Indexed OCR Text

Pages 141-160

في أربعة أجزاء، ذكر فيها كل حديث موضوع، وله ((تلقيح فهوم الأثر ))
على وضع كتاب ((المعارف)) لابن قتيبة١، وبالجملة فكتبه أكثر من أن تُعدَّ.
وكتب بخطه شيئاً كثيراً، والناس يغالون٢ في ذلك حتى يقولوا٣: إنه جُمعت
الكراريس التي كتبها وحُسبت مدة عمره وقسمت الكراريس على المدة فكان
ما خص كل يوم تسع كراريس ، وهذا شيء عظيم لا يكاد يقبله العقل . ويُقال
إنه جمعت بُرَاية أقلامه التي كتب؛ بها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
فحصل منها شيء كثير ، وأوصى أن يُسَخَّن بها الماء الذي يغسل به بعد
موته ، ففعل ذلك ، فكفت وفضل منها . وله أشعار لطيفة ، أنشدني له بعض
الفضلاء يخاطب أهل بغداد :
عَذيريَ من فتية بالعراق قلوبهُمُ بالجفا قُلْبُ
وقولُ القريب فلا يُعْجِب
يرَونَ العجيبَ كلامَ الغريبِ
إلى غير جيرانهم تقلب
ميازيبهم إن تندّت بخيرٍ
مُغَنّة الحيِّ ما تطرب
وعذرهُمُ عند توبيخهمْ
وله أشعار كثيرة . وكانت له في مجالس الوعظ أجوبة نادرة ، فمن أحسن
ما يحكى عنه أنه وقع النزاع ببغداد بين أهل السنّة والشيعة في المفاضلة بين أبي
بكر وعلي ، رضي الله عنهما، فرضي الكل بما يجيب به الشيخ أبو الفرج ،
فأقاما° شخصاً سأله عن ذلك وهو على الكرسي في مجلس وعظه ، فقال :
أفضلها مَنْ كانت ابنته تحته ، ونزل في الحال حتى لا يراجَعَ في ذلك ، فقالت
السنَّة : هو أبو بكر لأن ابنته عائشة رضي الله عنها تحت رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وقالت الشيعة : هو علي لأن فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه
١ زاد في المطبوعة : وله لقط المنافع في الطب ، ولم يرد ذلك في المخطوطات .
٢ ص : يتغالون .
٣ يقولوا : كذا في ص والمسودة ، وله وجه .
٤ ر : كان يكتب .
٥ كذا في المسودة وس ر ص، والضمير عائد إلى الفرقتين : السنة والشيعة .
٠
١٤١

وسلم تحته ، وهذا من لطائف الأجوبة ، ولو حصل بعد الفكر التام وإمعان
النظر كان في غاية الحسن فضلاً عن البديهة . وله محاسن كثيرة يطول شرحها.
وكانت ولادته بطريق التقريب سنة ثمان ، وقيل عشر وخمسمائة . وتوفي
ليلة الجمعة ثاني عشر شهر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة ببغداد ودفن
بباب حرب، وتوفي والده في سنة أربع عشرة وخمسمائة ، رحمهما الله تعالى .
وحُمَّادى: بضم الحاء المهملة وتشديد الميم وبعد الألف دال مهملة مفتوحة
وياء مفتوحة .
والجوزي : بفتح الجيم وسكون الواو وبعدها زاي ، هذه النسبة إلى فرضة
الجوز ، وهو موضع مشهور١ .
ورأيت بخطي في مسوداتي أن جده كان من مشرعة الجوز ، إحدى محالّ
بغداد بالجانب الغربي ، والله أعلم .
وقال ابن النجار في تاريخ بغداد: كان أبو الفرج ابن الجوزي يقول: لا أتحقق
مولدي غير أنَّ والدي مات سنة أربع عشرة وقالت الوالدة : كان لك من
العمر نحو ثلاث سنين. وكان والده يعمل الصفر بنهر القلايين، والله أعلم .
(95) وكان ولده محيي الدين أبو محمد يوسف بن عبد الرحمن محتسب بغداد
وتولى تدريس المدرسة المستنصرية لطائفة الحنابلة ، وكان يتردد في الرسائل إلى
الملوك ، وصار أستاذ دار الخلافة ، ومولده ليلة السبت ثالث عشر ذي القعدة
سنة ثمانين وخمسمائة ببغداد، وتوفي في وقعة التتر قتيلا سنة ثلاث وخمسين وستمائة.
(96) وكان سبطه شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قُرُ غلي الواعظ المشهور
حنفي المذهب ، وله صيت وسمعة في مجالس وعظه وقبول عند الملوك وغيرهم ،
وصنّف تاريخاً كبيراً رأيته بخطه في أربعين مجلداً سمّاه ((مرآة الزمان)»، وتوفي
ليلة الثلاثاء حادي عشرين ذي الحجة سنة أربع وخمسين وستمائة بدمشق بمنزله
يجبل قاسيون ودفن هناك، ومولده سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ببغداد ، رحمه
الله تعالى ، وكان هو يقول : أخبرتني أمي ان مولدي سنة اثنتين وثمانين٢.
١ إلى هنا انتهت الترجمة في س م .
٢ («ورأيت بخطي» إلى آخر الترجمة: لم يرد في المطبوعة المصرية وهو ثابت في المسودة وص ر.
١٤٢

٣٧١
السهيلي
أبو القاسم وأبو زيد عبد الرحمن بن الخطيب أبي محمد عبد الله ابن الخطيب
أبي عمر أحمد بن أبي الحسن أصبغ بن حسين بن سعدون بن رضوان بن فُتوح،
وهو الداخل إلى الأندلس . - قال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية ١ : هكذا
أملى عليّ نسبه - الختعمي السهيلي الإمام المشهور صاحب كتاب (( الروض
الأُنُف)) في شرح سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله كتاب ((التعريف
والإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء الأعلام))، وله كتاب ((نتائج الفكر))
ومسألة رؤية الله تعالى في المنام ، ورؤية النبي صلى الله عليه وسلم، ومسألة السر
في عَوَر الدجال، ومسائل كثيرة مفيدة . وقال ابن دحية: أنشدني وقال : إنه
ما سأل الله تعالى بها حاجة إلا أعطاه إياها وكذلك من استعمل إنشادها وهي:
يا من يَرى ما في الضمير ويسمعُ أنت المُعَدّ لكل ما يُتَوَقْعُ
يا مَنْ إِليه المشْتَكى والمفْزَع
يا من يُرَجّى للشدائد كلّها
امتن فإن الخير عندك أجمع
يا من خزائنُ رزقه في قول کُنْ
فبالافتقار إليك فَقري أدفع
ما لي سوى فَقْري إليك وسيلةٌ
ما لي سوى قر عي لبابك حيلةُ"
فلئن رَدَدْتَ فأيَّ باب أقرَع
إن كان فضلُكَ عن فقيركَ يمنع
الفضلُ أجزلُ والمواهِبُ أوْسع
ومَنِ الذي أدعو وأهتف باسمه
حاشا مجْدِك أن يقنْط عاصياً
...
٣٧١ - ترجمة السهيلي في زاد المسافر: ٩٦ وبغية الملتمس (رقم: ١٠٢٥) والتكلة (رقم :
١٦١٣) والديباج المذهب: ١٥٠ والمغرب ١: ٤٤٨ والنفح ٢: ١٠٢ ونكت الهميان:
١٨٧ وانباه الرواة ٢: ١٦٢ وتذكرة الحفاظ: ١٣٤٨ وعبر الذهبي ٤: ٢٤٤ والشذرات
٤ : ٢٧١ وغاية النهاية ١ : ٣٧١؛ والترجمة هنا مطابقة لما في المسودة .
١ انظر المطرب: ٢٣٠ وفيه ترجمة مطولة له .
١٤٣

وأشعاره كثيرة وتصانيفه ممتعة ، وكان ببلده يتسوغ بالعفاف ويتبلغ
بالكفاف ، حتى نمي خبره إلى صاحب مراكش فطلبه إليها وأحسن إليه ،
وأقبل بوجه الإقبال عليه ، وأقام بها نحو ثلاثة أعوام .
ومولده سنة ثمان وخمسمائة بمدينة مالَقَةَ . وتوفي بحضرة مراكش يوم
الخميس ودفن وقت الظهر ، وهو السادس والعشرون من شعبان سنة إحدى
وثمانين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى ؛ وكان مكفوفاً .
والخَفْعمي : بفتح الخاء الموحدة وسكون الثاء المثلثة وفتح العين المهملة
وبعدها ميم ، هذه النسبة إلى خَتْعَم بن أنمار ، وهي قبيلة كبيرة ، وفيه
اختلاف .
والسُّهَيلي: بضم السين المهملة وفتح الهاء وسكون الياء المثناة من تحتها
وبعدها لام ، هذه النسبة إلى سُهَيل ، وهي قرية بالقرب من مالقة ، سميت
باسم الكوكب لأنه لا يُرى في جميع بلاد الأندلس إلا من جبل مُطِلٍ
عليها١ .
وما لَقَةُ - بفتح الميم وبعد الألف لام مفتوحة ثم قاف مفتوحة وبعدها
هاء ، وهي مدينة كبيرة بالأندلس ، وقال السمعاني : بكسر اللام ، وهو
غلط ٢ .
١ انظر الروض المعطار: ١٨٠.
٢ إلى هنا تنتهي النسخة ص وقد جاء في ختامها: ((نجز الجزء الأول من وفيات الأعيان بحمد الله.
ومنه وإعانته وحسن توفيقه سنة خمس وثلاثين وسبعمائة ، علقه لنفسه الفقير إلى الله عز وجل
محمد بن الحسين بن محمود البالسي عفا الله عنه وسامحه بمنه ولطفه وكرمه، يتلوه في الجزء الثاني
(ترجمة) أبي جعفر المنصور ... الخ .)) قلت: وقد وضع وستنفيلد عنواناً لترجمة أبي جعفر
(رقم ٣٨١ مع أنها تقدمت عنده رقم ٣٤٠)، ووضع بعدها عنواناً لترجمة القائم بأمر الله العباسي
رقم ٣٨٢ وهي من مستدركات الفوات ١ : ٤٣١).
١٤٤

٣٧٢
أبو مسلم الخراساني
أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم ، وقيل عثمان ، الخراساني القائم بالدعوة
العباسية ، وقيل هو إبراهيم بن عثمان بن يسار بن شذوس بن جودرن١ من ولد
بزرجمهر بن البختكان٣ الفارسي ، قال له إبراهيم الإمام ابن محمد بن علي بن
عبد الله بن العباس بن عبد المطلب: غَيِّرِ اسمك فما يتم لنا الأمر حتى تغير
اسمك ، فسمى نفسه عبد الرحمن ، والله أعلم .
كان أبوه من رستاق فريذين من قرية تسمى سنجرد٣ وكانت هذه القرية له
مع عدة قرى ، وقيل : إنه من قرية يقال لها ماخُوان ، على ثلاث؛ فراسخ
من مرو ، وكان بعض الأحيان يجلب إلى الكوفة مواشي ، ثم إنه قاطع° على
رُستاق فريذين، فلحقه فيه عجز، وأنفذ عامل البلد إليه من يُشْخصه إلى
الديوان ، وكان له عند أذين بنداذ ابن وستجان جارية اسمها وشيكة جلبها من
الكوفة ، فأخذ الجارية معه وهي حامل ، وتنحَّى عن مؤدَّى خراجه آخذاً
إِلى أَدْرَ بيجان، فاجتاز على رستاق فاتق بعيسى بن مَعْقِل بن عمير أخي
إدريس بن معقل جد أبي دُلَف العجلي فأقام عنده أياماً ، فرأى في منامه
٣٧٢ - أخباره في كتب التاريخ التي تناولت الدعوة العباسية كالطبري والمسعودي واليعقوبي وابن
الاثير وابن خلدون وغيرها؛ وانظر أيضاً تاريخ بغداد ١٠: ٢٠٧ والمعارف: ٣٧٠ وميزان
الاعتدال ٢: ٥٨٩ وعبر الذهبي ٣٨٦:١ والشذرات ١: ١٧٩، وابتداءً من هذه الترجمة
تشترك نسخة كوبريللي (ورمزها ل) مع سائر المخطوطات .
١ ر : جودون .
٢ الكاف هنا فارسية النطق .
٣ ل : سنجر .
٤ كذا في المسودة .
٥ س : قطع .
١٠ - ٣
١٤٥

كأنه جلس للبول فخرج من إحليله نار وارتفعت في السماء وسدت الآفاق وأضاءت
الأرض ووقعت بناحية المشرق ، فقصَّ رؤياه على عيسى بن معقل فقال له :
ما أشك أن في بطنها غلاماً ، ثم فارقه ومضى إلى أذربيجان ومات بها .
ووضعت الجارية أبا مسلم ، ونشأ عند عيسى ، فلما ترعرع اختلف مع ولده
إلى المكتب ، فخرج أديباً لبيباً يُشار إليه في صغره . ثم إنه اجتمع على عيسى
ابن معقل وأخيه إدريس جد أبي دلف العجلي بقايا من الخراج تقاعدا من أجلها
عن حضور مؤدّى الخراج بأصبهان ، فأنهى عامل أصبهان خبرهما إلى خالد بن
عبد الله القَسْري والي العراقين ، فأنفذ خالد من الكوفة١ من حملها إليه بعد
قبضه عليهما ، فتركهما خالد في السجن ، فصادفا فيه عاصم بن يونس العجلي
محبوساً بسبب من أسباب الفساد ، وقد كان عيسى بن معقل قبل أن يقبض عليه
أنفذ أبا مسلم إلى قرية من رستاق فاتق لاحتمال غَلَّتها ، فلما اتصل به خبر
عيسى بن مَعْقِل باع ما كان احتمله من الغلة وأخذ ما كان اجتمع عنده من ثمنها
ولحق بعيسى بن معقل ، فأنزله عيسى بداره في بني عجل ، وكان يختلف إلى
السجن ويتعهد عيسى وإدريس ابني معقل .
وكان قد قدم الكوفة جماعة من نُقَباء الإمام محمد بن علي بن عبد الله بن
العباس بن عبد المطلب - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - مع عدة من الشيعة
الخراسانية ، فدخلوا على العجليين السجن مسلّمين ، فصادفوا أبا مسلم عندهم ،
فأعجبهم عقله ومعرفته وكلامه وأدبه ، ومال هو إليهم ، ثم عرف أمرهم وأنهم
دُعاة، واتفق مع ذلك هَرَبُ عيسى وإدريس من السجن ، فعدل أبو مسلم
من دور بني عجل إلى هؤلاء النقباء ، ثم خرج معهم إلى مكة ، حرسها الله
تعالى ، فأورد النقباء على إبراهيم بن محمد الإمام - المذكور في ترجمة أبيه محمد بن
علي وقد تولى الإمامة بعد وفاة أبيه - عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم ،
وأهدوا إليه أبا مسلم ، فأعجب به وبمنطقه وعقله وأدبه ، وقال لهم : هذا
عُضْلة من العُضَل . وأقام أبو مسلم عند الإمام إبراهيم يخدمه حضراً وسَفَراً.
"
--
١ من الكوفة : سقط من ل .
١٤٦

ثم إن النقباء عادوا إلى إبراهيم الإمام وسألوه رجلً يقوم بأمر خراسان ،
فقال : إني قد جَرَّبت هذا الأصبهاني وعرفت ظاهره وباطنه فوجدته حَجَرَ
الأرض ، ثم دعا أبا مسلم وقلده الأمر وأرسله إلى خراسان وكان من أمره ما
كان . وكان إبراهيم الإمام قد أرسل إلى أهل خراسان سليمان بن كثير الحراني
يدعوهم إلى أهل البيت ، فلما بعث أبا مسلم أمر مَنْ هناك بالسمع والطاعة له ،
وأمره أن لا يخالف سليمان بن كثير ، فكان أبو مسلم يختلف ما بين إبراهيم
وسليمان .
وقال المأمون ، وقد ذُكر أبو مسلم عنده : أجلُّ ملوك الأرض ثلاثة ، وهم
الذين قاموا بثقل الدول : الاسكندر وأردشير وأبو مسلم الخراساني .
وكان أبو مسلم يدعو الناس إلى رجل من بني هاشم وأقام على ذلك سنين
وفعل في خراسان وتلك البلاد ما هو مشهور ولا حاجة إلى الإطالة بذكره .
وكان مروان بن محمد ، آخر ملوك بني أُمية ، يحتال على الوقوف على حقيقة
الأمر وأن أبا مسلم إلى من يدعو منهم، فلم يزل على ذلك حتى ظهر له أن الدعاء
لإبراهيم الإمام١، وكان مقيماً عند اخوته وأهله بالحميمة - الآتي ذكرها في
ترجمة جده علي بن عبد الله بن العباس رضي الله عنهما - فأرسل إليه وقبض عليه
وأحضره إلى حران فأوصى إبراهيم بالأمر من بعده لأخيه عبد الله السفاح .
ولما وصل إبراهيم إلى حرّان حبسه مروان بها ثم غمه بجراب طرح فيه نَوْرة
وجعل فيه رأسه وسدَّ عليه إلى أن مات ، وذلك في صفر سنة اثنتين وثلاثين
ومائة ، وقيل إنه قتله غير هذه القتلة لكن هذا هو الأكثر ، وكان عمره إحدى
وخمسين سنة ، وكان دفنه هناك داخل حران .
ثم صار أبو مسلم يدعو الناس إلى أبي العباس عبد الله بن محمد الملقب السفاح .
وكان بنو أمية يمنعون بني هاشم من نكاح الحارثية للخبر المروي في ذلك أن هذا
الأمر يتم لابن الحارثية ، فلما قام عمر بن عبد العزيز بالأمر أناه محمد بن علي
١ قدم القول إنه سيذكر إبراهيم الإمام في ترجمة أبيه ، وها هو يذكره هنا ، والنص من المزيدات
في حاشية المسودة .
٠
١٤٧

وقال : اني أردت أن اتزوج ابنة خالي من بني الحارث بن كعب ، أفتأذن لي ؟
قال : تزوج من شئت ، فتزوج ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان
ابن الركال بن قطن بن زياد بن الحارث بن كعب ، فأولدها السفاح المذكور ،
فتولى الخلافة١ .
ووصف المدائني أبا مسلم فقال : كان قصيراً أسمر جميلاً حلواً نقي البشرة
أحور العين عريض الجبهة حسن اللحية وافرها طويل الشَّعْرَةِ طويل الظهر
قصير الساق والفخذ خافض الصوت ، فصيحاً بالعربية والفارسية حلو المنطق
راوية للشعر عالماً بالأمور، لم يُرَ ضاحكاً ولا مازحاً إلا في وقته ولا يكاد
يُقَطِّب في شيء من أحواله، تأتيه الفتوحات العظام فلا يظهر عليه أثر السرور،
وتنزل به الحوادث الفادحة٢ فلا يُرى مكتئباً، وإذا غضب لم يستفزَّهُ الغضب،
ولا يأتي النساء في السنة إلا مرة واحدة ، ويقول : الجماع جنون ويكفي
الإنسان أن يُجَنَّ في السنة مرة، وكان من أشد الناس غَيْرَةً [لا يدخل
قصره غيره ، وكان في القصر كوَّى يطرح لنسائه منها ما يحتجْنَ
إليه ، قالوا : وليلة زفت إليه امرأته أمر بالبرذون الذي ركبته فذبح وأحرق
سرجه ، لئلا يركبه ذكر بعدها ، وقال له ابن شبرمة : أصلح الله الأمير ، من
أشجع الناس ؟ قال : كل قوم في إقبال دولتهم ؛ وكان أقل الناس طمعاً ،
واكثرهم طعاماً ، ولما حج نادى في الناس : برئت الذمة ممن أوقد ناراً ، فكفى
العسكر ومَنْ معه أمر طعامهم وشرابهم في ذهابهم وإيابهم ومنصرفهم ،
وهربت الأعراب ، فلم يبق في المناهل منهم أحد لما كانوا يسمعونه من سفكه
الدماء : قتل في دولته ستمائة ألف صبراً ، فقيل لعبد الله بن المبارك : أبو مسلم
خير أو الحجاج ؟ قال: لا أقول إن أبا مسلم كان خيراً من أحد، ولكن الحجاج
كان شرّاً منه]٣ .
١ وكان أبو مسلم يدعو ... الخلافة: ورد في المسودة ور وبعضه في م ولم يرد في سائر النسخ
والمطبوعة المصرية .
٢ ل : القادحة ، وسقطت من م.
٣ ما بين معقفين لم يرد في النسخ الخطية .
١٤٨

وقيل له : بمَ بلغتَ ما بلغت ؟ فقال: ما أخرتُ أمر يومي إلى غد قط.
وذكر الزمخشريّ في كتاب ((ربيع الأبرار)) في باب ((الأسنان وذكر الصِّبا
والشباب)) أن أبا مسلم نهض للدعوة وهو ابن ثماني عشرة سنة ، وقُتل وهو ابن
ثلاث وثلاثين سنة . وقال الزمخشري أيضاً في كتابه المذكور انه كان عظيم
القدر - يعني أبا مسلم - وإنه قدم مرة فتلقاه ابن أبي ليلى القاضي المشهور
فقبَّل يده ، فقيل له في ذلك فقال : قد لقي أبو عبيدة ابنُ الجراح عمر بن
الخطاب رضي الله عنهما فقبّل يده ، فقيل له : أتشبّه أبا مسلم بعمر ؟ فقال :
أتشبهونني بأبي عبيدة١ ؟
وكان له إخوة من جملتهم يَسار جدُّ علي بن حمزة بن عمارة بن حمزة بن
يسار الأصبهاني .
وكانت ولادته في سنة مائة للهجرة ، والخليفة يومئذ عمر بن عبد العزيز
رضي الله عنه ، في رستاق فاتق، بقرية يقال لها ناوانَه٢٠، ويدّعي أهل
مدينة جيّ الأصبهانية أن مولده بها . ولما ظهر بخراسان كان أول ظهوره
بمرو يوم الجمعة لتسع بقين ، وقال الخطيب لخمس بقين من شهر رمضان سنة
تسع وعشرين ومائة ، والوالي بخراسان يومئذ نصر بن سَيَّار الليثي من جهة
مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية ، فكتب نصر إلى مروان :
أرى جَذَعاً إِن يُثْنِ لم يَقْوَ رَيِّضٌ عليه، فبادِرْ قَبْلَ أن يُثْنِيَ الجَّدَعْ
وكان مروان مشغولاً عنه بغيره من الخوارج بالجزيرة الفراتية وغيرها منهم
الضحاك بن قيس الحروري وغيره فلم يجبه عن كتابه ، وأبو مسلم يوم ذاك في
خمسين رجلاً ، فكتب إليه ثانية قول أبي مريم عبد الله بن إسماعيل البجلي
الكوفي وهو من جملة أبيات كثيرة، وكان أبو مريم منقطعاً إلى نصر بن سيار
وكان له مكتب بخراسان :
١ انظر هذا الخبر في البصائر والذخائر ٢/٣: ٨١٢.
٢ كذا في المسودة وس ؛ ر : ماوان .
١٤٩

ويوشك أن يكون لها ضِرامُ
أَرِى خَلَلَ الرماد وميضَ نارٍ
وإن الحرب أولُها كلام
فإن النار بالزندَينِ تُورى
يكون وقودَها جُثَثٌ وهام
لئن لم يُطْفِها عقلاء قوم
أأيقاظٌ أُميّةُ أم نيام
أقول من التعجّب ليت شعري
فقل قوموا فقد حان القيام
فإنْ كانوا لحينهمُ نياماً
وهذا مثل ما يحكى عن بعض علوية الكوفة أنه قال ، لما خرج محمد بن
عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه على أبي جعفر
المنصور وأخوه إبراهيم بن عبد الله :
لها في كل ناحية شعاعُ
أرى ناراً تشبُّ على يَفاعٍ
وباتت وهي آمنةٌ رقاع
وقد رقدت بنو العباس عنها
تدافعُ حين لا يغني الدفاع
كما رقدت أميّة ثم هبَّت
رجعنا إلى الاول :
فانتظر ابن سيار ما يكون من مروان ، فجاءه جوابه وهو يقول : إِنا
حين وليناك خراسان ، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب ، فاحسم التؤلول
قبلك ، فقال نصر حين أتاه الجواب : قد أعلمكم أنْ لا نصر عنده ، ثم كتب
ثانيا١ً فأبطأ عنه الجواب . واشتدت شوكة أبي مسلم فهرب نصر من خراسان
وقصد العراق ، فمات في الطريق بناحية ساوة ، وقيل إنه مرض بالري وحمل
إلى ساوة وهي بالقرب من همذان ، فمات بها في شهر ربيع الأول سنة إحدى
وثلاثين ومائة ، وكانت ولايته بخراسان عشر سنين .
وفي يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائة وثَبَ أبو
مسلم على علي بن جديع بن علي الكرماني بنيسابور فقتله بعد أن قَيَّده وحبسه،
١ وهذا مثل ما يحكى ... كتب ثانياً: مورد في المسودة وم ر ووستنفيلد وسقط من سائر النسخ
والمطبوعة المصرية .
١٥٠

وقعد في الدست وسُلم عليه بالإمرة وصلى وخطب ودعا للسفاح أبي العباس عبد
الله بن محمد أوّل خلفاء بني العباس ، وصَفَتْ له خراسان وانقطعت عنها ولاية
بني أُمية . ثم سير العساكر لقتال مروان بن محمد ، وظهر السفاح بالكوفة
وبويع بالخلافة ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر وقيل
الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة ، وقيل غير هذا التاريخ .
وتجهزت العساكر الخراسانية وغيرها من جهة السفاح لقصد مروان بن محمد
ومُقَدَّمُها عبد الله بن علي عم السفاح، فتقدم مروان إلى الزاب، النهر الذي بين
الموصل وإِربل، وكانت الوقعة على كُشَاف - بضم الكاف وهي قرية هناك - ،
وانكسر عسكر مروان وهرب إلى الشام ، فتبعه عبد الله يجيوشه ، فهرب إلى
مصر، فأقام عبد الله بدمشق وأرسل جيشاً وراء مروان مع الأصفر - وقيل:
مصفر - وعامر بن إسماعيل الجرجاني١ .
فلما وصل إلى بُوصِيرَ القرية التي عند الفيوم قتل بها ليلة الأحد لثلاث بقين
من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة ، رحمه الله تعالى ، وقيل في ذي القعدة
من السنة ، قتله عامر المذكور ، واحتزُّوا رأسه وبعثوه إلى السفاح ، فبعثه
السفاح إلى أبي مسلم وأمره يطيف به في بلاد خراسان .
وقيل لمروان : ما الذي أصارك إلى هذا ؟ قال : قلة مبالاتي بكتب نصر
ابن سيار لما استنصرني وهو بخراسان٢ .
فاستقل السفاح بالخلافة ، وخلا له الوقت من منازع .
[وقال أبو عثمان التيمي قاضي مروان بن محمد : رأيت في منامي كأن عاتكة
بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية ناشرة شعرها وهي واقفة على مرقى بين
مراقي منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تنشد بيتين من قصيدة الأحوص
التي أولها :
يا بيت عاتكة الذي أتعزَّل
١ فأقام عبد الله ... الجرجاني : زيادة من ر والمسودة ووستنفيلد ، ولم يرد في المطبوعة المصرية.
٢ وقيل في ذي القعدة ... بخراسان: من ر والمسودة ووستنفيلد، ولم يرد في المطبوعة
المصرية .
١٥١
:
:
:
:
........ . . .<
:
:
:

كنا به زمناً نسرّ ونجذل
أين الشباب وعيشنا اللذّ الذي
ذهبت بشاشته وأصبح ذكره حزناً يعلّ به الفؤاد وينهل
قال أبو عثمان التيمي : فلم يكن بين ذلك وبين الحادثة على بني أُمية إلا أقل
من شهر .
ووجد بخط محمد بن أسعد قال : كان الخراز يقول : من أعجب أحاديث
مروان بن محمد ما رواه المدائني قال : لما حاصر مروان تدمر فظفر بها وهدم
دورها افضى إلى جرن طويل ، فلم يشك مروان والحاضرون أن تحته كنزاً ،
فنبشوه فإذا امرأة مسجّاة عظيمة الخلق على قفاها فوق سريرٍ من حجارة
عليها سبعون حلة منسوجة بالذهب جربّاناتها ، لها غدائر من رأسها إلى رجليها،
فذرعَ قدمها فكانت عظيمة الساق ، وكان طولها سبعة أذرع ، وإذا عند رأسها
صفيحة من نحاس مكتوب عليها بالحميرية ، فطلب من قرأه فإذا فيه : أنا تدمر
بنت حسان بن أُذينة بن السميدع بن هرم العماليقي ، من دخل عليّ بيتي هذا
فأزعجني منه حتى يراني أدخل الله عليه المهانة والذل والصَّغار ؛ فلما قرىء
المكتوب على مروان عظم عليه وندم على ما كان منه وتطيّر بذلك وجعل
يسترجع ، ثم أمر بطبق الجرن وأن يرد إلى موضعه ، وما كان بين ذلك وبين
الظفر به وزوال الملك واستباحة حريمه إلا قليل]١ .
وكان السفاح كثير التعظيم لأبي مسلم لما صنعه ودبره ، وكان أبو مسلم عند
ذلك ينشد في كل وقت :
أدركتُ بالحزم والكتمان ما عجزت عنه ملوك بني مَرْوان إذ حشدُوا
والقوم في غَفْلة بالشام قد رَقَدُوا
ما زلت أسْعى يجَهْدِي في دمارهم
من نَوْمَةٍ لم ينمها قبلهم أحد
حتى ضَرَبْتُهُمُ بالسيف فانتبهوا
ونام عنها تولّى رَغْيَها الأسد
ومن رَعى غنماً في أرضٍ مَسْبَعَةٍ
١ ما بين معقفين زيادة من ر ثابتة عند وستنفيلد، وقد أشار المؤلف في المسودة إلى وجود
(( تخريجة » في هذا الموضع.
١٥٢

ولما مات السفاح في ذى الحجة سنة ست وثلاثين ومائة بعلة الجدري -
وكانت وفاته بالأنبار - وتولى الخلافة أخوه أبو جعفر المنصور يوم الأحد لثلاث
عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من السنة وهو بمكة ، صدرت من أبي مسلم
أسباب وقضايا غيّرت قلب المنصور عليه فعزم على قتله ، وبقي حائراً بين
الاستبداد برأيه في أمره أو الاستشارة، فقال يوماً لسلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي:
ما ترى في أمر أبي مسلم؟ قال: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ (الأنبياء:
٢٢) فقال: حَسْبُكَ يا ابن قتيبة، لقد أودعتها أذناً واعية .
وكان أبو مسلم قد حج ، فلما عاد نزل الحيرة التي عند الكوفة وكان بها
نصراني عمره مائتا سنة يخبر عن الكوائن ، فأحضره وسمع كلامه ، وكان في
جملته أنه يُقتل ، وقال له : إن صرت إلى خراسان سلمت ، فعزم على الرجوع
إليها١ .
فلم يزل المنصور يخدعه بالرسائل حتى أحضره إليه ، وكان أبو مسلم ينظر
في كتب الملاحم ويجد خبره فيها وأنه مميت دولة ومحيي دولة وأنه يُقْتَل ببلاد
الروم ، وكان المنصور يومئذ برومية المدائن التي بناها كسرى ، ولم يخطر بقلب
أبي مسلم أنها موضع قتله ، بل راح وهمه إلى بلاد الروم ، فلما دخل على
المنصور رحَّبَ به ثم أمره بالانصراف إلى مُخَيَّمه، وانتظر المنصور فيه الفرص
والغوائل ، ثم إن أبا مسلم ركب إليه مراراً فأظهر له التجني ، ثم جاءه يوماً
فقيل له: إنه يتوضأ للصلاة ، فقعد تحت الرواق، ورتب المنصور له جماعة يقفون
وراء السرير الذي خلف أبي مسلم ، فإذا عاتبه لا يظهرون فإذا ضرب يداً على
يد ظهروا وضربوا عنقه ؛ ثم جلس المنصور ودخل عليه أبو مسلم فسلم فرد
عليه وأذن له في الجلوس وحادثه ثم عاتبه وقال : فعلت وفعلت ، فقال أبو
مسلم : ما يقال هذا لي بعد سعيي واجتهادي وما كان مني ، فقال له : يا ابن
الخبيثة إنما فعلت ذلك يَحَدِّنا وحظنا، ولو كان مكانك أمة سوداء لعملت عملك٢،
١ وكان أبو مسلم ... الرجوع إليها: من ر والمسودة، واردة عند وستنفيلد، ساقطة من
المطبوعة المصرية .
٢ ر : ما عملت .
١
١٥٣

ألست الكاتب إليَّ تبدأ بنفسك قبلي ؟ ألست الكاتب تخطب عمتي آسية وتزعم
أنك ابن سليط١ بن عبد الله بن العباس؟ لقد ارتقيت لا أم لك مُرْتَقِّى
صعباً . فأخذ أبو مسلم بيده يعركها ويقبلها ويعتذر إليه ، فقال له المنصور
وهو آخر كلامه : قتلني الله إن لم أقتلك ، ثم صفق بإحدى يديه على الأخرى،
فخرج إليه القوم وخبطوه بسيوفهم، والمنصور يصيح٢: اضربوا قطع الله أيديكم،
وكان أبو مسلم قد قال عند أول ضربة : استبقني يا أمير المؤمنين لعدوّك، قال:
لا أبقاني الله أبداً إذا٣ً ، وأي عدو أعدى منك ؟
وكان قتله يوم الخميس لخمس بقين من شعبان ، وقيل لليلتين ، وقيل يوم
الأربعاء لسبع ليال خلون منه ، سنة سبع وثلاثين ومائة ، وقيل سنة ست
وثلاثين ، وقيل سنة أربعين وهذا القول ضعيف ، وكان قتله برومية المدائن ،
وهي بلدة بالقرب من بغداد على دِجْلة بالجانب الغربي معدودة من مدائن كسرى.
ولما قتله أدرجه في بساط فدخل عليه جعفر بن حنظلة فقال له المنصور : ما
تقول في أمر٤ أبي مسلم؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، إن كنت أخذت من رأسه
شعرة فاقتل ثم اقتل ثم اقتل ، فقال المنصور : وفقك الله ، ها هو في البساط ،
فلما نظر إليه قتيلاً قال : يا أمير المؤمنين عُدَّ هذا اليوم أول خلافتك ، فأنشد
المنصور :
فألْقَتْ عصاها واستَقَرَّت بها النوى كما قرَّ عيناً بالإياب المسافرُ
ثم أقبل المنصور على مَنْ حضره ، وأبو مسلم طريح بين يديه وأنشد :
زعَمْتَ أن الدَّينَ لا يُقْتَضى فاسْتَوْفٍ بالكيل أبا مُجْرِمٍ
اشرَبْ بكأسٍ كنتَ تسقي بها أمرّ في الحلق من العلقمِ
...
١ هامش المسودة : خ : من ولد سليط .
٢ ر : يقول .
٣ ر : لا أبقاني الله أبداً إن أنا أبقيتك .
٤ س : قتل .
١٥٤

وكان المنصور بعد قتله أبا مسلم كثيراً ما ينشد جلساءه قول بعضهم :
طوى كشحه عن أهل كلّ مشورةٍ وبات يناجي عَزْمَه ثم صمّمًا
ومن لم يجد بُدّاً من الأمر أقدما
وأقدم لمّا لم يجد ثَمَّ مذهباً
قلت : ومن هاهنا أخذ البحتري قوله في قصيدته التي مدح بها الفتح بن خاقان
صاحب المتوكل على الله وقد لقي أسداً في طريقه فلم يقدم عليه الأسد فقتله
الفتح ، وهي من غرر قصائده والمقصود منها قوله :
فأحجمَ لمّا لم يجد فيكَ مطمعاً وأقدم لمّا لم يجد منك مهربا١
والله أعلم٢ .
وقد اختلف الناس في نسب أبي مسلم ، فقيل إنه من العرب ، وقيل من
العجم ، وقيل من الأكراد ، وفي ذلك يقول أبو دُلامة المقدم ذكره٣:
أبا مجرم ما غَيَّر الله نعمَةً على عَبْده حتى يغيّرها العبدُ
أفي دولة المنصور حاولْتَ غدرةً ألا إن أهل الغدر آباؤك الكرد
أبا مجرم خوفتني القتل فانتحى عليك بما خوفتني الأسد الوَرد
ورومية : بضم الراء وسكون الواو وكسر الميم وفتح الياء المثناة من تحتها
وبعدها هاء ساكنة ، بناها الإسكندر ذو القرنين لما أقام بالمدائن ، وكان قد
طاف الأرض شرقاً وغرباً ، كما أخبر عنه الباري تعالى في القرآن الكريم ، ولم
يختر منها منزلاً سوى المدائن فنزلها، وبنى رومية المذكورة إذ ذاك ، والله أعلم.
١ ديوان البحتري ١ : ٢٠٠ .
٢ وكان المنصور ... أعلم: سقطت من المطبوعة المصرية وثبتت في المسودة ووستنفيلد.
٣ ر: وفي ذلك يقول بعضهم؛ وقد مر هذا في ترجمة أبي دلامة رقم: ٢٤٤ من زيادات النسخ.
١٥٥
:

٣٧٣
الخطيب ابن نباتة
الخطيب أبو يحيى عبد الرحيم بن محمد بن إسماعيل بن نباتة ، الحُذاقي
الفارقي صاحب الخطب المشهورة ؛ كان إماماً في علوم الأدب ، ورزق السعادة
في خطبه التي وقع الإجماع على أنه ما عمل مثلها ، وفيها دلالة على غزارة علمه
وجَوْدة قريحته . وهو من أهل مَيّافارقين ، وكان خطيبَ حلب وبها اجتمع
بأبي الطيب المتنبي في خدمة سيف الدولة بن حمدان ، وقالوا : إنه سمع عليه
بعض ديوانه١. وكان سيف الدولة كثير الغزوات فلهذا أكثر الخطيب من خطب
الجهاد ليحضّ الناس عليه، ويحثهم على نصرة سيف الدولة، وكان رجلاً صالحاً.
وذكر الشيخ٢ تاج الدين الكندي بإسناده المتصل إلى الخطيب ابن نباتة أنه
قال : لما عملت خطبة المنام وخطبت بها يوم الجمعة رأيت ليلة السبت في منامي
كأني بظاهر ميافارقين عند الجبانة فقلت : ما هذا الجمع ؟ فقال لي قائل : هذا
النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه، فقصدت إليه لأسلم عليه ، فلما دنوت
منه التفت فرآني فقال : مرحباً يا خطيب الخطباء ، كيف تقول ؟ وأومأ إلى
القبور؛ قلت : لا يخبرون بما إليه آلوا ، ولو قدروا على المقال لقالوا ، قد
شربوا من الموت كأساً مرة ، ولم يفقدوا من أعمالهم ذرة ، وآلى عليهم الدهر
٣٧٣ - له ترجمة في عبر الذهبي ٢: ٣٦٧ والشذرات ٣: ٨٣، وانظر بروكلمان ٢ : ١٠٨
(الترجمة العربية) .
١ وقالوا ... ديوانه : سقط من ل .
٢ س ل: ورأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه وهو في المقابر، قال: فأشار بيده إلى القبور
وقال: يا خطيب كيف قلت ... الخ؛ وهذه هي الرواية المثبتة في متن المسودة وقد كتب فوقها :
(( هاهنا تكتب التخريجة )» وقد شطب على الأسطر المذكورة بخط ضعيف ؛ وهذا ربما يدل على
أن المؤلف كان ينوي إدراج السند وإحداث تغيير في النقل . وقد أوردت النسخة ر النص كما
أثبتناه هنا .
١٥٦

ألية برة ، أن لا يجعل لهم إلى دار الدنيا كرة، كأنهم لم يكونوا للعيون قرة ،
ولم يُعَدُّوا في الأحياء مرة، أسكتهم والله الذي أنطقهم، وأبادهم الذي خلقهم،
وسيجدّهم كما أخلقهم ، ويجمعهم كما فرّقهم [يوم يعيد الله العالمين خلقاً جديداً ،
ويجعل الظالمين لنار جهنم وقوداً، يوم تكونون شهداء على الناس ويكون الرسول
عليكم شهيداً - وأومأت عند قولي ((تكونون شهداء على الناس)) إلى الصحابة
وبقولي (( شهيداً)) إلى الرسول صلى الله عليه وسلم - ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت
من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً﴾ ، فقال لي:
أحسنت ، ادنُ ، فدنوت منه صلى الله عليه وسلم فأخذ وجهي وقبّله]١ ثم تفل
في فيّ وقال: وفقك الله ، قال: فانتبهت من النوم وبي من السرور ما يجل
عن الوصف فأخبرت أهلي بما رأيت .
قال الكندي بروايته٢ : وبقي الخطيب بعد هذا المنام ثلاثة أيام لا يطعم
طعاماً ولا يشتهيه ، ويوجد في فيه رائحة المسك ، ولم يعش إلا مدة يسيرة .
ولما استيقظ الخطيب من منامه كان على وجهه أثر نور وبهجة لم تكن قبل ذلك،
وقص رؤياه على الناس، وقال : سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً،
وعاش بعد ذلك ثمانية عشر يوماً لا يستطعم فيها طعاماً ولا شراباً من أجل
تلك التفلة وبركتها . وهذه الخطبة التي فيها هذه الكلمات تُعرف بالمنامية لهذه
الواقعة .
وهذا الخطيب لم أرَ أحداً من المؤرخين ذكر تاريخه في المولد والوفاة سوى
ابن الأزرق الفارقي في تاريخه ، فإنه قال : ولد في سنة خمس وثلاثين وثلثمائة .
وتوفي في سنة أربع وسبعين وثلثمائة بميافارقين ودفن بها ، رحمه الله تعالى .
ورأيت في بعض المجاميع قال الوزير أبو القاسم ابن المغربي : رأيت الخطيب
ابن نباتة في المنام بعد موته فقلت له: ما فعل الله بك ؟ فقال : دُفع لي ورقة
فيها سطران بالأحمر وهما :
قد كان أمنٌ لك من قبل ذا واليوم أضحى لك أمنانٍ
١ زيادة انفردت بهار، وقد جاءت عند وستنفيلد .
٢ بعض النص التالي سقط من س وبعضه الآخر سقط من ل .
١٥٧

والصفح لا يحسن عن مُحْسن وإنما يحسن عن جاني
قال : فانتبهت من النوم وأنا أكررهما .
ونُبَاتة : بضم النون وفتح الباء الموحدة وبعد الألف تاء مثناة من فوقها
مفتوحة ثم هاء ساكنة .
والحذاقي١: بضم الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة وبعد الألف قاف ، هذه
النسبة إلى حُذاقة بطن من قضاعة، وقال ابن قتيبة في كتاب ((أخبار
الشعراء))٢: وحذاق قبيلة من إياد، والله أعلم.
٣٧٤
القاضي الفاضل
أبو علي عبد الرحيم ابن القاضي الأشرف بهاء الدين أبي المجد علي ابن القاضي
السعيد أبي محمد الحسن بن الحسن بن أحمد بن الفَرَج بن أحمد اللخمي العسقلاني
المولد المصري الدار ، المعروف بالقاضي الفاضل الملقب مجير الدين ؛ وزر السلطان
الملك الناصر صلاح الدين ، رحمه الله تعالى ، وتمكن منه غاية التمكن ، وبرز
في صناعة الإنشاء ، وفاق المتقدمين ، وله فيه الغرائب مع الإكثار . أخبرني
أحد٣ الفضلاء الثقات المطلعين على حقيقة أمره أن مسؤَّدات رسائله في المجلدات
١ لم يرد هذا الضبط في س ل ، وورد في ر والمسودة .
٢ انظر الشعر والشعراء : ١٦٢.
٣٧٤ - أخباره في الكتب التاريخية التي تتحدث عن الفترة الصلاحية كابن الأثير وسيرة السلطان
يوسف والروضتين ومفرج الكروب، وانظر ترجمته في طبقات السبكي : : ٢٥٣ والنجوم
الزاهرة ٦: ١٥٦ وعبر الذهبي ٤ : ٢٩٣ والشذرات ٤: ٣٢٤ وفي نهاية الأرب ٨ :
١ - ٥١ مجموعة من رسائله وكذلك في صبح الأعشى ورسائله الخطية في مجموعات كثيرة، وله
ديوان مطبوع في جزءين بتحقيق الدكتور أحمد أحمد بدوي (القاهرة ١٩٦١).
٣ رس : بعض .
١٥٨

والتعليقات في الأوراق إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد، وهو مجيد في أكثرها.
قال العماد الأصبهاني في كتاب ((الخريدة)) في حقه١: رب القلم
والبيان ، واللّسَن واللسان ، والقريحة الوقادة ، والبصيرة النقادة، والبديهة
المعجزة ، والبديعة المطرزة ، والفضل الذي ما سمع في الأوائل بمن لو عاش في
زمانه لتعلق بغباره ، أو جرى في مضاره ، فهو كالشريعة المحمدية التي نسخت
الشرائع ، ورسخت بها الصنائع ، يخترع الأفكار ، ويفترع الأبكار ، ويطلع
الأنوار ، ويبدع الأزهار ، وهو ضابط الملك بآرائه ، رابط السلك بآلائه ، إِن
شاء أنشأ في يوم واحد بل في ساعة واحدة ما لو دوّن لكان لأهل الصناعة خير
بضاعة ، أين قُس عند فصاحته ؟ وابن قيس في مقام حَصافته ؟ ومَنْ حاتم
وعمرو في سماحته وحماسته ؟ وأطال القول في تقريظه .
ونذكر له رسالة لطيفة كتبها على يد خطيب عَيْذاب إلى صلاح الدين يتشفع
له في توليته خطابة الكرك وهي: ((أدام الله السلطان الملك الناصر وثبته،
وتقبَّل عمله بقبولٍ صالح وأنبته، وأَخذ عدوّه قائلاً أو بَيَّته، وأرغم أنفه
بسيفه وكَبَتَه ، خدمة المملوك هذه واردة على يد خطيب عيذاب ، ولما نبا به
المنزل عنها، وقلَّ عليه المرفق فيها ، وسمع بهذه الفتوحات التي طَبَّق الأرضَ
ذكرها ووجب على أهلها شكرها ، هاجر من هجير عيذاب وملحها ، سارياً
في ليلة أمل كلها نهار فلا يسأل عن صبحها . وقد رغب في خطابة الكَرَك
وهو خطيب ، وتوسل بالمملوك في هذا الملتمس وهو قريب ، ونزع من مصر إلى
الشام ومن عيذاب إلى الكرك وهذا عجيب ، والفقر سائق عنيف ، والمذكور
عائل ضعيف ، ولطف الله بالخلق بوجود مولانا لطيف، والسلام)).
وله من جملة رسالة في صفة قلعة شاهقة ولقد أبدع فيها ، ويقال إنها قلعة
كوكب (( وهذه القلعة عُقاب في عِقاب ، ونجم في سحاب ، وهامة لها الغمامة
عمامة ، وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قُلامة)) ..
وملحه ونوادره كثيرة. وقوله ((كان الهلال لها قُلامة)» أخذه من قول
١ الخريدة (قسم مصر) ١ : ٣٥.
١٥٩

عبد الله بن المعتز من جملة أبياته المتقدم ذكرها في ترجمته وهو قوله :
ولاح ضوء هلالٍ كاد يفضَحُنا مثلُ القُلامة قد قُدَّت من الظُّفر
وابن المعتز أخذه من قول عمرو بن قميئة وهو :
كأن ابن مزنتها جانحاً فسيط لدى الأفْقِ من خنصر
والفسيط ، بفتح الفاء وكسر السين المهملة ، قلامة الظفر١ .
ومن كلامه في أثناء رسالة وقد كبر: ((والمملوك قد وهت ركبتاه، وضعف
أطيباه ، وكتبت لام ألف عند قيامه رجلاه ، ولم يبق من نظره إلا شفافة ،
ومن حديثه إلا خرافة )».
وله في النظم أيضاً أشياء حسنة ، منها ما أنشده عند وصوله إلى الفرات في
خدمة السلطان صلاح الدين ، رحمه الله تعالى ، ويتشوق نيل مصر٢ :
بالله قل للنيل عني إنني لم أشفٍ من ماء الفرات غليلا
وسَلِ الفؤاد فإنه لي شاهد إن كان جفني بالدموع بخيلا
يا قلبُ كم خلَّفتَ ثمَّ بُشَيْنَةً وأعيذ صبرك أن يكون جميلا
ومن المنسوب إلى القاضي الفاضل قوله :
عتبٌ أُقلّبُ فيه طرف ترقشُّي فعسى يكونُ وراءَهُ الإعتابُ
ومن شعره أيضا٣ً :
بتنا على حال يَسُرّ الهوى وربما لا يمكن الشرحُ
بوّابنا الليلُ، وقلنا لهُ: إِن غبْتَ عنّا دخل الصبحُ
١ انظر ما تقدم ص: ٨٠ من هذا الكتاب .
٢ ديوانه : ٩١.
٣ ديوانه : ٢٦ .
١٦٠