Indexed OCR Text
Pages 421-440
ففعلوا ذلك ، وألقى ذلك الطعام مثل الجبال ، ثم قال للمسلمين : لا تأكلوا منه شيئاً ، وأقام بأرضهم وشتا وصيَّف وزرع ، والناس يأكلون ما أصابوا من الغارات ، ثم أكلوا من الزرع ؛ فأقام مسلمة على قسطنطينية قاهراً لأهلها ومعه وجوه أهل الشام ، ومات ملك الروم ومسلمة نازل عليها ، فكتب الروم إلى اليون صاحب أرمينية، فسار اليون من أرمينية ومكر في طريقه بمسلمة ووعده أن يسلم إليه قسطنطينية . وكانت الروم قد أرسلوا إلى اليون : إن صرفت عنا مسلمة ملكناك ، فلما أتى اليون مسلمة قال له : إنك لا تصدقهم القتال ولا تزال تطاولهم ما دام هذا الطعام عندك وقد أحسُّوا بذلك منك ، فلو أحرقت الطعام أعطوا ما بأيديهم ، فأحرقه مسلمة ، ووجه مع اليون من شيَّعه حتى دخل القسطنطينية ، فلما دخلها ملكه الروم عليهم، فأرسل إلى مسلمة يخبره بما جرى من أمره ويسأله أن يأذن له أن يُدخل من الطعام ، من النواحي ، ما يعيش به القوم حتى يصدقوه بأن أمره وأمر مسلمة واحد ، وأنهم في أمان من الشتات والخروج من بلادهم ، وأن يأذن لهم ليلة واحدة في حمل الطعام . وهيأ اليون السفن والرجال ، فأذن له مسلمة ، فحمل جميع ما في تلك النواحي من الغلة في ليلة واحدة ، وأفرج اليون وأصبح محارباً لمسلمة ، وظهرت هذه الخديعة التي لا تتم على النساء ، وأقام المسلمون في قلة الميرة ، وحصلت الميرة جميعها عند الروم ، ولقي المسلمون من الشدة ما لم يلق أحد قط حتى إن الرجل كان يخاف أن يخرج من العسكر وحده، وأكلوا الدواب والجلود وأصول الشجر والعروق والورق وكلَّ شيء حتى الروث ، هذا وسليمان مقيم بدابق ، فدهمهم الشتاء ولم يقدر أن يمدهم ، حتى هلك سليمان . قيل إنه خرج من الحمام يريد الصلاة ونظر في المرآة فأعجبه جماله ، وكان حسن الوجه فقال : أنا الخليفة الشاب ، فلقيته إحدى حظاياه ، فقال : كيف ترينني ؟ فتمثلت : ليس فيما بدا لنا فيك عيبٌ عابه الناسُ غيرِ أنك فانِ أنت نعم المتاعُ لو كنت تبقى غير أن لا بقاءَ للإنسانِ ورجع فحمّ ، فما بات تلك الليلة إلا ميتاً . ٤٢١ وكان عاقلاً ديّناً متوقفاً عن الدماء ، ويقال إنه كان شرهاً نكاحاً ، يأكل في كل يوم نحو مائة رطل ، وكان به عرج . وحج بالناس١ سنة سبع وتسعين فمرّ على المدينة وهو يريد مكة فقال: أهاهنا أحد يذكرنا ؟ فقيل له : أبو حازم ، فأرسل إليه فدعاه ، فلما دخل عليه قال له : يا أبا حازم ، ما هذا الجفاء ؟ قال: يا أمير المؤمنين ، أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن ، ما عرفتني قبل ولا أنا رأيتك ، فالتفت سليمان إلى محمد ابن شهاب وقال : أصاب الشيخ وأخطأت أنا ؛ فقال سليمان : يا أبا حازم ، ما لنا نكره الموت ؟ قال : لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم الدنيا فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب ، قال : صدقت ، فكيف القدوم على الله عز وجل غداً ؟ قال : أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه، فبكى سليمان وقال : ليت شعري، ما أنا عند الله ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، اعرض عملك على كتاب الله عز وجل ، قال : وأين أجده ؟ قال : ﴿ إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجّار لفي جحيم﴾ ( الأعراف : ٥٦)، قال: يا أبا حازم ، فأي عباد الله أفضل ؟ قال: أولو المروءة والتقى ، قال : فأي الأعمال أفضل ؟ قال : أداء الفرائض مع اجتناب المحارم ، قال : فأي الدعاء أسمع ؟ قال : دعوة المحسن للمحسن، قال: فأي الصدقة أزكى ؟ قال : صدقة السائل البائس وجهد من مقلّ ليس فيها منَّ ولا أذى؛ قال: فأيّ القول أعدل ؟ قال : قول الحق عند من يخافه أو يرجوه ؛ قال فأي الناس أحمق ؟ قال : رجل انحط في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره ؛ قال : صدقت ، فما الذي تقول فيما نحن فيه ؟ قال : يا أمير المؤمنين أو تعفيني من ذلك ؟ قال : لا، ولكن نصيحة تلقيها إليّ ؛ قال: إن آباءك قهروا الناس بالسيف وأخذوا الملك عنوة من غير مشورة من المسلمين ولا رضَّى حتى قتلوا عليه مقتلةً عظيمة وارتحلوا عنها ، فلو سمعت ما قالوا وما قيل لهم ؛ فنشي على سليمان ، فقال رجل من جلسائه : بئس ما قلت يا أبا حازم ! قال أبو حازم : ٦ ١ هذا النص موافق في معظمه لما في الامامة والسياسة ٢: ٨٨ وقاون بما في العقد ٣ : ١٦٣. ٠ ٤٢٢ كذبت يا عدو الله، إن الله أخذ ميثاق العلماء ليبينُنّه للناس ولا يكتمونه ، فأفاق سليمان فقال: يا أبا حازم كيف لنا أن نصلح للناس ؟ قال : تدع الصلف وتستمسك بالمروّة وتقسم بالسويّة، قال سليمان : كيف المأخذ به ؟ قال : أن تأخذ المال من حله وتضعه في أهله ، قال سليمان : هل لك أن تصحبنا فتصيب منا ونصيب منك؟ قال: أعوذ بالله يا أمير المؤمنين! قال: ولمَ ؟ قال: أخشى أن أركن إليكم شيئاً قليلاً فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف المات ، قال : يا أبا حازم ارفع إليَّ حوائجك ، قال : تنجيني من النار وتدخلني الجنة ، قال: ليس ذلك إليّ ، قال : فلا حاجة لي غيرها ، قال : فادع لي الله يا أبا حازم ، قال: اللهمّ إن كان سليمان وليَّك فيستره بخير الدنيا والآخرة، وإن كان عدوّك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى ، قال سليمان : زدني ، قال : يا أمير المؤمنين قد أوجزت وأكثرت إن كنت من أهله ، وإن لم تكن من أهله فما ينبغي لي أن أرمي عن قوس ليس لها وتر ، قال : أوصني يا أبا حازم ، قال : سأوصيك وأوجز : عظّمُ ربك ونزّهه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك من حيث أمرك ، ثم قام ، فبعث إليه سليمان بمائة دينار وكتب إليه ان أنفقها ولك مثلها كثير ، فردها عليه وكتب إليه : يا أمير المؤمنين أعوذ بالله أن يكون سؤالك إياي هزلاً وردّي عليك باطلًا، فوالله ما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسي؟ يا أمير المؤمنين إن كانت هذه المائة عوضاً لما حدثتك فالميتة ولحم الخنزير في حل الاضطرار أحلُّ من هذه ، وإن كانت هذه حقاً لي في بيت المال فلي فيها نظر، فإن سويت بيننا وإلا فلا حاجة لي فيها ؛ قال له جلساؤه : يا أمير المؤمنين أيسرُك أن يكون الناس كلهم مثله ؟ قال : لا والله ، قال أبو حازم : يا أمير المؤمنين إِن بني إسرائيل ما داموا على الهدى والرشد كان أمراؤهم يأتون علماءهم رغبة فيما عندهم ، [فلما رئي قوم من أراذل الناس تعلموا العلم وأتوا به الأمراء] يريدون به الدنيا [استغنت الأمراء عن العلماء] فتعسوا ونكسوا وسقطوا من عين الله عز وجل ، ولو أن علماءهم زهدوا فيما عند الأمراء لرغب الأمراء في علمهم ، ولكنهم رغبوا فيما عند الأمراء فزهدوا فيهم وهانوا في أعينهم ، فقال الزهري : إياي تعني وتعرّض بي ؟ فقال أبو حازم : لا والله ما تعمدتك ولكن ٤٢٣ ١ هو ما تسمع ؛ قال سليمان الزهري : هل تعرفه؟ قال : يا أمير المؤمنين إِنه الجاري منذ ثلاثين سنة ما كلمته ، قال أبو حازم : أجل والله لو أحببت الله لعرفتني ولكن لم تحب الله فنسيتني ، فقال الزهري : يا أبا حازم تشتمني ! قال : لا ، ولكنك شتمت نفسك ، أما علمت أن الجار حقاً كالقرابة ؟ جاء سليمان يوماً إلى طاوس فلم ينظر إليه ، فقيل له في ذلك ، فقال : أردت أن يعلم أن لله رجالاً يزهدون فيما لديه . وشاور سليمان عمر بن عبد العزيز في أمر ، فقال سليمان : هل علينا عين ؟ فقال عمر : نعم عين بصيرة لا تحتاج إلى تحديق ، وسمعٌ نافذ لا يحتاج إلى إِصغاء. حضر أعرابي إلى مائدة سليمان فجعل يمد يده فقال له الحاجب : كلْ ما بين يديك ، فقال الأعرابي : من أجدب انتجع ، فشقَّ ذلك على سليمان وقال له : لا تعد إلينا؛ ودخل آخر فمد يده فقال له الحاجبُ: كلْ مما يليك ، فقال : من أخصب تخير ، فأعجب ذلك سليمان وقضى حوائجه . وحكى عتيق بن عامر بن عبد الله بن الزبير قال : كنت نديماً لسليمان بن عبد الملك، وإني لعنده ذات يوم إذ دخل عليه عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين إِن بالباب أعرابياً وله دين ، فلو أذنت له فسمعت كلامه، قال : نعم، يا غلام ، إيذن للأعرابي ، فلما دخل عليه قال : يا أمير المؤمنين إني مكلمك بكلام فاحتمله فإن وراءه ما يحب إن قلته ، فقال له : يا أعرابي إنا لنجود بالاحتمال على من لا نأمن غيبه ولا نرجو نصحه وأنت المأمون غيباً والناصح جيباً فهات ، فقال الأعرابي : أما إذ أمنت بادرة غضبك فإني مطلقٌ لساني بما خرستْ به الألسن بإذنه ، لحق الله عز وجل وحق أمانتك يا أمير المؤمنين ، إنه تكتفك قوم أساءوا الاختيار لأنفسهم وابتاعوا دنياك بآخرتهم ورضاك بسخط الله ، خافوك في الله ولم يخافوا الله فيك فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه فانهم لم يألوا الأمانة والأمة خسفاً وعسفاً وأنت مسؤولٌ عما اجترحوا وليسوا مسؤولين عما اجترحت ، فلا تفسد آخرتك بدنيا غيرك ، فإن المغبون كل المغبون من أفسد آخرته بدنيا غيره ، فقال له سليمان : أما أنت فقد سللت علينا لسانك وهو أقطع من سيفك ، قال : نعم يا أمير المؤمنين وهو لك لا لغيرك ، فقيل ٤٢٤ له : سلْ أمير المؤمنين حاجة، قال: ما آخذ خاصاً دون عامّ ، ثم خرج . ظلم عامل لسليمان رجلاً فقال : يا أمير المؤمنين إني أحذّرك يوم الأذان ، قال: وما يوم الأذان؟ قال: قوله تعالى ﴿فأذن مؤذن بينهم أَنْ لعنةُ الله على الظالمين﴾ ( الأعراف: ٤٤) قال : لا جرم لا أبرح أو تصل إلى حقك . وغضب سليمان بن عبد الملك على خالد القسري ، فلما أُدخل عليه قال : يا أمير المؤمنين إن القدرة تُذهب الحفيظة وإنك تجل عن العقوبة ، فإن تعف فأهل لذلك أنت ، وإن تعاقب فأهل لذلك أنا ، فعفا عنه . احتال يزيد بن راشد في الدخول على سليمان متنكراً بعد أن ولي الخلافة فقعد في السماط ، وكان سليمان قد نذر أنه إن أفضت إليه الخلافة قطع لسانه لأنه كان ممن دعا إلى خلع سليمان والبيعة لعبد العزيز ، فقال : يا أمير المؤمنين كن كنبيّ الله أيوب عليه السلام، ابتلي فصبر وأُعطي فشكر وقدر فغفر، قال : ومن أنت ؟ قال : يزيد بن راشد ، فعفا عنه . كان سليمان قد طلب يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج، فلما دخل عليه مكبلاً بالحديد ازدراه وقال : لعن الله رجلاً رفعك ووجهك في أمره ، فقال له : رأيتني والأمر عني مدبر وعليك مقبل ، ولو رأيتني والأمر مقبل علي لاستعظمت مني ما استصغرت ولاستجللت مني ما استحقرت ، قال : صدقت ، اجلس لا أم لك ، فلما جلس قال له سليمان: عزمت عليك لتخبرني عن الحجاج ما ظنك به ، أتراه يهوي بعد في جهنم أو قد استقر فيها؟ فقال: يا أمير المؤمنين لا تقل هذا للحجاج فإنه بذل لكم نصحه وأحقن دونكم دمه وأمَّن وليّكم وأخاف عدوكم ، وإنه يأتي يوم القيامة عن يمين أبيك ويسار أخيك حيث شئت ؛ فصاح سليمان : اخرج عني إلى لعنة الله . بينما سليمان بن عبد الملك في مجلسه مرَّ به رجل عليه ثياب يختال في مشيه ، وكان العلاء بن كدير حاضراً فقال : ما ينبغي أن يكون إلا كوفياً وينبغي أن يكون من همدان ، ثم قال: عليَّ بالرجل ، فأتي به فقال : ممن الرجل ؟ فقال : ويلك دعني حتى ترتد اليَّ نفسي، فتركه هنيهة ثم قال له: من الرجل؟ فقال: من أهل العراق ، قال : من أيهم ؟ قال : من أهل الكوفة ، قال : من أي أهل ٤٢٥ الكوفة ؟ قال : من همدان ، فازداد عجباً ، قال : ما تقول في أبي بكر ؟ قال: ما أدركت دهره ولا أدركه دهري، ولقد قال الناس فيه وأحسنوا وهو إن شاء الله كذلك ، قال : فما تقول في عمر ؟ فقال مثل ذلك ، فقال : ما تقول في عثمان ؟ قال : ما أدر کت دهره ولا أدر كه دهري، ولقد قال فيه ناس فأحسنوا وقال فيه ناس فأساءوا وعند الله علمه ، قال : فما تقول في علي؟ فقال مثل ذلك، قال: سبَّ عليّاً، قال: لا أسبه، قال: والله لتسبنه أو لأضربنًّ عنقك ، فقال : والله لا أسبه ، فأمر بضرب عنقه ، فقام رجل بيده سيف فهزّه حتى أضاء في يده كأنه خوصة وقال: لتسبنَّه أو لأضربن عنقك، قال : والله لا أسبه ، ثم نادى : ويلك يا سليمان أدنني منك ، فدعا به فقال : يا سليمان أما ترضى مني بما رضي به من هو خير منك ممن هو خير مني فيمن هو شر من عليّ؟ قال : وما ذلك ؟ قال : الله تعالى رضي من عيسى وهو خير مني إِذ قال في بني إسرائيل وهم شرّ من علي ﴿إن تعذيهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ (المائدة: ١١٨) قال فنظرت إلى الغضب يتحدر من وجهه حتى صار في طرف أرنبته ثم قال : خلَّيا سبيله، فعاد إلى مشيته فما رأيت رجلاً قط خيراً من ألف رجل غيره وإذا هو طلحة بن مطرف . قال سليمان لعديّ بن الرقاع : أنشدني قولك في الخمرة ، فأنشده: كميت إذا شُجَّتْ وفي الكأس وردةٌ لها في عظام الشاربين دبيبُ تُريك القذى من دونها وهي دونه لوجه أخيها في الإناء قُطوبُ فقال سليمان: شربتها ورب الكعبة! فقال عديّ: والله يا أمير المؤمنين لئن رابك وصفي لها لقد رابني معرفتك بها ، فتضاحكا وأخذا في الحديث . وكان سليمان هرب من الطاعون ، فقيل له : إن الله عز وجل يقول ﴿قل لن ينفعكم الفرار إن فروتم من الموت أو القتل وإذاً لا تمتَّعون إلا قليلا﴾ (الأحزاب : ١٦) قال : ذلك القليل اطلب . وقع بين ابن لعمر بن عبد العزيز وبين ابن لسليمان بن عبد الملك كلام فجعل ابن عمر يذكر فضل أبيه ويصفه فقال له ابن سليمان: إن شئت فأكثر أو فأقلل، ٤٢٦ ما كان أبوك إلا حسنة من حسنات أبي ، لأن سليمان هو الذي ولَّى عمر بن عبد العزيز . ٢٨٠ ١ السلطان سنجر السلجوقي أبو الحارث سنجر بن ملكشاه بن ألبَ أرْسِلان بن داود بن ميكائيل بن سَلْجُوق بِن دُقَاق؛ سلطان خراسان وغزْفَةَ وَما وراء النهر ، وخُطب له بالعراقين وأذربيجان وأران وأرمينية والشام والموصل وديار بكر وربيعة والحرمين ، وضُربت السكة باسمه في الخافقين ، وتلقب بالسلطان الأعظم معز الدين . كان من أعظم الملوك عمّة ، وأكثرهم عطاء ، ذكر عنه أنه اصطبح خمسة أيام متوالية ذهب في الجود بها كلّ مذهب ، فبلغ ما وهبه من العين سبعمائة ألف دينار ، غير ما أنعم به من الخيل والخِلَع والأثاث وغير ذلك . وقال خازنه : اجتمع في خزائنه١ من الأموال ما لم أسمع أنَّه اجتمع في خزائن أحد من الملوك الأكاسرة ، وقلت له يوماً : حصل في خزائنك ألف ثوب ديباج أطلس وأُحبُّ أن تبصرها، فسكت ، وظننتُ أنه رضي بذلك، فأبرزت جميعها، وقلت : أما تنظر إلى مالك؟ أما تحمد الله تعالى على ما اعطاك وأنعم عليك ؟ فحمد الله تعالى ، ثم قال : يقبح بمثلي أن يقال : مال إلى المال ، وأمر للأمراء بالإذن في الدخول فدخلوا عليه ، ففرق عليهم الثياب الطُّلْسَ وانصرفوا . واجتمع عنده من الجوهر ألف وثلاثون رطلاً، ولم يُسمع عند أحد ... ٢٨٠ - أخبار سنجر بن ملكشاه في جـ ١١، ١٢ من تاريخ ابن الأثير، وصفحات متفرقة من تاريخ الملوك السلجوقية وراحة الصدور للراوندي ، والترجمة هنا مطابقة لما في المسودة . ١ س ر : خزانته . ٤٢٧ ٠ من الملوك بمثل هذا ولا بما يقاربه ، ولم يزل أمره في ازدياد وسعادته في الترقي إلى أن ظهرت عليه الأغُز١ّ - وهم طائفة من الترك - في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ، وهي واقعة مشهورة استشهد فيها الفقيه محمد بن يحيى - كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى - وكسروه وانحلَّ نظام ملكه ، وملكوا نيسابور وقتلوا فيها خلقاً لا يحصى عدده ، وأسروا السلطان سنجر ، وأقام في أسرهم مقدار خمس سنين ، وتغلب خوارزم شاه على مدينة مرو ، وتفرّقت مملكة خراسان . ثمّ إن سنجر أفلتَ من الأسر وعادَ إِلى خُراسان [وجُمعَ إِليه أطرافه بمرو ، وكاد يعود إلى ملكه ، فأدر كه أجله]٢. وكانت ولادته يوم الجمعة الخمس بقين من رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة بظاهر مدينة سِنْجَار ، ولذلك سمي سنجر ، فان والده السلطان مَلِكْشَاه لما اجتاز بديار ربيعة ونزل على سنجار جاءه هذا الولد ، فقالوا : ما نسميه ؟ فقال : سموه سنجر ، وأخذ هذا الاسم من اسم المدينة . وتولى المملكة في سنة تسعين وأربعمائة نيابة عن أخيه بَرْ كِيَارُوق - كما تقدم ذكره في حرف الباء - ثم استقل بالسلطنة في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة . . وتوفي يوم الاثنين رابع عشر شهر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة بمرو ، ودفن بها بعد خلاصه من الأسر ، وانقطع بموته استبداد الملوك السلجوقية بخراسان ، واستولى على أكثر مملكته خوارزم شاه أتسز بن محمد بن أَنُوشكين رحمه الله تعالى ، وهو جدّ السلطان محمد بن تكش خوارزم شاه ، فسبحان من لا يزول ملكه. وذكر ابن الأزرق الفارقي في تاريخه أنه مات سنة خمس وخمسين وخمسمائة ، والله أعلم بذلك . وقال غيره : توفي في جمادى الآخرة من السنة، وقُطعت الخطبة ببغداد السلجوقية عند وصول خبر وفاته في أيام المقتفي لأمر الله ، وكُتب إلى بلاد الجزيرة الفراتية والشام بقطع الخطبة في هذه السنة ، والله أعلم . ١ كتبت في المسودة أولاً ((الغز)» ثم ضرب عليها وكتبت ((الأغز)» في الحاشية. ٢ ما بين معقفين لم يرد في المسودة. ٤٢٨ ١ ٢٨١ أبو محمد التستري أبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس بن عيسى بن عبد الله بن رفيع التتُسْتَريّ الصالح المشهور ؛ لم يكنْ له في وقته نظيرٌ في المعاملات والورع؛ وكان صاحب كرامات ، ولقي الشيخ ذا النون المصري رحمه الله تعالى بمكة حرسها الله تعالى، وكان له اجتهاد وافر ورياضة عظيمة ، وكان سبب سلوكه هذا الطريق خاله محمد بن سَوّار ، فإنه قال: قال لي خالي يوماً : ألا تذكر الله الذي خلقك ؟ فقلت له : كيف أذكره ؟ قال : قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك : الله معي ، الله ناظر إليّ ، الله شاهدي ، فقلت ذلك ليالي ، ثم أعلمته ، فقال : قلها في كل ليلة سبع مرات ، فقلت ذلك ، ثم أعلمته ، فقال : قلها في كل ليلة إحدى عشرة مرة ، فقلت ذلك ، فوقع في قلبي حلاوة ، فلما كان بعد سنة قال لي خالي : احفظ ما عَلَّمتك ودُمْ عليه إلى أن تدخل القبر فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة ، فلم أزل على ذلك سنين ، فوجدت لها حلاوة في سِرّي . ثم قال لي خالي يوماً: يا سهل، مَنْ كان الله معه وهو ناظر إليه وشاهِدُه يعصيه ؟ إياكَ والمعصية. فكانَ ذلك أوّلَ أمره ، وسكن البصرةَ زماناً وعَبّادانَ مدّة . [وكان قد اعتقل بطن يعقوب بن الليث في بلد فارس ، فجمع له الأطباء فلم يغنوا عنه، فوصف له سهل بن عبد الله ، فأمر بإحضاره فأخْضِر ، فلما دخل عليه قعد عند رأسه وقال: اللهمَّ أريته ذلَّ المعصية فأرِهِ عزّ الطاعة، ففرج الله عنه من ساعته، فأخرج إليه بِدَراً وثياباً فردَّها وما قبل منها شيئاً، فلما رجع إلى تستر قال له بعض أصحابه : لو أخذت تلك الدراهم وفرقتها على ..... ٢٨١ - ترجمة سهل التستري في طبقات السلمي: ٢٠٦ وحلية الأولياء ١٠ : ١٨٩. ٤٢٩ الفقراء ، فقال: انظر إلى الأرض ، فإذا الأرض كلها ذهب ؛ ثم قال : من كان حاله مع الله سبحانه هذا لا يستكثر هذا] !. وكانت وفاته سنة ثلاث وثمانين في المحرم، وقيل سنة ثلاث وسبعين ومائتين ، رضي الله عنه، بالبصرة . وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه٢ أن مولده في سنة مائتين ، وقيل إحدى ومائتين بتُسْتَّرَ . والتُستري٣ : بضم التاء المثناة من فوقها وسكون السين المهملة وفتح التاء الثانية وبعدها راء، هذه النسبة إلى تُستر، وهي بلدة من كُوَر الأهواز من خوزستان ، يقول لها الناس ششتر - بشينين معجمتين - بها قبر البَرَاء بن مالك رضي الله عنه . ٢٨٢ أبو حاتم السجستاني أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد الجشميُّ السَّجِسْتاني النحوي اللغوي المقرىء ، نزيل البصرة وعالمها ؛ كان إماماً في علوم الآداب ، وعنه أخذ علماء عصره كأبي بكر محمد بن دريد والمبرّد وغيرهما ، وقال المبرّد: سمعته يقول : قرأت كتاب سيبويه على الأخفش مرتين ، وكان كثير الرواية عن أبي زيد الأنصاري وأبي عُبَيْدة والأصمعي ، عالماً باللغة والشعر ، حسن العلم بالعروض ١ زيادة من ص د وحدهما . ٢ تاريخ ابن الاثير ٧ : ٤٨٣. ٣ في المسودة : وتستر . ٢٨٢ - ترجمة أبي حاتم السجستاني في معجم الأدباء ١١ : ٢٦٣ والفهرست: ٥٨ وانباه الرواة ٢: ٥٨ وبغية الرعاة: ٢٦٥ وتهذيب التهذيب ٤: ٢٥٧ والشذرات ٢: ١٢١ وغاية النهاية ١: ٣٢٠ (وراجع حاشية الانباء للاطلاع على مزيد من المصادر). ٤٣٠ وإخراج المعمّى، وله شعر جيد ، ولم يكن حاذقاً في النحو١ ، وكان إذا اجتمع بأبي عثمان المازني في دار عيسى بن جعفر الهاشمي تشاغل أو بادر بالخروج خوفاً من أن يسأله عن مسألة في النحو . وكان صالحاً عفيفاً يتصدق كل يوم بدينار ، ويختم القرآن في كل أسبوع ، وله نظم حسن . وكان أبو العباس المبرّد يحضر حلقته ، ويلازم القراءة عليه ، وهو غلام وسيم في نهاية الحسن فعمل فيه أبو حاتم المذكور : متمجِّنٍ خَنِثِ الكلام ماذا لقيتُ اليوم من فسَمَت له حَدَقُ الأنام وقف الجمالُ بوجههِ تُجْنى بها ثمر الأثام حركاته وسكونه وعزمتُ فيه على اعتزام وإِذا خلوتُ بمثله لم أعْدُ أفعال العفا نفسي فداؤك يا أبا الـ فارحم أخاك فإنه وأنله ما دون الحرا فى، وذاك أوكدُ للغرام عباس جلّ بك اعتصامي نَزر الكرى بادي السقام م فليس يرغب في الحرام ١ ومن شعر أبي حاتم أيضاً : أبرزوا وجهه الجميل ولاموا من افتتن ستروا وجهه الحسن لو أرادوا عفافنا [وله أيضاً: كبدَ الحسود تقطْعي قد بات من أهوى معي وله غير ذلك كثير . قال محمد بن الحسن الأزدي : حدثنا أبو حاتم قال: وفد علينا عاملٌ من ... ٢٠٠ ١ وقال المبرد ... النجو : سقط من س . ٤٣١ أهل الكوفة ولم أر في عمال السلطان أبرع منه ، فدخلت عليه مسلّماً فقال لي : يا سجستاني ، من علماؤكم بالبصرة ؟ قلت : الزيادي أعلمنا بعلم الاصمعي ، والمازني أعلمنا بالنحو ، وهلال الرأي أفقهنا ، والشاذكوني من أعلمنا بالحديث ، وأنا - رحمك الله - أنسب الى علم القرآن ، وابن الكلبي من أكتبنا للشروط . قال : فقال لكاتبه : إذا كان غداً فاجمعهم اليّ ، قال: فجمعنا فقال : أيكم المازني ؟ فقال أبو عثمان : ها أناذا ، قال : هل يجزي في كفارة الطهارة عتق عبد أعور ؟ قال المازني : لست صاحب فقه ، أنا صاحب عربية ، قال : يا زياديّ، كيف يكتب بين بعل وامرأة خالعها على الثلث من صداقها ؟ قال : ليس هذا من علمي ، هذا من علم هلال الرأي ، قال : يا هلال ، كم اسند ابن عون عن الحسن؟ قال: ليس هذا من علمي، هذا من علم الشاذكوني، قال: يا شاذ كوني، من قرأ ﴿ألا إنهم يثنون صدورهم﴾ (هود: ٥) قال : ليس هذا من علمي، هذا من علم أبي حاتم ، قال : يا أبا حاتم، كيف تكتب كتاباً الى أمير المؤمنين تصف خصاصة أهل البصرة وما اصابهم بي وتسأله النظر بالبصرة ؟ قلت : لست صاحب براعة وكتابة ، انا صاحب قرآن ؛ قال: ما أقبح بالرجل يتعاطى العلم خمسين سنة لا يعرف إلا فنّاً واحداً حتى إذا سئل عن غيره لم يحلٍ فيه ولم يُمِرّ، لكن عالمنا بالكوفة الكسائي لو سئل عن هذا كله لأجاب]١. وقال أبو حاتم لتلميذه : إذا أردت أن تضمّن كتاباً سرّاً فخذ لبناً حليباً فاكتب به في قرطاس ، فيذر المكتوب إليه عليه رماداً سخناً من رماد القراطيس فيظهر المكتوب ، وإن كتبته بماء الزاج الأبيض ، فإذا ذر عليه المكتوب إليه شيئاً من العَقْصِ ظهر ، وكذا بالعكس . وله من المصنفات كتاب ((إعراب القرآن)) وكتاب ((ما يلحن فيه العامة)) وكتاب ((الطير)) وكتاب ((المذكر والمؤنث)) وكتاب ((النبات)) وكتاب ((المقصور والممدود)) وكتاب ((الفرق)) وكتاب ((القراءات)) وكتاب ((المقاطع والمبادي)) وكتاب ((الفصاحة)) وكتاب ((النخلة)) وكتاب ((الاضداد)) وكتاب ((القِسيّ والنبال ١ زيادة من ص وحدها . ٤٣٢ والسهام)) وكتاب (السيوف والرماح)) وكتاب ((الدرع والفرس))١ وكتاب ((الوحوش)) وكتاب ((الحشرات)) وكتاب ((الهجاء)) وكتاب ((الزرع)) وكتاب ((خلق الانسان)) وكتاب ((الإدغام)) وكتاب ((اللّبأ واللبن الحليب)) وكتاب ((الكرم)) وكتاب ((الشتاء والصيف)) وكتاب (النحل والعسل)) وكتاب ((الإبل) وكتاب ((العشب)) وكتاب ((الخِصْب والقَحْط)) وكتاب ((اختلاف المصاحف)) وغير ذلك [من المصنفات] . وكانت وفاته في المحرم ، وقيل رجب ، سنة ثمان وأربعين ومائتين ، وقيل سنة خمسين ، وقيل أربع وخمسين ، وقيل خمس وخمسين ومائتين بالبصرة ، وصلى عليه سليمان بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبدالله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي ، وكان والي البصرة يومئذ، ودفن بسُرَّة المصلى ، رحمه الله تعالى . والجُشمي : بضم الجيم وفتح الشين المثلثة وبعدها ميم ، هذه النسبة إلى عدة قبائل يقال لكل واحدة منها جُشَم ، ولا أدري إلى أيها ينسب أبو حاتم المذكور . والسَّجِسْتاني : قد تقدم الكلام عليه . ٢٨٣ أبو الفتح الأرغياني أبو الفتح سهل بن أحمد بن علي الأرْغِياني الفقيه الشافعي ؛ كان إماماً كبير المقدار في العلم والزهد ، تَفَقَّه بمرو على الشيخ أبي علي السِّنْجِي - المقدم ذكره في حرف الحاء - ثم قرأ على القاضي حسين بن محمد المروروذي ١ م : الدروع والفرس . ٢٨٣ - ترجمة سهل الأرغياني في طبقات السبكي ٣: ١٦٩ والسمعاني واللباب: «الأرغياني » والترجمة مطابقة لما في المسودة . ٢٨ - ٢ ٤٣٣ وحصل طريقته ، حتى قال : ما علق أحد طريقتي مثله . ودخل نيسابور وقرأ أصول الفقه على إمام الحرمين أبي المعالي الجويني ، وناظر في مجلسه وارتضى كلامه ، ثم عاد إلى ناحية أرْغِيانَ ، وتقلد قضاءها سنين مع حسن السيرة وسلوك الطرائق المرضية ، ثم خرج إلى الحج ولقي المشايخ بالعراق والحجاز والجبال وسمع منهم وسمعوا منه ، ولما رجع من مكة ، حرسها الله تعالى ، دخل على الشيخ العارف الحسن السمناني شيخ وقته زائراً فأشار عليه بترك المناظرة فتركها ولم يناظر بعد ذلك ، وعزل نفسه عن القضاء ولزم البيت١ والانزواء ، وبنى للصوفية دُوَيْرة من ماله، وأقام بها مشغولاً بالتصنيف والمواظبة٢ على العبادة إلى أن توفي على تيقظ من حاله مستهلَّ المحرم سنة تسع وتسعين وأربعمائة ، رحمه الله تعالى . وهو٣ صاحب الفتاوى المنسوبة إليه٤، وسمع جماعة من الأئمة مثل أبي بكر البيهقي وناصر المروزي وعبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي صاحب ((جمع الغرائب)) و((ذيل تاريخ نيسابور)) وغيرهم ، رحمهم الله تعالى. والأرغياني : بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الغين المعجمة وفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف نون ، هذه النسبة إلى أرْغِيَانَ وهي اسم لناحية من نواحي نيسابور بها عِدَّة من القرى . ..... ١ أج: العزلة. ٢ أ : والمرابطة؛ م : بالتصنيف والعبادة . ٣ من هنا حتى آخر الترجمة لم يرد في م. ٤ بهامش س : منقولة من خط الشيخ العالم الورع الزاهد عبد الرحيم الاسنوي: (( ليست الفتاوى له بل لمحمد الأرغياني الآتي ذكره في حرف الميم ، وقد نبه عليه المصنف» . ٤٣٤ ١ ٢٨٤ أبو الطيب الصعلوكي أبو الطيب سَهْل بن محمد بن سليمان بن محمد بن سلمان الصُّعْلوكي النيسابوري الفقيه الشافعي - وسيأتي ذكر ابيه ورَفْعُ نسبه في حرف الميم إن شاء الله تعالى - ؛ كان أبو الطيب المذكور مفتي نيسابور وابنَ مفتيها ، أخذ الفقه عن أبيه أبي سَهْل الصعلوكي، وكان في وقته يقال له (( الإمام )» وهو متفق عليه ، عديم النظير١ في علمه وديانته، وسمع أباه ومحمد بن يعقوب الاصمّ وابن مطر٢ وأقرانهم . وكان فقيهاً أديباً متكلماً، خُرّجَتْ له الفوائد من سماعاته ، وقيل إنه وُضع له في المجلس أكثر من خمسمائة محبرة وجمع رياسة الدنيا والآخرة وأخذ عنه فقهاء نيسابور . وتوفي في المحرم سنة سبع وثمانين وثلثمائة ، رحمه الله تعالى . وقال أبو يعلى الخليلي في كتاب ((الإرشاد)): إنه توفي أول سنة اثنتين وأربعمائة٣ ، والله أعلم بالصواب . والصعلوكي : بضم الصاد المهملة وسكون العين المهملة وضم اللام وسكون الواو وفي آخرها كاف ، هذه النسبة إلى صعلوك ، هكذا ذكره السمعاني وما زاد عليه . [قال عبد الواحد اللخمي : أصاب سهلاً الصعلوكي رمد فكان الناس يدخلون عليه وينشدونه من النظم ويروون له من الآثار ما جرت به العادة ، فدخل عليه الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي وقال : أيها الإمام ، لو أن عينيك رأتا ٢٨٤ - ترجمة سهل الصعلوكي في طبقات الشيرازي، الورقة: ٣٥ وطبقات السبكي ٣ : ١٦٩. ١ ب : المثل . ٢ ر : سطر . ٣ قال السبكي : توفي في شهر رجب سنة أربع وأربعمائة بنيسابور . ٤٣٥ وجهك ما رمدت ، فقال له الشيخ سهل : ما سمعت بأحسن من هذا الكلام ، وسُرّ به]١. ولما مات أبوه محمد بن سلمان - في التاريخ الآتي ذكره في ترجمته - كتب أبو النضر ابن عبد الجبار إلى أبي الطيب المذكور يعزيه عن والده : مَنْ مبلغٌ شيخَ أهل العلم قاطبةً عني رسَالَة محزونٍ وأوّاهِ أولى البرايا بُحُسْن الصبر ممتحناً مَنْ كان فُتْياه توقيعاً عن اللهِ ...... ١ ما بين معقفين لم يرد في ص والمسودة . ٤٣٦ حَرفُ الشِيِّر ٢٨٥ شاور وزير مصر أبو شجاع شاور بن مُجير بن نزار بن عشائر بن شأس بن مُغيث بن حبيب ابن الحارث بن ربيعة بن يخنس١ بن أبي ذؤيب عبدالله - وهو والد حليمة موضع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن الكلبي في («جمهرة النسب)): حليمة موضع النبي صلى الله عليه وسلم ابنة أبي ذؤيب وهو الحارث بن عبد الله بن شجنة بن جابر ابن ناصرة ، أرضعته بلبن ابنتها الشَّيْماء بنت الحارث بن عبد العزى بن رِفاعة ابن ملان ، وهو الذي حضن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان عند حليمة ، والشيماء المذكورة كانت تحمل النبي صلى الله عليه وسلم فعضها وهي تحمله فلما وفدت عليه أرته الأثر، والله أعلم - ابن الحارث بن شَجْنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن قُصّية بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن السعدي . كان الصالح بن رُزِّيكَ وزير العاضد صاحب مصر قد ولاه الصعيد الأعلى من ديار مصر ، ثم ندم على توليته ، ولما جُرح الصالح وأشرف على الوفاة - كما سيأتي في ترجمته في حرف الطاء إن شاء الله تعالى - كان يعد لنفسه ثلاث غلطات : إحداها تولية شاور [وثانيتها بناء الجامع المعروف به على باب زويلة، فإنه كان قد بقي عوناً لمن يحاصر القاهرة٢، وثالثتها خروجه إلى بلبيس٣ ٢٨٥ - أخبار شاور السعدي في ابن الاثير (جـ ١١) ومفرج الكروب ١: ١٥٨ وابن خلدون ٥ : ٢٤٦ وما بعدها (وخاصة: ٢٨١) والنكت العصرية، وكتاب الروضتين ومرآة الزمان ، واتعاظ الحنفا : ٢٨٨ وقد وردت الترجمة موجزة في م، وأكثرها في س أيضاً؛ كما أنها وردت في المسودة ونسخة ر . ١ ر : مخنس . ٢ ج : القلعة . ٣ ب : تنيس . ٤٣٩ بالعساكر ورجوعه بعد أن أنفق فيهم أكثر من مائتي ألف دينار حيث لم يتم إلى بلاد الشام ويفتح بيت المقدس ويستأصل شأفَةَ الفرنج]١ . ثم إن شاور تمكن في الصعيد ، وكان ذا شهامة ونجابة وفروسية ، وكان الصالح قد أوصى ولده العادلَ رُزْيكَ أن لا يتعرض لشاور بمساءة ولا يغير عليه حاله ، فإنه لا يأمن عصيانه والخروج عليه ، وكان كما أشار ، والشرح يطول . وقدم من الصعيد على واحات ، واخترق تلك البراري إلى أن خرج عند تَرَوْجَةَ بالقرب من الإسكندرية ، وتوجه إلى القاهرة ودخلها يوم الأحد الثاني والعشرين من المحرم سنة ثمان وخمسين وخمسمائة . وهرب العادل رزيك وأهله من القاهرة ليلة العشرين من المحرم المذكور ، وقتل العادل بن الصالح ، وأخذ موضعه من الوزارة واستولى . ثم توجه في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة في شهر رمضان منها إلى الشام مستنجداً بالملك العادل نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام لما خرج عليه أبو الأشبال ضرغام بن عامر بن سوَّار الملقب فارس المسلمين اللَّخْمي المنذري نائب الباب يجموع كثيرة وغلبه وأخرجه من القاهرة، وقتل ولده طيّاً ، وولي الوزارة مكانه - كعادة المصريين - فأنجده بالأمير أسد الدين شير كوه ، والقصة مشهورة فلا حاجة إلى الإطالة فيها ، وآخر الأمر أن أسد الدين تردد إلى الديار المصرية ثلاث دفعات - كما سيأتي في ترجمته من هذا الحرف إن شاء الله تعالى - . وقتل شاور يوم الأربعاء سابع عشر ، وقيل ثامن عشر شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمسمائة ، ودفن في تربة ولده طي ، وتربته بالقرافة الصغرى بالقرب من تربة القاضي الفاضل ، وكان المباشر لقتله الأمير عز الدين جُرْديك عتيق نور الدين صاحب الشام. وقال الروحي في كتاب ((تحفة الخلفاء)): إن السلطان صلاح الدين أوقع به ، وكان إذ ذاك في صحبة عمه أسد الدين ، وإن قتله كان يوم السبت منتصف جمادى الأولى من السنة المذكورة ، رحمه الله تعالى. وذكر ابن شداد في ((سيرة صلاح الدين))٢ أن شاور المذكور خرج إلى أسد ١ ما بين معقفين لم يرد في المسودة . ٢ سيرة ابن شداد : ٣٢ . ٤٤٠