Indexed OCR Text
Pages 161-180
إن كان أهبطها الإله لحكمة طُويَتْ عن الفطن اللبيب الأروع إِذ عاقها الشَّرَكُ الكثيف فصَدَّها قفص عن الأوْجِ الفسيح الأربع فكأنها برق تألَّقَ بالحمى ثم انطوى فكأنه لم يلمع ومن المنسوب إليه أيضاً ، ولا أتحققه ، قوله : اجْعَلْ غِذاءكَ كلَّ يومِ مرةً واحْذَرْ طعاماً قبل هَضْمٍ طَعامٍ واحْفَظْ منيَّكَ ما استطعت فإنه ماءُ الحياة يُراق في الأرحامِ ١ وينسب إليه البيتان اللذان ذكرهما الشهر ستاني في أوّل كتاب ((نهاية الاقدام )) وهما٢ : لقَدْ طُفتُ في تلك المعاهد كلّها وسَيَّرْتُ طرفي بين تلك المعالمِ فلم أر إلا واضعاً كفَّ حائِرٍ على ذقَنٍ أو قارعاً سِنَّ نادِمٍ [ومن شعره أيضاً: فترى الكلِّ فهي للكلّ بيت هذب النفس بالعلوم لترقى إنما النفس كالزجاجة والعا م سراج وحكمة الله زيت وهي إن أظلمت فإنك ميت ]٣ فهي إن أشرقت فإنك حيّ وفضائله كثيرة ومشهورة . وكانت ولادته في سنة سبعين وثلثمائة في شهر صفر ، وتوفي بهمذان يوم الجمعة من شهر رمضان سنة ثمان وعشرين وأربعمائة ودفن بها. وحكى شيخنا عزّ الدين أبو الحسن علي بن الأثير في تاريخه الكبير٤ أنه توفي بأصبهان، والأول أشهر ، رحمه الله تعالى . ١ ج : اللوذعي . ٢ انظر نهاية الاقدام : ٣. ٣ زيادة من ص . ٤ تاريخ ابن الاثير ٩ : ٤٥٦. ١١ - ٢ ١٦١ وكان الشيخ كمال الدين بن يونسُس١ رحمه الله تعالى يقول: إن مخدومه سَخِط عليه واعتقله ، ومات في السجن ، وكان ينشد : رأيتُ ابنَ سينا يُعادي الرّجالَ وفي السِّجْن مات أخَسَّ المماتِ فلمْ يَشْفِ ما نابَهُ بالشّفا ولم يَنجُ من موته بالنجاةِ وسينا : بكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح النون وبعدها ألف ممدودة . ١٩١ الخليع الشاعر أبو علي الحسينُ بن الضَّحّاك بن ياسر الشاعر البصري المعروف بالخليع ، مولى لولد سَلْمانَ بن ربيعة الباهِلِيِّ الصحابي رضي الله عنه ، وأصله من خراسان؛ وهو شاعر ماجن مطبوع حسن الافتنان في ضروب الشعر وأنواعه ، واتصل في مجالسة الخلفاء إلى ما لم يتصل إليه إلا إسحاق بن إبراهيم النديم الموصلي ، فإنه قارَبه في ذلك أو ساواه ، وأول من صحب منهم الأمين محمد بن هارون الرشيد، وكان اتصاله به في سنة ثمان وتسعين ومائة وهي السنة التي قتل فيها الأمين ، ولم يزل مع الخلفاء بعده إلى أيام المستعين، [ما عدا المأمون، فإنه لم يدخل ١ هو أبو عمران موسى بن يونس بن محمد بن منعة، كان حكيماً متزهداً يدرّس بالموصل وقد أجاب عن مسائل بعث بها الانبرور ( فردريك الثاني ) وله عدد من المؤلفات (انظر ابن أبي أصيبعة ١ : ٣٣٨) . ١٩١ - ترجمة الخليع في طبقات ابن المعتز: ٢٦٨ والأغاني ٧ : ١٤٣ وتاريخ بغداد ٨ : ٥٤ ومعجم الأدباء ٥:٩ وشذرات الذهب ٢: ١٢٣، وقد جمع ديوانه الاستاذ عبد الستار فراج (دار الثقافة - بيروت : ١٩٦٠). ١٦٢ عليه ولم يختلط به وذلك لأنه رثى الأمين فقال : هلا بقيتَ لسدّ فاقتنا أبداً وكان لغيرك التلفُ قد كان فيك لمن مضى خلفٌ فاليومَ أعوز بعدك الخلفُ فلما ورد المأمون بغداد أمر أن يكتب من يصلح لمنادمته من أهل الأدب ، فأثبت له قوم وذكر فيهم الحسين بن الضحاك فقال : أليس القائل : وكان لغيرك التلف ؟ والله لا أرى وجهه على الطريق؛ فلم يحظَ في أيام المأمون بشيء]١. [وقد كان وقت خدمته للمتوكل ضعف كبراً فكتب إليه يستعفيه من الخدمة بأبيات٢ : أسلفت أسلافك من خدمتي في مدتي إحدى وستينا وفيتُ بضعاً وثمانينا كنت ابن عشرين وخمس وقد وإن تجلدت أحايينا إني لمعروفٌ بضعفٍ القوى خدمة أبناء الثلاثينا فإن تحملتُ على كبرتي هُدَّتْ قواي ووهتْ أعظمي وصرت في العلّة عزونا وعزون هذا كان نديماً للمعتصم ثم للمتوكل]٣. وهو في الطبقة الأولى من الشعراء المجيدين وبينه وبين أبي نواس ماجريات لطيفة ووقائع حلوة ، وسمي بالخليع لكثرة مجونه وخلاعته . ذكره ابن المنجم في كتابه ((البارع)) وأبو الفرج الأصبهاني في ((الأغاني)) وكل منهما أورد طرفاً من محاسن شعره ، فمن ذلك قوله؛ : ١ زيادة من ر ليست في المسودة؛ وانظر الشعر في ديوانه : ٧٩. ٢ الابيات في ديوانه : ١٢١. ٣ زيادة من در ليست في المسودة . ٤ وردت هذه المقطعات في ديوانه: ٥٨، ٥٤، ٧٦، ٤٥، ٠٤٣ ١٦٣ صل بخدي خدَّيك تلقَ عجيباً من معانٍ يحار فيها الضمير فبخدّيك للربيع رياضٌ وبخديَّ للدموعِ غدير وله أيضاً : أيا من طرفه سحرُ ويا من ريقه خمرُ ـكَ لما غُلب الصبر تجاسرتُ فكاشفة ك أن ينهتك الستر وما أحسن في منا فإن عنفني الناس ففي وجهك لي عذر وله : لا وحبّيك لا أصا فحُ بالدمع مدمعا ح وإن كان موجعا من بكى شجوه استرا قم من أن تقطعا كبدي في هواك أَسـ لم تدع صورة الضنى فيّ للسقم موضعا وذكر في كتاب ((الأغاني )) أن هذه الأبيات أوردها أبو العباس ثعلب النحوي - المقدم ذكره - للخليع المذكور وقال : ما بقي من يحسن أن يقول مثل هذا. وله : إِذا خُنْتُمُ بالغيب عهدي فما لكم١ تُدِلَوْن إِدلالَ المقيم على العهدِ وإلا فصدّوا وافعلوا فعل ذى الصدّ صِلُوا وافعلوا فعل المدلِّ بوصله وله من قصيدة : سقى الله عصراً لم أبت فيه ليلة من الدهر إلا من حبيبٍ على وعد [وذكر أبو عبد الله ابن حمدون عن الحسين بن الضحاك قال: كان يألفني ١ أ : عهد مودتي . ١٦٤ فتّى من أهل الشام عجيب الخلقة والشكل غليظ جلف جاف ، فكنت أحتمل ذلك منه وكان حظي التعجب منه ، وكان يأتيني بكتبٍ عشقيةٍ له ما رأيت كتباً أحلى منها ولا أظرف ولا أشكل من معانيها ، ويسألني أن أجيب عنها فأجهد نفسي في الجوابات وأصرف عنايتي إليها على علمي أن الشامي يجهله لا يميز بين الخطإِ والصواب ، ولا يفرق بين الابتداء والجواب ، فلما طال ذلك عليَّ حسدته وتنبهت على إفساد حاله عندها فسألته عن اسمها فقال : بصبص ، فكتبت إليها عنه في جواب كتابٍ منها كان جاءني به : أرقصني حبك يا بصبصُ والحبُّ يا سيدتي يرقصُ أرمصتُ أجفاني لطول البكا فما الأجفانك لا ترمُص أوحشني وجهك ذاك الذي كأنه من حسنه عصعص قال : فجاءني بعد ذلك فقال: يا أبا علي ما كان ذني إليك وما أردت بما صنعت بي ؟ فقلت له : وما ذاك عافاك الله ؟ فقال : ما هو إلا أن وصل إليها ذلك الكتاب حتى بعثت إلي : إني مشتاقة إليك والكتاب لا ينوب عن الرؤية ، فتعال إلى الروشن الذي بالقرب من بابنا ، فقف بحيالِهِ حتى أراك ؛ فتزينت بأحسن ما قدرت عليه وصرت إلى الموضع ، فبينا أنا واقف أنتظر مكلماً لي أو مشيراً إلي وإذا شيء قد صبّ علي فملأني من فرقي إلى قدمي فأفسد ثيابي وسرجي وصيّرني وجميع ما عليَّ ودابتي في نهاية السواد والنتن والقذر، وإذا هو ماءٌ قد خُلط ببولٍ وسواد وسرجين ، وانصرفت بخزي وكان ما مرَّ بي من الصبيان وسائر من مررت به من الطنز والضحك والصياح أعظم مما جرى علي ولحقني من أهلي ومن منزلي، وشر من ذلك وأعظم من كل ما ذكرت أن رسلها انقطعت عني جملة، قال: فجعلت أعتذر إليه وأقول: إن الآفة أنها لم تفهم الشعر لجودته، وأنا أحمد الله على ما ناله وأُسر بالشماتة به]١. [حدث محمد بن جعفر بن قدامة عن محمد بن عبد الملك قال: كنا في مجلس ١ زيادة من د ص لم ترد في المسودة ، وانظر ديوانه : ٦٩ . ١٦٥ ومعنا الحسين بن الضحاك ونحن على شراب وعندنا مغنية فعبث الخليع بالمغنية وجمشها فصاحت بالحسين واستخفت به ، فأنشأ الخليع يقول١: لها في خدها عُكَنُ وثلثا وجها ذَقَنُ وأسنان كريش البطّ بين أُصولها عَفَنُ قال : فضحكنا وبكت المغنية حتى قلنا إنها عميت وما انتفعنا بها بقية يومنا ؛ وشاع هذان البيتان فكسدت من أجلها ، وكانت إذا حضرت في مجلس أنشدوا البيتين فتجن ؛ ثم إنها هربت من سر من رأى فما عرفنا لها بعد ذلك خبراً . حدث الصولي عن أحمد بن حمدون قال : أمر المتوكل بأن ينادمه الحسين بن الضحاك ويلازمه فلم يطق ذلك لكبر سنه ، فقيل له : هو يطيق الذهاب إلى القرى والمواخير فيشرب فيها ويعجز عن خدمتك، فبلغه ذلك ؛ قال ابن حمدون: فدفع إليّ أبياتاً قالها فأوصلتها إلى المتوكل وهي قوله٢ : أما في ثمانين وَفَيِّتها عذيرٌ وإن أنا لم أعتذرْ فكيف وقد جُزتها صاعداً مع الصاعدين بتسع أُخر وقد رفع الله أقلامه عن ابن ثمانين دون البشر سوى من أصرَّ على فتنةٍ وألحد في دينه أو كفر في الأرض نصب صروف القدر وإني لمن أُسَراء الإله أثاب وإنْ يقضِ سوءاً غَفَر فإن يقضِ لي عملاً صالحاً فمن ذا يلوم إذا ما عذر وقد بسط الله لي عذره وما للحسود وأشياعه وكذب بالوحي إلا حجر٣ قال ابن حمدون : فلما أوصلتها شفعتها بكلام أعتذر وأقول : لو أطاق خدمة ١ ديوانه : ١٠٩ . ٢ ديوانه : ٥٢ . ٣ ديوانه : ومن كذب الحق إلا حجر . ١٦٦ أمير المؤمنين لكان أسعد بها ، فقال المتوكل : صدقت ، خذ له عشرة آلاف درهم فاحملها إليه ، فأخذتها وحملتها١ . حدث أبو العيناء قال : حج الحسين بن الضحاك فمر في منصرفه على موضع يعرف بالقريتين، وإذا جارية كأنها القمر في ليلة التم تتطلع من تحت ثيابها وتنظر إلى حرها ثم تضربه بيدها وهي تقول : ما أضيعني وأضيعك ، فأنشأ الحسين يقول٢ : مررت بالقريتين منصرفاً من حيث يقضي ذوو الهوى النسكا إذا فتاة كأنها قمرٌ للتم لما توسط الفلكا واضعة كفَّها على حرها تقول واضيعتي وضيعتكا قال : فلما سمعت قوله ضحكت وغطت وجهها وقالت : وافضيحتاه وقد سمعت ما قلت ! وقال الحسين بن الضحاك : كنت جالساً في داري في يوم شاتٍ وقد أفطر المأمون وأمر الناس بالإفطار فجاءتني رقعة الحسن بن رجاء يقول فيها٣ : هززتُكَ الصَّبوح وقد نهاني أميرُ المؤمنين عن الصيام. يطيب بها مصافحة المدام وعندي من قيان الكرخ عشر ترانا نجتَني ثمر الحرام ومن أمثالهن إذا انتشينا فكن أنت الجوابَ فليس شيءٌ أَحبً إليّ من حذف الكلام فوردت رقعته وقد أرسل إلى محمد بن الحارث غلاماً له نظيف الوجه ومعه ثلاثة غلمان حسان ، ومعه رقعة منشورة قد ختم أسفلها مثل المناشير فيها٤ : سر على اسم الله يا أحسنَ من غصنِ لجينٍ ١ وردت بعد هذا الموضع حكاية تقدمت في ترجمة المتوكل ١ : ٣٥٣ ولذلك حذفناها. ٢ ديوانه : ٩١ . ٣ ديوانه : ١٠٢ . ٤ المصدر نفسه . ١٦٧ في ثلاثٍ من بني الروم إلى دار حسين فاشخصِ الكهل إلى مولاك يا قُرَّةَ عيني أره العنفَ إن استعصى وطالبه بدين ودع اللفظ وكلَّمْهُ بغمز الحاجبين واحذرِ الرجعةَ من وجهك في خُفَّيْ حنين قال : فمضيت مع غلمان محمد بن الحارث وتركت الحسن]١. وكانت وفاته سنة خمسين ومائتين وقد قارب مائة سنة ، رحمه الله تعالى . وقال الخطيب في ((تاريخ بغداد))، يقالُ: إِنه وُلِدَ في سنة اثنتين وستين ومائة . ١٩٢ ابن الحجاج الشاعر أبو عبد الله الحسينُ بن أحمد بن محمد بن جَعْفَر بن محمد بن الحجاج ؛ الكاتب الشاعر المشهور ذو الجون والخلاعة والسخف في شعره ، كان فَرْدَ زمانه في فَنِّهِ ، فإنه لم يُسبق إلى تلك الطريقة ، مع عذوبة الألفاظ وسَلامَة شعره من التكلف ، ومَدَحَ الملوك والأمراء والوزراء والرؤساء ، وديوانه كبير ، أكثر ما يوجد في عشر مجلدات ، والغالب عليه الهزل ، وله في الجد أيضاً أشياء حسنة . وتولى حِسْبَةَ بغداد وأقام بها مدة ، ويقال : إنه عُزِلَ بأبي سعيد ١ ما بين معقفين زيادة من ر د ص مع اختلاف بينها في الترتيب، ولم ترد هذه الزيادات في المسودة. ١٩٢ - ترجمة ابن الحجاج في تاريخ بغداد ١٤:٨ ويتيمة الدهر ٣: ١٣٦ وابن كثير ٣٢٩:١١ ومطالع البدور ١: ٣٩ والامتاع والمؤانسة ١: ١٣٧ ومعجم الأدباء ٩ : ٢٠٦. ١٦٨ الإصطخري الفقيه الشافعي ، وله في عزله أبيات مشهورة لا حاجة إلى إثباتها هاهنا . ويقال : إنه في الشعر في درجة امرىء القيس ، وإنه لم يكن بينهما مثلهما لأن كل واحد منهما مخترع طريقةٍ . [وقد أفرد أبو الحسن الموسوي المعروف بالرضي من شعره في المديح والغزل وغيرهما ما جانب السخف، وكان شعراً متخيراً حسناً جيداً]١ ومن جيد شعره وجده هذه الأبيات : يا صاحبيً استيقظا من رقدة تزري على عقل اللبيب الأكيَسِ نهر تدفق في حديقة نرجس هذي المجرة والنجوم كأنها فعلامَ شرب الراح٢ غير مغلس وأرى الصَّبا قد غلَّسَت بنسيمها مِن عَهدٍ قَيَصَرَ دَنُها لم يُمسَس قُوما اسْقِياني قَهوَةٌ رُومِيّةٌ مَوَتَ العُقولِ إِلى حَيَاةِ الْأَنفُس صِرْقاً تُضيفُ إِذا تَسلّطَ حُكمها [وأورد له أيضاً: نَمَّت بسري في الهوى أدمعي ودلّت الواشي على موضعي يا معشر العشاق إن كنتمُ مثلي وفي حالي فموتوا معي وأورد له أيضاً : يا من إِليها من ظلمها الهربُ ردّي فؤادي فقلً ما يجبُ ردّي حياتي إن كنتِ منصفةً ثم إليكِ الرضا أو الغضب طلبت قلبي فلم أفُتْك به سبحان من لا يفوته الطلب]٣ ومن شعره : ١ اليتيمة: ٦٩، وما بين معقفين زيادة من ر وحدها . ٢ اليتيمة : شربي الراح . ٣ زيادة من د لم ترد في المسودة . ١٦٩ وتجنبْتَ سائرَ الرُّؤْساءِ قالَ قَومٌ لزمتَ حضرَةَ حمْدٍ قُلْتُ ما قالهُ الذي أحرزَ المعْ فى قديماً قبلي مِنَ الشعراء ((يسقُط الطيرُ حيث يُلتقَطُ الحبُّ وتُفشى منازلُ الكُرَماء)) وهذا البيت الثالث لبشار بن برد ، وقد ضمنه شعره . [ وأورد له أيضاً في الورد : جنى من البستان لي وردةٌ أحسن من إنجازُه وعدي من قدحٍ أذكى من الندّ وقال والوردة في كفه ريقيَ من كفي على خدّي اشرب هنيئاً لك يا عاشقي ودعي ابن الحجاج إلى دعوةٍ وتأخر عنه الطعام قليلاً فقال : يا ذاهباً في داره جائياً بغير معنًى وبلا فائده فاقرأ عليهم سورة المائده]١ قد جنَّ أضيافك من جوعهم [ومثل هذا ما ذكره أبو الفرج الأصبهاني في كتاب ((الأغاني)) قال: دعانا أبو محمد ابن الشاب يوماً ودعا جحظة البرمكي وأطال حبس الطعام جدّاً، وجاع جحظة فأخذ دواة وقرطاساً وكتب : ما لي والشاب وأولاده لا قدس الوالد والوالده قد حفظوا القرآن واستعملوا ما فيه إلا سورة المائدة ورمى بها إلي فقرأتها ودفعتها إلى ابن الشاب فقرأها ووثب مسرعاً وقدم الطعام وأكلنا وانصرفنا وقطعه جحظة بعد ذلك ، فكان يجهد جهده في أن يجيبه فلا يفعل، فإذا عاتبناه قال: حتى يحفظ تلك السورة]٢. ١ زيادة من د لم ترد في المسودة، وانظر البيتين الاخيرين في اليتيمة ٣: ٨٢. ٢ زيادة من ص و ولم ترد في المسودة كما لم ترد في الأغاني . ١٧٠ وكانت وفاة ابن الحجاج يوم الثلاثاء السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين وثلثمائة بالنيل ، وحُمل إلى بغداد ، رحمه الله تعالى، ودفن عند مشهد موسى بن جعفر ، رضي الله عنه . وأوصى أن يدفن عند رجليه ، وأن يكتب على قبره ﴿وكليهم" باسِطٌ ذِراعَيْهِ بالوَصِيد﴾. وكان من كبار الشعراء الشيعة، ورآه١ بعد موته بعضُ أصحابه في المنام ، فسأله عن حاله ، فأنشد : أفسَدَ سُوءُ مَذْهبي في الشعر حُسنَ مذهبي [وحملي الجدَّ على ظهر حصان اللعب] سبتي لأصحاب النبي لم يَرْضَ مَوْلايَ عَلي أحمق لمَ لمْ تتب [ وقال لي ويحك يا من سبّ قومٍ من رجا آلاءهم لم يخب رمت الرضى جهلاً بما أصلاك نار اللهب]٢ ورفاه الشريف الرضي بقصيدة من جملتها٣ : نَعَوهُ على حُسن ظنِي بِهِ فلله ماذا نَعَى النَّاعِيانِ من القلب مثلَ رَضيع اللبان رَضِيعَ ولاءٍ لهُ شعبة يَقُلُّ مضارب ذاكَ اللسان وما كنت أحسب أن الزمان تُعْنِقُ ألفاظُها بالمعاني بكيتك النشْرَّكِ السائراتِ فقد كنتَ خِفة روح الزمان ليبكِ الزمانُ طويلاً عليكَ والنيل - بكسر النون وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام - وهي بلدة على الفرات بين بغداد والكوفة خرج منها جماعة من العلماء وغيرهم، والأصل ١ في د: ورآه أبو الفضل ابن الخازن في النوم . ٢ الابيات بين معقفين زيادة من ر لم ترد في المسودة . ٣ ديوان الشريف الرضي ٢ : ٤٤١ . ١٧١ فيه نهر حَفره الحجاج بن يوسف في هذا المكان ومخرجه من الفرات وسماه باسم نيل مصر ، وعليه قرى كثيرة . ١٩٣ الوزير المغربي أبو القاسم الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن محمد بن يوسف بن بحر بن بهرام ابن المَرْزُبان بن ماهان بن باذان بن ساسان بن الحرون بن بلاش بن جاماس ابن فيروز بن يَزْدَ جِرْد بن بهرامِ جُورَ المعروف بالوزير المغربي ؛ ورأيت جماعة من أهل الأدب يقولون : إن أبا علي هارونَ بن عبد العزيز الأوارِجيّ الذي مدحه المتنبي بقصيدته التي أولها : أمِنَ ازدياركِ في الدجى الرقَبَاءُ إِذ حيثُ كنتِ منَ الظلامِ ضياءُ خالُهُ، ثم إني كشفت عنه فوجدت المذكور خال أبيه ، وأما هو فأمه بنت محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني، ذكره في ((أدب الخواص)). وكانت وفاة الأوارجي المذكور في جمادى الأولى سنة أربع وأربعين وثلثمائة١. والوزير أبو القاسم المغربي المذكور هو صاحب الديوان : الشعر والنثر ، وله ((مختصر إصلاح المنطق))٢ وكتاب ((الإيناس))، وهو مع صغر حجمه كثير الفائدة ويدل على كثرة اطلاعه، وكتاب ((أدب الخواص)) وكتاب ((المأثور في ملح الخدور )) وغير ذلك . ١٩٣ - ترجمة الوزير المغربي في معجم الأدباء ٩: ٧٩ ورجال النجاشي: ٥١ والشذرات ٢١٠:٣ ولسان الميزان ٢ : ٣٠١، وانظر الاشارة إلى من نال الوزارة : ٦٦ وصفحات متفرقة من ج : ٩ من تاريخ ابن الاثير . ١ ورأيت جماعة ... وثلثمائة : سقط النص من س . ٢ أهدى منه نسخة إلى المعري فكتب إليه أبو العلاء رسالته المعروفة برسالة الاغريض . ١٧٢ وجدت في بعض المجاميع ما صورته : وجد بخط والد الوزير المعروف بالمغربي على ظهر ((مختصر إصلاح المنطق)) الذي اختصره ولده الوزير ما مثاله: ((وُلُدَ - سلمه الله تعالى، وبلغه مبالغ الصالحين - أول وقت طلوع الفجر من ليلةٍ صباحُها يوم الأحد الثالث عشر من ذي الحجة سنة سبعين وثلثمائة ، واستظهر القرآن العزيز وعدة من الكتب المجردة في النحو واللغة ونحو خمسة عشر ألفَ بيتٍ من مختار الشعر القديم ، ونظم الشعر وتصرف في النثر وبلغ من الخط إلى ما يقصر عنه نظراؤه ، ومن حساب المولد والجبر والمقابلة إلى ما يستقل بدونه١ الكاتب ، وذلك كله قبل استكماله أربع عشرة سنة ، واختصر هذا الكتاب ، فتناهي في اختصاره وأوفى على جميع فوائده حتى لم يفته شيء من ألفاظه ، وغيّر من أبوابه ما أوجبَ التدبيرُ تغييرَه للحاجة إلى الاختصار ، وجمع كل نوع إلى ما يليق به . ثم ذكرت له نظمه بعد اختصاره فابتدأ به ، وعمل منه عدة أوراق في ليلة ، وكان جميع ذلك قبل استكماله سبع عشرة سنة ، وأرغب إلى الله سبحانه في بقائه ودوام سلامته )) . انتهى كلام والده . ومن شعر الوزير المذكور٢ : أقولُ لها والعِيسُ تَخْدَجُ لِلِسُّرَى أعدِّي لِفَقدي ما استَطَعَتِ من الصبر عَلَى طلَبِ العَلياءِ أو طلَبِ الْأجْر سأنفِقُ رَيعانَ الشبيبةِ آنِفاً تمُرُّ بلا نَفْعٍ وتُحسَبُ مِنْ عُمري أَلَيِسَ مِنَ الْخِسْران٣ِ أنَّ لَيالِياً ، ومن شعره أيضاً : أرى الناسَ في الدُّنيا كَراعٍ تنكرت مراعيه حتى ليسَ فيهنَّ مَرَتَعُ فماء بلا مَرَعِّى ومَرَعَّى بغير ما وحيثُ تَرى ماء ومَرَعِى فَمَسَبَعُ وله في غلام حسن الوجه حلَقَ شعره : ١ هـ : به . ٢ هذه المقطعات في معجم الأدباء: ٨٨، ٨٧، ٨٦، ٨٩. ٣ ص : الحرمان . ١٧٣ ٧ غيرةٌ مِنْهُمُ عليه وشُحّا حَلَقوا شَعْرَهُ لِيكسُوهُ قبحا كانَ صُبْحاً عليه ليل بهيمٌ فَمَحَوا ليلَه وأبقَوهُ صُبحا ومن شعره أيضاً : شي والحديث له شجون إني أبثتُكُ عنْ حدد ليلاً ففارقني السكون غيّرتُ موضعَ مرْقَدي في القبر کیف تری أکون١ قُلْ لي فأول ليلة ولما ولد للوزير المذكور ولده أبو يحيى عبد الحميد كتب إليه أبو عبد الله محمد ابن أحمد صاحب ديوان الجيش بمصر أبياتاً منها : قد أطلعَ الفألُ منه معنَى يُدْركُهُ العالم الذكيُّ رأيتُ جدَّ الفتى عَلَيّاً فقلتُ جَدُّ الفتى عليّ وكان الوزير المذكور من الدُّهاة العارفين [وكان خبيث الباطن، إذا دخل عليه الفقيه سأله عن النحو وإذا دخل عليه النحوي سأله عن الفقه والفرائض]. ولما قتل الحاكمُ صاحبُ مصر أباه وعمه وأخويه ، وهرب الوزير وصلَ إلى الرملة ، واجتمع بصاحبها المتغلب عليها حسان٢ بن مفرج بن دغفل بن الجراح الطائي وبنيه وبني عمه ، وأفسد نياتهم على الحاكم صاحب مصر المذكور٣ . ١ سرد في نسخة د هنا قصة نصر بن حجاج ، وقد وردت في ترجمة الحجاج بن يوسف في هذا الجزء (رقم ١٤٩) فأغنى عن اعادتها في هذا الموضع . ٢ سقطت كلمة « حسان» من النسخ . ٣ عند هذا الحد زاد في د ما يلي: (وقد رأينا اثبات النص في الحاشية لأن إدراجه في المتن يحدث اضطراباً في سياق الترجمة) : وقال لحسان إن أبا الفتوح الحسن بن جعفر صاحب مكة لا مطعن في نسبه ، والصواب أن تنصبه إماماً وأطمعه في الملك وحقق له سهولة الأمر ، فأصغى إلى ذلك وبايعه ، وبايعه شيوخ الحسنيين ، وحسن له أبو القاسم ان أخذ مال البيت وما فيه من فضة ، فضربه دراهم وتلقب الراشد بالله وخطب بمكة لنفسه وسار لاحقاً بان الجراح. فلما قرب من الرملة تلقاه مفرج وسائر العرب وقبلوا الأرض بين يديه وسلموا عليه بـ «أمير المؤمنين)»، ولقيهم متقلداً بسيف زعم = ١٧٤ ثم توجه إلى الحجاز، وأطمعَ صاحبَ مكة في الحاكم ومملكة الديار المصرية، وعمل في ذلك عملاً قلق الحاكم بسببه وخاف على ملكه، وقصته في ذلك طويلة، إلى أن١ أرضى الحاكم بني الجراح ببذل الأموال لهم، واستمالهم إليه. وكان صاحب مكة - وهو أبو الفتوح الحسن بن جعفر العلوي - قد استدعوه ووصل إليهم وبايعوه بالخلافة ولقبوه بالرَّشيد بتدبير أبي القاسم المذكور، فلم يزل الحاكم يعمل الحيل حتى استمال بني الجراح إليه ، وانتقض أمر أبي الفتوح وهرب إلى مكة . وقصد الوزير أبو القاسم العراقَ هارباً من الحاكم ومفارقاً لبني الجراح، وقصد فخر الملك أبا غالب ابن خلف الوزير ، ورفع خبره إلى الإمام القادر بالله فاتهمه أنه ورَدَ لإفساد الدولة العباسية، وراسل فخر الملك في إبعاده ، فاعتذر عنه فخر الملك وقام في أمره. واتفق انحدار فخر الملك من بغداد إلى واسط، فأخذ أبا القاسم في جملته ، وأقام معه بواسط على جملة من الرعاية ، إلى أن توفي فخر الملك مقتولاً، وشرع الوزير أبو القاسم في استعطاف قلب الإمام القادر بالله = انه ذو الفقار، وفي يده قضيب ذكر انه قضيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يديه الف عبد أسود ونزل الرملة وبادر بالأمر بالمعروف وإقامة العدل وخطب له بالرملة ، وقلق الحاكم بسبيه وخاف وأرسل إلى بني الجراح أموالاً كثيرة واستمالهم بها عن أبي الفتوح ، فأحس بذلك أبو الفتوح فقال للمغربي : غررتني بوعدك وأخرجتني من بلدي ونعمتي وحصلتني في أيدي العرب يبيعونني إلى الحاكم ولا آمن على نفسي ويجب أن تخلصني كما أوقعتني ، فانني راض من الغنيمة بالاياب ، فشجعه المغربي ، ثم ركب أبو الفتوح إلى المفرج وقال له : فارقت نعمتي وكشفت في عداوة الحاكم صفحتي انما لسكوني إلى ذمامك وثقتي بقولك ولي في عنقك عهود وأرى حساناً ولدك قد أصلح أمره مع الحاكم فأنا خائف من غدره وما أريد إلا العود إلى وطني ، فسيره المفرج إلى وادي القرى ، واستجار المغربي بالمفرج وسأله أن يسيره إلى العراق فأنفذه ، ثم ورد بغداد وقصد فخر الملك ، فاتهمه القادر بالله انه ورد في افساد على الدولة ، فراسل فخر الملك فأخرجه عن بغداد ، فمضى إلى الموصل وتقلد كتابة فراس بن المقلد ، ولما توفي فخر الملك عاد إلى بغداد فقلده مشرف الدولة الوزارة بغير خلع ولا لقب ، ثم استشعر المغربي الخوف من نزول بغداد فهرب منها إلى قرواش بالأنبار فكانت وزارته عشرة أشهر ، وتوجه إلى ديار بكر ووزر ... الخ . ١ من هنا حتى قوله ... توجه إلى ديار بكر : لم يرد في المسودة . ١٧٥ والتنصل مما نبذ به ، حتى صلح له بعض الصلاح ، وعاد إلى بغداد وأقام قليلاً، ثم أصعد إلى الموصل . واتفق موتُ أبي الحسن ابن أبيّ الوزير كاتب معتمد الدولة أبي المنيع قرواش أمير بني عقيل ، فتقلد كتابته موضعه ، ثم شرع أبو القاسم يَسْعى في وزارة الملك مشرف الدولة البويهي ، ولم يزل يعمل السعي إلى أن قبض على الوزير مؤيد الملك أبي علي، فكوتب الوزير أبو القاسم بالحضور من الموصل إلى الحضرة، وقُلِّد الوزارة من غير خلع ولا لقب ولا مفارقة الدُّرّاعة ، وأقام كذلك حتى جرى من الأحوال ما أوجب مفارقة مشرف الدولة بغداد ، فخرج معه منها وقصدا أبا سنان غريب بن محمد بن مقن ونزلا عليه وأقاما بأوانا . وبينا هو على ذلك إذ عرض له إشفاق من مخدومه مشرف الدولة دعاه إلى مفارقته ، فانتقل بعد ذلك إلى أبي المنيع قرواش بالموصل ، وأقام عنده ، ثم تجدد من سوء رأي الإمام القادر فيه ما ألجأته الضرورة بسبب ما كوتب به قرواش وغريب في معناه إلى مفارقته والإبعاد عنه، وقصد أبا نصر ابن مروان بمَيّا فارِقِينَ وأقام عنده على سبيل الضيافة إلى أن توفي ، وقيل : إنه لما توجه إلى ديار بكر وزَرَ لسلطانها أحمد بن مروان المقدم ذكره ، فأقام عنده إلى أن توفي في ثالث عشر شهر رمضان ١ سنة ثماني عشرة وأربعمائة، وقيل: ثمان وعشرين، والأول أصح، وكانت وفاته بمَيّافارقين ، وحمل إلى الكوفة بوصية منه ، وله في ذلك حديث يطول شرحه ، ودفن بها في تربة مجاورة لمشهد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأوصى أن يكتب على قبره٢ : كنتُ فِي سَفْرَة الغَواية والجم ـ مقيما٣ً فحان مني قدومُ تبتُ من كل مأثمِ فعسى يُمْ حى بهذا الحديث ذاك القديم بعد خمسٍ وأربعينَ، لقَدْ مَا طَلتُ، إلا أن الغريم كريم ١ د : توفي يوم الجمعة الخامس عشر وقيل السادس عشر من شهر رمضان . ٢ معجم الأدباء: ٨٢ ولم ترد الأبيات في المسودة. ٣ أج هـ : زماناً . ! ١٧٦ وكان قتل أبيه وعمه وأخويه في الثالث من ذي القعدة سنة أربعمائة، رحمهم الله تعالى . ورأيت في بعض المجاميع أنه لم يكن مغربياً ، وإنما أحد أجداده ، وهو أبو الحسن علي بن محمد كانت له ولاية في الجانب الغربي ببغداد ، وكان يقال له : المغربي ، فأطلق عليهم هذه النسبة ، ولقد رأيت خلقاً كثيراً يقولون هذه المقالة، ثم بعد ذلك نظرت في كتابه الذي سماه (( أدب الخواص)) فوجدت في أوله ((وقد قال المتنبي: وإخواننا المغاربة يسمونه المتنبه ، فأحسنوا)): أتى الزمانَ بنوهُ في شبيبته فسَرَّهُمْ وأتيناه على الهَرَمِ! فهذا يدل على أنه مغربي حقيقة لا كما قالوه ، والله أعلم . ثم أعاد هذا القول بعينه لما ذكر النابغة الجعدي وشعره وأنشد عنده قول المتنبي : وفي الجِسِمِ نَفْسٌ لا تشيب بشَيْبهِ ولو أنَّ ما في الوَجْهِ منهُ حِراب٢ُ ونقلت نسبه المذكور في الأوّل من خط أبي القاسم علي بن منجب بن سليمان المعروف بابن الصيرفي المصري صاحب الرسائل ، وذكر أنه منقول من خط الوزير المذكور ، والله أعلم بصحته . ١ شرح الواحدي : ٧٢٣. ٢ شرح الواحدي : ٦٨١ . ١٢ - ٢ ١٧٧ ١٩٤ ابن خالويه أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالَوَيه النحوي اللغوي؛ أصله من هَمَذان ولكنه دخل بغداد وأدرك جلَّةَ العلماء بها مثل أبي بكر ابن الأنباري وابن مجاهد المقرىء وأبي عمر الزاهد وابن دريد ، وقرأ على أبي سعيد السيرافي ، وانتقل إلى الشام واستوطن حلب ، وصار بها أحد أفراد الدهر في كل قسم من أقسام الأدب، وكانت إليه الرحلة من الآفاق ، وآلُ خَمْدان يكرمونه ويدرسون عليه ويقتبسون منه . وهو القائل : دخلت يوماً على سيف الدولة بن حَمْدان فلما مثلت بين يديه قال لي : اقعد ، ولم يقل اجلس ، فتبينت بذلك اعتلاقه بأهداب الأدب ، واطلاعه على أسرار كلام العرب ، وإنما قال ابن خالويه هذا لأن المختار عند أهل الأدب أن يقال القائم : اقعد ، والنائم أو الساجد : اجلس ، وعَلَّه بعضهم بأن القعود هو الانتقال من العلو إلى السفل ، ولهذا قيل لمن أُصيب برجله مُقعَد، والجلوس هو الانتقال من السفل إلى العلو ، ولهذا قيل لنجد : جَلْسا لارتفاعها ، وقيل لمن أتاها: جالس، وقد جلَسَ ، ومنه قول مروان بن الحكم لما كان والياً بالمدينة يخاطب الفرزدق : قُلْ للفَرَزِدَقِ والسفاهَة١ُ كاسمها إن كنتَ تارك ما أمرتُكَ فاجلِسِ أي: اقصد الجلسا، وهي نَجْد. وهذا البيت من جملة أبيات ولها قصة طويلة ، وهذا كله وإن جاء في غير موضعه لكن الكلام شجون . ١٩٤ - ترجمة ابن خالويه في الفهرست: ٨٤ ويقيمة الدهر ١: ١٢٣ ومعجم الأدباء ٩ : ٢٠٠ وانباه الرواة ١: ٣٢٤ وبغية الوعاة: ٢٣١ وطبقات السبكي ٢: ٢١٢ ونزهة الالباء : ٢١٤ والشذرات ٣ : ٧١ . ١ أ : والفهاهة. ١٧٨ ولابن خالويه المذكور كتاب كبيرا في الأدب سماه ((كتاب ليس)) وهو يدل على اطلاع عظيم ، فإن مبنى الكتاب٢ من أوله إلى آخره على أنه ليس في كلام العرب كذا وليس كذا، وله كتاب لطيف سماه ((الآل)) وذكر في أوله أن الآل ينقسم إلى خمسة وعشرين قسماً، وما أقصَرَ فيه، وذكر فيه الأئمة الاثني عشر وتواريخ مواليدهم ووَفَياتهم وأمهاتهم ، والذي دعاه إلى ذكرهم أنه قال في جملة أقسام الآل ((وآل محمد بنو هاشم)). وله كتاب ((الاشتقاق))، وكتاب ((الجمل)) في النحو، وكتاب ((القراءات)) وكتاب ((إعراب ثلاثين سورة من الكتاب العزيز)) وكتاب ((المقصور والممدود)) وكتاب ((المذكر والمؤنث)) وكتاب ((الألفات))٣ وكتاب ((شرح المقصورة لابن دريد)) وكتاب ((الأسد ))، وغير ذلك . ولابن خالويه مع أبي الطيب المتنبي مجالس ومباحث عند سيف الدولة ، ولولا خوفُ الاطالة لذكرت شيئاً منها . وله شعر حسن، فمنه قوله على ما نقله الثعالبي في كتاب ((اليتيمة))٤ : إذا لم يكن صَدْرَ المجالس سيدٌ فلا خيرَ فيمِنِ صَدَّرته المجالسُ وكم قائلٍ: ما لي رأيتك راجلً فقلت له : من أجل أنك فارسُ وخالَوَيْه : بفتح الخاء الموحدة وبعد الألف لام مفتوحة وواو مفتوحة أيضاً وبعدها ياء مثناة من تحتها ساكنة ثم هاء ساكنة . وكانت وفاة ابن خالويه في سنة سبعين وثلثمائة بحلب ، رحمه الله تعالى . ١ i ....... -- ١ كذا وصفه المؤلف؛ وقد نشره ديرنبرغ في مجلة Hebraica ( المجلد العاشر ) والنص يحتل ص ١١ - ٦٤ . ٢ ج : الكلام . ٣ س : الالقاب . ٤ اليقيمة : ١٢٤ . ١٧٩ ١٩٥ أبو علي الجياني أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد الغَسّاني الجَيّاني١ الأندلسي المحدث؛ كان إماماً في الحديث والأدب، وله كتاب مفيد سماه ((تقييد المهمل)) ضبَطَ فيه كل لفظ يقع فيه اللَّبْس من رجال الصحيحين ، وما أقصر فيه ، وهو في جزأين ، وكان من جهابذة المحدثين ، وكبار العلماء المسندين٢ ، وكان حسن الخط جيد الضبط، وكان له معرفة بالغريب والشعر والأنساب ، وكان يجلس في جامع قُرْطبة ويسمع منه أعيانها ، ولم أقف على شيء من أخباره حتى أذكر طَرَفاً منها . وكانت ولادته في المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة ، وطلب الحديث سنة أربع وأربعين ، وتوفي ليلة الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة ثمان وتسعين وأربعمائة ، رحمه الله تعالى . والجيّاني - بفتح الجيم وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى جَيّان، وهي مدينة كبيرة بالأندلس، وبأعمال الريّ قرية يقال لها جَيّان أيضاً . والغَسّاني : قد تقدم الكلام عليه . ١٩٥ - ترجمة أبي علي الجياني المحدث في الصلة: ١٤١ وتذكرة الحفاظ: ١٢٣٣ وبغية الملتمس: ٢٤٩ وأزهار الرياض ٣ : ١٤٩. ١ ذكر ابن بشكوال أن أبا علي لم يكن من جيان وانما أصلهم من الزهراء ، وانتقل أبوه في الفتنة البربرية (حوالي ٤٠٠) إلى جيان . ٢ كذا في ص والمسودة ؛ وفي النسخ الاخرى : المفيدين. ١٨٠