوا عليه وصادفوه ، فتواقعوا وقتلوا عباساً وأخذوا ماله وولده، وانهزم بعض أصحابه إلى الشام ، وفيهم ابن منقذ، فسلموا ، وسيّرت٣ الفرنج نصر بن عباس إلى القاهرة تحت الحوطة في قفص حديد٤، فلما وصل تسلم رسولهم ما شرطوا لهم من المال، فأخذوا نصراً المذكور وضربوه بالسياط ومثلوا به ، وصلبوه بعد ذلك على باب زَويلة ، ثم أنزلوه يوم عاشوراء من سنة إحدى وخمسين وخمسمائة ثم أحرقوه ، هذه خلاصة الواقعة وإن كان فيها طول . وكان دخول نصر بن عباس إلى القصر بالقاهرة في السابع والعشرين من شهر ربيع الأول من سنة خمسين وخمسمائة ، وأُخرج من القصر يوم الاثنين سادس عشر شهر ربيع الآخر من السنة ، وكان قد قطعت يده اليمنى وقرض جسمه بالمقاريض ، والله أعلم ، وقيل كان ذلك يوم الجمعة ثامن الشهر المذكور . ولم تطل مدة الفائز في ولايته ، وكانت ولادته يوم الجمعة لتسع بقين من المحرم سنة أربع وأربعين وخمسمائة وتولى في تاريخ وفاة والده - وهو مذ كور في ١ س : خادماً صغيراً كان . ٢ ن : البلاط الذي كان . ٣ ن : وأرسلت . ٤ س : قفص من حديد . ٤٩٣ ترجمته في حرف الهمزة١، واسمه إسماعيل - وتوفي ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى، وتولى بعده العاضد - وقد سبق ذكره٢ - وهو آخرهم . ٥١٥ الملك المعظم ابن العادل الملك المعظم شرف الدين عيسى ، ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب صاحب دمشق ؛ كان عالي الهمة حازماً شجاعاً مهيباً فاضلاً جامعاً شمل أرباب الفضائل محباً لهم ، وكان حنفي المذهب متعصباً لمذهبه وله فيه مشاركة حسنة ، ولم يكن في بني أيوب حنفي سواه ، وتبعه أولاده ، وكان قد حج إلى بيت الله الحرام في سنة إحدى عشرة وستمائة ، سار من الكرك على الهجُن في حادي عشر ذي القعدة في جماعة من خواصه ، وسلك طريق العلا وتبوك ، وفي هذه السنة أخذ المعظم صَرْخَدَ من ابن قراجا وأعطاها مملوكه عز الدين أيبك المعروف بصاحب صَرْخَدَ ، ولم يزل بها إلى أن أخذها منه الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل في سنة أربع وأربعين وستمائة ، وحمله إلى القاهرة واعتقله بدار الطواشي صواب . وكان المعظم يحب الأدب كثيراً ومدحه جماعة من الشعراء المجيدين فأحسنوا في مدحه ، وكانت له رغبة في فن الأدب ، وسمعت أشعاراً منسوبة إليه ولم ١ المجلد الأول : ٢٣٧. ٢ انظر ما تقدم ص : ١٠٩. ٥١٥ - ترجمته وأخباره في مفرج الكروب (الجزء: ٣) وذيل الروضتين: ١٥٢ وابن الاثير ١٢: ٤٧١ والجواهر المضية ١: ٤٠٢ والسلوك ١/١: ٢٢٤ والبداية والنهاية ١٣: ١٢١ والنجوم الزاهرة ٦: ٢٦٧ وعبر الذهبي ٥: ١٠٠ والشذرات ٥: ١١٥ والزركشي، الورقة: ٢٣٥. ٤٩٤ أستثبتها فلم أثبت شيئاً منها. وقيل إنه كان قد شرط لكل من يحفظ ((المفصل)) للزمخشري مائة دينار وخلعة ، فحفظه لهذا السبب جماعة ، ورأيت بعضهم بدمشق ، والناس يقولون : إن سبب حفظهم له كان هذا ، وقيل إنه لما توفي كان قد انتهى بعضهم إلى أواخره وبعضهم في أثنائه وهم على قدر أوقات شروعهم فيه ، ولم أسمع بمثل هذه المنقبة لغيره . وكانت مملكته متسعة من حدود بلد حمص إلى العريش يدخل في ذلك بلاد الساحل الإسلامية منها وبلاد الغور وفلسطين والقدس والكرك والشوبك وصَرْخَد وغير ذلك . وكانت ولادته في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة ، وذكر أبو المظفر يوسف سبط ابن الجوزي في تاريخه ((مرآة الزمان))١ أن المعظم ولد في سنة ست وسبعين وخمسمائة بالقاهرة ، وولد أخوه الأشرف موسى قبله بليلة واحدة . وتوفي المعظم يوم الجمعة مستهل ذي الحجة سنة أربع وعشرين وستمائة ، والله أعلم بالصواب . وقال غيره : بل توفي يوم الجمعة ثامن ساعة من نهار سلخ ذي القعدة سنة أربع وعشرين وستمائة بدمشق ، ودفن بقلعتها ثم نقل إلى جبل الصالحية ، ودفن في مدرسة هناك بها قبور جماعة من إخوته وأهل بيته تعرف بالمعظمية ، وكان نقله ليلة الثلاثاء مستهل المحرم سنة سبع وعشرين . وكان كثيراً ما ينشد : ومورِّدِ الوجَناتِ أغيدَ خالُهُ بالحسن من فرطِ الملاحةِ عَمّهُ كَحَلٌفقلتُ سقى الحُسام وسَمّهُ كحل الجفون وكان في ألحاظِهِ وهذا ينظر إلى قول عبد الجبار بن حمديس الصقلي - المقدم ذكره٢ : زادت على كحل الجفون تكَحُلا ويُسَمُّ نصل السيف وهو قتولُ رحمه الله تعالى ، فلقد كان من النجباء الأذكياء ؛ أخبرني جماعة عن شرف ٠ ١ انظر مرآة الزمان : ٦٤٤ . ٢ المجلد الثالث : ٢١٤. ٤٩٥ ـي الدين بن عنين بأمور كانت تجري بينهما تدل على حسن الإدراك وإصابة المقصد ، منها : أنه كان ابن عنين قد مرض فكتب إليه١ : يولي الندى وتَلافَ قبل تَلافي انظر إليَّ بعين مولى لم يزل فاغنم ثوابي والثناءَ الوافي أنا كالذي أحتاج ما تحتاجه فجاء بنفسه إليه يعوده ومعه صرة فيها ثلثمائة دينار ، فقال : هذه الصلة وأنا العائد ، وهذه لو وقعت لأكابر النحاة ومن هو في ممارسته طول عمره لاستعظم منه ، لا سيما مثل هذا الملك ، وأشياء كثيرة غير هذه يطول شرحها وكان المقصود ذكر أنموذج منها ليستدل بها على الباقي . (141) وتولى موضعه: ولده الملك الناصر صلاح الدين داود، وتوفي في السابع والعشرين من جمادى الأولى سنة ست وخمسين وستمائة ، في قرية يقال لها البويضاء على باب دمشق ، ودفن عند والده . وكانت ولادته يوم السبت، سابع عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وسمائة بدمشق . (142) وتوفي عز الدين أيبك صاحب صَرْخَدَ المذكور في أوائل جمادى الأولى من سنة ست وأربعين وستمائة في موضع اعتقاله بالقاهرة . ودفن خارج باب النصر في تربة شمس الدولة، وحضرتُ الصلاة عليه ودفنه. ثم نقل إلى تربته في مدرسته التي أنشأها ظاهر دمشق على الشرف الأعلى مطلة على الميدان الأخضر الكبير . ١ ديوان ابن عنين: ٩٢. ٤٩٦ ٥١٦ الفقيه عيسى الهكاري الفقيه أبو محمد عيسى بن محمد بن عيسى بن محمد بن أحمد بن يوسف بن القاسم ابن عيسى بن محمد بن القاسم بن محمد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، هكذا أملى عليّ نسبه ولد ولد أخيه ، ويقال له الهكاري ، الملقب ضياء الدين . كان أحد الأمراء بالدولة الصلاحية، كبير القدر وافر الحزمة معولاً عليه في الآراء والمشورات١ . وكان في مبدأ أمره يشتغل في الفقه بالمدرسة الزجاجية بمدينة حلب ، فاتصل بالأمير أسد الدين شيركوه ، عم السلطان صلاح الدين - المقدم ذكره٢ - وصار إمامه يصلي به الفرائض الخمس . ولما توجه أسد الدين إلى الديار المصرية ، وتولى الوزارة - كما سبق شرحه - كان في صحبته . ولما توفي أسد الدين اتفق الفقيه عيسى المذكور والطواشي بهاء الدين قراقوش - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - على ترتيب السلطان صلاح الدين موضعه في الوزارة ، ودقَّقا الحيلة في ذلك حتى بلغا المقصود ، وشرحُ ذلك يطول ؛ فلما تولى صلاح الدين رأى له ذلك واعتمد عليه ، ولم يكن يخرج عن رأيه ، وكان كثير الإدلال عليه ، يخاطبه بما لا يقدر عليه غيره من الكلام ، وكان واسطة خير للناس نفع يجاهه خلقاً كثيراً . ولم يزل على مكانته وتوفّر حرمته إلى أن توفي في يوم الثلاثاء عند طلوع الشمس ، التاسع من ذي القعدة سنة خمس وثمانين وخمسمائة بالمخيم بمنزلة الخروبة ، ثم نقل إلى القدس ودفن بظاهرها ، رحمه الله تعالى . ٥١٦ - أخباره في صفحات متفرقة من سيرة صلاح الدين وابن الاثير ومرآة الزمان والسلوك ومفرج الكروب ، وانظر النجوم الزاهرة ٦: ١١٠ وقد سقطت هذه الترجمة من م وجاءت بتمامها في المسودة . ١ ر : والمشاورات . ٢ المجلد الثاني : ٤٧٩ . ٣٢ - ٣ ٤٩٧ وكان يلبس زي الأجناد ويعتمّ بعمائم الفقهاء ، فيجمع بين اللباسين . ورأيت أخاه الأمير مجد الدين أبا حفص عمر أيضاً على هذه الصفة . والخروبة : بفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء وضمها وسكون الواو وفتح الباء الموحدة وبعدها هاء ساكنة ، موضع بالقرب من عكا . (143) وكانت ولادة أخيه مجد الدين عمر في رجب سنة ستين وخمسمائة . وتوفي في الثالث والعشرين من ذي الحجة سنة ست وثلاثين وستمائة بالقاهرة ، ودفن بسفح المقطم ، وحضرت الصلاة عليه ، عليه رحمة الله . ٥١٧ فخر الدين صاحب تكريت أبو المنصور عيسى بن مودود بن علي بن عبد الملك بن شُعَيْب ، الملقب فخر الدين صاحب تكريت ؛ هو من أتراك الشام ، وكانت فيه فضائل ، وله ديوان شعر حسن ورسائل مطبوعة ودوبيت رقيق ، فمن شعره قوله : وماذاتُطَوْقٍ في فروع أراكَةٍ لها رنَّةٌ تحت الدجى وصُدُوحُ ترامَت بها أيدي النّوى وتمكّنَت بها فرقة من أهلها ونُزُوح بعُسْفانَ ثاوٍ منهم وطَليح فحلَّت بزوراء العراق وزغبها وتسجَعُ في جُنح الدجى وتنوح تحنُّ إليهم كلما ذرَّ شارقٌ وكادت بمكتوم الغرامِ تَبُوحُ إذا ذكرتهم هيْجَتْ ذا بلابل بأبرحَ من وجدي لذكراكُمُ متى تألّقَ بَرْقٌ أو تنسَّم ريح ومن رسائله على هذا الأسلوب قوله: (( ما شوارد أنعام بسباسب فلوات ، ٥١٧ - راجع أخباره في ابن الاثير ١١: ٤٧٧، ١٢: ٤٢، وهذه الترجمة بكاملها في المسودة. ٤٩٨ لم يسمها أخمص دارج، ولم يَلِجْ فيها جانٌّ من مارج، منحتها أنفاسُ الهجير، لوافحَ زفرات السعير، فارجَحَنَّتْ مِن الأين، وراهقت مداناة الحين، فأتت العُمَق، بعد ثلاثٍ تسقبق ، وقد أدْفَفها اللغوب ، وكادت أن تعلق بها شَعُوب ، فألفَتِ الماء أزرق سلسالا يعثر بصفحاته النسيم ، وتعطفه ذوائب التسليم ، غير أن لا سبيل لها إلى مِقْراته ، ولا وصولَ إِلى موارده ونهلاته : ترنو إليه خوازراً بعيونها إذ حاولت مضض الجُواد عظيما١ بأشد من ظمئي إلى لقياكُمُ من حيث آنس قليَ التسليما فالرغبة والابتهال إلى فارض الفرض ، وربِ السكون والنبض ، أن يحقق الأماني ، ويبدل النائي بالداني ، إنه سميع الدعاء )) . ومن دوبيتيّاته : القبضُ لديك في الهوى والبسطُ يا مَنْ أَمَلى عذاره المختطُ قالوا رشا فقلت مَهْ لا تُخطوا من أين لساكنِ الفيافي قُرْطُ ١ وله في النظم والنثر شيء كثير ولطيف . ومولده بمدينة حماةً، وقتله إخوته سنة أربع وثمانين وخمسمائة بقلعة تكريت، رحمه الله تعالى . وكان له أخ اسمه الياس، وهو الذي سلم تكريت إلى الإمام الناصر في شوال سنة خمس وثمانين وخمسمائة - وسيأتي في ترجمة مظفر الدين كوكبوري صاحب إِرْبلَ أن تكريت كانت لأبيه زين الدين - وكان له غلام من أهل حمص اسمه ((تبر)) ويقال ((طبر)) أيضاً - بالتاء والطاءِ - فولاه قلعة العمادية وكانت أيضاً له ، ثم نقله إلى قلعة تكريت ، فلما كبر زين الدين وعزم على الانتقال إلى إِرْبلَ كما شرحته في ترجمة ولده مظفر الدين سلم البلاد التي كانت له إلى قطب الدين ، فعصى تبر في تكريت وسيّرَ إلى قطب الدين مودود صاحب الموصل يقول له : أنت ما تقيم بتكريت ، ولا بدَّ لك فيها من ١ الجواد : العطش أو شدته . ..... ٤٩٩ نائب، وأنا ذلك النائب ، فلم يقدر على مشاقّته خوفاً أن يسلمها إلى الخليفة ، فسكت عنه وأقره على حاله . ولما امتنع تبر من التسليم كان زين الدين يقول: سَوَّدَ الله وجهك يا تبر كما سودت وجهي مع قطب الدين ، ولم يزل تبر بها إلى أن مات ، ولم يكن له ولد سوى بنت ، فتزوجها ابن أخيه ، وهو عيسى بن مودود صاحب هذه الترجمة وملك تكريت . ثم إنه أحب مطربة فتزوجها وأولدها ولدين : شمس الدين وفخر الدين ، وتوصلت المطربة وزوجت ابنها الشمس بابنة حسن بن قفجاق أمير التركمان ، وطلبت منه خمسين فارساً تكون عندهم في تكريت لتحفظها . فلما علم إخوته بذلك ، وكانوا اثني عشر رجلاً ، وثبوا على أخيهم عيسى المذكور فقتلوه خنقاً وملكوا تكريت . ثم وقع بينهم الاختلاف ، فباعها المقدم منهم للإمام الناصر لدين الله، والله أعلم . وتكريت : بكسر التاء المثناة من فوقها وسكون الكاف وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها، وهي بلدة كبيرة لها قلعة حصينة على دجلة فوق بغداد بنحو ثلاثين فرسخاً ، وهي في بر الموصل ، وسميت تكريت بتكريت بنت وائل أخت بكر بن وائل ، وبنى قلعتها سابور بن أرْدَشير بن بابك ، وهو ثاني ملوك الفرس . ٥٠٠