Indexed OCR Text
Pages 1-20
وَقَائِيُ الأَغْيَّارِ وَأَسْبَّاءُابْنَاءِ الزَّمَّانِ لأبي العَبْاسْ شمس الدِّين ◌َجَمْدَ بِ مَّدَ بْنِ إِى بَكر ◌ْ خَلَكَان (٦٠٨ - ٦٨١هـ) حققه الدكتور احسان عباس المجَلد الثالث دار صادر بيروت وفيات الأعيان ٣ مقدمة يستمر اعتمادنا في تحقيق هذا الجزء على النسخ الخطية التي اعتمدنا عليها في الجزء السابق وهي : ١ - مسودة المؤلف ( المتحف البريطاني رقم: ٢٥٧٣٥ .Add ) التي تنتهي عند آخر حرف الغين . ٢ - نسخة المكتبة الظاهرية، ورمزها ((ر). ٣ - نسخة آيا صوفيا (رقم: ٢٥٣٢)، ورمزها ((ص))، وآخر ترجمة في القسم الموجود منها هي ترجمة أبي زيد السهيلي . ٤ - نسخة احمد الثالث، ورمزها ((س)). ٥ - نسخة المتحف البريطاني، ورمزها ((م)). ويحسن أن نشير إلى أن الفروق بين النسخ التي اعتمدها وستنفيلد قد توقفت الإشارة إليها عند آخر حرف الظاء ( أي عند نهاية الجزء الثاني حسب تجزئتنا ) . وقد اعتمدنا بالإضافة إلى النسخ المذكورة على ما يلي : ١ - نسخة كوبريلي (رقم: ١١٩٢)، ورمزها ((ل))، وتقع في ٢٣٠ ورقة ، في الصفحة الواحدة ٢١ سطراً، ومتوسط عدد الكلمات في السطر ١٣ كلمة ؛ وهي تبدأ بترجمة عبد الرحمن بن مسلم وتنتهي بترجمة ابن التعاويذي . وقد كتبت بخط أحمد بن محمد بن حمدان الحرّاني ، وكان الفراغ منها يوم الأربعاء ١٣ شعبان سنة ٧٣١ ، وهي غير دقيقة الضبط وتشترك كثيراً مع النسخة ((س)) في عدم إيراد الإضافات التي قيّدها المؤلف على هوامش المسودة ، إلا أنها ابتداء من تراجم المحمدين يرد في هوامشها إضافات تنفرد بها دون النسخة (( س)). ٢ - نسخة لاله لي (رقم: ٢١١٢)، ورمزها ((لي))، وتقع في ٢٢٧ ورقة ، في الصفحة الواحدة ١٩ سطراً، ومتوسط عدد الكلمات في السطر ١٤ كلمة ؛ وهي تبدأ بترجمة عبد الحميد بن يحيى وتنتهي بترجمة ابن التعاويذي . وقد كتبت بخط نسخي جميل مضبوط بالشكل ، وجاء في الورقة الأخيرة أنها نجزت في أواخر سنة أربع وعشرين وسبماءئة، وهي تشترك مع ((س)) و((ل)) فيا تمثله من مسودة المؤلف . ٣ - نسخة ولي الدين (رقم: ٢٤٦٠)، ورمزها ((ن))، وتقع في ٣٨٧ ورقة ، في الصفحة الواحدة ٢٣ سطراً ، ومتوسط عدد الكلمات في السطر ١٠ كلمات ، وهي تبدأ بترجمة علي بن بويه وتنتهي بترجمة يحيى بن خالد البرمكي ، ويبدو من الخاتمة فيها أنها تمثّل ما قيّده المؤلف حتى سنة ٦٥٩، ولذلك خلت مما زاده بعدئذ من تراجم ، كما خلت من الإضافات التي جدّت على هوامش المسودة ، فهي تقارب النسخ سهل لي . وقد تم نسخها على يد علي بن مبارك النوري الشافعي في يوم السبت بكرة النهار قبل الغد ٢١ محرم سنة ٨٣٠ ، ونجزت مقابلةٌ وتحريراً وضبطاً في شوال من العام نفسه . إحسان عباس بيروت في شباط ( فبراير ) ١٩٧٠ ٦ ١ حَرفُ العَيْنّ ٣١٥ عاصم المقرىء أبو بكر عاصم بن أبي النَّجُود بهْدَلة مولى بني جُذَيمة بن مالك بن نصر ابن قُعَيْن بن أسد ؛ كان أحد القراء السبعة والمشار إليه في القراءات ، أخذ القراءة عن أبي عبد الرحمن السلمي وَزِرّ بن حُبَيْش، وأخذ عنه أبو بكر ابن عَيَّاش وأبو عمر البزار١ واختلفوا اختلافاً شديداً في حروف كثيرة . وتوفي عاصم في سنة سبع وعشرين ومائة ، رحمه الله تعالى، بالكوفة٢ . والنَّجُود: بفتح النون وضم الجيم وسكون الواو وبعدها دال مهملة ، وهي الحمارة الوحشية التي لا تحمل ، وقيل هي المشرفة٣ . وبَهْدلة : بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء وفتح الدال المهملة واللام وبعدها هاء ساكنة ، ويقال إنه اسم أُمه . ٣١٥ - ترجمته في تهذيب ابن عساكر ٧ : ١١٩ وميزان الاعتدال ٢: ٣٥٧ وتهذيب التهذيب ه: ٣٨ وغاية النهاية ١: ٣٤٦، وتاج العروس (نجد) . ١ براء مهملة في آخره نسبة إلى بزر الكتان، وهو دينار بن عمر الأسدي (تهذيب التهذيب ٣ : ٢١٦ ) . ٢ بالكوفة : سقطت من س . ٣ قوله : الحمارة الوحشية التي لا تحمل ، قال شمر: هذا منكر، والصواب ما روي في الأجناس، النجود : الطويلة من الحمر ، وقيل هي الناقة التي لا تبرك إلا على مكان مرتفع . ٩ ٣١٦ أبو بردة ابن أبي موسى الأشعري أبو بردة عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري ؛ كان أبوه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قدم عليه من اليمن في الأشعريّين ، فأسلموا . وأبو بردة كان قاضياً على الكوفة ، وليها بعد القاضي شريح ، هكذا ذكره محمد ابن سعد في ((كتاب الطبقات))، وله مكارم ومآثر مشهورة . [وكان أبو موسى تزوج في عمله على البصرة طنية بنت دمون١، وكان أبوها رجلاً من أهل الطائف ، فولدت له أبا بردة ، فاسترضع له في بني فقيم في آل الغرق وسماه أبو موسى عامراً ، فلما شب كساه أبو شيخ ابن الغرق بردتين وغدا به إلى أبيه فكناه أبا بردة ، فذهب اسمه ]٢ . (75) وكان ولده بلال٣ قاضياً على البصرة ، وهم الذين يقال في حقهم : ثلاثة قضاة في ذَسَقٍ ٤ ؛ فإن أبا موسى رضي الله عنه قَضى لعمر رضي الله عنه بالبصرة ثم قضى بالكوفة في زمن عثمان رضي الله عنه . وبلال المذكور هو ممدوح ذي الرمة وله فيه غُرّ المدائح ، وفيه يقول مخاطباً لناقته° : إذا ابن أبي موسى بلال بلغته فقام بفأس بين وصليك جازرٌ ٣١٦ - ترجمته في طبقات ابن سعد ٦: ٢٦٨ وتهذيب ابن عساكر ٧: ١٧٣ وعبر الذهبي ١ : ١٢٨ وتهذيب التهذيب ١٢: ١٨ (في الكنى) . ١ ر: طيفة بنت ذمون؛ وفي ابن عساكر (٧: ١٧٤): طفية. ٢ انفردت ربما ورد بين معقفين، وفي المسودة عند هذا الموضع ((محل التخريجة)» مما قد يشير إلى أن المؤلف كان ينوي إضافة ما . ٣ ترجمة بلال في تهذيب ابن عساكر ٣: ٣١٨ وتهذيب التهذيب ١: ٥٠٠ وخزانة الأدب ١ : ٠٤٥٢ ... ٤ ص : نسق واحد . ٥ ديوان ذي الرمة : ٢٥٣، ٠٤٤٢ ١٠ وفيه يقول أيضاً : سمعتُ الناس ينتجعون غيثاً فقلت لصَيْدَحَ انتجعي بلالا وصيدح : اسم ناقته ، وهو بفتح الصاد المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الدال المهملة وبعدها حاء مهملة . وكان بلال أحد نواب خالد بن عبد الله القَسْري - المقدم ذكره في حرف الخاء - فلما عُزل وولي موضعه يوسف بن عمر الثقفي على العراقين حاسب خالداً ونوابه وعذبهم ، فمات خالد من عذابه ومات بلال من عَذابه أيضاًا . ورأيت في بعض المجاميع أن أبا بردة جلس يوماً يفتخر بأبيه ويذكر فضائله وصحبته٢ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان في مجلس عام وفيه الفرزدق الشاعر ، فلما أطال القول في ذلك أراد الفرزدق أن يغض منه فقال : لو لم تكن لأبي موسى منقبة إلا أنه حَجَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لكفاه ، فامتعض أبو بردة من ذلك ثم قال : صدقت ، لكنه ما حجم أحداً قبله ولا بعده ، فقال الفرزدق : كان أبو موسى والله أفضلَ من أن يُجَرِّبَ الحجامة في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسكت أبو بردة على غيظ . وحكى غرس النعمة بن الصابىء في بعض تصانيفه أن أبا صَفْوان خالد ابن صَفْوان التميمي المشهور بالبلاغة كان يدخل على بلال بن أبي بردة المذكور٣ فيحدثه فيلحن في كلامه ، فلما كثر ذلك على بلال قال له : يا خالد ، تحدثني أحاديث الخلفاء وتلحن لحن السقاءات ، يعني النساء اللواتي يسقين الماء للناس ، فصار خالد بعد ذلك يأتي المسجد ويتعلم الإعراب ، وكُفَّ بصره ، فكان إِذا مَرَّ به موكب بلال يقول : من هذا ؟ فيقال : الأمير ، فيقول خالد : سحابة صيف عن قليل تَقَشَّعُ، فقيل ذلك لبلال فقال: لا تقشَّع والله حتى يصيبك منها ١ م: فمات خالد وبلال من عذابه، وانظر ترجمة خالد ٢ : ٢٢٦. ٢ ر : فضله في صحبته. ٣ وحكى ... المذكور : سقط من س ، وهو ثابت في هامش المسودة. ١١ شُؤْبوب١ ، وأمر به فضرب مائتي سوط . (76) وكان خالد كثير الهفوات لا يتأمل ما يقول ولا يفكر فيه ، وهو من ذرية عمرو بن الأهتم التميمي الصحابي رضي الله عنه ، فإنه خالد بن صفوان ابن عبد الله بن عمرو بن الأهتم بن سمي بن سنان بن خالد بن منقر التميمي المنقري ، واسم الأهتم سنان ، وإنما قيل له الأمتم لأن قيس بن عاصم المنقري ضربه بقوس فهتم ثناياه ، وقيل بل هُتمت يوم الكُلاب ، والله أعلم . وشبيب بن شيبة ابنُ عم خالد المذكور٢ . وكانت وفاة أبي بردة المذكور في سنة ثلاث ومائة بالكوفة ، وقيل سنة أربع ، وقيل سنة ست أو سبع ومائة ، وقال ابن سعد : مات أبو بردة والشعبي في سنة ثلاث ومائة في جمعة واحدة ، رحمهما الله تعالى . وسيأتي الكلام على الأشعري في ترجمة أبي الحسن إن شاء الله تعالى٣. ٣١٧ الشعبي أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار، وذو كبار قَيْلٌ من أقيال اليمن ، الشعبي، وهو من حمير وعِدَادُه في هَمْدَان ؛ وهو كوفي تابعي جليل القدر وافر العلم ، روي أن ابن عمر رضي الله عنه مر به يوماً وهو يحدث ١ ص : شؤبوب برد . ٢ وشبيب ... المذكور: سقط من ص والمسودة وثبت في ر . ٣ وسيأتي ... تعالى: سقط من ر م . ٣١٧ - ترجمة الشعبي في طبقات ابن سعد ٦: ٢٤٦ وطبقات الشيرازي، الورقة: ٢٢ وتهذيب ابن عساكر ٧ : ١٣٨ وتاريخ بغداد ١٢ : ٢٢٧ وتهذيب التهذيب ٥ : ٦٥ وحلية الأولياء ٤: ٣١٠ وعبر الذهبي ١: ١٢٧ وسمط اللآلي : ٧٥١. ١٢ بالمغازي فقال : شهدت القوم وإنه أعلم بها مني. وقال الزهري : العلماء أربعة : ابن المسيب بالمدينة ، والشعبي بالكوفة ، والحسن البصري بالبصرة ، ومكحول بالشام . ويقال إنه أدرك خمسمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وحكى الشعبي قال : أنقذني عبد الملك بن مروان إلى ملك الروم ، فلما وصلت إليه جعل لا يسألني عن شيء إلا أجبته، وكانت الرسُلُ لا تطيل الإقامة عنده ، فحبسني أياماً كثيرة حتى استحثنت خروجي ، فلما أردت الانصراف قال لي : من أهل بيت المملكة أنت ؟ فقلت : لا ، ولكني رجل من العرب في الجملة، فهمس بشيء، فدُفِعَتْ إليّ رقعة وقال لي: إذا أديت الرسائل إلى صاحبك فأوصل إليه هذه الرقعة ، قال : فأديت الرسائل عند وصولي إلى عبد الملك وأُنسيت الرقعة ، فلما صرت في بعض الدار أريد الخروج تذكرتها ، فرجعت فأوصلتها إليه ، فلما قرأها قال لي : أقال لك شيئاً قبل أن يدفعها إليك ؟ قلت : نعم ، قال لي : من أهل بيت المملكة أنت ؟ قلت : لا ، ولكني من العرب في الجملة . ثم خرجت من عنده ، فلما بلغت الباب رُددت١، فلما مثلت بين يديه قال لي : أتدري ما في الرقعة ؟ قلت : لا ، قال : اقرأها ، فقرأتها فإذا فيها (( عجبت من قوم فيهم مثل هذا كيف ملَّكوا غيره ))، فقلت له: والله لو علمت٢ ما حَمَلْتها، وإنما قال هذا لأنه لم يَرَكَ، قال: أفتدري لم كتبها ؟ قلت : لا ، قال : حسدني عليك، وأراد أن يغريني بقتلك ، قال: فتأدى ذلك إلى ملك الروم فقال : ما أردت إلا ما قال . [ ولما حُمل الشعبي إلى عبد الملك ونادمه قال له : يا شعبي ، لا تساعدني على قبح ولا تردّ عليَّ الخطأ في مجلسي ولا تكلفني جواب التشميت ولا جواب السؤال والتعزية ، ودع عنك كيف أصبح الأمير وكيف أمسى ، واجعل بدل التعريض لي صواب الاستماع مني ، واعلم أن صواب الاستماع أولى من صواب القول ، وإذا سمعتني أتحدث فلا يفتك منه شيء، وارعني فهمك وسمعك ، ولا تجهد نفسك في تطرية سواي ، ولا تستدعِ بذلك الزيادة من كلامي ، فإن ١ ر : ردني . ٢ ص : علمت ما فيها . ١٣ اسوأ الناس حالاً من شكر الملوك بالباطل وأسوأ حالاً منه من استخف بحقهم ؛ واعلم يا شعبي أن أقل من هذا يذهب بسالف الإحسان ويُسقط حق الحرمة ، وان الصمت في موضعه وعند إصابته فرصة . وكان أعرابي يجالس الشعبي ويطيل الصمت ، فقال له الشعبي يوماً : ألا تتكلم ؟ فقال : أسكت فأسلم وأسمع فأعلم ؛ إن حظ المرء في أذنه له ، وفي لسانه لغيره . وقال رجل الشعبي كلاماً أقذع فيه فقال له : ان كنت صادقاً غفر الله لي وإن كنت كاذباً غفر الله لك١. وسئل الشعبي عن الرجل يعسر عن الأضحية ولا يجد ما يشتري فقال : لأن اتركها وأنا موسر أحبّ إليَّ من أن اتكلفها وأنا معسر. وقال الشعبي : كانت درة عمر رضي الله عنه أهيب من سيف الحجاج ؛ وقال أيضاً : مَنْ زَوَّجَ كريمته من فاسق فقد قطع رحمها . وأُحضر الشعبي بين يدي الحجاج - وكان قد خرج مع ابن الأشعث - فسلّم على الحجاج بالإمرة ثم قال : أيها الأمير إن الناس قد أمروني أن أعتذر إليك لغير ما يعلم الله انه الحق ؛ وايم الله لا أقول في هذا المقام إلا حقّاً : قد والله خرجنا عليك وجهدنا كل الجهد فما كنا بالفجرة الأقوياء ولا البررة الأتقياء ، وقد نصرك الله علينا وأظفرك بنا، فإن سطوت فبذنوبنا وما جرَّتْ إِلينا أيدينا ، وان عفوت عنا فبحلمك ؛ وبعد ، فالحجة لك علينا . فقال الحجاج : أنت والله أحبّ إلي ممن يدخل علي يقطر سيفه من دمائنا ثم يقول: ما فعلت وما شهدت ؛ قد أمنت عندنا يا شعبي ، فانصرف . وقال له الحجاج: يا شعبي، ما كان عبد الرحمن يزجر حين رآني نزلت دير قرة ونزل هو دير الجماجم محارباً ؛ وكان أبداً يقول هذا الكلام على سبيل الفأل والزجر]٢ . ١ زاد في النص بعده : ثم تمثل بقول مسكين الدارمي : ليست الأحلام في حال الرضى إنما الأحلام في حال الغضب وسيرد هذا في موضعه حسبما جاء في المسودة . ٢ زيادة من ص وحدها، وانظر جـ ٢: ٣١ فإن القصة مع الحجاج مكررة . ١٤ وكلَّم الشعبي عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين في قوم حبسهم ليطلقهم فأبى ، فقال له : أيها الأمير ، إن حبستهم بالباطل فالحقُّ يخرجهم، وإِن حبستهم بالحق فالعفو يسعهم ، فأطلقهم . وكان ضئيلاً نحيفاً ، فقيل له يوماً : ما لنا نراك ضئيلاً ؟ فقال : زوحمت في الرحم ، وكان قد ولد هو وأخ آخر في بطن وأقام في البطن سنتين ، ذكره في كتاب ((المعارف))١. ويقال إن الحجاج بن يوسف الثقفي قال له يوماً: كم عَطَاءكَ في السنة ؟ فقال : ألفين ، فقال : ويحك ! كم عطاؤك ؟ فقال : ألفان، قال: كيف لحنت أوّلاً ؟ قال: لحن الأمير فلحنت ، فلما أعرب أعربت ، وما أمكن أن يلحن الأمير وأُعرب أنا. فاستحسن ذلك منه وأجازه . وكان مَزَّاحاً ، يحكى أن رجلاً دخل عليه ومعه امرأة في البيت فقال : أيكما الشعبي ؟ فقال : هذه . عمر؟ وكانت ولادته لست سنين خلت من خلافة عثمان رضي الله عنه ، وقيل سنة عشرين للهجرة ، وقيل إحدى وثلاثين ، وروي عنه أنه قال : ولدت سنة جَلُولاء وهي سنة تسع عشرة . وقال قتادة: ولد الشعبي لأربع سنين بقين من خلافة عمر رضي الله عنه ، وقال خليفة بن خياط: وُلُد الشعبي والحسن البصري في سنة إحدى وعشرين، وقال الأصمعي: في سنة سبع عشرة بالكوفة . وتوفي بالكوفة سنة أربع ، وقيل ثلاث ، وقيل ست ، وقيل سبع، وقيل خمس ومائة ، وكانت وفاته فجأة . وكانت أمه من سبي جلولاء ، رضي الله عنه . وشراحيل : بفتح الشين المعجمة والراء وبعد الألف حاء مهملة مكسورة ثم ياء ساكنة مثناة من تحتها وبعدها لام . والشَّعْبي : بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة وبعدها باء موحدة ، هذه النسبة إلى شَعب، وهو بطن من هَمْدان، وقال الجوهري٢: هذه النسبة إلى جبل باليمن نزله حسان بن عمرو الحميري هو وولده ودفن به ، وهو ذو شَعْبين ، فمَنْ كان بالكوفة منهم قيل لهم : شعبيون ، ومن كان منهم بمصر ١ المعارف : ٤٥٠ ٠ ٢ رس : ابن قتيبة؛ والنص في المعارف أيضاً . ١٥ والمغرب قيل لهم: الأشعوب، ومن كان منهم بالشام قيل لهم: شعبانيون ، ومن كان باليمن قيل لهم : آل ذي شَعْبين . وجَلُولاء : بفتح الجيم وضم اللام ومد آخره ، قرية بناحية فارس كانت بها الوقعة المشهورة زمن الصحابة رضي الله عنهم . وكان كثيراً يتمثل بقول مسكين الدارمي : ليست الأحلام في حال الرضى إنما الأحلام في وقت الغضب ٣١٨ أم المؤمنين عائشة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها وعن والدها ؛ تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، شرَّفها الله تعالى، قبل الهجرة بثلاث سنين ، وقيل انه تزوجها قبل سودة ، زوّجه إياها أبوها فأصدقها مثلما أصدق سودة. وكان لها يوم تزوجها ست سنين، وما تزوج بكراً سواها، وقُبض صلى الله عليه وسلم وهي بنت ثماني عشرة سنة ، وماتت في خلافة معاوية سنة ثمان وخمسين ولها سبع وستون سنة ، ودفنت بالبقيع ؛ ولما ماتت بكى عليها ابن عمر رضي الله عنه ، فبلغ ذلك معاوية فقال له : أتبكي على امرأة ؟ فقال : إنما يبكي على أم المؤمنين بنوها وأما من ليس لها بابن فلا . وقال المبرد : قالت عائشة رضي الله عنها : لما أمر الله نبيه صلى الله عليه ٣١٨ - ترجمة عائشة أم المؤمنين في طبقات ابن سعد ٨: ٥٨ والاستيعاب: ١٨٨١ وأسد الغابة ٥: ٥٠١ والإصابة ٨: ١٣٩ وحلية الأولياء ٢: ٤٣ وتهذيب التهذيب ١٢: ٤٣٣ وصفة الصفوة ٢: ٦ ، ولها أخبار في معركة الجمل في كتب التاريخ كالطبري والسعودي وابن الأثير وابن خلدون وغير ذلك وفي كتب الحديث المختلفة . وهذه الترجمة انفردت بها ص ، وهي خارجة على خطة المؤلف في مقدمة الكتاب لأنه ذكر أنه لن يترجم لأحد من الصحابة . ١٦ حدد وسلم أن يخيّر نساءه قال لي: أتختارين الله ورسوله والدار الآخرة أو الحياة الدنيا وزينتها ؟ قلت : الله ورسوله أحب إلي والدار الآخرة ، ثم قلت له : أخبَّرت أحداً قبلي ؟ قال : لا، قلت : لا تخبرهن ، فقال صلى الله عليه وسلم : إن الله بعثني نذيراً ولم يبعثني معنتاً [ولا متعنتاً]١. وبلغ عائشة رضي الله عنها أن أناساً يسبّون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فقالت : إِن الله قطع عنهما العمل فأحب أن لا يقطع عنهما الأجر . وقيل لعائشة رضي الله عنها : متى يكون الرجل مسيئاً ؟ فقالت : إِذا ظن أنه محسن . قال مسلم بن دارة : ما زلت أستجفي عائشة رضي الله عنها في قولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بمنة الله لا بمنتك)) حتى سألت أبا زرعة الرازي فقال : وآتِ الحمدَ أهله . وقالت عائشة رضي الله عنها للخنساء : كم تبكين على صخر وإنما هو جمرة في النار ؟ قالت : ذاك أشد لجزعي عليه . وسئلت عائشة رضي الله عنها : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح ؟ قالت : نعم ، كان عندي عجوز فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : ادعُ الله أن يجعلني من أهل الجنة ، قال: إِن الجنة لا يدخلها العجائز؛ وسمع النداء فخرج وهي تبكي فقال : ما لها ؟ قالوا : إنك حدثتها أن الجنة لا يدخلها العجائز، قال: أن الله سبحانه وتعالى يحولهن أبكاراً عُرُّباً أتراباً. وكان عند عائشة رضي الله عنها طبق عنب فجاء سائل فدفعت إليه واحدة منه ، فضحك نساءٌ كنّ، فقالت: إن فيما ترون مثاقيل ألذركثيرة . وقيل : وقعت بين حيين من قريش منازعة فخرجت عائشة [على بغلة] تصلح بينهما ، فلقيها ابن أبي عتيق فقال : إلى أين جعلت فداك ؟ فقالت : أُصلح بين هذين الحيين ، فقال : والله ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل بعد فكيف إِذا قيل يوم البغل ؟ فضحكت وانصرفت . ومثل هذه النادرة : أرسل القاضي شرف الدين بن عين الدولة الشرفَ ابن ١ زيادة من تفسير القرطبي ١٤ : ١٦٢ . ٢ - ٣ ١٧ .. منهال مُوَقِّعه إلى الحسامِ بن منقذ بسبب شهادةٍ شهدها على ابن الجمل أن يتثبت منها ويتحققها قبل أدائها ، ثم قال في أثناء ذلك : قل له نوبة الجمل ما كانت قليل . وكانت عائشة رضي الله عنها خرجت من المدينة حاجة وعثمان محصور ثم صدرت عن الحج ، فلما كانت بسرف - وهو موضع قبر ميمونة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم - لقيها الخبر بقتل عثمان وبيعة علي ، فانصرفت راجعة إلى مكة ولحق بها طلحة والزبير ومروان بن الحكم ، فلما تتامّوا بمكة تشاوروا فيما يريدون من الطلب بدم عثمان وهمّوا بالشام لمكان معاوية ، فصرفهم عبد الله ابن عامر عن ذلك إلى البصرة ، فتوجهوا إليها فأخذوا عثمان بن حنيف عامل علي بها فهموا بقتله فناشدهم الله وذكرهم صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشير بضربه اسواطاً فضربوه ونتفوا لحيته ورأسه حتى حاجبيه وأشفار عينيه ، ثم حبسوه ، وقتلوا خمسين رجلاً كانوا معه على بيت المال وغير ذلك من اعماله ، فلما بلغ عليّاً مسيرهم خرج مبادراً إليهم واستنفر أهل الكوفة ثم سار بهم إلى البصرة ، وهم بضعة عشر ألفاً، فخرج إليه طلحة والزبير وعائشة وأهل البصرة فاقتتلوا قتالاً شديداً؛ قال عبد الله بن الزبير: أمسيت يوم الجمل وفيّ سبع وثلاثون جراحة من طعنة وضربة ، وما رأيت مثل يوم الجمل قط لا يهزم منا أحد ولا منهم ، وما أخذ خطامَ الجمل احدٌ إِلا قُتل، فأخذت بالخطام فقالت عائشة : من ؟ قلت : ابن الزبير ، قالت : واثكل أسماء! ومرّ بي الأشتر فعرفته فعانقته وناديت : اقتلوني ومالكاً ، فجاء ناس منا ومنهم فقاتلوا حتى تحاجزنا وضاع مني الخطام ، فسمعت عليّاً ينادي : اعقروا الجمل فإنه ان عقر تفرقوا ، فضربه رجل فسقط ، فما سمعت قط أشد عجيجاً منه ، ثم أمر علي رضي الله عنه بجمل الهودج من بين القتلى ، وقد كان القعقاع وزفر بن الحارث انزلاه عن ظهر البعير فوضعاه إلى جنب البعير ، فأقبل محمد بن أبي بكر ومعه عمار حتى احتملاه ، وأدخل محمد بن أبي بكر يده فقال : يا أخية قولي بنار الدنيا ، فقالت : بنار الدنيا١ . ١ يبدو في النص اضطراب هنا . ١٨ وقيل إن طلحة أصابه سهم فشك" ركبته بصفحة الفرس وسال دمه فضعف ، فقال : يا غلام ، ابغني مكاناً ، فمات قبل ان يصل إلى الموضع الذي أمر أن يحمل إليه ، ورجع الزبير فقُتل بوادي السباع ، قتله عمرو بن جرموز وعاد بسيفه إلى علي ، فلما رآه قال: إنه لسيف طالما جلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الكرب ؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : بشتر قاتل ابن صفية بالنار . واحيط بعائشة رضي الله عنها ، ودخل علي البصرة بمن معه ، فبايعه أهلها واطلق عثمان بن حنيف وجهز عائشة رضي الله عنها ، وأمر أخاها محمداً بالخروج معها وخرج في تشييعها اميالاً وسرَّح بنيه معها يوماً . وقيل إن أهل المدينة علموا بيوم الجمل يوم الخميس قبل أن تغرب الشمس - وفيه كان القتال - وذلك ان نسراً مرّ بماء حول المدينة معه شيء معلق، فتأمله الناس فوقع فإذا كف فيها خاتم نقشه عبد الرحمن بن عتاب ، ثم كان [من] بين مكة والمدينة ممن قرب من البصرة أو بعد قد علموا بالوقعة مما تنقل إليهم النسور من الأيدي والأقدام . ويقال ان عدة المقتولين من اصحاب الجمل ثمانية آلاف ، وقيل سبعة عشر ألفاً ، وذكر أنه قُطع على خطام الجمل سبعون يداً كلهم من بني ضبة ، كلما قطعت يد رجل تقدم آخر ، وقتل من أصحاب علي رضي الله عنه نحو ألف١ . ١ ذكر وستنفيلد بعد هذه الترجمة ((عافية بن يزيد)» (ورقمه عنده ٣١٨) وأورد في ترجمته سطراً واحداً ، ولم ترد لعافية ترجمة فيما لدينا من مخطوطات ، ولذلك لم نفرده برقم ؛ وهو عافية بن يزيد بن قيس القاضي الكوفي ، كان قاضياً في عهد المهدي سنة ١٦١، وكان عالماً زاهداً، وثقه ابن معين وغيره في الحديث ونسبه آخرون إلى الضعف، وتوفي سنة ١٨٠ هـ . انظر ترجمته في تاريخ بغداد ١٢ : ٣٠٧ وتهذيب التهذيب ٥ : ٦٠ وميزان الاعتدال ٢ : ٣٥٨ والدميري ١ : ١٦٣. ١٩ * : ٣١٩ العباس بن الأحتف أبو الفضل العباس بن الأحنف بن الأسود بن طلحة بن جَرادن بن كَلَدة ابن خُريم بن شهاب بن سالم بن حَيَّة بن كليب بن عبد الله بن عدي بن حنيفة بن لُجَيْم الحنفي اليمامي الشاعر المشهور ؛ كان رقيق الحاشية لطيف الطباع ، جميع شعره في الغزل ، لا يوجد في ديوانه مديح ، ومن رقيق شعره قوله من جملة قصيدة١ : يا أيها الرَّجلُ المُعَذِّبُ نفسهُ أَقْصِرْ فإن شِفِاءَكَ الإقصارُ عيناً يعينك دمعها المِدْرار نزَفَ البُكاءُ دُموع عينك فاستَعِرْ. من ذا يُعِيركَ عينَهُ تبكي بها أرأيتَ عيناً للبكاء تُعار ذكر أبو علي القالي في كتاب ((الأمالي))٢ قال: قال بشار بن برد : ما زال غلام من بني حنيفة يدخل نفسه فينا ويخرجها منا حتى قال هذه الأبيات . ومن شعره أيضاً من جملة أبيات ، وينسبان إلى بشار بن برد أيضاً والله اعلم٣ : أبكي الذين أذاقوني مودتهم حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا واستنهضوني فلما قمت منتصباً بثقل ما حملوني منهمُ قعدوا ٣١٩ - ترجمته في الأغاني ٨: ٣٥٤ والشعر والشعراء: ٧٠٧ وتاريخ بغداد ١٢: ١٢٧ ومعجم الأدباء ١٢: ٤٠ والسمط: ٣١٣، ٤٩٧ والموشح: ٢٩٠ وعبر الذهبي ١: ٣١٢، وقد طبع ديوانه مرات آخرها بتحقيق الدكتورة عاتكة الخزرجي (القاهرة : ١٩٥٤) . ١ ديوانه : ١١٦ . ٢ الأمالي ١ : ٢٠٦. ٣ ديوانه : ٨٤ . ٢٠ +٠