Indexed OCR Text

Pages 521-540

وكان مولده سنة تسع وخمسين ومائة . وتوفي يوم السبت خمس بقين من
جمادى الآخرة سنة سبع ومائتين بمدينة مَرْوَ رحمه الله تعالى .
وكان المأمون قد ولاه خراسان ، فوردها في شهر ربيع الآخر سنة ست
ومائتين ، واستخلف ابنه طلحة ، هكذا قال السلامي في كتاب ((أخبار ولاة
خراسان))، وقال غيره١: إنه خلع طاعة المأمون، وجاءت كتب البريد من
خراسان تتضمن ذلك، فقلق المأمون لذلك قلقاً شديداً، ثم جاءته كتب البريد
ثاني يوم أنه أصابته عقیب ما خلع حُمی فوجد في فراشه ميتاً، وقيل إنه حدث
به في جفن عينه حادث ، فسقط ميتاً .
[وحكى هارون بن العباس بن المأمون في تاريخه ، قال٢: دخل طاهر
يوماً على المأمون في حاجة فقضاها وبكى حتى اغرورقت عيناه بالدموع ، فقال
طاهر : يا أمير المؤمنين لمَ تبكي ؟ لا أبكى الله عينك ، وقد دانت لك الدنيا
وبلغت الأماني، فقال : أبكي لا عن ذل ولا عن حزن ، ولكن لا تخلو نفس من
شَجَنٍ ، فاغتم طاهر وقال لحسين الخادم وكان يحجب المأمون في خلواته: أريد
أن تسأل أمير المؤمنين عن موجب بكائه عندما رآني ، ثم أنفذ طاهر للخادم
مائة ألف درهم ، فلما كان في بعض خلوات المأمون وهو طيب الخاطر قال له
حسين الخادم : يا أمير المؤمنين ، لمَ بكيت لما دخل عليك طاهر ؟ فقال :
مالك ولهذا ويلك؟ قال: غَمَّني بكاؤك، فقال : هو أمر إن خرج من رأسك
أخذته ، فقال : يا سيدي ومتى أبحت لك سرّاً ؟ قال : إني ذكرت محمداً أخي
وما قاله من الذلة ، فخنقتني العَبرَة ، ولن يفوت طاهراً مني ما يكره ، فأخبر
حسين طاهراً بذلك ، فركب طاهر إلى أحمد بن أبي خالد فقال له : إن الثناء
مني ليس برخيص وإن المعروف عندي ليس بضائع ، فغيبني عن المأمون، فقال:
سأفعل ، فبكّر إليَّ غداً ، وركب أحمد إلى المأمون فقال له : لم أنم البارحة ،
فقال له: ولمَ ؟ قال: لأنك ولَّيت خراسان غسان وهو ومن معه أكلة رأسٍ،
وأخاف أن يصطلمه مصطلم ، فقال : فمن ترى ؟ قال : طاهر ، قال : هو
١ انظر تفصيل هذا الخبر في كتاب ابن طاهر : ٧٣ وما بعدها .
٢ ورد الخبر في المصدر السابق: ٢٣ وقد جاء في النسخة ج باختلاف يسير.
٥٢١

جائع، فقال : أنا ضامن له، فدعا به المأمون وعقد له على خراسان من ساعته ،
وأهدى له خادماً كان رباه ، وأمره إن رأى ما يريبه أن يَسُمَّه ، فلما تمكن
طاهر من الولاية قطع الخطبة . حكى كلثوم بن ثابت متولي بريد خراسان قال :
صعد طاهر المنبر يوم الجمعة وخطب ، فلما بلغ ذكر الخليفة أمسك ، فكتب
بذلك إلى المأمون على خيل البريد ، وأصبح طاهر يوم السبت ميتاً فكتب إليه
أيضاً بذلك ، فلما وصلت الخريطة الأولى إلى المأمون دعا أحمد بن أبي خالد
وقال : اشخص الآن فأت به كما ضمنت ، وأكرهه على المسير في يومه ، ثم بعد
شدائد أذن له في المبيت ، ثم وافت الخريطة الثانية من يومه بموته ، وقيل :
إن الخادم سَنَّه في كامخ]١ .
(66) ثم إن المأمون استخلف ولده طلحة على خراسان ، وقيل إنه جعله
خليفة بها لأخيه عبد الله بن طاهر الآتي ذكره ، وتوفي طلحة سنة ثلاث عشرة
ومائتين ببَلْخَ .
واختلفوا في تلقيبه بذي اليمينين٢ لأي معنى كان ، فقيل لأنه ضرب شخصاً
في وقعته مع علي بن ماهان كما تقدم فقدَّه نصفين ، وكانت الضربة بيساره ،
فقال فيه بعض الشعراء :
كلتا يديك يمينٌ حين تضربه
فلقبه المأمون (( ذا اليمينين)) ، وقيل غير ذلك .
(67) وكان جده مصعب بن رزيق٣ كاتباً لسليمان بن كثير الخزاعي صاحب
دعوة بني العباس ، وكان بليغاً، فمن كلامه: ما أحوَجَ الكاتبَ إلى نفس
تسمو به إلى أعلى المراتب ، وطبع يقوده إلى أكرم الأخلاق ، وهمة تكفه عن
دَنَسِ الطمع ودناءة الطبع .
١ ما بين معقفين سقط من ص س والمسودة .
٢ ذكر الثعالبي (ثمار القلوب: ٢٩١) انه لقب بذلك لأن المأمون كتب اليه: « يمينك يمين أمير
المؤمنين وشمالك يمين » .
٣ انظر الجهشياري : ٧٤ .
٥٢٢

وبُوشَنْج : بضم الياء الموحدة وسكون الواو وفتح الشين المعجمة وسكون
النون وبعدها جيم ، وهي بلدة بخراسان على سبعة فراسخ من هَراة .
ومُقَدِّس : بضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المهملة المكسورة وبعدها
سين مهملة ، وهو اسم علم على الشاعر المذكور .
والخلوقي : بفتح الخاء المعجمة وضم اللام وسكون الواو وبعدها قاف ، هذه
النسبة إلى خَلُوق أو خَلُوقة ، وهي قبيلة من العرب مشهورة .
(68) ومات والده الحسين بن مصعب بخراسان في سنة تسع وتسعين ومائة،
وحضر المأمون جنازته وبعث إلى ابنه طاهر وهو بالعراق يعزيه .
٣١٠
سيف الإسلام طغتكين
سيف الإسلام أبو الفوارس طُفْتِكين بن أيوب بن شاذي بن مروان المنعوت
بالملك العزيز ظهير الدين ، صاحب اليمن ؛ كان أخوه السلطان الملك الناصر
صلاح الدين ، رحمه الله تعالى ، لما ملك الديار المصرية قد سير أخاه شمس الدولة
تُورَانَ شاه - المقدم ذكره في حرف التاء - إلى بلاد اليمن ، فملكها واستولى
على كثير من بلادها ، ورجع عنها - حسبما هو مذكور في ترجمته - ثم سير
السلطان إليها بعد ذلك أخاه سيف الإسلام المذكور، وذلك في سنة سبع وسبعين
وخمسمائة . وكان رجلاً شجاعاً كريماً مشكور السيرة حسن السياسة مقصوداً
من البلاد الشاسعة لإحسانه وبره ، ودخل إليه شرفُ الدين أبو المحاسن ابن عنين
الدمشقي - الآتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى - ومدحه بغر" القصائد ،
فأحسن إليه وأجزل صلته ، واكتسب من جهته مالاً وافراً وخرج به من اليمن،
٣١٠ - ترجمة طفتكين في ابن الأثير ١١: ٤٨٠ ومفرج الكروب ٢: ١٠٥ وصفحات كثيرة
في مرآة الزمان، والعقود اللؤلؤية ١ : ٢٩ .
٥٢٣

فلما وصل إلى الديار المصرية وسلطانُها يومئذ الملك العزيز عماد الدين عثمان ابن
السلطان صلاح الدين ، رحمه الله تعالى ، ألزمه أرباب ديوان الزكاة بدفع الزكاة
من المتاجر التي وصلت صحبته ، فعمل١:
ما كلُّ من يَتَسَمَّى بالعزيزِ لها أَهْلٌّ ولا كُلُّ بِرْقِ سُحْبُهُ غَدِقَهْ
بين العزيزين بَوْنٌ في فَعَالهما هذاكِ يُعْطي، وهذا يأخذ الصَّدَقَهْ
وكانت وفاة سيف الإسلام في شوال تاسع عشر سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة
بالمنصورة ، وهي مدينة اختطها باليمن ، رحمه الله تعالى .
(69) وتولى بعده ولده الملك المعز فتح الدين إسماعيل٢، وللمعز المذكور
صنَّف أبو الغنائم مسلم بن محمود بن نعمة بن أرسلان الشيزري كتابه الذي سماه
((عجائب الأسفار وغرائب الأخبار» وأودع فيه من أشعاره وأخبار الناس كثيراً،
وذكر العز بن عساكر أنه مات بالحمراء من بلاد اليمن ، وذكر أبو الغنائم
المذكور في كتابه الذي سماه ((جمهرة الإسلام ذات النثر والنظام)) ٣ أنه مات
بتعز ، ودفن بها بالمدرسة . ثم قال : وقتل ولده فتح الدين أبو الفداء إسماعيل
في رجب سنة ثمان وتسعين ، بمكان يقال له عجي شاميّ زبيد، وتولى مكانه أخوه
الملك الناصر أيوب٤ .
[وكان الملك المعز اسماعيل أهوج كثير التخليط بحيث انه ادعى أنه قرشي
من بني أمية وخطب لنفسه بالخلافة وتلقب بالهادي ، فلما سمع عمه الملك العادل
١ ديوان ابن عنين : ٢٢٣.
٢ راجع نبذة عنه في بلوغ المرام : ٤١.
٣ من هذا الكتاب نسخة خطية بليدن رقم ٨٠؛ وقد جاء في مقدمتها: « أما بعد فهذا كتاب
ألفته وبعضه أنشأته لخزانة مولانا الملك المسعود السيد الأجل الكبير العالم العامل المجاهد المظفر
المنصور صلاح الدين ملك المسلمين ، ذخر الإسلام ، عدة الأنام، أسد الدولة ، بهاء الملة ، شمس
الملوك والسلاطين ، قاتل الكفرة والملحدين ، قاهر الخوارج والمتمردين، صلاح الدين سلطان
اليمن ... الخ)» وقد قسمه في ستة عشر كتاباً وختم كل كتاب بإيراد شيء من قوله وقول ولده
أحمد في مدح الملك المسعود صلاح الدين يوسف بن محمد بن سيف الدين أبي بكر .
٤ ترتيب أخبار الملك المعز مختلف في نسخة ص عما هو عليه في سائر النسخ .
٥٢٤

ذلك ساءه وأهمه وكتب إليه يلومه ويوبخه ويأمره بالعودة إلى نسبه الصحيح ،
وبترك ما ارتكبه مما يضحك الناس منه ، فلم يلتفت ولم يرجع ؛ وانضاف إلى
ذلك أنه أساء السيرة مع اجناده وامرائه ، فوثبوا عليه فقتلوه وملكوا عليهم
أخاه الملك الناصر محمداً]١.
(70) وكان أبو الغنائم المذكور أديباً شاعراً، وكان موجوداً في سنة سبع
عشرة وستمائة . فقد توفي في هذه السنة أو بعدها .
(71) وكان أبوه أبو الثناء محمود٢ نحوياً متصدراً يجامع دمشق لإقراء النحو،
وذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخه الكبير ، وذكره العماد الكاتب في كتاب
((الخريدة)) ٣ وقال: توفي بعد سنة خمس وستين وخمسمائة. وقال شرف الدين
ابن عنين : أنشدني محمود المذكور لنفسه ؛ :
يقولون كافات الشتاء كثيرة وما هي إلا واحد غير مُفْتَرَى
لديك ، وكل الصيد يوجد في الفَرا
إِذا صح کافالکیس فالكل حاصل
وكان جده أرسلان مملوك ابن منقذ صاحب شيزر ، والله أعلم .
وطُفْتِكِينُ : بضم الطاء المهملة وسكون الغين المعجمة وكسر التاء المثناة
من فوقها والكاف وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون ، وهو اسم تركي
[لا أعرف معناه] .
١ زيادة من ص .
٢ قال القفطي (انباه ٣: ٢٧٣): كان محمود بن نعمة شاعر ابن منقذ، وله شعر حسن وكان
يحفظ أشعاراً كثيرة ، وتوفي بدمشق؛ وانظر أيضاً بغية الوعاة : ٣٩٠ والنجوم الزاهرة ه :
٣٥٨ ٠
٣ الخريدة (قسم الشام) ١ : ٥٧٥.
٤ الخريدة : ٥٧٦ .
٥٢٥

٣١١
الصالح بن رزيك
أبو الغارات طلائع بن رُزِّيك الملقب الملك الصالح وزير مصر ؛ كان والياً
بمنية بني خصيب من أعمال صعيد مصر، فلما قُتل الظافر إسماعيل صاحب مصر
- كما تقدم في حرف الهمزة - سير أهل القصر إلى الصالح ، واستنجدوا به على
عباس وولده نصر المتفقين على قتله ، فتوجه الصالح إلى القاهرة ومعه جمع عظيم
من العربان ، فلما قربوا من البلد هرب عباس وولده وأتباعها ومعهما أسامة بن
منقذ - المذكور في حرف الهمزة أيضاً - لأنه كان مشاركاً لهما في ذلك على ما
يقال ، ودخل الصالح إلى القاهرة وتولى الوزارة في أيام الفائز ، واستقل بالأمور
وتدبير أحوال الدولة ، وكانت ولايته في التاسع عشر من شهر ربيع الأول سنة
تسع وأربعين وخمسمائة . وكان فاضلاً سمحاً في العطاء سهلاً في اللقاء محبّاً لأهل
الفضائل جيد الشعر، وقفت على ديوان شعره وهو في جزأين، ومن شعره قوله١:
كم ذا يُرينا الدهرُ من أحداثِهِ عِبَراً وفينا الصدُ والإعراضُ
نَفسى المماتَ وليْسَ يجري ذكرُه فينا فَتُذْكرنا به الأمراضُ
ومن شعره أيضاً :
ومُهَفْهَفٍ ثملِ القَوامِ سرَتْ إلى أعطافهِ النشواتُ من عَيْنِيهِ
ماضي اللحاظِ كأنّما سَلَّتْ يدي سيفي غَدَاةَ الروع من جفنيه
٣١١ - ترجمة طلائع بن رزيك في الخريدة (قسم مصر) ١٧٣:١ وفي الحاشية ثبت بمصادر ترجمته؛
وانظر النكت العصرية ١: ٣٢ وما بعدها، وقد جمع محمد هادي الأميني ديوانه (ط. النجف:
١٩٦٤ وألحق بمقدمته ثبتاً مفصلاً في مصادر ترجمته) قلت: وهذه الترجمة مستوفاة في المسودة .
١ ديوانه : ٨٤.
٢ الخريدة ١ : ١٧٧ والديوان : ١٧٤ .
٥٢٦

قد قلتُ إِذْ خَطّ العِذارُ بمسكةٍ في خده ألِفَيْهِ لا لاميه
ما الشَّعَر دَبَّ بعارِضِيهِ وإِنما أصْداغُهُ نفَضَتْ على خَدّيه
فِيهِمْ وقَلبي الآنَ طَوْعُ يَدَيه
الناسُ طَوْعُ يدي وأمْري نافِذٌ
ويُحُورُ سُلطانُ الغَرامِ علَيه
فاعْجبْ لِسلطان يعمُّ بِعَدْلهِ
مُستَقَبَحٌ لفَرَرْتُ مِنْهُ إِلَيه
واللهِ لوْلا اسمُ الفِرارِ وأنّهُ
وروى عنه أبو الحسن علي بن إبراهيم بن نجا بن غنائم الأنصاري الملقب زين
الدين الحنبلي المعروف بابن نُجَية الواعظ المشهور الدمشقي قال : أنشدني
طلائع بنُ رُزِّيك لنفسه بمصر١ :
مَشِيبُكَ قد نَضا صبْغَ الشّبَابِ وحَلّ البازُ فِي وَكْر الغُرابِ
تَنامُ ومُقْلَةُ الحِدْثان يَقظى وما نابَ النّوَائِبٌ عَنكَ نابي
وكيفَ بَقاء عُمْرِكَ وَهْوَ كنزٌ وقد أَنفَقْتَ مِنْهُ بلا حِسابٍ
وكان المهذب عبد الله بن أسعد الموصلي نزيل حِمْصَ قد قصده من الموصل ،
ومدحه بقصيدته الكافيّة التي أولها٣ :
أما كَفاكَ تَلافي في تَلافِيكا ولَستَ تَنقِمُ إِلا فرْطَ حُبْيكا
وهي من نخب القصائد ، ومخلَصُها؛ :
وفِيمَ تَغْضِبُ أَنْ قالَ الوُشاة سَلا وأنتَ تَعْلَمُ أني لَستُ أَسْلُوكا
لا فِلتُ وَصْلَكَ إِنْ كَانَ الذي زَعَموا ولا شَفى ظَمَني جُودُ ابنِ رُزِّيكا
وهي طويلة طائلة ولولا خوف الإطالة لكتبتها .
١ الديوان : ٠٧ .
٢ س : الحوادث .
٣ انظر ابن الصابوني : ٣٦٠.
٤ سقطت هذه العبارة من ر .
٥٢٧
٠

ولما مات الفائز وتولى العاضد مكانه استمر الصالح على وزارته وزادت حرمته
وتزوَّج العاضد ابنته ، فاغترّ بطول السلامة، وكان العاضد تحت قبضته وفي
أسره ، فلما طال عليه ذلك أعمل الحيلة في قتله ، فاتفق مع قوم من أجناد
الدولة يقال لهم أولاد الرّاعي وتقرر ذلك بينهم ، وعَيَّن لهم موضعاً في
القصر يجلسون فيه مُستَخْفِين ، فإذا مرَّ بهم الصالح ليلا أو نهاراً قتلوه، فقعدوا
له ليلة وخرج من القصر، فقاموا ليخرجوا إليه ، فأراد أحدهم أن يفتح غَلَق
الباب فأغلقه وما علم ، فلم يحصل مقصودهم تلك الليلة لأمر أراده الله تعالى في
تأخير الأجل ، ثم جلسوا له يوماً آخر ، فدخل القصر نهاراً فوثبوا عليه
وجرحوه جراحات عديدة بعضها في رأسه ، ووقع الصوت ، فعاد أصحابه إليه
فَقَتَلوا الذين جَرَحُوهُ وحُملَ إِلى داره مجروحاً ودمه يسيل ، وأقام بعض
يوم . ومات يوم الاثنين تاسع عشر رمضان سنة ست وخمسين وخمسمائة ، رحمه
الله تعالى ، وكانت ولادته في سنة خمس وتسعين وأربعمائة . وخرجت الخلع
لولده العادل محيي الدين رُزِّيك - المقدَّم ذكره في ترجمة شاور - يوم الثلاثاء
ثاني يوم وفاة أبيه ، وكنيته أبو شجاع ، ولما تولى الوزارة لقبوه العادل الناصر .
ولما مات رفاه الفقيه عمارة اليمني بقصيدة ، أولها١ :
فإني لِما بي ذاهِبُ اللُّّبِّ ذاهِلُه
أفي أهْلِ ذا النادي عَلِيم ◌ُسائِلُه
ويَذهَلُ واعِيهِ ويَخْرَسُ قائِله
سَمِعتُ حَدِيثاً أُحْسُدُ الصُّمَّ عِندَهُ
ويَعْلو على حَقّ المُصيبَةِ باطِله
فَهَلْ مِنْ جَوابٍ يَستَغيثُ بِهِ المُنى
أُرى الدَّسْتَ منصُوباً وما فيهِ كافِله
وقدْ رابَني مِنْ شاهِدِ الحالِ أنّني
أمِ اخْتَارَ هَجْراً لا يُرَجَّى تَواصُله
فَهَلْ غَابَ عَنْهُ وَاسْتَنَابَ سَلِيلَهُ
فإني أرى فَوقَ الوُجُوهِ كَآبَةً تَدُلُّ على أنَّ الوُجُوهَ تَواكِلِه
ومنها :
دَعُوني فما هذا أوانُ بُكائِهِ سَيَأْتِيكمُ طَلُّ البُكاءِ ووابِلِه
١ النكت العصرية: ٥٠، وهي في ديوانه في ٧٦ بيتاً .
٥٢٨

ولا تُنْكَرُوا حُزْنِي عَلَيْهِ فإنّني تَقَشْعَ عَنّ وابلٌ كنت آمله
وأوْلادُنا أَيْتامُهُ وأرامِله
ولِمْ لا نُبْكِّيهِ ونَنْدُبُ فَقدَهُ
وقد غابَ عَنّا ما بنا الله فاعِلِه
فيا لَيْتَ شِعِري بَعدَ حُسنِ فِعالِهِ
فيَمكثَ أَمْ تُطوَى بِبَينٍ مَرَاحِلِه
ايُكرَمُ مَنْوَی ضیفکم وغریبکْ
وهي طويلة ؛ وكان قد دفن بالقاهرة ، ثم نقله ولده العادل من دار الوزارة التي
دفن بها، وهي المعروفة بانشاء الأفضل شاهان شاه - المقدّم ذكره - ؛ وكان
نقله في تاسع عشر صفر سنة سبع وخمسين في تابوت وركب خلفه العاضد إلى
تربته التي بالقرافة الكبرى ، فعمل في ذلك الفقيه عمارة أيضاً قصيدة طويلة
أجاد فيها ، ومن جملتها في صفة التابوت :
وكأنهُ تَابُوتُ مُوسى أُودِعَتْ في جانِبَيْهِ سَكِينَةٌ وَوَقَارُ
وله فيه مَرَاثٍ كثيرة .
وهذا الصالح هو الذي بنى الجامع الذي على باب زويلة بظاهر القاهرة .
(72) وأما ولده العادل رُزِّيك١ فقد ذكرت في ترجمة شاور تاريخ هربه
من القاهرة ، وكان قد حمل معه من الذخائر ما لا يحصى، ومعه أهله وحاشيته ،
واستجار بسليمان ، وقيل بيعقوب بن النيص٢ اللخمي ، وكان من خواص
أصحابهم ، وحَصَّلَ من جهتهم نعمة وافرة ، فأنزلهم عنده وهو بإطفيح ،
وسار من ساعته إلى شاور وأعلمه بهم ، فندب معه جماعة ومضوا إلى العادل
وأخذوه أسيراً وأحضروه إلى باب شاور ، فوقف زماناً طويلاً ثم حبسه .
ثم قال شاور لابن النيص : لقد خَبأك الصالح ذخيرةً صالحة لولده وأنا
أخبؤك أيضاً لولدي ، ثم شنقه، وبقي العادل في الاعتقال مدة مديدة ، ثم قتله
١ يلقب بالملك الناصر، قال عمارة (النكت: ٥٣) «إن الله لم يمهله إلا مديدة يسيرة، وكانت
أفعال الخير فيها كثيرة وذلك أنه سامح الناس بالبواقي والحسابات القديمة وأسقط من رسوم الظلم
مبالغ عظيمة ... الخ )) .
٢ ص : الفيض ، وأثبتنا ما في ر والمسودة .
٣٤ - ٢
٥٢٩

وأخرج رأسه لأمراء الدولة١ .
ومن العجائب أن الصالح ولي الوزارة في التاسع عشر ، وقتل في التاسع
عشر ، ونقل تابوته في التاسع عشر، وزالت دولتهم في التاسع عشر .
ورُزّيك: بضم الراء وتشديد الزاي المكسورة وسكون الياء المثناة من
تحتها وبعدها كاف .
(73) وكانت٢ ولادة زين الدين الواعظ ٣ المذكور سنة ثمان وخمسمائة بدمشق،
ونشأ بها وقدم بغداد مراراً ، وصاهر أبا الحسن سعد الخير بن محمد بن سهل بن
سعد البلنسي الأنصاري الأندلسي٤ على ابنته أم عبد الكريم فاطمة، وانتقل قبل
وفاته إلى مصر، وحَدَّثَ بها، وتوفي يوم الأربعاء ثامن رمضان سنة تسع
وتسعين وخمسمائة بمصر، وهو المعروف بابن نُجَيَّة ، رحمه الله تعالى.
١٠ وأما ولده العادل ... الدولة : لم ترد هذه الفقرة في م .
٢ من هنا الى آخر الترجمة لم يرد في م .
٣ ترجمة زين الدين علي بن ابراهيم الواعظ في ذيل الروضتين: ٣٤ وذيل ابن رجب ١: ٤٣٦،
وفي إحدى رحلاته الى بغداد ( سنة ٥٦٤) كان رسولاً عن نور الدين زنكي ، وهناك تعرف
.إلى سعد الخير البلنسي وصاهره على ابنته فاطمة ونقلها معه الى مصر، وانتقلت كتب سعد الخير
اليه ، وكان انتقاله إلى مصر من قبل دولة صلاح الدين ، وهناك كان يعظ بجامع القرافة ، وكان
صلاح الدين يسميه عمرو بن العاص لصواب رأيه، وهو الذي أنهى الى صلاح الدين خبر مؤامرة
عمارة اليمني ورفاقه لاعادة الدولة الفاطمية ، ولما فتح صلاح الدين القدس كان معه .
٤٠ أندلسي رحالة وصل الصين وقاسى المشقات، وتتلمذ ببغداد للغزالي، وسكنها بعد أن
استقر فترة بأصبهان وتوفي سنة ٥٤١ (ترجمته في التكملة: رقم ٢٠١١ والذيل والتكملة ٤:
١٦ ونفح الطيب ٢: ٦٣٢، رقم: ٢٥٥).
٥٣٠

٣١٢
أبو يزيد البسطامي
أبو يزيد طَيْفُور بن عيسى بن آدم بن عيسى بن علي البَسْطَامِيُّ الزاهد
المشهور ؛ كان جده مجوسياً ثم أسلم ، وكان له أخَوَان زاهدان عابدان أيضاً :
آدم وعلي ، وكان أبو يزيد أجلتهم . وسُئل أبو يزيد : بأي شيء وجدت هذه
المعرفة ؟ فقال : ببطن جائع وبدن عار ؛ وقيل لأبي يزيد: ما أشدُّ ما لقيته في
سبيل الله تعالى ؟ فقال : لا يمكن وصفه ، فقيل له : ما أهون ما لقيت نفسك
منك ؟ فقال : أما هذا فنعم ، دعوتها إلى شيء من الطاعات فلم تجبني طَوعاً ،
فمنعتها الماء سنة . وكان يقول : لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى
يرتفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي
وحفظ الحدود وأداء الشريعة. وله مقالات كثيرة ومجاهدات مشهورة و کرامات
ظاهرة .
وكانت وفاته سنة إحدى وستين ، وقيل أربع وستين ومائتين ، رحمه الله
تعالى .
وطَيفور : بفتح الطاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الفاء وبعد
الواو الساكنة راء .
والبسطامي : بفتح الباء الموحدة وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة
وبعد الألف ميم ، هذه النسبة إلى بَسْطَامَ ، وهي بلدة مشهورة من أعمال
قُومِسَ ويقال: إنها أول بلاد خراسان من جهة العراق ، والله أعلم .
٣١٢ - ترجمة أبي يزيد البسطامي في طبقات السلمي: ٦٧ وحلية الأولياء ١٠: ٣٣ وطبقات
المناوي ١ : ٢٤٤ وميزان الاعتدال ٢: ٣٤٦ وقد وردت في المسودة دون نقص.
٥٣١

-

حَرفُ الظّاء

.

٣١٣
أبو الأسود الدؤلي
أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان بن جَنْدَل بن يَعْمُر بن حِلْس بن نفائة
٠
ابن عدي بن الدِّيل بن بكر الديلي ، ويقال : الدولي ، وفي اسمه ونسبه ونسبته
اختلاف كثير ؛ كان من سادات التابعين وأعيانهم ، صحب علي بن أبي طالب ،
رضي الله عنه، وشهد معه وَقْعة صِفِّينَ، وهو بصري ، وكان من أكمل
الرجال رأياً وأسَدّهم عقلاً .
وهو أول من وضع النحو ، قيل إن عليّاً ، رضي الله عنه ، وضع له :
الكلامُ كله ثلاثة أضرب: اسم وفعل وحرف، ثم رفعه إِليه وقال له : تم
على هذا .
[وكان ينزل البصرة في بني قشير ، وكانوا يرجمونه بالليل لمحبته عليّاً كرّم الله
وجهه، فإذا ذكر رجمهم قالوا : إن الله يرجمك ، فيقول لهم : تكذبون ، لو
رجمني الله لأصابني ولكنكم ترجمون ولا تصيبون ... وهذا بالعكس مما جرى
لأبي الجهم العدوي فإنه باع داره بمائة ألف درهم ثم قال : فبكم تشترون جوار
سعيد بن العاص ؟ قالوا : وهل يُشترى جوار قط ؟ قال: ردّوا عليَّ داري ثم
خذوا مالكم، لا أدع جوار رجل ان قعدت سأل عني وإن رآني رحب بي وإن
غبت حفظني وإِن شهدت قربني وإن سألته قضى حاجتي وإن لم أسأله بدأني
وإِن نابتني جائحة فرّج عنتي ، فبلغ ذلك سعيداً فبعث إليه بمائة ألف درهم .
٣١٣ - ترجمة أبي الأسود الدؤلي في تهذيب ابن عساكر ٧: ١٠٤ والخزانة ١: ١٣٦ والفهرست:
٣٩ وانباه الرواة ١: ١٣ ومعجم الأدباء ١٢: ٣٤ وسرح العيون: ١٥٣ وغاية النهاية
١ : ٣٤٥ (وفي حاشية الانباه ثبت وافٍ بمصادر ترجمته).
٥٣٥

وحكى أبو غفر الدؤلي - وكان شاعراً - قال: كنت عند عبد الملك بن
مروان إذ دخل عليه أبو الأسود الديلي - وكان أحول دميماً قبيح المنظر - فقال
له عبد الملك : يا أبا الأسود ، لو علقت عليك عوذة من العين ، فقال: ان لك
جواباً يا أمير المؤمنين ، وأنشد :
افنى الشبابَ الذي افنيت جدّته کرُّ الجديدين من آتٍ ومنطلق
لم يتركاليَ في طول اختلافهما شيئاً أخاف عليه لذعة الحدق
أما والله لئن كانت أبلتني السنون وأسرعت إليّ المنون لما اثبتُّ ذاك إلا
في موضعه ، ولرب يوم كنت فيه إلى الآنسات البيض اشهى منك إليهن، وإني
اليوم لكما قال امرؤ القيس :
أراهنَّ لا يحببن من قلَّ ماله ولا من رأين الشيب فيه وقوّسا
ولقد كنت كما قال أيضاً :
ورعن إلى صوتي إذا ما سمعنه كما يرعوي عيط إلى صوت اعيسا
فقال عبد الملك : قاتلك الله من شيخ ما اعظم همتك !
وكان لأبي الأسود من معاوية ناحية حسنة فوعده وعداً أبطأ عليه فقال :
لا يكن برقك برقاً خُلَّباً إن خير البرق ما الغيث معه
لا تهني بعد إذ أكرمتني فقبيحٌ عادة منتزعه]١
وقيل إنه كان يعلّم أولاد زياد بن أبيه وهو والي العراقين يومئذ ، فجاءه
يوماً وقال له : أصلح الله الأمير ، إني أرى العرب قد خالطت هذه الأعاجم
وتغيرت ألسنتهم ، أفتأذن لي أن أضع للعرب ما يعرفون أو يقيمون به كلامهم؟
قال : لا ، قال : فجاء رجل إلى زياد وقال : أصلح الله الأمير ، توفي أبانا وترك
.......
١ ما بين معقفين زيادة من د .
٥٣٦

بنونَ ، فقال زياد : توفي أبانا وترك بنون !! ادعوا لي أبا الأسود ، فلما حضر
قال : ضع للناس الذي نهيتك أن تضع لهم .
وقيل : إنه دخل بيته يوماً فقال له بعض بناته : يا أبت ، ما أحسَنُ
السماءِ، فقال: يا بنية نجومُها، فقالت له: إني لم أرد أي شيء منها أحسن، إنما
تعجبت من حسنها، فقال: إذن فقولي ما أحسَنَ السماءَ، وحينئذ وضع النحو.
وحكى ولده أبو حرب قال: أولُ باب رسم أبي بابُ التعجب .
وقيل لأبي الأسود : من أين لك هذا العلم ؟ يعنون النحو ، فقال : لقنت
حدوده من علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
وقيل إن أبا الأسود المذكور كان لا يخرج شيئاً أخذه عن علي بن أبي
طالب إلى أحد ، حتى بعث إليه زياد المذكور : أن أعمل شيئاً يكون للناس
إِماماً ويُعْرف به كتاب الله عز وجل ، فاستعفاه من ذلك ، حتى سمع أبو
الأسود قارئاً يقرأ ﴿ان الله بريءٌ من المشركين ورسوله﴾ (التوبة: ٣)
بالكسر ، فقال : ما ظننت أن أمر الناس آل إلى هذا، فرجع إلى زياد
فقال : أفعلُ ما أمر به الأمير ، فليبغني كاتباً لقناً يفعل ما أقول له ، فأتيَ
بكاتب من عبد القيس فلم يرضه، فأتيَ بآخر فقال له أبو الأسود : إذا رأيتني
قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه ، وإن ضممت فمي فانقط بين يدي
الحرف ، وإن كسرت فاجعل النقطة من تحت ، ففعل ذلك .
وإِنما سمي النحو نحواً لأن أبا الأسود المذكور قال : استأذنت علي بن أبي
طالب رضي الله عنه أن أضع نحو ما وضع ، فسمي لذلك نحواً ، والله أعلم .
وكان لأبي الأسود بالبصرة دار ، وله جار يتأذى منه في كل وقت ، فباع
الدار فقيل له : بعت دارك ، فقال : بل بعت جاري ، فأرسلها مثلاً .
ودخل أبو الأسود يوماً على عبيد الله بن أبي بكرة نفيع بن الحارث بن
كلدة الثقفي رضي الله عنه ، فرأى عليه جبة رثة كان يكثر لبسها ، فقال :
يا أبا الأسود أما تملُّ هذه الجبة ؟ فقال: ربَّ مملوكٍ لا يُسْتَطاع فراقه، فلما
خرج من عنده بعث١ إليه مائة ثوب ، فكان ينشد بعد ذلك - وقيل إن هذه
١ هـ : سيّر.
٥٣٧

القضية جرت له مع المنذر بن الجارود١ - :
كساني ولم أستكسِهِ فحمدته أخٌ لكَ يعطيكَ الجزيلَ وناصرُ
وإِنَّ أحقَّ الناس إن كنتَ شاكراً بشكرك مَنْ أعطاك والعِرض وافرُ
يروى ((مملوك)) بالكاف و((مملول)) باللام، ويروى ((ناصر)) بالنون و((ياصر))
بالياء ، ولكل واحد منهما معنى ، فمعناه بالنون ظاهر لانه من النصرة وبالياء
من التعطف والحنو ، يقال : فلان يأصر على فلان ، إذا كان يعطف عليه ويحنو.
وله أشعار كثيرة ، فمن ذلك قوله٢ :
وما طلبُ المعيشة بالتمني ولكن ألقٍ دَلْوَك في الدلاء
تجيءُ بملئها طوراً وطوراً تجيءُ بحَمَأةٍ وقليل ماء
ومن شعره أيضاً - وله ديوان شعر - :
صبغَتْ أميَّةُ بالدماء أكفّنا وطوت أميَّةُ دوننا دنياها
ويحكى أنه أصابه الفالج فكان يخرج إلى السوق يجرُّ رجله ، وكان موسراً
ذا عبيد وإماء ، فقيل له : قد أغناك الله عز وجل عن السعي في حاجاتك ،
فلو جلست في بيتك ، فقال : لا ، ولكني أخرج وأدخل فيقول الخادم : قد
جاء ، ويقول الصبي : قد جاء ، ولو جلست في البيت٣ فبالت عليَّ الشاة ما
منعها أحد عني .
وحكى خليفة بن خياط أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كان عاملاً
لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه على البصرة، فلما شَخَصَ إلى الحجاز استخلف
أبا الأسود عليها ، فلم يزل حتى قُتل علي رضي الله عنه .
وكان أبو الأسود معروفاً بالبخل، وكان يقول: لو أطعنا المساكين في أموالنا
١ ديوان أبي الأسود : ٣٨.
٢ ديوانه : ٣٦ .
٣ أ : بيتي .
٥٣٨

لكنا أسوأ حالاً منهم. وقال لبنيه: لا تُجاودوا الله عز وجل فإنه أجود
وأمجد ، ولو شاء أن يوسّع على الناس كلهم لفعل ، فلا تجهدوا أنفسكم في التوسع
فتهلكوا هُزالاً. وسمع رجلً يقول: مَنْ يُعَشِّي الجائع؟ فقال: عليّ به،
فعشّاه ، ثم ذهب ليخرج ، فقال : أين تريد ؟ قال : أهلي، قال : هيهات ، ما
عشيتك إلا على أن لا تؤذي المسلمين الليلة ، ثم وضع في رجله القيد حتى أصبح.
وتوفي أبو الأسود بالبصرة سنة تسع وستين في طاعون الجارف ، وعمره خمس
وثمانون سنة رضي الله عنه، وقيل إنه مات قبل الطاعون بعلة الفالج، وقيل إنه
توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وتولى عمر الخلافة في صفر سنة تسع
وتسعين للهجرة وتوفي في رجب سنة إحدى ومائة بدير سمعان ، رضي الله عنه .
وقيل لأبي الأسود عند الموت : أبشر بالمغفرة ، فقال : وأين الحياء مما كانت
له المغفرة ؟
والدِّيليُّ : بكسر الدال المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام ،
والدؤلي : بضم الدال المهملة وفتح الهمزة وبعدها لام ، هذه النسبة إلى الدئل
بكسر الهمزة ، وهي قبيلة من كنانة ، وإنما فتحت الهمزة في النسبة لئلا تتوالى
الكسرات ، كما قالوا في النسبة إلى نَمِرَة نَمَري - بالفتح - وهي قاعدة
مطردة ، والدئل : اسم دابة بين ابن عِرْس والثعلب .
وحِلْس : بكسر الحاء المهملة وسكون اللام وبعدها سين مهملة ، هكذا
ذكره الوزير أبو القاسم المغربي في كتاب ((الإيناس)) وهو مما يحرف كثيراً فقد
وجدت فيه اختلافاً ، وهذا الأصح .
٥٣٩

٠
٣١٤
ظافر الحداد
أبو المنصور ظافر بن القاسم بن منصور بن عبد الله بن خلف بن عبد الغني
الجذامي الإسكندراني المعروف بالحداد الشاعر المشهور ؛ كان من الشعراء
المجيدين وله ديوان شعر أكثره جيد، ومدح جماعة من المصريين ، وروى عنه
الحافظ أبو طاهر السّلَفي وغيره من الأعيان . ومن مشهور شعره قوله١:
لو كانَ بالصبرِ الجميل ملاذُهُ ما سَحّ وابلُ دَمعهِ ورَذاذُه
حتى وهَى وتقَطَّعتْ أفلاذه
ما زالَ جيشُ الحبِّ يَغزو قلبه
لم يَبْقَ فيهِ مع٣ الغَرام بقيّة
مَنْ كانَ يرْغبُ في السلامةِ فِليكنْ
لا تحدَ عنْكَ بالفتور فإنهُ
يا أيها الرَّشأ الذي مِنْ طَرفه
دُرِّ يلوُ بِفِيكَ مَنْ نَظَامُهُ
إِلا رَسيسٌ يحتويهِ جُذاذه
أَبَداً مِنَ الحدَق المِراض عِياذُه
نظرٌ يضرُّ بقلبكَ استلذاذه
سهمٌ إِلى حَبّ القلوب نفاذه
خمرٌ يجولُ عليهِ مَنْ نَبّاذه
وسِنانُ ذاكَ اللحظ ما فُولاذُ.
وقناةُ ذاكَ القدّ كيفَ تقَوَّمَتْ
أخشى بأنْ يجفو علَيه لاذُه؛
وهُوَ الإِمامُ فَمَنْ ترى أُستاذه
رِفْقاً بجسمكَ لا يذوب فإنني
هاروتٌ يعجزُ عَنْ مواقِعِ سِحرهِ
٣١٤ - ترجمة ظافر الحداد في معجم الأدباء ١٢: ٢٧ والخريدة (قسم مصر) ١:٢ - ١٧
والنجوم الزاهرة ٥ : ٣٧٦ ورسالة أبي الصلت (نوادر المخطوطات ١: ٥٣).
١ ياقوت: ٣١ وديوان ظافر: ١٢٧.
٢ أج : الهم.
٣ م : من.
٤ سقط هذا البيت من م وياقوت .
٥٤٠