Indexed OCR Text

Pages 461-480

قلت : هذا عبدُ الله بن عمر هو الذي حفر نهر البصرة المعروف بنهر ابن
عمر المشهور في مكانه ، وهو عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي
الحكمي ، حبسه مروان بن محمد المنبوز بالحمار، آخر ملوك بني أمية ، مع إبراهيم
ابن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ، المعروف بالإمام ، بجران ، وقتلهما في
سنة نيف وثلاثين ومائة]١.
ودخل عمرو يوماً على أبي جعفر المنصور في خلافته ، وكان صاحبه وصديقه
قبل الخلافة وله معه مجالس وأخبار ، فقرّبه وأجلسه ، ثم قالَ له : عظني ،
فوعظه بمواعظ٢، منها : إن هذا الأمر الذي أصبح في يدك لو بقي في يد غيرك
ممن كان قبلك لم يصل إليك ، فأحذرك ليلة تمخض بيوم لا ليلة بعده . فلما أراد
النهوض ، قال: قد أمرنا لك بعشرة آلاف درهم، قال: لا حاجة لي فيها ،
قال: والله تأخذها، قال: والله لا آخذها. وكان المهدي ولد المنصور حاضراً،
فقال : يحلف أمير المؤمنين وتحلف أنت ؟ فالتفت عمرو الى المنصور وقال :
مَنْ هذا الفتى ؟ قال : هذا المهدي ولدي وولي عهدي ، فقال : أما لقد
ألبسته لباساً ما هو من لباس الأبرار ، وسميته باسم ما استحقه، ومهدت له
أمراً أمتع ما يكون به أشغل ما يكون عنه. ثم التفت عمرو إلى المهدي وقال:
نعم يا ابن أخي، إذا حلف أبوك أحنثه عمك، لأن أباك أقوى على الكَفّارات
من عمك ، فقال له المنصور : هل من حاجة ؟ قال : لا تبعث إلي حتى آتيك ،
قال: إذاً لا تلقني، قال: هي حاجقي، ومضى، فأتبعه المنصور طرفه ٣، وقال:
:
كلكم يمشي رُوَيَدْ كلكم يطلب صید
غير عمرو بن عبيد
[ولما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي
الله تعالى عنهم ، على أبي جعفر المنصور وقدم البصرة ثم خرج منها ، وبلغ
١ ما بين معقفين لم يرد الا في ر .
٢ ن : بموعظة ؛ وحذف نص الموعظة .
٣ ن : بصره .
٤٦١

المنصور خبره ، أقبل مسرعاً في سنة اثنتين وأربعين ومائة ، وبها عمرو بن
عبيد ، فقال له أصحابه : نخرج للقائه ، فأبى ، فعاودوه وغلبوه على رأيه حتى
خرج إليه ، فقال له : يا أبا عثمان ، هل بالبصرة أحد نخافه على أمرنا ؟ قال :
لا ، قال: أفأقتصر على قولك وأنصرف؟ قال: نعم، فانصرف ولم يدخلها]١.
ولعمرو المذكور رسائل وخطب ، وكتاب التفسير عن الحسن البصري ،
وكتاب (( الرد على القدرية))، وكلام كثير في العدل والتوحيد ، وغير ذلك .
ولما حضرته الوفاة قال لصاحبه : نزل بي الموت ولم أتأهَّبْ له ، ثم قال :
اللهم إنك تعلم أنه لم يَسْنَحْ لي أمران في أحدهما رضًّى لك وفي الآخر هَوّى لي
إلا اخترت رضاك على هواي ، فاغفر لي .
وكانت ولادته في سنة ثمانين للهجرة . وتوفي سنة أربع وأربعين ومائة ،
وقيل اثنتين ، وقيل ثلاث ، وقيل ثمان ، وهو راجع من مكة بموضع يقال له
مَرّان ؛ ورثاه المنصور بقوله :
قبراً مررتُ به على مَرّانِ
صلى الإلهُ عليك من متوسّدٍ
صدق الإله ودان بالعرفان
قبراً تضمَّنَ مؤمناً متحنّقاً
لو أن هذا الدهر أبقى صالحاً أبقى لنا عمراً أبا عثمان
ولم يسمع بخليفة رئی مَنْ دونه سواه ، رضي الله عنه .
ومَرّانُ: بفتح الميم وتشديد الراء وبعد الألف نون ، موضع بين مكة
والبصرة على ليلتين من مكة ، وبه دفن أيضاً تميم بن مر الذي تنسب إليه بنو
تميم القبيلة الكبيرة المشهورة .
واسم جده باب : بباءين موحدتين بينهما ألف ، وإنما قيدته لأنه يتصحف بناب.
١ ما بين معقفين انفردت به ر .
٤٦٢

٥٠٤
سيبويه
أبو بشر عمرو بن عثمان بن قَنبَر ، الملقب سيبويه ، مولى بني الحارث بن
كعب ، وقيل آل الربيع بن زياد الحارثي؛ كان أعلم المتقدمين والمتأخرين بالنحو،
ولم يوضع فيه مثلُ كتابه ، وذكره الجاحظ يوماً فقال : لم يكتب الناس في
النحو كتاباً مثله، وجميع كتب الناس عليه عيال . وقال الجاحظ : أردت
الخروج إلى محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم ففكرت في شيء أهديه له ،
فلم أجد شيئاً أشرفَ من كتاب سيبويه ، فلما وصلت إليه قلت له : لم أجد
شيئاً أهديه لك مثل هذا الكتاب ، وقد اشتريته من ميراث الفراء ، فقال :
والله ما أهديتَ لي شيئاً أحب إلي منه . ورأيت في بعض التواريخ أن الجاحظ
لما وصل إلى ابن الزيات بكتاب سيبويه أعلمه به قبل إحضاره ، فقال له ابن
الزيات : أوَ ظننت أن خزانتنا خالية من هذا الكتاب ؟ فقال الجاحظ : ما
ظننت ذلك ، ولكنها بخط الفراء ومقابلة الكسائي وتهذيب عمرو بن بحر
الجاحظ ، يعني نفسه ، فقال ابن الزيات : هذه أجلُّ نسخة توجد وأعزها ،
فأحضرها إليه ، فسُرَّ بها ووقعت منه أجمل موقع١.
وأخذ سيبويه النحو عن الخليل بن أحمد - المقدم ذكره٢ - وعن عيسى ابن
عُمَر ويونس بن حَبيب وغيرهم ، وأخذ اللغة عن أبي الخطاب المعروف بالأخفش
الأكبر وغيره .
وقال ابن النطاح: كنت عند الخليل بن أحمد فأقبل سيبويه ، فقال الخليل:
٥٠٤ - انظر ترجمته في نور القبس: ٩٥ وانباه الرواة ٢: ٣٤٦ وفي الحاشية ثبت بمصادر
أخرى؛ وعبر الذهبي ١ : ٢٧٨.
١ ل لي س : وقوع؛ ر: أجلّ موقع.
٢ المجلد الثاني : ٢٤٤ .
٤٦٣

مرحباً بزائر لا يُمَلُّ، قال أبو عمر المخزومي١ وكان كثير المجالسة للخليل :
ما سمعت الخليل يقولها لأحد إلا لسيبويه .
وكان قد ورد إلى بغداد من البصرة والكسائي يومئذ يعلم الأمين بن هارون
الرشيد ، فجمع بينهما وتناظرا وجرى مجلس يطول شرحه ؛ وزعم الكسائي
أن العرب تقول : كنت أظن أن الزنبور أشدُّ لسعاً من النحلة فإذا هو إياها ،
فقال سيبويه : ليس المثل كذا ، بل فإذا هو هي ، وتشاجرا طويلاً ، واتفقا
على مراجعة عربي خالص لا يشوب كلامه شيء من كلام أهل الحضر ، وكان
الأمين شديد العناية بالكسائي لكونه معلمه ، فاستدعى عربياً وسأله فقال كما قال
سيبويه ، فقال له: نريد أن تقول كما قال الكسائي، فقال: إن لساني لا يطاوعني
على ذلك فإنه ما يسبق إلا إلى الصواب ، فقرروا معه أن شخصاً يقول : قال
سيبويه كذا وقال الكسائي كذا ، فالصواب مع من منهما ؟ فيقول العربي : مع
الكسائي ، فقال هذا يمكن ، ثم عقد لهما المجلس واجتمع أئمة هذا الشأن وحضر
العربي ، وقيل له ذلك فقال : الصواب مع الكسائي ، وهو كلام العرب ، فعلم
سيبويه أنهم تحاملوا عليه وتعصبوا الكسائي، فخرج من بغداد وقد حمل في نفسه
لما جرى عليه، وقصد بلاد فارس فتوفي بقرية من قرى شيراز يقال لها البيضاء
في سنة ثمانين ومائة ، وقيل سنة سبع وسبعين ، وعمره نيف وأربعون سنة ،
وقال ابن قانع : بل توفي بالبصرة في سنة إحدى وستين ومائة ، وقيل سنة ثمان
وثمانين ، وقال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي : توفي سنة أربع وتسعين ومائة ،
وعمره اثنتان وثلاثون سنة، وإنه توفي بمدينة ساوة، وذكر الخطيب في ((تاريخ
بغداد ))٢ عن ابن دريد أنه قال: مات سيبويه بشيراز، وقبره بها، والله أعلم.
وقيل إن ولادته كانت بالبيضاء المذكورة ، لا وفاته . قال أبو سعيد الطّوال :
رأيت على قبر سيبويه هذه الأبيات مكتوبة ، وهي لسليمان بن يزيد العدوي :
ذهب الأحبّةُ بعد طول تزاور ونأى المزارُ فأسلموك وأقشعوا
١ المخزومي في أصل ن، وضبب عليها وكتب «الجرمي)».
٢ تاريخ بغداد ١٢ : ١٩٥ .
٤٦٤

تركوك أوْحَشَ ما تكون بقَفْرة لم يؤنسوك ، وكربَةٌ لم يدفعوا ؟
قضيَ القضاء وصِرتَ صاحب حفرة عنك الأحبّةُ أعرضوا وتصدَّعوا
وقال معاوية بن بكر العُلَيمي ، وقد ذكر عنده سيبويه : رأيته وكان
حديث السن ، وكنت أسمع في ذلك العصر أنه أثبتُ مَنْ حمل عن الخليل بن
أحمد، وقد سمعته يتكلم ويناظر في النحو ، وكانت في لسانه حُدْسة ، ونظرت
في كتابه فقامه أبلغ من لسانه .
وقال أبو زيد الأنصاري : كان سيبويه غلاماً يأتي مجلسي وله ذؤابتان ،
فإذا سمعته يقول : حدثني من أثق بعربيته ، فإنما يعنيني .
وكان سيبويه كثيراً ما ينشد :
إذا بَلّ من داءٍ به ظن أنه نجا ، وبه الداءُ الذي هو قاتله
وسيبويه : بكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الباء
الموحدة والواو وسكون الياء الثانية وبعدها هاء ساكنة ، ولا يقال بالتاء البتة ،
وهو١ لقب فارسي معناه بالعربية رائحة التفاح؛ هكذا يضبط أهل العربية٢ هذا
الاسم ونظائره مثل نفطويه وعمرويه وغيرهما، والعجم يقولون ((سِيبُويَه))
بضم الباء الموحدة وسكون الواو وفتح الياء المثناة بعدها ، لأنهم يكرهون أن
يقع في آخر الكلمة ((وَيْه)) لأنها الندبة . وقال إبراهيم الحربي : سمي سيبويه
لأن وجنتيه كانتا كأنهما تفاحتان٣ ، وكان في غاية الجمال ، رحمه الله تعالى .
....
١ المسودة : وهي .
٢ أهل العربية: غير ظاهرة في مصورة المسودة .
٣ لي ن ل س : تفاحة .
٣٠ - ٣
٤٦٥

٥٠٥
أبو عمرو بن العلاء
أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان بن عبد الله بن الحصين التميمي
المازني البصري . ورأيت بخطي في مُسَوَّداتي: هو أبو عمرو بن العلاء بن عمار
ابن عبد الله بن الحصين بن الحارث بن جلهم بن خزاعي بن مازن بن مالك بن
عمرو بن تميم ، ويقال : جلهم بن حجر بن خزاعي ، واسمه العريان ؛ أحد
القراء السبعة ، كان أعلم الناس بالقرآن الكريم والعربية والشعر، وهو في النحو
في الطبقة الرابعة من علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه . قال الأصمعي : قال
أبو عمرو بن العلاء : لقد علمت من النحو ما لم يعلمه الأعمش وما لو كتب لما
استطاع أن يحمله . وقال أيضاً : سألت أبا عمرو عن ألف مسألة ، فأجابني
فيها بألف حجة .
وكان أبو عمرو رأساً في حياة الحسن البصري مقدماً في عصره . وقال أبو
عبيدة : كان أبو عمرو أعلم الناس بالأدب والعربية والقرآن والشعر .
وكانت كتبه التي كتب عن العرب الفصحاء قد ملأتْ بيتاً له إلى قريب من
السقف ، ثم إنه تقَرَّأ - أي تنسك - فأخرجها كلها ، فلما رجع إلى علمه
الأول لم يكن عنده إلا ما حفظه بقلبه ، وكانت عامة أخباره عن أعرابٍ قد
أدركوا الجاهلية . قال الأصمعي : جلست إلى أبي عمرو بن العلاء عشر حجَج ،
فلم أسمعه يحتج ببيت إسلامي ، قال : وفي أبي عمرو بن العلاء يقول الفرزدق :
...
٥٠٥ - ترجمته في طبقات الزبيدي: ٢٨، ١٧٦ والمعارف: ٥٣١، ٥٤٠ وأخبار النحويين
البصريين: ٢٢ ومراتب النحويين: ١٣ ونور القبس: ٢٥ ونزهة الألباء: ١٥ وغاية النهاية
١: ٢٨٨ وعبر الذهبي ١: ٢٢٣ والشذرات ١: ٢٣٧ وبغية الوعاة: ٣٦٧ وقد ترجم له
الكتي أيضاً في الفوات ١ : ٣٣١ مع انه يستدرك على مؤلف الوفيات، وهذه الترجمة بكاملها
في المسودة .
٤٦٦

ما زلْتُ أغلِقُ أبواباً وأفتحها حتى أتيت أبا عمرو بنَ عَمّار
والصحيح أن کنيته اسمه ، وقیل اسمه زبان١ ، وقيل غير ذلك ، وليس
بصحيح ، وهو من خزاعيّ بن مازن، وحكي في نسبه في بعض الروايات أنه
أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن عبد الله بن الحصين بن الحارث بن جلهم بن
خزاعي بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم ، ويقال : جلهم بن حجر بن
خزاعي٢ ، والله أعلم .
وحكى أبو عمرو قال : طلب الحجاج بن يوسف الثقفي أبي ، فخرج منه
هارباً إلى اليمن ، فإنّا لَنَسير بصحراء باليمن إذ لحقنا لاحق ينشد :
رُبَّما تكره النفوس من الامــ ر له فَرْجَةٌ كَحَلِّ العِقال
قال : فقال أبي : ما الخبر ؟ قال : مات الحجاج، قال أبو عمرو : فأنا
بقوله (( له فَرْجَة)) أشدُّ سروراً مني بموت الحجاج، قال، فقال أبي: اصْرِفْ
ركابنا إلى البصرة . قال أبو عبيدة، قلت لأبي عمرو: كم سنك يومئذ ؟ قال :
كنت قد خنقت بضعاً وعشرين سنة .
يقال فَرْجَة بالفتح بين الأمرين وبالضم بين الجبلين .
وذكر في كتاب ((طبقات النحاة))٣ قال: حدّث الأصمعي عن أبي عمرو
ابن العلاء في قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم ((في الجنين غرة ◌ٌ عبدٌ أو
أَمةٌ)) لولا أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أراد بالغرة معنى لقال: ((في
الجنين عبد أو أمة )) ولكنه عَنى البياض ، ولا يُقبَل في الدية إلا غلام أبيض
أو جارية بيضاء ، لا يقبل فيها أسود ولا سوداء ، وهذا غريب ، ولا أعلم هل
يوافق مذهب أحد من الأئمة المجتهدين أم لا ، ولغرابته نقلته . وذكر في هذا
الكتاب أيضاً؛ قال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن قولهم ((أرهبته
١ بالباء الموحدة في المسودة : ر : ريان، وكذلك عند المرزباني .
٢ قد كرر المؤلف هنا ما سبق دون أي تغيير، وكلا النصين ثابت عنده في المسودة .
٣ ورد النص في كتاب الزبيدي : ٣٠ .
٤ لم يرد هذا النص في ترجمة أبي عمرو من كتاب الزبيدي .
٤٦٧

ورهّته)) فقال: ليستا بسواء١، فقلت: رهّبّته فَرّقتُه، وأرهبته أدخلت
الفرق في قلبه ، قال أبو عمرو : ذهب مَنْ يعرف هذا منذ ثلاثين سنة .
وقال ابن مناذر : سألت أبا عمرو بن العلاء : حتى متى يحسن بالمرء أن
يتعلم ؟ قال: ما دامت الحياة تحسن به. وقال أبو عمرو: حدثنا قتادة السدوسي
قال: لمّا كُتِبَ المصحف عرض على عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، فقال :
إن فيه لحناً ولتقيمَنَّه العرب بألسنتها .
وكان أبو عمرو إذا دخل شهر رمضان لم ينشد بيت شعر٢ حتى ينقضي .
وكان له في كل يومٍ فَلْسان يشتري بأحدهما كوزاً جديداً يشرب فيه يومه ثم
يتركه لأهله، ويشتري بالآخر رَيْحاناً فيشمه يومه فإذا أمسى قال لجاريته :
جَفقيه ودقيه في الأسنان .
وروى يونس بن حبيب النحوي قال : سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول :
ما زدت في شعر العرب قط إلا بيتاً واحداً ، وهو :
وأنكَرَتني وما كان الذي نَكِرَتْ من الحوادث إلا الشيب والصَّلَعا
وهذا البيت يوجد في جملة أبيات للأعشى ، وهي أبيات مشهورة . وقال أبو
عبيدة : دخل أبو عمرو بن العلاء على سليمان بن علي ، وهو عم السفاح ، فسأله
عن شيء فصدقه ، فلم يعجبه ما قاله ، فوجد أبو عمرو في نفسه وخرج ،
وهو يقول :
وإِنْ أكرموني وإِن قَرَّبوا
أنِفتُ من الذل عند الملوك
إذا ما صَدَقْتَهمُ خفتهم ويَرْضَوْنَ مني بأن يُكْذَبوا
وحكى علي بن محمد بن سليمان النوفلي قال : سمعت أبي يقول لأبي عمرو
ابن العلاء: خبرني عما وضَعْتَ مما سميته عربيةٌ، يدخل فيه كلام العرب كله ؟
فقال : لا ، فقلت : فكيف تصنع فيما خالفتك فيه العربُ وهو حجة ؟ قال :
١ ل : بالسواء.
٢ ر : بيتاً من الشعر.
١٠
٤٦٨

أعمل على الأكثر ، وأسمي ما خالفني لغات . وأخبار أبي عمرو كثيرة .
وكانت ولادته سنة سبعين ، وقيل ثمان وستين ، وقيل خمس وستين للهجرة
بمكة . وتوفي سنة أربع وخمسين ، وقيل تسع١ وخمسين ، وقيل ست وخمسين
ومائة بالكوفة ، وكان قد خرج إلى الشام يجتدي عبد الوهاب ابن إبراهيم الإمام
والي دمشق ، فلما عاد إلى الكوفة توفي بها ، وقال ابن قتيبة : مات في طريق
الشام ، ونسبوه في ذلك إلى الغلط ، فقد ذكر٢ بعض الرواة أنه رأى قبر أبي
عمرو بالكوفة مكتوباً عليه («هذا قبر أبي عمرو بن العلاء)).
ولما حضرته الوفاة كان يُفْشى عليه ويفيق ، فأفاق من غشية له ، فإذا ابنه
بشر يبكي، فقال : ما يبكيك وقد أتت عليّ أربع وثمانون سنة ؟ رحمه الله تعالى.
ورثاه عبد الله بن المقفع بقوله :
رُزِئنا أبا عمرو ولا حيَّ مثله فلله ريب الحادثات بمن فجع
ذوي خَلَّة ما في انسداد لها طمع
فإِن تكُ قد فارقْتَنا وتر كتنا
أمِنًا على كل الرزايا من الجزع
فقد جَرَّ نفعاً فقدنا لك أننا
وقد قيل : إِنما رُئي بها يحيى بن زياد بن عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان
الحارثي الكوفي الشاعر المشهور ، وهو ابن خال السفاح أول خلفاء بني العباس ،
رضي الله عنه ؛ وقيل بل رئي بها عبد الكريم بن أبي العوجاء ، والأول أشهر،
والله أعلم ؛ وقيل إن هذه الأبيات لمحمد بن عبد الله بن المقفع ، والله أعلم .
وأقول : إن هذه المرئية إن كانت في أبي عمرو المذكور فما يمكن أن تكون
لعبد الله لأنه مات قبل موت أبي عمرو ، وإن كانت لمحمد فيمكن ذلك ،
ولكنها مشهورة في أبي عمرو المذكور .
وإنما أتيت بأبي عمرو في هذا الحرف ، وهذه كنية لا اسم ، للعذر الذي
تقدم في حرف الباء في ترجمة أبي بكر بن عبد الرحمن، فلينظر هناك٣ .
(139) وأما عبد الوهاب المذكور فهو ابن إبراهيم المعروف بالإمام المذكور
٣ انظر المجلد الأول : ٢٨٢.
١ كتب فوقها في المسودة: سبع. ٢ ر : وقد نقل .
٤٦٩

في ترجمة أبيه محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ، رضي الله عنه ، وكان عبد
الوهاب يتولى الشام من جهة عمه المنصور ، وكان المنصور يخافه ، فلما حضرت
المنصور الوفاة وهو بباب مكة عند بئر ميمون كما هو مشهور قال لحاجبه الربيع
ابن يونس المقدم ذكره : ما أخاف إلا صاحب الشام عبد الوهاب بن إبراهيم.
الإمام ، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم اكفني عبد الوهاب ، قال الربيع:
فلما مات المنصور ودليته في القبر وعرضت عليه الحجارة سمعت هاتفاً يهتف من
القبر: مات عبد الوهاب، وأجيبت الدعوة، قال الربيع: فها لني ذلك الصوتُ،
وجيء بالخبر من بعد سادسة أو سابعة بوفاة عبد الوهاب ، هكذا ذكره ابن
بُدرون في شرح قصيدة ابن عَبدون ١ التي أولها :
الدهر يَفجَعُ بعد العين بالأثر
بعد قوله فيها :
ورَوَّعَتْ كل مأمون ومؤتمن وأسلَمَتْ كل منصور ومنتصِر
والله أعلم .
٥٠٦
الجاحظ
أبو عثمان عَمْرو بن بَحْر بن مَحْبوب الكناني الليثي المعروف بالجاحظ ،
١ انظر شرح البسامة ص: ٢٨٢ - ٢٨٣ (ط. مصر).
٥٠٦ - ترجمته في تاريخ بغداد ١٢: ٢١٢ وطبقات المعتزلة: ٦٧ وأمالي المرتضى ١ : ١٩٤
ونزهة الألباء : ١٣٢ وتأويل مختلف الحديث: ٧١ ومعجم الأدباء ١٦ : ٧٤ وإعتاب
الكتاب: ١٥٤ وسرح العيون: ١٣٦ وميزان الاعتدال ٣: ٢٤٧ ولسان الميزان ٣٠٠:٤
وعبر الذهبي ١: ٤٥٦ والشذرات ٢: ١٢١ وبغية الوعاة: ٢٦٥ ولأبي حيان التوحيدي
كتاب في تقريظ الجاحظ لم يصلنا، وعنه ينقل ياقوت. وقد كتبت عن الجاحظ دراسات كثيرة =
٤٧٠

البصري العالم المشهور؛ صاحبُ التصانيف في كل فن، له مقالة في أصول الدين١،
وإليه تنتسب الفرقة المعروفة بالجاحظية من المعتزلة ، وكان تلميذ أبي إسحاق
إبراهيم بن سَيّار البَلْخي المعروف بالنظّام المتكلم المشهور ، وهو خالُ يموت
بن المزرع - الآتي ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى - ومن أحسن تصانيفه
وأمتعها كتاب ((الحيوان)) فلقد جمع كل غريبة، وكذلك كتاب ((البيان
والتبيّن)) وهي كثيرة جدا٢ً. وكان مع فضائله مُشَوْه الخلق، وإنما قيل له
((الجاحظ)) لأن عينيه كانتا جاحظتين، والجحوظ: النتوّ، وكان يقال له
أيضاً ((الحدقي)) لذلك.
ومن جملة أخباره أنه قال : ذُكرت للمتوكل لتأديب بعض ولده، فلما رآني
استبشع منظري فأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني ، فخرجت من عنده
فلقيت محمد بن إبراهيم وهو يريد الانصراف إلى مدينة السلام ، فعَرَضَ عليّ
الخروج معه والانحدار في حَرّاقته وكنا بسُرّ من رأى ، فركبنا في الحراقة ،
فلما انتهينا إلى فم نهر القاطول نصب ستارةً وأمر بالغناء ، فاندفعت عَوَّادة
فغنت :
كلَّ يوم قطيعةٌ وعتاب يَنقَضي دهرنا ونحن غضابُ
ليت شعري أنا خُصِصْتُ بهذا دون ذا الخلق أم كذا٣ الأحبابُ
وسكتت ، فأمر الطنبورية٢ فغنت :
وارحمتا للعاشقينا ما إن أرى لهم معينا
كم يُهْجَرُون ويُصْرَمو ن ويُقطَعون فيَصبِرونا
= في العصر الحديث منها كتب مستقلة لشارل بلا وطه الحاجري وبديعة طه النجم والأب
شلحت وسلوم وجبري هذا عدا ما كتب عنه من فصول ومقالات ؛ قلت : وقد جاءت هذه
الترجمة هنا مطابقة لما في المسودة .
١ ر : في الأصول .
٢ ن : وهو كبير جداً.
٣ ر : دون صحبي أم هكذا .
٤ ل لي : طنبورية .
٤٧١

قال : فقالت لها العوادة : فيصنعون ماذا ؟ قالت : هكذا يصنعون ،
وضربت بيدها إلى الستارة فهتكتها وبرزت كأنها فلقة قمر ، فألقت نفسها في
الماء ، وعلى رأس محمد غُلام يضاهيها في الجمال ، وبيده مِذَبَّة ، فأتى الموضع
ونظر إليها وهي تمر بين الماء ، وأنشد :
أنتِ التِي غَرَّقْتِني بعد القضا لو تعلمينا
وألقى نفسه في أثرها، فأدار الملاح الحراقة ، فإذا بها معتنقان ثم غاصا فلم يريا،
فاستعظم محمد ذلك وهاله أمره ، ثم قال : يا عمرو ، لتحدثنِّي حديثاً يسليني
عن فعل هذين، وإلا الحقتك بها ، قال : فحضرني حديث يزيد بن عبد الملك ،
وقد قعد للمظالم يوماً وعُرضِت عليه القصص، فمرت به قصة فيها: ((إن رأى
أمير المؤمنين أن يُخْرج إليّ جاريته فلانة حتى تغنيني ثلاثة أصوات فعل))،
فاغتاظ يزيد من ذلك ، وأمر مَنْ يخرج إليه ويأتيه برأسه ، ثم أتبع الرسول
برسولٍ آخر يأمره أن يدخل إليه الرجل، فأدخله، فلما وقف بين يديه قال له:
ما الذي حملك على ما صنعت ؟ قال : الثقة بحلمك والاتكال على عفوك ، فأمره
بالجلوس حتى لم يبق أحد من بني أمية إلا خرج ، ثم أمر فأخرجت الجارية
ومعها عودها ، فقال لها الفتى غني :
أفاطِمَ مَهْلاً بَعْضَ هذا التدلل وإن كنت قد أزْمَعْتٍ صرمي فأجملي
فغنته ، فقال له يزيد : قل ، فقال : غني :
تألق البرق نجديّاً فقلت له يا أيها البرق إني عنك مشغولُ
فغنته ، فقال له يزيد : قل ، قال : تأمر لي برطل شراب ، فأمر له ،
فما استتم شربه حتى وثب وصعد على أعلى قبة ليزيد ، فرمى نفسه على
دماغه فمات ، فقال يزيد: إنّا لله وإنا إليه راجعون، أتراه الأحمق الجاهل
ظن أني أُخرج إليه جاريتي وأردها إلى ملكي ، يا غلمان خذوا بيدها واحملوها
إلى أهله إن كان له أهل ، وإلا فبيعوها وتصدقوا بثمنها عنه . فانطلقوا بها إلى
أهله، فلما توسطت الدار نظرت إلى حُفَيرة في وسط دار يزيد قد أعدت للمطر
٤٧٢
:

فجذبت نفسها من أيديهم ، وأنشدت :
من مات عِشِقاً فليمُتْ هكذا لا خير في عشق بلا موت
وألقت نفسها في الحفيرة على دماغها فماتت١. فسُرِّي عن محمد وأجْزَلَ صلتي.
وقال أبو القاسم السيرافي : حضرنا مجلس الأستاذ أبي الفضل ابن العميد الوزير
- الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - فجرى ذكر الجاحظ ، فغَضَّ منه بعضُ
الحاضرين وأزرى به، وسكت الوزير عنه ، فلما خرج الرجل قلت له : سكتّ
أيها الأستاذ عن هذا الرجل في قوله مع عادتك في الرد على أمثاله ، فقال : لم
أجد في مقابلته أبلغ من تركه على جهله ، ولو وافقته وبينت له لنظر في كتبه
وصار بذلك إنساناً ، يا أبا القاسم ، فكتُبُ الجاحظ تعلم العقل أولاً والأدب
ثانياً، ولم أستصلحه لذلك.
وكان الجاحظ في أواخر عمره قد أصابه الفالج ، فكان يَطلي نصفه الأيمن
بالصندل والكافور لشدة حرارته ، والنصف الأيسر لو قُرض بالمقاريض لما
أحس به من خدره وشدة برده. وكان يقول في مرضه : اصطلحت على جسدي
الأضداد ، إن أكلت بارداً أخذ برجلي ، وإن أكلت حاراً أخذ برأسي . وكان
يقول : أنا من جانب الأيسر مفلوج فلو قرض بالمقاريض ما علمت به ، ومن
جانبي الأيمن مُنَقَرَسٌ فلو مر به الذباب٢ لألمت، وبي حصاة لا ينسرح لي البول
معها ، وأشد ما عليّ ست وتسعون سنة ، وكان ينشد :
أترجو أن تكون وأنتَ شَيخٌ كما قد كنت أيام الشباب
لقد كذبتك نفسُك ليس ثَوْبٌ دَريسٌ كالجديد من الثياب
وحكى بعض البرامكة قال : كنت تقلدت السند، فأقمت بها ما شاء الله ،
ثم اتصل بي أني صُرِفِت عنها، وكنت كسبت بها ثلاثين ألف دينار ،
فخشيت أن يفجأني الصارف فيسمع بمكان المال فيطمع فيه ، فصفته عشرة آلاف
إهليلجة في كل إمليلجة ثلاثة مثاقيل ؛ ولم يمكث الصارف أن أتى ، فركبت
١ انظر كتاب ذم الهوى : ٣٥٦.
٢ ر : مرت به الذبابة .
٤٧٣

البحر وانحدرت إلى البصرة ، فخبّرْت أن الجاحظ بها وأنه عليل بالفالج ،
فأحببت أن أراه قبل وفاته ، فسرت إليه ، فأفضيت إلى باب دار لطيف ،
فقرعته١ فخرجت إلى خادم صفراء فقالت : من أنت ؟ قلت : رجل غريب
وأُحب أن أُسر بالنظر إلى الشيخ ، فبلغته الخادم ما قلته ، فسمعته يقول :
قولي له وما تصنع بشق مائل ولعاب سائل ولون حائل، فقلت للجارية : لا بد
من الوصول إليه ، فلما بلغته قال : هذا رجل قد اجتاز بالبصرة وسمع بعلّ
فقال : أراه قبل موته لأقول : قد رأيت الجاحظ ، ثم أذن لي فدخلت فسلمت
عليه وردّ ردّاً جميلاً، وقال: مَنْ تكون أعزّك الله ؟ فانتسبت له ، فقال :
رحم الله أسلافك وآباءك السمحاء الأجواد ، فلقد كانت أيامهم رياض
الأزمنة، ولقد انجبر بهم خلق كثير فسَقياً لهم ورَعْياً، فدعوت له وقلت :
أنا أسألك أن تنشدني شيئاً من الشعر ، فأنشدني :
مشيتُ على رِسْلِي فكنتُ المقدَّما
لئن قُدِّمَتْ قبلي رجالٌ فطالما
ولكنَّ هذا الدهْرَ تأتي صُروفُهُ فَتُبْرُمُ منقوضاً وتَنقُضُ مُبْرَما
ثم نهضت ، فلما قاربت الدهليز قال: يا فق أرأيت مفلوجاً ينفعه الإهليلج ؟
قلت : لا، قال : فإن الإهليلج الذي معك ينفعني فابعث لي منه، فقلت : نعم،
وخرجت متعجباً من وقوعه على خبري مع كتماني له ، وبعثت له مائة إِهليلجة.
وقال أبو الحسن البرمكي : أنشدني الجاحظ :
وكان لنا أصْدِقَاء مَضَوْا تَفانَوْا جميعاً فما خُلِدُوا
تَسَاقَوْا جميعاً كؤوسَ المنونِ فمات الصديقُ ومات العدو
وكانت وفاة الجاحظ في المحرم سنة خمس وخمسين ومائتين بالبصرة ، وقد
نَيَّفَ على تسعين سنة ، رحمه الله تعالى .
وبَحْر : بفتح الباء الموحدة وسكون الحاء المهملة وبعدها راء .
١ ر : لطيفة فقرعت .
٤٧٤

ومَحْبُوب : بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وضم الباء الموحدة وسكون
الواو وبعدها باء موحدة .
والجاحظ : بفتح الجيم وبعد الألف حاء مهملة مكسورة وبعدها ظاء معجمة.
والكناني : بكسر الكاف وفتح النون وبعد الألف نون ثانية .
والليثي : بفتح اللام وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ثاء مثلثة، هذه
النسبة إلى لَيثِ بن بكر بن عبد مَناةَ بن كنانة بن خُزيمة .
٥٠٧
عمرو بن مسعدة
عمرو بن مَسْعَدة بن سعيد بن صُول الكاتب ، وكنيته أبو الفضل ؛ أحد
وزراء المأمون؛ ذكر الخطيب في ((تاريخ بغداد )) أنه ابن عم إبراهيم بن العباس
الصولي الشاعر - وقد تقدم ذكره١ - وكان كاتباً بليغاً جَزْلَ العبارة وجيزها
سديد المقاصد والمعاني . ولما كان الفضلُ بن سهل أخو الحسن بن سهل وزير
المأمون لم يكن لأحد معه كلام ، لاستيلائه على المأمون ، فلما قتل سلّم عليه
الوزراء بعد ذلك، وهم: أحمد بن أبي خالد الأحول وعمرو بن مَسْعَدة المذكور
وأبو عَبّاد .
وكان المأمون قد أمره أن يكتب لشخص كتاباً إلى بعض العمال بالوصية
عليه والاعتناء بأمره، فكتب له ((كتابي إليك كتابُ واثقٍ بمن كتبتُ إليه ،
مَعْنيّ بمن كتبتُ له، ولن يضيع بين الثقة والعناية موصلُهُ، والسلام)).
٥٠٧ - ترجمته في تاريخ بغداد ١٢: ٢٠٣ ومعجم المرزباني: ٣٣ ومعجم الأدباء ١٦ : ١٢٧
وانظر الجهشياري: ٢١٦ ونصوص ضائعة: ٤٨ وصفحات متفرقة من كتاب ((بغداد)» لابن
أبي طاهر، وإعتاب الكتاب: ١١٦؛ وجاءت الترجمة مستوفاة في المسودة .
١ المجلد الأول : ٤٤.
٤٧٥

وقيل إن هذا من كلام الحسن بن وهب، والأول أصح وأشهر . وقال عمرو بن
مسعدة المذكور : كنت أوقع بين يدي جعفر بن يحيى البرمكي فرفع إليه غلمانه
ورقة يستزيدونه في رواتبهم ، فرمى بها إلي ، وقال : أجب عنها ، فكتبت
((قليل دائم خير من كثير منقطع)) فضرب بيده على ظهري ، وقال : أيُّ
وزير في جلدك ؟
وله كل معنى بديع . وتوفي في سنة سبع عشرة ومائتين بموضع يقال له
أَذَنَةَ، وذكر الجهشياري في كتاب ((الوزراء)) أنه توفي في شهر ربيع الآخر
سنة خمس عشرة ومائتين ، والله أعلم . ولما مات رفعت إلى المأمون رقعة أنه
خلف ثمانين ألف ألف درهم ، فوقع في ظهرها «هذا قليل لمن اتصل بنا وطالت
خدمته لنا ، فبارك الله لولده فيما خلف ، وأحسن لهم النظر فيما ترك )).
وذكر المسعودي في كتاب ((مروج الذهب))١ أنه لما مات عرض لماله ولم
يعرض لمال وزير غيره ، رحمه الله تعالى .
ومَسْعَدة : بفتح الميم وسكون السين المهملة وفتح العين والدال المهملتين .
وأذنة : بفتح الهمزة والذال المعجمة والنون ، وهي بُليدة بساحل الشام
عند طرسوس ، بني حصنها سنة أربع وأربعين ومائة .
وبعد انتهائي إلى هذا الموضع ظفرت له برسالة بديعة كتبها إلى بعض الرؤساء
وقد تزوجت أمه فساءه ذلك ، فلما قرأها ذلك الرئيس تسلَّى بها وذهب عنه
ما كان يجده، فآثرت الإتيان بها لحسنها، وهي ((الحمد لله الذي كشف عناستر
الحيرة ، وهدانا لستر العورة ، وجدع بما شرع من الحلال أنفَ الغيرة ، ومنع
من عَضْلِ الأمهات ، كما منع من وأد البنات ، استنزالاً للنفوس الأبيّة ، عن
الحمية حمية الجاهلية ، ثم عَرَّض لجزيل الأجر من استسلم لواقع قضائه ، وعوّض
جليل الذخر من صبر على نازل بلائه ، وهناك الذي شرح التقوى صدرك، ووسع
في البلوى صبرك ، وألهمك من التسليم لمشيئته ، والرضا بقضيته ، ما وفقك له
من قضاء الواجب في أحد أبويك ، ومن عظم حقه عليك ، وجعل تعالى جدُّه
ما تجرعته من أنَف ، وكظمته من أسف ، معدوداً فيما يعظم به أجرك ،
١ مروج الذهب ٤ : ٥ .
٤٧٦

ويَجزُلُ عليه ذخرك، وقرن بالحاضر من امتعاضك بفعلها، المنتظَرَ من
ارتماضك بدفنها ، فتستوفى بها المصيبة ، وتستكمل عنها المثوبة ، فوصل الله
لسيدي ما استشعره من الصبر على عُرسها ، ما يستكسبه من الصبر على نفسها،
وعوضه من أسِرَّة فرشها ، أعوادَ نعشها ، وجعل تعالى جده ما ينعم به عليه
بعدها من نعمة ، مُعَرَّى من نقمة ، وما يوليه بعد قبضها من منحة ، مبرأ من
محنة ، فأحكام الله تعالى جده وتقدست أسماؤه جارية على غير مراد المخلوقين ،
لكنه تعالى يختار لعباده المؤمنين ، ما هو خير لهم في العاجلة ، وأبقى لهم في
الآجلة ، اختار الله لك في قبضها إليه ، وقدومها عليه، ما هو أنفع لها، وأولى
بها ، وجعل القبر كفؤاً لها، والسلام».
وقيل: إن هذه الرسالة لأبي الفضل ابن العميد - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى.
ولقد أذكرتني هذه الرسالة بيتين للصاحب بن عباد في شخص زوج أمه، وهما:
عذلت لتزويجه أمه فقال: فعلت حلالاً يجوز
فقلتُ: صدقتَ، حلالاً فعلت ولكن سمحتَ بصَدْع العجوز
وكتب عمرو إلى بعض أصحابه في حق شخص يعزّ عليه ((أما بعد فموصل
كتابي إليك سالم ، والسلام)) ؛ أراد قول الشاعر :
يُديرونني عن سالم وأدِيرُهُمْ وجلدَةُ بينَ العينِ والأنفِ سالمُ
أي : يحل مني هذا المحل .
وأنشد محمد بن داود بن الجراح لمحمد البيدق النصيبي في عمرو بن مسعدة
وقد اشتكى١ :
قالوا أبو الفضل معتلّ فقلت لهم : نفسي الفداء له من كل محذور
يا ليت علْتّه بي ثم ان له أجر العليل وأنّ غير مأجور
وكان بين عمرو المذكور وبين إبراهيم بن العباس الصولي - المقدم
١ انظر ما تقدم في ترجمة الشاوبيني ص ٤٥١ .
٤٧٧
:

ذكره - مودة ، فحصل لإبراهيم ضائقة بسبب البطالة في بعض الأوقات، فبعث
له عمرو مالاً، فكتب إليه إبراهيم١:
أياديَ لم تُمْنَنْ وإن هي جلَّتِ
سأشكر عمراً ما تراخت منيتي
ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه
فكانت قَذى عينيه حتى تجلت
رأی خَلْتي من حیث یخفى مكانها
وقال أحمد بن يوسف الكاتب - المقدم ذكره٢ - : دخلت على المأمون ،
وهو يمسك كتاباً بيده ، وقد أطال النظر فيه زماناً وأنا ملتفت إليه ، فقال :
يا أحمد ، أراك مفكراً فيما تراه مني ، قلت : نعم ، وقى الله أمير المؤمنين من
المكاره وأعاذه من المخاوف، قال : فإنه لا مكروه فيه ، ولكنني قرأت كلاماً
وجدته نظير ما سمعته من الرشيد يقوله في البلاغة ، كان يقول : البلاغة التباعد
عن الإطالة ، والتقرب من معنى البغية ، والدلالة بالقليل من اللفظ على المعنى،
وما كنت أتوهم أن أحداً يقدر على المبالغة في هذا المعنى ، حتى قرأت هذا
الكتاب ، ورمى به إلي ، وقال : هذا كتاب من عمرو بن مسعدة إليه ، قال:
فقرأته فإذا فيه ((كتابي إلى أمير المؤمنين ومَنْ قِيَلي من قُوّاده وسائر أجناده
في الانقياد والطاعة على أحسن ما تكون عليه طاعة جندٍ تأخرت أرزاقهم ،
وانقياد كُفاة تراخت أعطياتهم، واختلت لذلك أحوالهم، والتائت معه أمورهم))
فلما قرأته قال : إن استحساني إياه بعثني على أن أمرت للجند قِيله بعطائهم
لسبعة أشهر، وأنا على مُجازاة الكاتب بما يستحقه مَنْ حَلّ محله في صناعته .
١ انظر الطرائف الأدبية : ١٣٠.
٢ كذا كتب المؤلف في المسودة، ولم يتقدم لأحمد بن يوسف الكاتب ترجمة مستقلة، وإنما ذكر
في ترجمة بوران ١ : ٢٨٩ .
٤٧٨

٥٠٨
ابن بانة
عمرو بن محمد بن سليمان بن راشد ، المعروف بابن بانة ، مولى يوسف بن عمر
الثقفي؛ أحد المغنين المشهورين المجيدين في طبقة المتقدمين منهم ، ذكره أبو الفرج
الأصبهاني في كتاب ((الأغاني))١ وقال: كان أبوه صاحب ديوان ووَجْها من
وجوه الكتّاب، وكان مغنياً مجيداً وشاعراً صالح الشعر، وله كتاب في الأغاني؛
وكان تَيّاهاً معجباً بنفسه، وهو معدود في ندماء الخلفاء ومغنيهم ، على ما كان
به من الوَضَح ؛ وتوفي سنة ثمان وسبعين ومائتين بسُرَّ من رأى ، رحمه الله
تعالى؛ وكان خصيصاً بالمتوكل على الله آنساً به، أخذ الغناء عن إسحاق بن إبراهيم
الموصلي وغيره ، وله صنعة في الغناء تدل على حذقه، و کان منزله بغداد ، ويتردد
إلى سُرّ من رأى في الأحيان .
وبانة : بفتح الباء الموحدة وبعد الألف نون مفتوحة ثم هاء ساكنة ، وهو
اسم أمه ، وهي بانة ابنة روح كاتب سامة الوصيف ، وكان ينسب إليها ، وقد
تقدم في ترجمة طاهر بن الحسين ذكر بيتين من شعره يهجوه بها٢ ..
٥٠٨ - وردت الترجمة كاملة في المسودة .
١ الأغاني ١٥ : ٢١١.
٢ انظر ص: ٥٢٠ من المجلد الثاني .
٤٧٩

٥٠٩
ابن الموصلايا
أبو سعد العلاء بن الحسن بن وهب بن المُوصَلايا ، الكاتب البغداديّ منشىء
دار الخلافة ، الملقب أمين الدولة ؛ كان نصرانياً وأسلم على يد الإمام المقتدي
بالله وحسن إسلامه، وله الرسائل الرائقة والأشعار الجيدة١، وكل منهما مدون.
وكان كثير الفضل، وخدم بديوان الإنشاء للإمام القائم في سنة اثنتين وثلاثين
وأربعمائة . وتوفي بعد أن كُفَّ بصره في تاسع عشر جمادى الأولى سنة سبع
وتسعين وأربعمائة ، رحمه الله تعالى .
(140) وتوفي ابن أخته تاج الرؤساء٢ أبو نصر هبة الله بن صاحب الخير الحسن
ابن علي الكاتب - وكان فاضلاً له معرفة بالأدب والبلاغة والخط الحسن ، وكان
ذا رسائل جيدة ، وهي مدونة أيضاً ومشهورة - في عشية الاثنين حادي عشر
جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وأربعمائة ببغداد ، ودفن بباب أبرز ، وكان
مرضه خمسة أيام ، وعمره سبعون سنة ، رحمه الله تعالى ، وكان قد أسلم مع خاله
المذكور ، وكان إسلامهما في سنة أربع وثمانين وأربعمائة .
والموصَلايا : بضم الميم وسكون الواو وفتح الصاد المهملة وبعد اللام ألف ياء
مثناة من تحتها وبعدها ألف ، وهو من أسماء النصارى .
٥٠٩ - ترجمته في نكت الهميان: ٢٠١ والخريدة (قسم العراق) ١: ١٢٣ والمنتظم ٩ : ١٤١
ومرآة الزمان: ١١ والنجوم الزاهرة ٥ : ١٨٩؛ وقد جاءت الترجمة بكاملها في المسودة .
١ ر : والأشعار الفائقة الجميلة الجيدة .
٢ انظر ترجمة تاج الرؤساء في الخريدة (قسم العراق) ١ : ١٣٢.
::
/
٤٨٠