Indexed OCR Text
Pages 241-260
أشهر، وجَفَر جنباه ، وفَصَل عن أمه، والأنثى جَفْرة ، وكانت عادتهم ذلك الزمان أنهم١ يكتبون في الجلود والعظام والخزف٢ وما شاكل ذلك. ٤٠٩ أبو القاسم الأنماطي أبو القاسم عثمان بن سعيد بن بَشّارٍ الأحول الأنماطي الفقيه الشافعي ؛ كان من كبار الفقهاء الشافعية ، أخذ الفقه عن المُزَني والربيع بن سليمان المُرادي ، وأخذ عنه أبو العباس ابن سُرَيج وغيره ، وكان هو السبب في نشاط الناس ببغداد في كتب الشافعي وتحفظها . وقال عن المزني : أنا أنظر في كتاب ((الرسالة)) عن الشافعي ، رضي الله عنه، منذ خمسين سنة ما أعلم أني نظرت فيه مرة إلا وأنا أستفيد منه شيئاً كثيراً لم أكن عرفته . وتوفي في شوال سنة ثمان وثمانين ومائتين ببغداد ، رحمه الله تعالى . وقال أبو حفص عمر بن علي المطوعي في كتاب ((المُذْهَب في ذكر أئمة المذهب )) اسم أبي القاسم عبيد الله بن أحمد بن بشار الأنماطي ، رحمه الله تعالى. والأنماطي : بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الميم وبعد الألف طاء مهملة ، هذه النسبة إلى الأنماط وبَيْعِها٣ ، وهي البُسُط التي تفرش وغير ذلك من آلة الفرش من الأنطاع والوسائد ، وأهل مصر يسمون هذه الآلات الأنماط وبائعها الأنماطي ، والله أعلم . ١ لي : أنهم في ذلك الزمان . ٢ رلي: والخرق . ٤٠٩ - ترجمته في تاريخ بغداد ١١: ٢٩٢ وطبقات الشيرازي، الورقة: ٢٩ وطبقات السبكي ٢ : ٥٢ وعبر الذهبي ٨١:٢ والشذرات ١٩٦:٢؛ وهذه الترجمة قد جاءت كاملة في المسودة . ٣ هنا تنتهي الترجمة في لي، وبعد لفظة « تفرش» تنتهي في س ل . ١٦ - ٣ ٢٤١ ٤١٠ ضياء الدين شارح المهذب أبو عمرو عثمان بن عيسى بن درباس بن فير بن جَهْم بن عبدوس الهذباني الماراني الملقب ضياء الدين ؛ كان من أعلم الفقهاء في وقته بمذهب الإمام الشافعي، وهو أخو القاضي صدر الدين أبي القاسم عبد الملك الحاكم بالديار المصرية- كان- وناب عنه في الحكم بالقاهرة ، واشتغل في صباه بإربلَ على الشيخ أبي العباس الخضر بن عقيل - المقدم ذكره في حرف الخاء - ثم انتقل إلى دمشق وقرأ على الشيخ أبي سعد عبد الله بن أبي عَصْرُون - المقدم ذكره - وتمهر في المذهب وأصول الفقه وأتقنهما، وشرح ((المهذب)) شرحاً شافياً لم يسبق إلى مثله في قريب من عشرين مجلداً ولم يكمله ، بل بقي من كتاب الشهادات إلى آخره ، وسماه ((الاستقصاء لمذاهب الفقهاء)) وشرح ((اللمع)) في أصول الفقه للشيخ أبي إسحاق الشيرازي شرحاً مُستوفى في مجلدين، وصنف غير ذلك . وقبل أن مات القاضي صدر الدين ، رحمه الله تعالى - وكان موته في الليلة الخامسة من رجب ليلة الأربعاء سنة خمس وستمائة - عُزل ضياء الدين المذكور عن النيابة ، فوقف عليه الأمير جمال الدين خُشترين الهكاري١ مدرسة أنشأها بالقصر بالقاهرة وفَوَّضَ تدريسها إليه . ولم يزل بها إلى أن توفي في ثاني عشر ذي القعدة سنة اثنتين وستمائة بالقاهرة ودفن بالقرافة الصغرى وقد قارب تسعين سنة ، رحمه الله تعالى . ثم توفي صدر الدين في التاريخ المذكور ، ودفن في تربته بالقرافة الصغرى ، وكان يتردد في مولده : هل هو في أواخر سنة ست عشرة أو أوائل سنة سبع عشرة وخمسمائة ؛ وفوض إليه السلطان صلاح الدين القضاء بالديار المصرية بعد ٤١٠ - انظر شذرات الذهب ٥ : ٧ . ١ هكذا في المسودة، وفي ر : حسين الهكاري ؛ س : ابن خشتر ابن المكاري . ٢٤٢ أن كان قاضي الغربية من أعمال الديار المصرية في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة ست وقيل سنة خمس وستين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى . وفِير : بكسر الفاء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء . وجَهْم : بفتح الجيم وسكون الهاء وبعدها ميم . وعَبْدُوس: بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة وضم الدال المهملة وسكون الواو وبعدها سين مهملة . والماراني : بفتح الميم وبعد الألف راء مفتوحة وبعد الألف الثانية نون ، هذه النسبة إلى بني مارانَ بالمروج تحت الموصل . ٤١١ تقي الدين ابن الصلاح أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى بن أبي نصر النصري الكردي الشَّهْرَ زُورِيُّ المعروف بابن الصلاح، السَّرَخاني الملقب تقي الدين ، الفقيه الشافعي؛ كان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال وما يتعلق بعلم الحديث ونقل اللغة ، وكانت له مشاركة في فنون عديدة ، وكانت فتاويه مسددة ، وهو أحد أشياخي الذين انتفعت بهم . قرأ الفقه أولاً على والده الصلاح وكان من جلّة مشايخ الأكراد المشار إليهم ، ثم نقله والده إلى الموصل واشتغل بها مدة، وبلغني أنه كرر على جميع كتاب (( المهذب )) ولم يطرَّ شاربُه ، ثم إنه تولى الإعادة عند الشيخ العلامة عماد الدين أبي حامد ٤١١ - ترجمته في ذيل الروضتين: ١٧٥ - ١٧٦ وطبقات السبكي ٥ : ١٢٧ وتذكرة الحفاظ : ١٤٣٠ وعبر الذهبي ٥ : ٧٧ ومرآة الزمان: ٧٥٧ والشذرات ٥ : ٢٢١ وفي رحلة ابن رشيد أخبار كثيرة عنه ( انظر السنة الثالثة من مجلة العرب ) والأنس الجليل ٢ : ٤٤٩ ؛ وسقطت الترجمة من م وفي المسودة تحشيات كثيرة سقطت من س ل ، وسقط بعضها من لي . ٢٤٣ ابن يونس بالموصل أيضاً ، وأقام قليلاً ثم سافر إلى خراسان فأقام بها زماناً وحصّل علم الحديث هناك، ثم رجع إلى الشام وتولى التدريس بالمدرسة الناصرية بالقدس المنسوبة إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ، رحمه الله تعالى ، وأقام بها مدة ، واشتغل الناس عليه وانتفعوا به ، ثم انتقل إلى دمشق وتولى تدريس المدرسة الرواحية التي أنشأها الزكي أبو القاسم هبة الله بن عبد الواحد ابن رواحة الحموي ، وهو الذي أنشأ المدرسة الرواحية بحلب أيضاً . ولما بنى الملك الأشرف ابن الملك العادل بن أيوب ، رحمه الله تعالى، دار الحديث بدمشق فوض تدريسها إليه . واشتغل الناس عليه بالحديث ، ثم تولى تدريس مدرسة ست الشام زُمُرُّد خاتون بنت أيوب - وهي شقيقة شمس الدولة توران شاه بن أيوب المقدم ذكره التي هي داخل البلد قبلي البيمارستان النوري ، وهي التي بنت المدرسة الأخرى ظاهر دمشق، وبها قبرها وقبر أخيها المذكور وزوجها ناصر الدين بن أسد الدين شير كوه صاحب حمص - فكان يقوم بوظائف الجهات الثلاث من غير إخلال بشيء منها إلا لعذر ضروري لا بد منه ، وكان من العلم والدين على قدم حَسَن ، وقدمتُ عليه في أوائل شوال سنة اثنتين وثلاثين وستمائة ، وأقمت عنده بدمشق ملازم الاشتغال مدة سنة . وصنف في علوم الحديث كتاباً نافعاً، وكذلك في مناسك الحج جمع فيه أشياء حسنة يحتاج الناس إليها ، وهو مبسوط ، وله إشكالات على كتاب (((الوسيط)) في الفقه، وجمع بعضُ أصحابه فتاويه في مجلد. ولم يزل أمره جارياً على سداد وصلاح حال واجتهاد في الاشتغال والنفع إلى أن توفي يوم الأربعاء وقت الصبح ، وصلي عليه بعد الظهر ، وهو الخامس والعشرون من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وستمائة بدمشق ، ودفن بمقابر الصوفية خارج باب النصر ، رحمه الله تعالى . ومولده سنة سبع وسبعين وخمسمائة شَرَخانَ. (108) وتوفي والده الصلاح ليلة الخميس السابع والعشرين من ذي القعدة سنة ثماني عشرة وستمائة بحلب ، ودفن خارج باب الأربعين في الموضع المعروف بالجبل بتربة الشيخ علي بن محمد الفارسي ، وكان مولده في سنة تسع وثلاثين ٢٤٤ وخمسمائة تقديراً لأنه كان لا يتحققه ، وتولى بحلب تدريس المدرسة الأسدية المنسوبة إلى أسد الدين شير كوه بن شاذي - المقدم ذكره - وكان قد دخل بغداد واشتغل بها ، واشتغل أيضاً على شرف الدين بن أبي عَصْرُون - المقدم ذكره . والنَّصْري : بفتح النون وسكون الصاد المهملة وبعدها راء، هذه النسبة إلى جده أبي نصر المذكور . وشَرَخانُ : بفتح الشين المثلثة والراء والخاء المعجمة وبعد الألف نون ، قرية من أعمال إِربِلَ قريبة من شَهْرَ زُورَ . (109) وتوفي الزكي ابن رواحة المذكور يوم الثلاثاء سابع رجب سنة اثنتين وعشرين وستمائة بدمشق ودفن في مقابر الصوفية ، وذكر الشهاب عبد الرحمن المعروف بأبي شامة في تاريخه المرتب على السنين ١ أنه مات سنة ثلاث وعشرين . (110) وتوفيت ست الشام بنت أيوب المذكورة في سنة ست عشرة وستمائة يوم الجمعة سادس عشر ذي القعدة ، رحمها الله تعالى٢ . [وروي عن تقي الدين المعروف بابن الصلاح، رحمه الله تعالى ، أنه قال : أخبرني الشيخ الصالح علي بن الرواس ، قدس الله روحه ، قال : أُلهمت في النوم هذه الكلمات : ادفع المسألة ما وجدت التجمل يمكنك ، فإن لكل يوم رزقاً جديداً ، والإلحاح في الطلب يذهب البهاء ، وما أحسن الصنيع إلى الملهوف ، وربما كانت الغير نوعاً من أدب الله تعالى ، والحظوظ مراتب ، فلا تعجل على ثمرةٍ قبل أن تدرك ، فإنك ستنالها في أوانها ، ولا تعجل في حوائجك فتضيق بها ذرعاً ويغشاك القنوط، والله أعلم]٣. ١ ذيل الروضتين : ١٤٩ . ٢ ذيل الروضتين : ١١٩. ٣ انفردت ربما بين معقفين . ٢٤٥ ٤١٢ ابن جني أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي النحوي المشهور ؛ كان إماماً في علم العربية ، قرأ الأدب على الشيخ أبي علي الفارسي - المقدم ذكره في حرف الحاء - وفارقه وقعد للإقراء بالموصل ، فاجتاز بها شيخه أبو علي فرآه في حلقته والناس حوله يشتغلون عليه، فقال له ((زبَّبتَ وأنت حصرم))، فترك حلقته وتبعه ولازمه حتى تمهر . وكان أبوه جني مملوكاً رومياً لسليمان بن فَهْدِ بن أحمد الأزدي الموصلي ، وإلى هذا أشار بقوله في جملة أبيات : فعلمي في الورى نسبي فإن أصْبِحْ بلا نسبٍ قُرُومِ سادة نُجُب على أني أؤول إلى أرمَّ الدهر ذو الخطب قياصرة إذا نطقوا أُولاكَ دَعا النبي لهم كفى شَرَفاً دعاء نبي ((أرمٌ)) بمعنى سكت. وله أشعار حسنة ، ويقال إنه كان أعور ، وفي ذلك يقول - وقيل إِن هذه الأبيات لأبي منصور الديلمي : صدودُكَ عني ولا ذنْبَ لي يدلُّ على نيّة فاسده خشيتُ على عينيَ الواحده فقد. وحياتك مما بكيت لما كان في تركها فائده ولولا مخافة أن لا أراك ٤١٢ - ترجمته في انباه الرواة ٢: ٣٣٥ وفي الحاشية ذكر لمصادر أخرى، وهذه الترجمة مطابقة لما في المسودة . ٢٤٦ ورأيت له قصيدة بائية يرني بها المتنبي ولولا طولها لأتيت بها١. (111) وأما أبو منصور الديلمي فالمشهور عنه غير هذه التسمية ، وأنه أبو الحسن علي بن منصور ، وكان أبوه من جند سيف الدولة بن حمدان ، وكان شاعراً مجيداً خليعاً ، وكان بفرد عين ، وله في ذلك أشياء مليحة فمن ذلك قوله : يا ذا الذي ليس له شاهدٌ في الحبّ معروفٌ ولا شاهده شواهدي عينايَ إني بها بكيتُ حتى ذهَبَتْ واحده وأعجبُ الأشياء أن التي قد بقيت في صحبتي زاهده وله في غلام جميل الصورة بفرد عين ، وقد أبدع فيه : له عين أصابت كلَّ عين وعين قد أصابتها العيون ولابن جني من التصانيف المفيدة في النحو كتاب ((الخصائص)) و(( سر الصناعة)) و((المنصف في شرح تصريف أبي عثمان المازني)) و((التلقين في النحو)) و((التعاقب)) و((الكافي في شرح القوافي)) للأخفش، و((المذكر والمؤنث)) و((المقصور والممدود)) و((التمام في شرح شعر الهذليين)) و((المنهج في اشتقاق اسماء شعراء الحماسة )) ومختصر في العروض ومختصر في القوافي و((المسائل الخاطريات)) و((التذكرة الأصبهانية)) و((مختار تذكرة أبي علي الفارسي)) وتهذيبها و((المقتضب)) في المعتل العين و((اللمع)) و((التنبيه)) و((المهذب)) و((التبصرة)) وغير ذلك، ويقال: إن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أخذ منه أسماء كتبه، فإن له (المهذب)) و((التنبيه)) في الفقه، و((اللمع)) و ((التبصرة)) في أصول الفقه. وشَرَحَ ابنُ جني ديوان المتنبي وسماه الفَسْر٢ ١ مطلعها : غاض القريض وأودت نضرة الأدب وصوَّحت بعد ري دوحة الكتب وقد وردت في بعض المصادر المذكورة آنفاً . ٢ كذا في المسودة ول لي ؛ ر: القشر؛ القفطي والمطبوعة المصرية : الصبر . ٢٤٧ وكان قد قرأ الديوان على صاحبه ، ورأيت في شرحه قال : سأل شخص أبا الطيب المتنبي عن قوله : بادٍ هَواكَ صَبَرْتَ أم لم تصبرا فقال: كيف أثبت الألف في ((تصبرا)) مع وجود لم الجازمة ، وكان من حقه أن يقول ((لم تصبر))، فقال المتنبي: لو كان أبو الفتح هاهنا لأجابك، يعنيني، وهذه الألف هي بدل من نون التأكيد الخفيفة، كان في الأصل ((لم تصبرن)) ونون التأكيد الخفيفة إذا وقف الإنسان عليها أبدل منها ألفاً، قال الأعشى : ولا تَعْبُدِ الشيطانِ والله فاعْبُدا وكان الأصل ((فاعبدَنْ)) فلما وقف أتى بالألف بدلاً . وكانت ولادة ابن جني قبل الثلاثين والثلثمائة بالموصل . وتوفي يوم الجمعة لليلتين بقيتا من صفر سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة ، رحمه الله تعالى ، ببغداد . وجني : بكسر الجيم وتشديد النون وبعدها ياء . ٤١٣ أبو عمرو ابن الحاجب أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر ابن يونس الدّوَني ثم المصري الفقيه المالكي المعروف بابن الحاجب ، الملقب جمال الدين ؛ كان والده حاجباً للأمير عز الدين موسك الصلاحي ، وكان كردياً ، واشتغل ولده أبو عمرو المذكور بالقاهرة في صغره بالقرآن الكريم ، ثم بالفقه على مذهب الإمام مالك ، رضي الله عنه ، ثم ٤١٣ - ترجمته في الطالع السعيد: ١٨٨ وغاية النهاية ١: ٥٠٨ وذيل الروضتين: ١٨٢ وبغية الوعاة: ٣٢٣ وعبر الذهبيه : ١٨٩ والشذرات ٥ : ٢٣٤. ٢٤٨ بالعربية والقراءات، وبَرَعَ في علومه وأتقنها غاية الإتقان ، ثم انتقل إلى دمشق ودرّس يجامعها في زاوية المالكية ، وأكبَّ الخلق على الاشتغال عليه ، والتزم لهم الدروس وتبحر في الفنون، وكان الأغلب عليه علم العربية ، وصنف مختصراً في مذهبه ، ومقدمة وجيزة في النحو ، وأخرى مثلها في التصريف وشرح المقدمتين [وله١ : أيْ غَدٌ مَعْ يَدٍ دَدٍ ذي حروفٌ طاوعت في الرويِّ وهي عيونُ ودواة والحوت والنون نونا ت عصتهُمْ وأمرها مستبين وهو جواب عن البيتين المشهورين وهما : ربما عالج القوافي رجالٌ في القوافي فتلتوي وتلين طاوعتهم عينٌ وعين وعين وعَصَتهم نون ونون ونون٢ فیعني بقوله (( عین وعین وعین )) نحو غد ويدٍ ودَدٍ ، فإن وزن كل منها ((فع)) إذ أصل غد: غدوٌ ويد: يديٌ ودد: ددن، وبقوله (( نون ونون ونون )) الدواة والحوت والنون الذي هو الحرف ، وله أيضاً في أسماء قداح الميسر ثلاثة أبيات ، وهي : هي فَذْ وتواَمٌ ورقيب ثم حلس ونافس ثم مسبل ومَنيح وذي الثلاثة تهمل والمعلَّى والوَغْدُ ثم سَفيح مثله أن تعد أول أول]٣ ولكلٍ مما عداها نصيب ١ الغيث الذي انسجم ١: ٣٥ والفوات ٢: ١٢٢. ٢ قال السلفي (٤٧) : كتب أديب من أدباء الأندلس إلى الفقيه أبي عبدالله المازري بالمهدية (« ربما عارض القوافي ... الخ)) وابن لي ما طاوعهم وما عصاهم ، فأجابه نثراً : طاوعهم العجمة والعي والعجز وعصتهم اللسان والبيان والجنان ؛ وانظر الغيث الذي انسجم ١ : ٣٤ ونسبا في الفوات ٢: ١٢٢ الحسين بن عبد السلام . ٣ ما بين معقفين زيادة لم ترد إلا في ر ؛ وفي المسودة « هاهنا التخريجة». ٢٤٩ وصنف في أصول الفقه ، وكل تصانيفه في نهاية الحسن والإفادة ، وخالف النحاة في مواضع، وأورد عليهم إشكالات وإلزامات تبعد الإجابة عنها ، وكان من أحسن خلق الله ذهناً . ثم عاد إلى القاهرة وأقام بها والناسُ ملازمون للاشتغال عليه ، وجاءني مراراً بسبب أداء شهادات ، وسألته عن مواضع في العربية مشكلة ، فأجاب أبلغ إجابة بسكون كثير وتثبت تام ، ومن جملة ما سألته عن مسألة اعتراض الشرط على الشرط في قولهم ((إن أكلت إن شربت فأنت طالق)) لِمَ تعين تقديم الشرب على الأكل بسبب وقوع الطلاق حتى لو أكلت ثم شربت لا تطلق ؟ وسألته عن بيت أبي الطيب المتنبي وهو قوله : لقد تصبرت حق لات مصطبر فالآن أقحم حتى لات مقتحم ما السبب الموجب لخفض مصطبر ومقتحم ، ولات ليست من أدوات الجر ؟ فأطال الكلام فيها وأحسن الجواب عنهما ، ولولا التطويل لذكرت ما قاله . ثم انتقل إلى الإسكندرية للإقامة بها ، فلم تطل مدته هناك ، وتوفي بها ضاحي نهار الخميس السادس والعشرين من شوال سنة ست وأربعين وستمائة ، ودفن خارج باب البحر بتربة الشيخ الصالح ابن أبي شامة ؛ وكان مولده في آخر سنة سبعين وخمسمائة بأسنا ، رحمه الله تعالى . وأسنا : بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح النون وبعدها ألف ، وهي بليدة صغيرة من الأعمال القُوصِيَّة بالصعيد الأعلى من مصر . ٢٥٠ ٤١٤ الملك العزيز ابن صلاح الدين الملك العزيز عماد الدين أبو الفتح عثمان ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ؛ كان نائباً عن أبيه في الديار المصرية لما كان أبوه بالشام ، وتوفي أبوه بدمشق ، فاستقل بملكتها باتفاق من الأمراء ، كما هو مشهور فلا حاجة إلى شرحه . وكان ملكاً مباركاً كثير الخير واسع الكرم محسناً إلى الناس معتقداً في أرباب الخير والصلاح ؛ وسمع بالاسكندرية الحديث من الحافظ السّلَفي والفقيه أبي الطاهر ابن عوف الزهري ، وسمع بمصر من العلامة أبي محمد ابن بري النحوي وغيرهم . ويقال إن والده كان يؤثره على بقية أولاده ، ولما ولد له الملك المنصور ناصر الدين محمد كان والده بالشام والقاضي الفاضل بالقاهرة فكتب إليه يهنئه ((المملوك يقبل الأرض بين يدي مولانا الملك الناصر، دام رشده وإرشاده ، وزاد سعده وإسعاده ، وكثرت أولياؤه وعبيده وأعداده ، واشتد بأعضاده فيهم اعتضاده ، وأنمى الله عدده حتى يقال هذا آدم الملوك وهذه أولاده ، وينهي أن الله تعالى وله الحمد رزق الملك العزيز عزّ نصره ولداً مباركاً علياً ، ذكراً سرياً، براً زكياً تقياً نقياً، من ذرية كريمة بعضها من بعض ، وبيت شريف كادت ملوكه تكون ملائكة في السماء ومماليكه ملوكاً في الأرض». وكانت ولادة الملك العزيز بالقاهرة في ثامن جمادى الأولى سنة سبع وستين وخمسمائة ، وكان قد توجه إلى الفيوم ، فطرد فرسه وراء صيد فتقطر به فأصابته الحمى من ذلك وحُمل إلى القاهرة ، فتوفي بها في الساعة السابعة من ليلة الأربعاء الحادي والعشرين من المحرم سنة خمس وتسعين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى . ٤١٤ - أخباره في مرآة الزمان: ٤٦٠ وابن الأثير ١٢: ١٤٠ وذيل الروضتين: ١٦ والسلوك ١: ١١٤ والخطط ١: ٢٣٥ والنجوم الزاهرة ٦: ١٢٠ وعبر الذهبي ٤ : ٢٨٧ والشذرات ٤ : ٣١٩، وسقطت هذه الترجمة من م. ٢٥١ [نقلت من خط القاضي الفاضل فصلاً يتعلق بالملك العزيز بن صلاح الدين ، رحمه الله تعالى، ما مثاله : لما كان يوم السبت تاسع عشر المحرم سنة خمس وتسعين وخمسمائة اشتد المرض بالملك العزيز وخيف عليه ، وأدركه في ليلته فُواقٌ وأخذ نبضه في الضعف وأصبح الطبيب على إياسٍ منه ، ثم لما كان وقت الظهر وقعت البشرى أنه أفاق وحضر ذهنه، وكلّم مَنْ حوله وحضر إليه الأمراء والخواص ، ثم قال بعد ذلك : إلى أن كان وقت العتمة من ليلة الأحد ، فبدت قوته تخور، والفواق يشتد وبَغَتَه الأمر وعظمت الحمّى وصغر النبض وكثر عليه الغشي ، وكانت وفاته في الساعة السابعة من ليلة الأحد ، ولما كان في آخر الليل خرج فخر الدين جهاركس وأسد الدين سراستقر وجماعة من المماليك واستدعوا الأمراء فأحضرت وأعلمت بوفاته ، وقال المذكورون : إنا قد اجتمعت كلمتنا على أن يكون ولد العزيز الأكبر وتقدير عمره عشر سنين واسمه محمد ولقبه ناصر الدين المنتصب في السلطنة والقائم بالأمر ، وأن يكون أتابكه بهاء الدين قراقوش ، وقالوا : قد كان السلطان استناب هذا الولد واستخلف على تربيته قراقوش ، ونريد أن يجتمع الأمراء ، ويخرج الخدام يبلغونهم رسالة عن السلطان وأنه حي ، ومعنى الرسالة أن هذا ولدي سلطانكم من بعدي ، فاحلفوا له واحفظوني فيه ، فقلت لهم : فإن طالبكم الأمراء بسماع هذه المشافهة من السلطان ما الذي تقولون لهم ؟ فرجعوا إلى أن يخاطبوا الأمراء إذا حضروا بأن السلطان وصَّى بهذه الوصية ، وأنه قد قضى ، ويدخلون عليهم من جانب الموافاة لجد هذا الصبيّ وأبيه ، فقلت لهم : لا تنتظروا اجتماع الأمراء ، فإنهم إن حضروا جملة فلا تأمنوا أن يمتنعوا جملة، بل كل مَنْ حضر من الأمراء تقولون له : قد اتفقنا فكن معنا ، وقد حلفنا فاحلف كما حلفنا ، وقدموا المصحف وأسرعوا في تلقينه ، فجرى الأمر على هذا ، فلما تكامل الحلف أو أكثره أحضروا الولد ، فبكى الناس لما رأوه وصاحوا وقاموا إليه ، ووقفوا بين يديه ، جميع ذلك قبل أن يُسْفر صباح الأحد ، ثم صليت فريضة الفجر ، وشرعوا في تجهيز الملك العزيز إلى قبره ، وغسل في مكان موته ، واجتمع الناس فيما بين الظهر والعصر للصلاة عليه ، وكثر الزحام ، وقامت الواعية ، فلم يخلص ٢٥٢ من دفنه إلى قريب المغرب ، وخوطب ولده بالملك الناصر بلقب جده في هذا اليوم]١ . ولما مات كتَبَ القاضي الفاضل إلى عمه الملك العادل رسالة يعزيه ، من جملتها: (( فنقول في توديع النعمة بالملك العزيز: لا حول ولا قوة إلا بالله ، قول الصابرين ، ونقول في استقبالها٢ بالملك العادل: الحمد لله رب العالمين ، قول الشاكرين ، وقد كان من أمر هذه الحادثة ما قطع كل قلب، وجلب کل کرب، ومثل وقوع هذه الواقعة لكل أحد ولا سيما لأمثال المملوك ، ومواعظ الموت بليغة ، وأبلغها ما كان في شَبَاب الملوك ، فرحم الله ذلك الوجه ونَضَّره ، ثم السبيل إلى الجنة٣ يَسْرَه. وإذا محاسن أوجهٍ بليت فعفا الثرى عن وجهه الحسن والمملوك في حال تسطير هذه الخدمة جامع بين مَرَضَيْ قلب وجسد ، ووجع أطراف وغليل كبد، فقد فجع المملوك بهذا المولى والعهد بوالده غير بعيد ، والأسى في كل يوم جديد ، وما كان ليندمل ذلك القرح ، حتى أعقبه هذا الجرح ، فالله تعالى لا يعدم المسلمين بسلطانهم الملك العادل السلوة ، كما لم يعدمهم بنبيهم صلى الله عليه وسلم الأسوة)). ودفن بالقرافة الصغرى في قبة الإمام الشافعي ، رضي الله عنه ، وقبره معروف هناك . ١ انفردت ربما حصر بين معقفين . ٢ ر : استبقائها . ٣ إلى الجنة : سقط من ر . ٢٥٣ ٤١٥ عدي الهكاري الشيخ عدي بن مسافر [بن إسماعيل بن موسى بن مروان بن الحسن بن مروان، كذا أملى نسبه بعض ذوي قرابته]١ الهكاري مسكناً، العبد الصالح المشهور الذي تنسب إليه الطائفة العَدَوية ؛ سار ذكره في الآفاق ، وتبعه خلق كثير، وجاوز حسنُ اعتقادهم فيه الحدَّ ، حتى جعلوه قبلتهم التي يصلون إليها ، وذخيرتهم في الآخرة التي يُعَوِّلون عليها ، وكان قد صحب جماعة كثيرة من أعيان المشايخ والصلحاء المشاهير [مثل عقيل المنبجي وحماد الدباس وأبي النجيب عبد القاهر السهروردي وعبد القادر الجيلي وأبي الوفاءِ الحلواني]١ ثم انقطع إلى جبل الهكارية من أعمال الموصل ، وبنى له هناك زاوية ، ومال إليه أهل تلك النواحي كلها ميلاً لم يسمع لأرباب الزوايا مثله . وكان٢ مولده في قرية يقال لها بيت فار من أعمال بعلبك ، والبيت الذي ولد فيه يزار إلى الآن . وتوفي الشيخ سنة سبع ، وقيل خمس وخمسين وخمسمائة، في بلده بالهكارية ودفن بزاويته ، رحمه الله تعالى ؛ وقبره عندهم من المزارات المعدودة ، والمشاهد المقصودة، وحَفَدَته إلى الآن بموضعه يقيمون شعاره ويقتفون آثاره ، والناس معهم على ما كانوا عليه زَمَنَ الشيخ من جميل الاعتقاد وتعظيم الحرمة . وذكره أبو البركات ابن المستوفي في ((تاريخ إِربِلَ)) وعَدَّه من جملة الواردين على إربل . وكان مظفر الدين صاحب إربل ، رحمه الله تعالى ، يقول : رأيت ٤١٥ - انظر تاريخ ابن الوردي ٢: ٦٤ وعبر الذهبي ٤: ١٦٣ والشذرات ٤ : ١٧٩ والاعلام للزركلي . ١ ما بين معقفين زيادة من ر . ٢ ل س : وقيل ان . ٢٥٤ الشيخ عدي بن مسافر وأنا صغير بالموصل ، وهو شيخ رَبْعَةٌ أسمر اللون ، وكان يحكي عنه صلاحاً كثيراً، وعاش الشيخ عدي تسعين سنة ، رحمه الله تعالى . ٤١٦ عروة بن الزبير أبو عبد الله عُرْوَةُ بن الزُّبير بن العَوَّام بن خُوَّيلد بن أسد بن عبد العُزَّى ابن قصي بن كلاب القرشي الأسدي ، وبقية النسب معروف١؛ هو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة - وقد تقدم ذكر خمسة منهم كل واحد في بابه - وأبوه الزبير ابن العوام أحد الصحابة العشرة المشهود لهم بالجنة وهو ابن صفية عمة النبي، صلى الله عليه وسلم. وأم عروة المذكور أسماء بنت أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ، وهي ذات النطاقين وإحدى عجائز الجنة ، وعروة شقيق أخيه عبد الله ابن الزبير ، بخلاف أخيها مُصْعَب فإنه لم يكن من أمهما ، وقد وردت عنه الرواية في حروف القرآن ، وسمع خالته عائشة أم المؤمنين ، رضي الله عنها ؛ وروى عنه ابن شهاب الزهري وغيره . وكان عالماً صالحاً، وأصابته الأكلة في رجله وهو بالشام عند الوليد بن عبد الملك ، فقُطعت رجله في مجلس الوليد ، والوليد مشغول عنه بمن يحدثه ، فلم يتحرك ولم يشعر الوليد أنها قطعت حتى كويت فوجد رائحة الكي، هكذا قال ابن قتيبة في كتاب ((المعارف))٢، ولم يترك ورده تلك الليلة، ويقال: إنه مات ولده محمد في تلك السفرة فلما عاد إلى ٤١٦ - ترجمته في طبقات ابن سعد ٥ : ١٧٨ ونسب قريش: ٢٤٥ - ٢٤٦ وطبقات الشيرازي، الورقة: ١٣ وحلية الأولياء ٢: ١٧٦ وصفة الصفوة ٢: ٤٧ وتذكرة الحفاظ: ٦٢ وعبر الذهبي ١: ١١٠ والشِذرات ١ : ١٠٣. ١ كذا في الأصول . ٢ المعارف : ٢٢٢. ٢٥٥ المدينة قال : ﴿لقد لقينا من سفرنا هذا نَصَباً﴾، وعاش بعد قطع رجله ثماني سنين. وذكر أبو العباس المبرد في كتاب ((التعازي)) ما مثاله١ : وقال إسحاق بن أيوب وعامر بن حفص وسلمة بن محارب : قدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك ومعه ولده محمد بن عروة ، فدخل محمد دار الدوابّ فضربته دابة فخرَّ ميتاً، ووقعت في رجل عروة الأكلة ولم يَدَعْ ورده تلك الليلة فقال له الوليد : اقطعها ، فقال : لا، فسرت إلى ساقه ، فقال له الوليد : اقطعها وإلا أفسدت عليك جسدك، فقطعها بالمنشار وهو شيخ كبير ولم يمسكه أحد ، وقال : لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً﴾ . وقدم تلك السنة قوم من بني عبس فيهم رجل ضرير فسأله الوليد عن عينيه فقال: يا أمير المؤمنين بتُّ ليلة في بطن واد ، ولا أعلم عبسياً يزيد ماله على مالي ، فطرقنا سيلٌ فذهب بما كان لي من أهل وولد ومال غير بعير وصبي مولود، وكان البعير صَعْباً فَنَدَّ، فوضعتُ الصبيّ واتبعت البعير ، فلم أجاوز إلا قليلاً حتى سمعت صيحة ابني ورأسه في فم الذئب وهو يأكله ، فلحقت البعير لأحبسه فنفحني برجله على وجهي فحطمه وذهب بعيني ، فأصبحت لا مال لي ولا أهل ولا ولد ولا بصر ؛ فقال الوليد : انطلقوا به إلى عُرْوَةَ ليعلم أن في الناس مَنْ هو أعظم منه بَلاء . وكان أحسن من عَزَّاه إبراهيم بن محمد بن طلحة فقال له : والله ما بك حاجة إلى المشي، ولا أرَبٌ في السعي ، وقد تقدمك عضو من أعضائك وابن من أبنائك إلى الجنة ، والكل تبع للبعض ، إن شاء الله تعالى ، وقد أبقى الله لنا منك ما كنا إليه فُقَراء ، وعنه غير أغنياء ، من علمك ورأيك ، نفعك الله وإيانا به ، والله ولي ثوابك ، والضمين بحسابك . [وحكى سعيد بن أسد قال: حدثنا ضمرة عن ابن شَوْذَب قال: كان عروة بن الزبير إذا كان أيام الرطب ثَلَم حائطه فيدخل الناس فيأكلون ويحتملون، وكان إذا دخله رَدَّد هذه الآية فيه: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ﴾ ( الكهف : ٣٩) حتى يخرج منه. وكان يقرأ ١ هذا النص المنقول عن المبرد حتى قوله ... بحسابك: سقط من س ل لي م ، وانفردت به ر وأشار في المسودة إلى أن ((التخريجة)) تكتب هنا . ٢٥٦ رُبْعَ القرآن كلَّ يوم نظراً في المصحف ويقوم به الليل ، فما تركه إلا ليلة قطعت رجله ، ثم عاد من الليلة المقبلة . وقال ابن قتيبة وغيره: لما دعي الجزار ليقطعها قال له : نَسْقيك الخمر حتى لا تجد لها ألماً ، فقال : لا أستعين بحرام الله على ما أرجو من عافية ، قالوا : فنسقيك المُرْقِدَ ، قال: ما أحب أن أُسلب عضواً من أعضائي وأنا لا أجد ألم ذلك فأحتسبه، قال : ودخل عليه قوم أنكرهم ، فقال : ما هؤلاء ؟ قالوا : يمسكونك فإن الألم ربما عَزَبَ معه الصبر ، قال : أرجو أن أكفيكم ذلك من نفسي ، فقُطعت كعبه بالسكين حتى إذا بلغ العظم وضع عليها المنشار فقطعت وهو يُهَلِّل ويكبر ، ثم إنه أغلي له الزيت في مغارف الحديد فحسم به ، فغشي عليه ، فأفاق وهو يمسح العرق عن وجهه ، ولما رأى القدم بأيديهم دعا بها فقلبها في يده ثم قال : أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ما مشيت بك إلى حرام ، أو قال معصية ، ولما دخل ابنه إصطبل الوليد بن عبد الملك وقتلته الدابة كما تقدم لم يسمع في ذلك منه شيء ، حتى قدم المدينة فقال : اللهمَّ، إنه كان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت لي ثلاثة ، فلك الحمد ، وايم الله لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن ابتليت لطالما عافيت]١. ولما قتل أخوه عبد الله قَدِمَ عروة على عبد الملك بن مروان فقال له يوماً: أريد أن تعطيني سيف أخي عبد الله ، فقال له : هو بين السيوف ولا أميزه من بينها ، فقال عروة: إذا حضرت السيوف ميزته أنا ، فأمر عبد الملك بإحضارها، فلما حضرت أخذ منها سيفاً مُفَلَّلَ الحد فقال : هذا سيف أخي ، فقال عبد الملك : كنت تعرفه قبل الآن ؟ فقال : لا، فقال : كيف عرفته ؟ قال : بقول النابغة الذبياني : ولا عَيْبَ فيهم غيرَ أن سُيُوفَهم بهنَّ فلول من قراع الكتائب وعُرْوة هذا هو الذي احتفر بئر عروة التي بالمدينة وهي منسوبة إليه وليس بالمدينة بئر أعذب من مائها . ١ ما بين معقفين لم يرد في المخطوطات . ١٧ - ٣ ٢٥٧ وكانت ولادته سنة اثنتين وعشرين ، وقيل ست وعشرين للهجرة . وتوفي في قرية له بقرب المدينة يقال لها فُرْع - بضم الفاء وسكون الراء - وهي من ناحية الرَّبَذَة ، بينها وبين المدينة أربع ليال ، وهي ذات نخيل ومياه ، سنة ثلاث وتسعين ، وقيل أربع وتسعين ، ودفن هناك ، قاله ابن سعد ، وهي سنة الفقهاء ، رضي الله عنهم ، وسيأتي ذكر ولده هشام إن شاء الله تعالى . وذكر العتبي١ أن المسجد الحرام جمع بين عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير وأخويه مُصْعب وعروة المذكور أيام تألفهم بعهد معاوية بن أبي سفيان ، فقال بعضهم : هلم فلنتمنه ، فقال عبد الله بن الزبير : مُنْيَتي أن أملك الحرمين وأنال الخلافة ، وقال مصعب : منيتي أن أملك العراقين وأجمع بين عقيلتي قريش سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة ، وقال عبد الملك بن مروان : منيتي أن أملك الأرض كلها وأخلف معاوية ، فقال عروة : لست في شيء مما أنتم فيه ، مُنْيَتي الزهد في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة وأن أكون ممن يُرْوَى عنه هذا العلم ، قال : فصرف الدهر من صرفه إلى أن بلغ كل واحد منهم إلى أمله. وكان عبد الملك لذلك يقول: من سَرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى عروة بن الزبير . ٤١٧ ركن الدين الطاوسي أبو الفضل العراقي بن محمد بن العراقي القزويني ، الملقب ركن الدين ، المعروف بالطاوسي؛ كان إماماً فاضلاً مناظراً محجاجاً، قيماً بعلم الخلاف ماهراً فيه ، ١ انظر رواية مشابهة في ترجمة عبد الله بن عمر ص : ٢٩ . ٤١٧ - انظر عبر الذهبي ٤: ٣١٣ والجواهر المضية ٢: ٢٦٣ والشذرات ٤: ٣٤٦ (وهو نقل عن ابن خلكان)؛ وسماه في العبر والشذرات عزيز بن محمد ؛ وقد جاءت هذه الترجمة مستوفاة في المسودة . ٢٥٨ اشتغل به على الشيخ رضيِّ الدين النيسابوري الحنفي صاحب الطريقة في الخلاف وبرز فيه ، وصنف ثلاث تعاليق في الخلاف : مختصرة وثانية وثالثة مبسوطة ، واجتمع عليه الطلبة بمدينة همذان ، وقصدوه من البلاد البعيدة والقريبة للاستفادة عليه ، وعَلَّقُوا تعاليقه . وبنى له الحاجب جمال الدين بهمذان مدرسة تعرف بالحاجبية ، وطريقته الوسطى أحسن من طريقتيه الأخريين لأن فقهها كثير وفوائدها جمة، وأكثر اشتغال الناس في هذا الزمان بها ، واشتهر صيته في البلاد وحُملت طريقته إليها . وتوفي بهمذان في رابع عشر جمادى الآخرة سنة ستمائة ، رحمه الله تعالى . ولم أعلم نسبة الطاوسي إلى أي شيء ولا ذكرها السمعاني ، والله أعلم. وسمعت جماعة من الفقهاء من أهل بلاده يقولون : إن في قزوين خلقاً كثيراً ينتسبون هذه النسبة، ويزعمون أنهم من نسل طاوس بن كيسان١ التابعي المذكور قبل هذا ، فلعله منهم ، والله أعلم . ٤١٨ شيذلة أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك بن منصور الجيلي ، المعروف بشيذلة ، الفقيه الشافعي الواعظ ؛ كان فقيهاً فاضلاً واعظاً ماهراً فصيح اللسان حلو العبارة ١ انظر ترجمة طاوس رقم : ٣٠٦. ٤١٨ - ترجمته في المنتظم ٩: ١٢٦ وطبقات السبكي ٣: ٢٨٧ وعبر الذهبي ٣: ٣٣٩ والشذرات ٣ : ٤٠١؛ وذكر السبكي أن لقبه شيلد، وقال: بفتح الشين المعجمة وسكون (الياء) آخر الحروف وفتح اللام والدال، فتأمل الفرق بين الضبطين ، وذكر في التاج لفظ (( شيذله)) وقال إن السبكي ضبطه بالدال المهملة مما قد يرجح أن المطبوعة من الطبقات وقع فيها خطأ . قلت : وهذه الترجمة مطابقة لما في المسودة . ٢٥٩ كثير المحفوظات، صنف في الفقه وأصول الدين والوعظ ، وجمع كثيراً من أشعار العرب ، وتولى القضاء بمدينة بغداد بباب الأزج ، وكانت في أخلاقه حدة ، وسمع الحديث الكثير من جماعة كثيرة ، وكان يتظاهر بمذهب الأشعري . ومن كلامه: إنما قيل لموسى، عليه السلام، ﴿لن تراني﴾ لأنه لما قيل له ﴿انظر إلى الجبل﴾ نظر إليه، فقيل له: يا طالب النظر إلينا لمّ تنظر إلى سوانا ؟ يا مدعي بمقالِهِ صدق المحبة والإخاءِ ل لما نظرت إلى سوائي لو كنت تصدق في المقا واخترت غيري في الصفاء فسلكت سُبْلَ محبتي هيهات أن يحوي الفؤادُ محبتين على استواء وقال : أنشدني والدي عند خروجه من بغداد للحجّ : مددتُ إلى التوديع كفّاً ضعيفةٌ وأخرى على الرمْضاء فوق فؤادي فلا كان هذا العهدُ آخر عهدنا ولا كان ذا التوديعُ آخر زادي وتوفي يوم الجمعة سابع عشر صفر سنة أربع وتسعين وأربعمائة ببغداد ، ودفن بباب أبرز محاذياً للشيخ أبي إسحاق الشيرازي ، رحمهما الله تعالى . وعَزيزي : بفتح العين المهملة وزايين بينهما ياء مثناة من تحتها وهي ساكنة ، وبعد الزاي الثانية ياء ثانية . وشَيْذَلَة : بفتح الشين المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الذال المعجمة واللام وبعدها هاء ساكنة ، وهو لقب عليه ، ولا أعرف معناه مع كثرة كشفي عنه . ٢٦٠