Indexed OCR Text

Pages 21-40

[ويحكى أن الرشيد كان يهوى جاريته ماردة هوى شديداً، فتغاضبا مرة
ودام بينهما الغضب ، فأمر جعفر البرمكي العباس بن الأحنف أن يعمل في ذلك
شيئاً فعمل ١:
راجع أحبَّتك الذين هجرتهم إذ المتيم قلَّما يتجنبُ
إِن التجانب إِن تطاول منكما دبّ السلوّ له ففر" المطلبُ
وأمر ابراهيم الموصلي فغنى بهما ، فلما سمعه الرشيد بادر إلى ماردة فترضاها،
فسألت عن السبب في ذلك فقيل لها ، فأمرت لكل واحد من العباس وابراهيم
بعشرة آلاف درهم وأمرت الرشيد أن يكافئها فأمر لهما بأربعين ألف درهم]٢.
وله أيضاً» :
تعبٌ يطول مع الرجاء لذي الهوى خير له من راحةٍ في الياسِ
لولا محبتكم لما عاتبتكم ولكنتمُ عندي كبعض الناسٍ
وله أيضاً :
جنوناً فزدني من حدیثك يا سعد
وحدثتني يا سعد عنها فزدتني
هواها هَوَّى لم يعرف القلب غيره فليس له قبلٌ وليس له بَعدُ
وله أيضاً :
إذا أنت م تعطفك إلا شفاعةٌ فلا خيرَ في ودّ يكونُ بشافعِ .
فأقسِمُ ما تَركي عتابَك عن قِلَّى ولكن لعلمي أنه غيرُ نافع
وإني إذا لم ألزم الصبر طائعاً فلا بدَّ منه مكرهاً غيرَ طائع
١ ديوانه : ٢٨ .
٢ زيادة من ر وحدها، وحذفنا منها بيتين قافيين - من قافية القاف المطلقة - سيردان في الزيادات
المنقولة عن نسخة ص (انظر صفحة: ٢٤ في ما يلي) .
٣ وردت هذه القطعات في ديوانه: ١٦١، ٩٨، ١٧٤ وقد سقطت جميعها من س ، وجميعها
في المسودة .
٢١

[قيل انه أنشد الرشيد يوماً قوله١ :
طاف الهوى في عباد الله كلهمُ حتى إذا مرّ بي من بينهم وقفا
قال له الرشيد : ما الذي رأى فيك حتى وقف عليك ؟ قال : سألني عن جود
أمير المؤمنين فأخبرته ، فاستحسن الرشيد جوابه ووصله .
قيل إن الرشيد٢ عمل في الليل بيتاً ورام أن يشفعه بآخر فامتنع القول
عليه ، فقال : عليَّ بالعباس ، فلما طرق عليه ذعر وفزع أهله، فلما وقف بين
يدي الرشيد قال له : وجهت إليك بسبب بيت قلته ورمت أن أشفعه بمثله
فامتنع القولُ عليَّ، فقال : يا أمير المؤمنين ، دعني حتى ترجع إليَّ نفسي فإني
تركتُ عيالي على حال من القلق عظيمة ، ونالني من الخوف ما يتجاوز الحدّ
والوصف ؛ فانتظر هنيهة ثم أنشده :
جنانٌ قد رأيناها ولم نر مثلها بشرا
فقال العباس بن الأحنف :
يزيدكُ وجهها حسناً إذا ما زدته نظرا .
فقال : زدني ، فقال :
٠
ك بالإظلام واعتكرا
إذا ما الليل سال علي
ودجَّ فلم تر قمراً فأبرزها ترَ قمرا
فقال له الرشيد : قد ذعرناك وأفزعنا عيالك وأقلُّ الواجب أن نعطيك ديتك،
وأمر له بعشرة آلاف درهم .
وله - أعني الرشيد - :
إن تشقَ عيني بها فقد سعدت عينا رسولي وفزت بالخبرِ
١ ديوانه : ١٨٢.
٢ متابع لما في تاريخ بغداد: ١٣١، وانظر الديوان: ١٢٨.
٢٢

وكلما جاءني الرسول لها ردَّدت عمداً في عينه نظري
خذ مقلتي يا رسول عاريةً فانظر بها واحتكم على بصري
وأخذ المأمون هذا المعنى بعينه فقال :
بعثتك مرتاداً ففزتَ بنظرةٍ وأغفلتني حتى أسأتُ بك الظَّنَا
فيا ليت شعري عن دنوّك ما أغنى
فناجيتُ من أهوى و كنت مباعداً
لقد أخذتْ عيناك من عينها حسنا
أرى أثراً منها بعينك بيّناً
والعباس أيضا١ً :
نأيُ المحلّ ولا صرفٌ من الزمنِ
أغيبُ عنك بودّ لا يغيّرَه
وإن أمتْ فبطول الهمِّ والحزن
فإن أعش فلعلَّ الدهر يجمعنا
حتى أرى حسناً ما ليس بالحسن
قد حسّن الحب في عينيَّ ما صنعت
الشغلُ للقلب ليس الشغل للبدن
تعتلُّ بالشغل عنّا لا تكلمنا
قال الزبير بن بكار : لا أعلم شيئاً من أمور الدنيا خيرها وشرها إلا وهو
يصلح أن يتمثل فيه بنصف هذا البيت الأخير .
وله أيضا٢ً :
قد کنت
حذار هذا الصدود والغضبِ
وأنت راضية
آبکی
إِن تمّ ذا الهجرُ يا ظلومُ ولا تمّ فما لي في العيش من أَربٍ
وله أيضاً :
أُحرم منكم بما أقولُ وقد نال به العاشقون من عشقوا
صرتُ كأني ذبالةٌ نُصبتْ تضيءُ الناسِ وهي تحترقُ
١ ديوانه : ٢٧٦ وتاريخ بغداد : ١٢٩ .
٢ هذه المقطوعة والتالية لها في ديوانه: ٣٣، ١٩٧.
٢٣

قال الرياشي : لو لم يقل من الشعر إلا هذين البيتين لكفياه .
وقال أبو بكر الصُّولي١ : كنت عند القاسم بن اسماعيل فقال : انشدني عمك
إبراهيم بن العباس لخاله العباس بن الأحنف :
قد سحب الناسُ أذيالَ الظنون بنا وفرَّقَ الناسُ فينا قولهم فرقا
فكاذبٌ قد رمى بالظنِّ غيركمُ وصادقٌ ليس يدري أنه صدقا
قال عبد الله بن المعتز : لو قيل لي : ما أحسن شيء تعرفه ؟ لقلت : بيتا
العباس بن الأحنف ، وأنشد هذين البيتين .
وله أيضاً :
اليومَ آخرُ أيامِ السرورِ به واليوم أولُ يومٍ فيه أَكتئبُ
ما كنتُ أحسب أن الحزنَ ينزل بي بعد السرور فقد جاءت به العقبُ
وله أيضاً :
خيالك حين أرقدُ نصبَ عيني إلى وقت انتباهي لا يزولُ
وليس يزورني صلةً ولكن حديثُ النفس عنك به الوصولُ
وله أيضاً :
يا ذا الذي أنكرني طرفه إن ذاب جسمي وعلاني الشحوب
ما مسَّني ضرّ ولكنني جفوتُ نفسي إذ جفاني الحبيب
وله أيضاً :
أرى الطريق قريباً حين أسلكه إلى الحبيب بعيداً حين أنصرف]٣
١ تاريخ بغداد: ١٢٨ - ١٢٩ والديوان : ١٩٩.
٢ راجع ديوانه : ٢٣١، ٥٧، ١٨٩.
٣ ما بين معقفين زيادة من ص .
٢٤

وشعره كله جيد ، وهو خال إبراهيم بن العباس الصُّولي - وقد تقدم ذكر
ذلك في ترجمته في حرف الهمزة .
وتوفي سنة اثنتين وتسعين ومائة ببغداد .
وحكى عمر بن شبّة قال : مات إبراهيم الموصلي المعروف بالنديم سنة ثمان
وثمانين ومائة ، ومات في ذلك اليوم الكسائي النحوي والعباس بن الأحنف
وهُشَيمة الخمارة ، فرفع ذلك إلى الرشيد فأمر المأمون أن يصلي عليهم فخرج
فصفوا بين يديه فقال : من هذا الأول ؟ فقالوا : إبراهيم الموصلي ، فقال :
أخروه وقدموا العباس بن الأحنف ، فقدم فصلى عليه ، فلما فرغ وانصرف
دنا منه هاشم بن عبد الله بن مالك الخزاعي فقال : يا سيدي ، كيف آثرت
العباس بن الأحنف بالتقدمة على من حضر ؟ فأنشد١ :
وسعى بها ناس فقالوا : إنها لهي التي تَشْقَى بها وتُكابدُ
فجحدتهم ليكونَ غيرك ظنهم إني ليعجبني المحبُ الجاحِدُ
ثم قال : أتحفظهما ؟ فقلت : نعم ، وأنشدته، فقال لي المأمون: أليس مَنْ
قال هذا الشعر أولى بالتقدمة ؟ فقلت : بلى والله يا سيدي .
قلت : وهذه الحكاية تخالف ما يأتي في ترجمة الكسائي ، لأنه مات بالري
على الخلاف في تاريخ وفاته٢. وقيل إن العباس توفي سنة اثنتين وتسعين ومائة٣ ،
وقال أبو بكر الصولي : حدثني عون بن محمد قال : حدثني أبي قال : رأيت
العباس بن الأحنف ببغداد بعد موت الرشيد ، وكان منزله بباب الشام ، وكان
لي صديقاً، ومات وسنه أقل من ستين سنة . قال الصولي : وهذا يدل على أنه
مات بعد سنة اثنتين وتسعين ، لأن الرشيد مات ليلة السبت لثلاث خلون من
جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة بمدينة طوس .
وكانت وفاة الأحنف والد العباس المذكور سنة خمسين ومائة ، ودفن
بالبصرة ، رحمه الله تعالى .
١ ديوانه : ٨١ .
٢ قلت ... وفاته : سقط من رس م، وهو بهامش المسودة .
٣ كذا هو مكرر بخط المؤلف .
٢٥

وحكى المسعودي في كتاب ((مروج الذهب))١ عن جماعة من أهل البصرة
قالوا : خرجنا نريد الحج ، فلما كنا ببعض الطريق إذا غلام واقف على المحجة
وهو ينادي : أيها الناس هل فيكم أحد من أهل البصرة ؟ قال : فعدلنا إليه
وقلنا له : ما تريد ؟ قال: إن مولاي لما به يريد أن يوصيكم، فملنا معه ، فإذا
بشخصٍ ملقى على بعد من الطريق تحت شجرة لا يُحير جواباً ، فجلسنا حوله ،
فأحس بنا فرفع طرفه وهو لا يكاد يرفعه ضعفاً ، وأنشأ يقول٢ :
مُفرداً يبكي على شَجَنِه
یا غريب الدار عن وطنه
دَبَّتِ الأسقام في بدنه
كلما جدَّ البكاءُ به
ثم أغمي عليه طويلاً ونحن جلوس٣ حوله ، إذ أقبل طائر فوقع على أعلى
الشجرة وجعل يغرد ففتح عينيه وجعل يسمع تغريد الطائر، ثم أنشأ الفتى يقول:
ولقد زاد الفؤادَ شَجَّى طائر يبكي على فَتَنِهْ
شفَّهُ ما شَفَّني فبكى كلنا يبكي على سكّنِه
قال : ثم تنفَّسَ تنفساً فاضت نفسه؛ منه، فلم نبرح من عنده حتى غسلناه
وكفناه وتولينا الصلاة عليه ، فلما فرغنا من دفنه سألنا الغلام عنه ، فقال :
هذا العباس بن الأحنف ، رحمه الله تعالى ؛ والله أعلم أي ذلك كان .
والحنفي : بفتح الحاء المهملة والنون وبعدها فاء ، هذه النسبة إلى بني حنيفة
ابن لُجَيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل ، وهي قبيلة كبيرة مشهورة ،
واسم حنيفة أُثال - بضم الهمزة وبعدها ثاء مثلثة وبعد الألف لام - وإنما قيل
له حنيفة لأنه جرى بينه وبين الأحزن بن عوف العبدي مفاوضة في قصة يطول
شرحها فضرب حنيفة الأحزن المذكور بالسيف ، فجذمه فسمي جذعة، وضرب
١ مروج الذهب ٤ : ١٠٩.
٢ الديوان : ٢٧٨ .
٣ ر : ساعة طويلة ونحن حوله .
٤ ص : روحه .
٢٦

الأحزن حنيفة على رجله فحَنَفَها ، فسمي حنيفة وحنيفة ، أخو عجل .
واليماميّ : بفتح الياء المثناة من تحتها والميم وبعد الألف ميم ثانية ، هذه
النسبة إلى اليمامة ، وهي بلدة بالحجاز في البادية أكثر أهلها بنو حنيفة وبها تنبأ
مسيلمة الكذاب١ وقتل ، وقصته مشهورة .
٣٢٠
الرياشي
١
أبو الفضل العباس بن الفرج الرياشي النحوي اللغوي البصري ؛ كان عالماً
راوية ثقة عارفاً بأيام العرب كثير الاطلاع، روى عن الأصمعي وأبي عبيدة
معمر بن المثنى وغيرهما ، وروى عنه إبراهيم الحربي وابن أبي الدنيا وغيرهما .
۔۔
ومما رواه عن الأصمعي٢ قال: مر بنا أعرابي ينشد ابناً له، فقلنا له : صفه
لنا ، فقال: كأنه دنينير، فقلنا له : لم نره ، قال : فلم يلبث أن جاء بصغير
أُسَيِّد كأنه جُعَلٌ قد حمله على عنقه، فقلنا: لو سألتنا عن هذا لأرشدناك٣،
فإنه ما زال اليوم بين أيدينا . ثم أنشد الأصمعي :
نعم ضجيع الفتى إذا برد الليل سحيراً وقَرقَفَ الصردُ
زيّنها الله في الفؤاد كما زُيِّنَ في عين والد ولدُ
قتل الرياشي المذكور بالبصرة أيام العلوي البصري صاحب الزنج في شوال
١ زاد في ص : عليه لعنة الله .
٣٢٠ - ترجمة الرياشي في انباه الرواة ٢: ٣٦٧ وفي الحاشية ثبت بمصادر أخرى . وهذه الترجمة
مستوفاة في المسودة دون نقص .
٢ القصة في الكامل ١ : ٢٣٩.
٣ ص : لأجبناك .
٢٧

سنة سبع وخمسين ومائتين ، رحمه الله تعالى .
وسئل في عقب ذي الحجة سنة أربع وخمسين ومائتين : كم يعدُّ سنّهُ؟
فقال : أظن سبعاً وسبعين ، وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه الكبير١ أنه قتل
في سنة خمس وستين ومائتين ، قتله الزنج بالبصرة ، وهو غلط ، إذ لا خلاف
بين أهل العلم بالتاريخ أن الزنج دخلوا البصرة وقت صلاة الجمعة لثلاث عشرة
ليلة بقيت من شوال سنة سبع وخمسين، فأقاموا على القتل والإحراق ليلة السبت
ويوم السبت ثم عادوا إِليها يوم الاثنين ، فدخلوها وقد تفرق الجند وهربوا
فنادوا بالأمان ، فلما ظهر الناس قتلوهم ، فلم يسلم منهم إلا النادر ، واحترق
الجامع ومن فيه ، وقتل العباس المذكور في أحد هذه الأيام فإنه كان في الجامع
لما قتل٢.
والرياشي : بكسر الراء وفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف شين معجمة،
هذه النسبة إلى رياش ، وهو اسم لجد رجل من جذام كان والد المنسوب إليه
عبداً له فنسب إليه وبقي عليه .
٣٢١
ابن عمر
أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، القرشي العدوي؛
أسلم مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم، وهاجر مع أبيه إلى المدينة ، وعُرض على
١ ابن الأثير ٧ : ٣٢٨.
٢ وذكر شيخنا ... قتل: سقط من النسخ ما عدا النسخة ر وهو ثابت في هامش المسودة أيضاً.
٣٢١ - ترجمة عبد الله بن عمر في طبقات ابن سعد ٤: ١٤٢ وطبقات الشيرازي ، الورقة : ١٠
والاستيعاب: ٩٥٠ وحلية الأولياء ١: ٢٩٢ وصفة الصفوة ١: ٢٢٨ وتهذيب التهذيب ٥:
٣٢٨ والإصابة ٤: ١٠٧ وأسد الغابة ٣: ٢٢٧ ونكت الهميان: ١٨٣ ولم ترد هذه
الترجمة في جميع المخطوطات التي اعتمدناها، ولا في مطبوعة وستنفيلد، وانما ثبتت في الطبعات =
٢٨

رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد فردَّه لصغر سنه ، فعُرض عليه يوم
الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه ، وكان من أهل الورع والعلم ، وكان
كثير الاتباع لآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، شديد التحرّي والاحتياط
والتوقّي في فتواه وكل ما تأخذ به نفسه ، وكان لا يتخلف عن السرايا على
عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم كان بعد موته مولعاً بالحج قبل الفتنة
وفي الفتنة إلى أن مات .
ويقولون : إنه كان أعلم الصحابة بمناسك الحج ، وقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم لأم المؤمنين حفصة بنت عمر: ((إِن أخاك عبدَ الله رجل صالح ،
لو كان يقوم من الليل))؛ فما ترك ابن عمر بعدها قيام الليل .
وقال جابر بن عبد الله : ما منا أحد إلا مالت به الدنيا ومال بها ، ما خلا
عمر وابنه عبد الله .
وقال ميمون بن مهران : ما رأيت أورَعَ من ابن عمر ، ولا أعلم من ابن
عباس . وقال سعيد بن المسيب : لو شهدت لأحد أنه من أهل الجنة ، لشهدت
لعبد الله بن عمر .
وحكى الأصمعي قال: حدثنا أبو عبد الرحمن - وهو أبو الزناد - عن أبيه،
قال : اجتمع في الحِجْر : مُصعب وعُروة وعبد الله بنو الزبير ، وعبد الله بن
عمر ، فقالوا : نتمنى ، فقال مصعب بن الزبير : أما أنا فأتمنى إمرة العراق
والجمعَ بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين . وقال عبد الله بن عمر:
أما أنا فأتمنى المغفرة ، قال: فنالوا ما تمنوا ؛ ولعل ابن عمر قد غفر له١.
وحكى سفيان الثوري عن طارق بن عبد العزيز عن الشعبي ، قال : لقد
رأيت عجباً ، كنا بفناء الكعبة أنا وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير
ومصعب بن الزبير وعبد الملك بن مروان ، فقال القوم بعدما فرغوا من صلاتهم :
= المصرية من الكتاب؛ وايرادها يعد خروجاً على منهج المؤلف اذ ذكر أنه لن يترجم للصحابة،
في مقدمة كتابه .
١ أوجز في الخبر اذ حذف ما قاله عروة وعبد الله، وسترد رواية شبيهة بهذه الرواية في المعنى
دون اللفظ في ترجمة عروة بن الزبير ، وليس فيها ذكر لابن عمر .
٢٩

ليقم رجل رجل منكم فليأخذ الركن اليماني وليسأل الله حاجته ، فإنه يعطى
من ساعته ، قم يا عبد الله بن الزبير ، فإنك أول مولود ولد في الهجرة ، فقام
وأخذ بالركن اليماني ، ثم قال : اللهم إنك عظيم ترجى لكل عظيم ، أسألك
بجرمة عرشك وحرمة وجهك وحرمة نبيّك ، عليه الصلاة والسلام ، أن لا
تميتني حتى توليني الحجاز، ويسلّم عليّ بالخلافة ، وجاء حتى جلس، فقال: قم
يا مصعب ، فقام حتى أخذ بالركن اليماني ، فقال : اللهم إنك رب كل شيء ،
وإليك يصير كل شيء ، أسألك بقدرتك على كل شيء ، أن لا تميتني من الدنيا
حتى توليني العراق ، وتزوّجني سكينة بنت الحسين ، وجاء حتى جلس ،
فقال : قم يا عبد الملك ، فقام وأخذ بالركن اليماني ، وقال : اللهم رب السموات
السبع ، ورب الأرض ذات القفر ، أسألك بما سألك عبادك المطيعون لأمرك ،
وأسألك بحرمة وجهك ، وأسألك بحقك على جميع خلقك، وبحق الطائفين حول
بيتك ، أن لا تمتني من الدنيا حتى توليني شرق الأرض وغربها ولا ينازعني
أحد إلا أتيت برأسه ، ثم جاء حتى جلس، فقال: قم يا عبد الله بن عمر، فقام
حتى أخذ بالركن اليماني ، ثم قال : اللهم إنك رحمن رحيم ، أسألك برحمتك
التي سبقت غضبك ، وأسألك بقدرتك على جميع خلقك ، أن لا تميتني من الدنيا
حتى توجب لي الجنة . قال الشعبي : فما ذهبت عيناي من الدنيا حتى رأيت
لكل رجل ما سأل وبُثِّر عبد الله بن عمر بالجنة ورؤيت له .
وحكى حمزة بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر قال : خطرت لي
هذه الآية ﴿لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبُّون﴾ (آل عمران: ٩٢)
فذكرت ما أعطاني الله عز وجل فما وجدت شيئاً أحبّ إليّ من جاريتي رمينة،
فقلت : هي حرة لوجه الله ، فلولا أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها ،
فأنكحها نافعاً ، فهي أم ولده .
وكان ابن عمر إذا اشتد عجبه بشيء من ماله قرّبه إلى ربه عز وجل .
قال نافع : كان رقيقه قد عرفوا ذلك منه ، فربما شمر أحدهم فيلزم المسجد ،
فإذا رآه ابن عمر على تلك الحالة الحسنة أعتقه ، فيقول له أصحابه : يا أبا عبد
الرحمن ، والله ما بهم إلا أن يخدعوك ، فيقول : ما خدعنا أحد بالله
٣٠

إلا انخدعنا له .
قال نافع : ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان ، أو ما زاد ، وكان
يحيي الليل صلاةً ، فإذا جاء السحر استغفر إلى الصباح .
وتوفي بمكة سنة ثلاث وسبعين وهو ابن أربع وثمانين سنة ، وكان قد
أوصى أن يدفن في الليل١، فلم يقدر على ذلك من أجل الحَجَّاج ، ودفن بذي
طوى في مقبرة المهاجرين .
وكان الحجاج٢ قد أمر رجلاً سَمَّ زُجَّه وزجمه في الطريق، ووضع الزج على
ظهر قدمه ، وذلك أن الحجاج خطب يُوماً وأخَّر الصلاة ، فقال ابن عمر : إن
الشمس لا تنتظرك ، فقال له الحجاج : لقد هممت أن أضرب الذي فيه عيناك ،
قال : إن تفعل فإنك سفيه [مسلَّط]. وقيل: إنه أخفى قوله ذلك على
الحجاج ولم يسمعه ، وإنما كان يتقدمه في المواقف بعَرَفَةَ وغيرها إلى المواضع
التي كان النبي صلى الله عليه وسلم وقف فيها ، وكان ذلك يعز على الحجاج ،
فأمر الحجاج رجلً معه حربة يقال إنها كانت مسمومة ، فلما دفع الناسُ
من عرفة لصق به ذلك الرجل ، فأمرَّ الحربة على قدمه ، وهي في غَرْزٍ
راحلته ، فمرض منها أياماً ، فدخل عليه الحجاج يعوده ، فقال : من سَمَّكَ
يا أبا عبد الرحمن ؟ فقال: وما تصنع به ؟ قال: قتلني الله إن لم أقتله ، قال :
ما أراك فاعلًا، أنت أمرت مَنْ نخسني بالحربة ، فقال : لا تفعل يا أبا عبد
الرحمن، وخرج عنه . وروي أنه قال للحجاج - إذ قال له : من سمك ؟ -
قال : أنت أمرت بإدخال السلاح في الحرم . فلبث أياماً ثم مات ، رضي الله
عنه ونفع به ، وصلى عليه الحجاج .
١ كذا، وفي الاستيعاب : في الحل .
٢ متابع لما في الاستيعاب: ٩٥٢ وجانب كبير من هذه الترجمة عنه.
٣١
:

٣٢٢
عبد الله بن المبارك
أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح١ المروزي ، مولى بني حنظلة؟
كان قد جمع بين العلم والزهد ، تفقه على سفيان الثوري ومالك بن أنس رضي
الله عنهما، وروى عنه الموطأ، وكان كثير الانقطاع محباً الخلوة شديد
التورع ، وكذلك كان أبوه٢ .
ويحكى عن أبيه أنه كان يعمل في بستان لمولاه وأقام فيه زماناً ، ثم إن
مولاه جاءه يوماً وقال له : أريد رماناً حلواً ، فمضى إلى بعض الشجر وأحضر
منها رماناً فكسره فوجده حامضاً ، فحرد عليه وقال : أطلب الحلو فتحضر
لي الحامض٣ ؟ هات حلواً ، فمضى وقطع من شجرة أخرى ، فلما كسره وجده
أيضاً حامضاً فاشتد حرده عليه ، وفعل كذلك دفعة ثالثة ، فقال له بعد ذلك:
أنت ما تعرف الحلو من الحامض ؟ فقال : لا، فقال : كيف ذلك ؟ فقال :
لأنني ما أكلت منه شيئاً حتى أعرفه، فقال: ولم لم تأكل ؟ قال : لأنك ما
أذنت لي ، فكشف عن ذلك فوجد قوله حقاً ، فعظم في عينه وزوَّجه ابنته ،
ويقال: إِن عبد الله رزقه من تلك الابنة، فَنَمَتْ عليه بركة أبيه . ورأيت
في بعض التواريخ هذه القضية منسوبة إلى إبراهيم بن أدهم العبد الصالح ،
......
.....
٣٢٢ - ترجمته في تاريخ بغداد ١٠: ١٥٢ وترتيب المدارك ١: ٣٠٠ وطبقات الشيرازي،
بالورقة: ٢٦ وتذكرة الحفاظ: ٢٧٤ والديباج المذهب: ١٣٠ والمعارف: ٥١١ وغاية
النهاية ١: ٤٤٦ وتهذيب التهذيب ٥: ٣٨٢ وحلية الأولياء ٨: ١٦٢ وعبر الذهبي ١ :
٢٨٠ والشذرات ١: ٢٩٥ والانتقاء : ١٣٢.
١ ابن واضح : سقطت من س م ر ، وهي في المسودة وص .
٢ وكان كثير ... أبوه : سقط من ر .
٣ ر : أطلب حلواً فتأتيني بحامض.
٣٢

رضي الله عنه١، وكذا ذكرها الطرطوشي في أول ((سراج الملوك)) لابن
أده٢
٢٠٠
ونقل أبو علي الغساني الجياني أن عبد الله بن المبارك المذكور سئل: أيهما
أفضل : معاوية بن أبي سفيان أم عمر بن عبد العزيز ؟ فقال : والله إن الغبار
الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من عمر
بألف مرة ، صلى معاوية خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سمع الله
لمن حمده ، فقال معاوية : ربنا ولك الحمد ، فما بعد هذا ؟
[ووقفت في كتاب (( النصوص على مراتب أهل الخصوص)) عن أشعث بن
شعبة المصيصي قال : قدم هارون الرشيد الرقة فانجفل الناس خلف عبد الله بن
المبارك ، وتقطعت النعال وارتفعت الغبرة ، فأشرفت أم ولد أمير المؤمنين من
برج الخشب ، فلما رأت الناس قالت : ما هذا ؟ قالوا : عالم أهل خراسان قدم
الرقة يقال له عبد الله بن المبارك ، فقالت : هذا والله الملك ، لا ملك هارون
الذي لا يجمع الناس إلا بشُرَط وأعوان]٣.
وكان لعبد الله شعر؛ ، فمن ذلك قوله :
قد يفتحُ المرءُ حانوتاً لمتجره وقد فتحتَ لك الحانوت بالدينِ
تبتاعُ بالدين أموال المساكين
بين الأساطينِ حانوتٌ بلا غَلَق
صِيَّرْتَ دينك شاهيناً تَصِيدٌ به وليس يُفلحُ أصحابُ الشواهين
[وكان إذا خرج إلى مكة حرسها الله تعالى يقول :
بَعْضُ الحياة وخوفُ الله أخرجني وبيع نفسي لما ليست له ثمنا
١ في س ر في هذا الموضع: ((المقدم ذكره)) مع أن ترجمة ابراهيم بن أدهم لم ترد في س .
٢ وكذا ذكرها ... أدهم: هذه العبارة لم ترد الا في ص والمسودة؛ وانظر سراج الملوك: ٢١ .
٣ ما بين معقفين لم يرد في المخطوطات ، وانما هو في المطبوعة .
٤ انظر نماذج من شعر ابن المبارك في الورقة: ١٤ - ١٦ وطبقات السبكي ١: ١٥٠ وما بعدها
وترتيب المدارك ١ : ٣٠٥ ٠
٣ - ٣
٣٣
-

اني وزنتُ الذي يبقى ليعدِلَهُ ما ليس يبقى فلا والله ما اتّزنا]!
ومن كلامه : تعلمنا العلم للدنيا فدلنا على ترك الدنيا .
وكان عبد الله قد غزا، فلما انصرف من الغزو وصل إلى هِيتَ فتوفي بها في
رمضان سنة إحدى ، وقيل اثنتين وثمانين ومائة ، ومولده بمرو سنة ثماني عشرة
ومائة ، رضي الله عنه .
وهيت : بكسر الهاء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها تاء مثناة من
فوقها ، مدينة على الفرات فوق الأنبار من أعمال العراق لكنها في بر الشام
والأنبار في بر بغداد ، والفرات يفصل بينهما ، ودجلة تفصل بين الأنبار وبغداد ،
وقبره ظاهر يزار بها، وقد ◌ُجَمِعَت٣ْ أخباره في جزأين.
٣٢٣
عبد الله بن عبد الحكم
أبو محمد عبد الله بن عبد الحكم بن أعْيَن بن ليث بن رافع٣ ، الفقيه المالكي
المصري ؛ كان أعلم أصحاب مالك بمختلف قوله ، وأفْضَتْ إليه رياسة الطائفة
المالكية بعد أشهب ، وروى عن مالك الموطأ سماعاً ، وكان من ذوي الأموال
والرباع ، له جاه عظيم وقدر كبير ، وكان يزكي الشهود ويجرحهم ، ومع هذا لم
١ زيادة من ص .
٢ شكله في المسودة بضم الجيم ، على البناء للمجهول ، فليس المؤلف هو الذي جمع أخباره .
٣٢٣ - ترجمة عبد الله بن عبد الحكم في طبقات الشيرازي، الورقة: ٤٤ وترتيب المدارك ٢:
٥٢٣ والديباج المذهب : ١٧٤ وتهذيب التهذيب ٥: ٢٨٩ وعبر الذهبي ١: ٣٦٦ والشذرات
٢: ٣٤ والانتقاء : ٥٢، ١١٣.
٣ ابن ليث بن رافع : سقط من س ر ، وهو بهامش المسودة .
٣٤

يشهد ولا أحد من ولده لدعوة سبقت فيه١ ، ذكر ذلك القضاعي في كتاب
((خطط مصر))؛ ويقال: إنه دفع للامام الشافعي، رضي الله عنه، عند قدومه
إلى مصر ألف دينار من ماله ، وأخذ له من ابن عُسامة التاجر ألف دينار ،
ومن رجلين آخرين ألف دينار ، وهو والد أبي عبد الله محمد ، صاحب الإمام
الشافعي - وسيأتي ذكره في حرف الميم ، ان شاء الله تعالى .
وروى بشر بن بكر ، قال : رأيت مالك بن أنس في النوم بعدما مات
بأيام ، فقال : إن ببلدكم رجلاً يقال له ابن عبد الحكم ، فخذوا عنه فإنه ثقة .
وكان لأبي محمد المذكور ولد آخر يسمى عبد الرحمن من أهل الحديث
والتواريخ٢ ، صنف كتاب فتوح وغيره٣ .
وكانت ولادة أبي محمد المذكور في سنة خمسين ومائة ، وقيل سنة خمس
وخمسين ومائة . وتوفي في شهر رمضان سنة أربع عشرة ومائتين بمصر ، وقبره
إلى جانب قبر الإمام الشافعي ، رضي الله عنهما، مما يلي القبلة ، وهو الأوسط
من القبور الثلاثة .
(77) وتوفي ولده عبد الرحمن المذكور في سنة سبع وخمسين ومائتين، وقبره
إلى جانب قبر أبيه من جهة القبلة .
وأعين : بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وفتح الياء المثناة من تحتها
وبعدها نون .
وعُسَامة : بضم العين المهملة وفتح السين المهملة وبعد الألف ميم ثم هاء .
...
.......
١ عند هذا الموضع ورد في هامش س: «وكان يكرم للشافعي ويلزم لمجلسه وأمر ابنه محمداً بلزوم
الشافعي والأخذ عنه، وكان ذلك سبب تميزه على نظرائه، وله مصنفات في الفقه معروفة ، وكان
محدثاً ، غير قبره وقبر ولديه عبد الرحمن ومحمد وكانا من أهل العلم والتصانيف وفضلهما مشهور
وجعل قبورهم لاطئة بالأرض محقورة في العين تعصباً على مذهب مالك وأصحابه، وهم ينهون عنه
وينأون عنه وان يهلكون الا أنفسهم وما يشعرون، ولو رأى الشافعي ذلك لساءه ، اذ الأرض
أرضهم والتربة ملك لهم ، وانما دفنوا الشافعي عندهم ايثاراً له ومعرفة بفضله ، رضي الله عنهم
أجمعين ».
٢ ص : والتاريخ .
٣ وروى بشر ... وغيره : سقط من س ، وهو بهامش المسودة .
1
٣٥
٠

٣٢٤
ابن وهب الفقيه المالكي
أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم، القرشي بالولاء١ الفقيه المالكي المصري
مولى ريحانة مولاة أبي عبد الرحمن يزيد بن أنيس الفِهْري٢؛ كان أحد أئمة
عصره وصحب الإمام مالك بن أنس ، رضي الله عنه ، عشرين سنة ، وصنف
((الموطأ الكبير)) و((الموطأ الصغير)) وقال مالك في حقه: عبد الله بن وهب
إمام . وقال أبو جعفر ابن الجزار : رحل ابن وهب إلى مالك في سنة ثمان
وأربعين ومائة ولم يزل في صحبته إلى أن توفي مالك ، وسمع من مالك قبل عبد
الرحمن بن القاسم ببضع عشرة سنة . وكان مالك يكتب إليه إذا كتب في
المسائل : إِلى عبد الله بن وهب المفتي، ولم يكن يفعل هذا مع غيره . وأدرك
من أصحاب ابن شهاب الزهري أكثر من عشرين رجلاً . وذُكِر ابن وهب
وابن القاسم عند مالك ، فقال : ابن وهب عالم وابن القاسم فقيه .
قال القضاعي في كتاب (( خطط مصر)): قبر عبد الله بن وهب مختلف فيه،
وفي مجرّ بني مسكين قبر صغير مخلق يُعرف بقبر عبد الله، وهو قبر قديم يشبه
أن يكون قبره٣ .
وكان مولده في ذي القعدة سنة خمس ، وقيل أربع وعشرين ومائة بمصر .
وتوفي بها يوم الأحد لخمس بقين من شعبان سنة سبع وتسعين ومائة ، رضي
الله عنه .
٣٢٤ - ترجمة ابن وهب في طبقات الشيرازي، الورقة: ٤٤ وترتيب المدارك ٢: ٤٢١ والديباج
المذهب : ١٣٢ وتذكرة الحفاظ: ٣٠٤ وعبر الذهبي ١: ٣٢٢ وغاية النهاية ١ : ٤٦٣
وتهذيب التهذيب ٦ : ٧١ والشذرات ١ : ٣٤٧ والانتقاء : ٤٨.
١ بالولاء : سقطت من ر س م .
٢ مولى ريحانة ... الفهري: سقط من س وبعضه من ر وهو محشّى بين السطور في المسودة .
٣ قال القضاعي ... قبره : سقط من م س .
٣٦

وله مصنفات في الفقه معروفة، وكان محدّثاً . وقال يونس بن عبد الأعلى
صاحب الإمام الشافعي ، رحمه الله تعالى: كتَبَ الخليفة إلى عبد الله بن وهب
في قضاء مصر، فجنَّن نفسه ، ولزم بيته ، فاطلع عليه رشدين بن سعد١، وهو
يتوضأ في صحن داره ، فقال له : ألا تخرج إلى الناس فتقضي بينهم بكتاب الله
عز وجلَّ وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟ فرفع إليه رأسه وقال: إلى هاهنا
انتهى عقلك ؟ أما علمت أن العلماء يحشرون مع الأنبياء وأن القضاة يحشرون
مع السلاطين٢ ؟ وكان عالماً صالحاً خائفاً لله تعالى.
وسبب موته أنه قرىء عليه كتاب ((الأهوال)) من جامعه ، فأخذه شيء
كالغشي ، فحمل إلى داره فلم يزل كذلك إلى أن قضى نَحْبه .
قال ابن يونس المصري في تاريخه : هو مولى يزيد بن رمانة مولى أبي عبد
الرحمن يزيد بن أُنيس الفهري ، والذي ذكرته أولاً قاله ابن عبد البر٣ ، والله
أعلم . [وقال عبد الله بن وهب المصري : كان حيوة بن شريح يأخذ عطاءه
في كل سنة ستين ديناراً . قال: وكان إذا أخذه لم يطلع إلى منزله حتى يتصدق
به . قال : ثم يجيء إلى منزله فيجدها تحت فراشه . قال : وكان له ابن عم ،
فلما بلغه ذلك أخذ عطاءه فتصدق به ، ثم جاء يطلبه تحت فراشه فلم يجد
شيئاً . قال : فشكا إلى حيوة ، فقال له حيوة : أنا أعطيت ربي بيقين ، وأنت
أعطيت ربك تجربة]٤ .
١ ترتيب المدارك: حجاج بن رشدين ؛ وانظر رشدين بن سعد في المصدر نفسه ٣ : ٨٢.
٢ وقال يونس ... السلاطين: سقط من س وهو بهامش المسودة، وكل ما جاء في هوامش المسودة أو
بين سطورها فانه لا يرد في النسخة س، ولهذا لن نشير اليه من بعد، فقد مرت منه نماذج كثيرة.
٣ الانتقاء : ٤٨ .
؛ ما بين معقفين لم يرد في س م ص والمسودة ؛ وحيوة بن شريح أبو زرعة التجيبي فقيه زاهد
محدث ثقة، توفي سنة ١٥٨ أو في التي بعدها (تهذيب التهذيب ٣: ٧٠).
٣٧

٣٢٥
عبد الله بن لهيعة
أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة بن عُقبة بن لهيعة الحضرمي الغافقي
المصري ؛ كان مكثراً من الحديث والأخبار والرواية . قال محمد بن سعد في
حقه ١: إِنه كان ضعيفاً، ومَنْ سمع منه في أول أمره أقربُ حالاً ممن سمع
منه في آخره . وكان يقرأ عليه ما ليس من حديثه فيسكت ، فقيل له في ذلك
فقال : ما ذنبي ؟ إنما يجيئونني بكتاب يقرأُونه عليّ ويقومون ، ولو سألوني
لأخبرتهم أنه ليس من حديثي .
وكان أبو جعفر المنصور قد ولاه القضاء بمصر في مُستَهلّ سنة خمس وخمسين
ومائة ، وهو أول قاض ولي بمصر من قِبَل الخليفة، وصُرف عن القضاء في شهر
ربيع الأول٢ سنة أربع وستين ومائة، وهو أول قاض حضر لنظر الهلال في
شهر رمضان واستمر القضاة عليه إلى الآن٣ .
ذكر ابن الفراء في تاريخه في سنة اثنتين وخمسين ومائة فقال : وفيها توفي أبو
خزيمة إبراهيم بن يزيد القاضي الحميري٤ وولي مكانه عبد الله بن لهيعة الحضرمي ،
وكان سبب ولايته أن ابن حُديج كان بالعراق ؛ قال : فدخلت على أبي جعفر
المنصور فقال لي : يا ابن حُديج، لقد توفي ببلدك رجل أصيب به العامة ، قلت:
يا أمير المؤمنين ذاك إذاً أبو خزيمة ، قال: نعم ، فمن ترى أن نولي القضاء بعده ؟
٣٢٥ - ترجمته في الكندي : ٣٦٨ وتهذيب التهذيب ٥: ٣٧٣ وتذكرة الحفاظ: ٢٣٧ وعبر
الذهبي ١: ٢٦٤ والمعارف: ٥٠٠ وميزان الاعتدال ٢: ٧٥؛ ورفع الإصر: ٢٨٧
والنجوم الزاهرة ٢ : ٧٧ والشذرات ١ : ٢٨٣.
١ انظر الطبقات ٧ : ٥١٦ .
٢ الكندي : ربيع الآخر .
٣ وصرف ... الآن : سقط من ر .
٤ انظر ترجمته في الكندي : ٣٦٣ .
٣٨

قلت : أبا معدان [عامر بن مرة] اليحصبي يا أمير المؤمنين ، قال : ذاك رجل
أصم ، لا يصلح للقاضي أن يكون أصم . قال فقلت : فابن لهيعة يا أمير
المؤمنين ، قال : فابن لهيعة على ضَعْف فيه ، فأمر بتوليته ، وأجرى عليه في
كل شهر ثلاثين ديناراً ، وهو أول قضاة مصر أُجري عليه ذلك ، وأول قاض
بها استقضاه خليفة، وإنما كان ولاة البلد هم الذين يُوَلُون القضاة١.
وتوفي بمصر يوم الأحد منتصف شهر ربيع الأول سنة أربع وسبعين ، وقيل
سنة سبعين ومائة ، وعمره إحدى وثمانون سنة ، رحمه الله تعالى .
قال أبو موسى العنزي في تاريخه : وكان الليث بن سعد أكبر من ابن لهيعة
بسنة أو بسنتين .
[وذكره ابن يونس في تاريخه فقال : عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان
ابن ربيعة الحضرمي ثم الأعدولي ، من أنفسهم ، قاضي مصر، يكنى أبا عبد الرحمن
وروى عنه عمرو بن الحارث والليث بن سعد وعثمان بن الحكم الجذامي وابن
المبارك ، وذكر تاريخ وفاته ، ثم قال : وكان مولده سنة سبع وتسعين ، ثم
روى بإسناد متصل إليه أنه قال : كنت إذا أتيت يزيد بن أبي حبيب يقول لي:
كأني بك وقد قعدت على الوسادة ، يعني وسادة القضاء ، فما مات ابن لهيعة
حتى ولي القضاء]٢.
ولهيعة : بفتح اللام وكسر الهاء وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح العين
المهملة وبعدها هاء ساكنة .
والحضرمي : بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد الموحدة وفتح الراء وبعدها
ميم، هذه النسبة إلى حَضْرَمَوْتَ ، وهي من بلاد اليمن في أقصاها .
١ هذا النص المنقول عن ابن الفراء انفردت بايراده كاملاً النسخة ر ، وبلغ في المسودة إلى قوله :
(( فدخلت على أبي جعفر المنصور فقال لي)» ثم كتب («تتمة ذلك في الورقة)» ويبدو أنه أتمه
في ورقة منفصلة ضاعت ؛ ولهذا سقط سائره من ص ، كما أن الخبر كله سقط من س م ، وقارن
بما عند الكندي : ٣٦٨ - ٣٦٩.
٢ ما بين معقفين انفردت به ر .
٣٩

٣٢٦
القعني
أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة بن قَعْنَبٍ الحارثي المعروف بالقَعْنَبِي ؛
كان من أهل المدينة ، وأخذ العلم والحديث عن الإمام مالك رضي الله عنه ،
وهو من جلَّة أصحابه وفضلائهم وثقاتهم وخيارهم، وهو أحد رواة ((الموطأ))
عنه، فإن ((الموطأ)) رواه عن مالك رضي الله عنه جماعة، وبين الروايات
اختلاف ، وأكملها رواية يحيى بن يحيى - كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى.
وكان يسمى ((الراهب)) لعبادته وفضله. وقال عبد الله بن أحمد بن الهيثم :
سمعت جدي يقول : كنا إذا أتينا عبد الله بن مسلمة القَعْنبي خرج إلينا كأنه
مُشْرِف على جهنم ، ونعوذ بالله منها . وكان القعنبي يسكن البصرة ، وهو من
الثقات في روايته . وتوفي يوم الجمعة لست خلون من المحرم سنة إحدى وعشرين
ومائتين بالبصرة، رحمه الله تعالى، وذكر أبو القاسم ابن بَشْكُوَال في تسمية
من روى (( الموطأ)) عن مالك أنه توفي بمكة ، والله أعلم .
والقعنبي : بفتح القاف وسكون العين المهملة وفتح النون وبعدها باء موحدة ،
هذه النسبة إلى جده المذكور أعلاه ، رحمه الله تعالى .
٣٢٦ - ترجمته في ترتيب المدارك ١: ٣٩٧ والديباج المذهب: ١٣١ والانتقاء : ٦١ وتذكرة
الحفاظ: ٣٨٣ وتهذيب التهذيب ٦: ٣٠ والشذرات ٢ : ٤٩.
٤٠