Indexed OCR Text

Pages 121-140

قال الحاكي : وحضرته يوماً وهو يُمْلي كتاب شفاعة ، فكتب في آخره :
إنه بلغني أن الرجل يُسأل عن فضل جاهه يوم القيامة ، كما يُسأل عن فضل
ماله . وقال لبنيه : يا بَنيَّ تعلموا النطق ، فإن فضل الإنسان على سائر البهائم
به ، وكلما كنتم بالنطق أحذق كنتم بالإنسانية أحق .
[وكان سهل والد الحسن المذكور يتقهرم١ ليحيى بن خالد بن برمك ، وضم
يحيى الحسن والفضل ابني سهل إلى ابنيه الفضل وجعفر يكونان معها ، فضم
جعفر بن سهل إلى المأمون وهو ولي عهد فغلب عليه ولم يزل معه إلى أن قتل
بخراسان ، فكتب المأمون إلى الحسن بن سهل وهو ببغداد يعزيه بأخيه ويعلمه
أنه قد استوزره وأجراه مجراه ، فلم يكن أحد من بني هاشم ولا من القواد
يخالف للحسن أمراً ولا يخرج له من طاعة ، إلى أن بايع المأمون لعلي بن موسى
الرضا بالعهد ، فغضب بنو العباس وخلعوا المأمون وبايعوا إبراهيم بن المهدي ،
فحاربه الحسن بن سهل ، فضعف عنه ، فانحدر الحسن إلى فم الصلح فأقام به ،
ووجَّه من فم الصلح من حارب إبراهيم ، فضعف أمر إبراهيم واستتر، وقد تقدم
ذكر ذلك . ثم دخل المأمون بغداد وكتب إلى الحسن بن سهل فقدم عليه ،
فزاد المأمون في كرامته وتشريفه عند تسليمه عليه وذلك في سنة أربع ومائتين.
قال ثعلب : قيل للحسن وقد كثر عطاؤه على اختلال حاله: ليس في السرف
خير ، فقال : بل ليس في الخير سرف . فردّ اللفظ واستوفى المعنى .
ودخل على الحسن أعرابي مدحه بشعر استحسنه ، فلما فرغ منه قال له
الحسن: اجلس واحتكم، وهو يظن ان الأعرابي صغير الهمة ؛ فقال: ألف ناقة،
فوجم الحسن ولم تكن في وسعه يومئذ ، وكره أن يفتضح ، فأطرق إطراقة ثم
قال : يا أعرابي، ليس بلدنا بلد إبل ولكن كما قال امرؤ القيس٢:
إذا ما لم تكن إيلا فمعزى كأنَّ قرونَ جلَّتها العصيُّ
قال : قد رضيت ، قال : فالحق يحيى بن خافان يعطيك ألف شاة ، فصار إلى
١ يتقهرم : يعمل قهر ماناً .
٢ ديوانه : ١٣٦ .
١٢١

يحيى فأعطاه عن كل شاة ديناراً .
وكتب الحسن بن سهل إلى الحسن بن وهب وقد اصطبح في يوم غيم لم يمطر :
أما ترى تكافؤ الطمع واليأس في يومنا هذا بقرب المطر وبعده كأنه قول كثير١ :
وإني وتهيامي بعزةَ بعدما [تخليتُ مما بيننا] وتخلَّتٍ
لكالمرتجي ظلَّ الغمامة كلما تبوأ منها للمقيلِ اضمحلْتِ
وما أمنيتي إلا في لقائك ، ورقعتي هذه الأبيات ، وقد أدرت زجاجات أخذت
من عقلي ولم تتحيفه ، وبعثت نشاطاً حركني على الكتاب إليك ، فرأيك في
إمطاري سروراً بسارّ خبرك ، إذ حرمت السرور بالمطر في هذا اليوم ، موفقاً
إن شاء الله تعالى. فأجابه الحسن بن وهب : وصل كتاب الأمير أيده الله ويدي
عاملة وفمي طاعم ، فلذلك تأخر الجواب قليلاً ، وقد رأيت تكافؤ إحسان هذا
اليوم وإساءته وما استحق ذماً لأنه إن أشمس حكى ضياءك وحسنك ، وإن
أمطر أشبه سخاءك وجودك ، وإن أغام فلم يشمس ولم يمطر فقد أشبه طيب
ظلك ولذة فِنائك؛ وسؤال الأمير أيده الله عني نعمة من الله أعفي بها آثار
الزمان المسيء ، وأنا كما يحبُّ الامير، صرف الله الحوادث عنه وعن حظي منه.
ووقع الحسن بن سهل في رقعة : قد أمرنا لك بشيء هو دون قدرك إلى
استحقاق وفوق الكفاية مع الاقتصار .
وتعرض إليه رجل فقال له : من أنت ؟ قال : أنا الذي أحسنت إليّ عام
كذا ، فقال : مرحباً بمن توسل إلينا بنا .
وافتعل رجل على الحسن كتاباً إلى إبراهيم الرازي - وكان أمير الأهواز -
فقال له : والله لئن كنت صادقاً فما في ملكي ما يفي بحق الوزير ، وإن كنت
مفتعلاً فما في قدرتي ما يفي بعقوبتك ، فحبسه وبعث يستعلم أمر الكتاب، وبلغ
ذلك الحسن فأمر أن يكتب إليه : أما كان في صغير ما أنعمنا به عليك ما
تصدق به مخيلةَ رجل توسل بنا إن كان مبطلاً فكيف وهو محق ؟
١ من تائيته التي أوردها القالي في أماليه ٢ : ١٠٥.
١٢٢

وكان الحسن بن سهل يقول : عجبت لمن يرجو من فوقه كيف يحرم مَن
دونه .
ونظر يوماً إلى رجل في مجلسه يعبس في كأسه فقال : ما أنصفتها : تضحك
في وجهك وتعبس في وجهها .
وكان يقول: من أدمن شم النرجس في الشتاء أمن البرسام في الصيف]١.
ولم يزل على وزارة المأمون إلى أن ثارت عليه المِرَّةُ السوداء ، وكان سببها
كثرة جزعه على أخيه الفضل لما قُتِل - وسيأتي خبره في حرف الفاء إن شاء
الله تعالى - واستولت عليه حتى حبس في بيته ومنعته من التصرف . وذكر
الطبري في تاريخه أن الحسن بن سهل في سنة ثلاث ومائتين غلبت عليه السوداء ،
وكان سبيها أنه مرض مرضاً شديداً فهاج به من مرضه تغير عقله حتى شد في
الحديد وحبس في بيت ، فاستوزر المأمون أحمد بن أبي خالد. وكانت وفاته سنة
ست وثلاثين في مستهل ذي الحجة ، وقيل خمس وثلاثين ومائتين ، بمدينة
سَرَخْسَ ، رحمه الله تعالى . ومدحه يوسف الجوهري بقوله :
لو أن عَيْنَ زُهَيرٍ عايَنَتْ حَسَناً وكيف يَصنَعُ في أمواله الكَرَمُ
إذاً لقال زهيرٌ حينَ يُبصِرُهُ هذا الجَوادُ على العلاتِ، لا هَرمُ
قلت : وحديث زهير وهرم بن سنان مذكور في آخر هذا الكتاب في ترجمة
يحيى بن عيسى المعروف بابن مطروح فليكشف منه ؛ والحسن بن سهل في ترجمة
أبي بكر محمد الخوارزمي الشاعر ذكر فلينظر هناك . .
والسَّرَخسي - بفتح السين والراء المهملتين وسكون الخاء المعجمة وبعدها
سين مهملة - هذه النسبة إلى سَرّخسَ وهي من بلاد خراسان .
.......................
١ زيادة من ص، لم ترد في المسودة وسائر النسخ .
١٢٣

١٧٨
الوزير المهلبي
أبو محمد الحسن بن محمد بن هارون بن إبراهيم بن عبد الله بن يزيد بن حاتم بن
قبيصة بن المهلّب بن أبي صُفْرَة الأزدي المهلبي الوزير ؛ كان وزير مُعِز الدولة
أبي الحسين أحمد بن بُوَيْه الدَّيلمي - المقدم ذكره في حرف الهمزة - تولى
وزارته يوم الاثنين لثلاث بقين من جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وثلثمائة. وكان
من ارتفاع القدر واتساع الصدر وعلو الهمة وفَيضِ الكف على ما هو مشهور
به، وكان غاية في الأدب والمحبة لأهله. وكان قبل اتصاله بمعز الدولة في شدة
عظيمة من الضرورة والضائقة ، وكان قد سافر مرة ولقي في سفره مشقة صعبة
واشتهى اللحم فلم يقدر عليه فقال ارتجالا١ً :
ألا مَوْتٌ يُباعُ فأشتريهِ فهذا العيشُ ما لا خيرَ فِيهِ
يُخَلْصُني من العيش الكريه
ألا مَوْتٌ لذيذُ الطعم يأتي
ودِدتُ لوَ انني مما يليه
إذا أبْصَرتُ قبراً من بعيدٍ
ألا رحِمَ المهيمِنُ نفْس٢ حُرٍّ تَصَدَّقَ بالوفاة على أخيه
وكان معه رفيق يقال له : أبو عبد الله الصوفي، وقيل أبو الحسين العسقلاني،
فلما سمع الأبيات اشترى له بدرهم لما وطبخه وأطعمه ، وتفارقا . وتنقلت
بالمهلبي الأحوال ، وتولى الوزارة ببغداد لمعز الدولة المذكور، وضاقت الحال
١٧٨ - ترجمة الوزير المهلبي وأخباره في كتب التاريخ العامة، وانظر المنتظم ٧ : ٩ واليقيمة ٢ :
٢٢٤ والفوات ١: ٢٥٦ وورودها في الفوات وهو استدراك على ابن خلكان مما يحسن التوقف
عنده، وشذرات الذهب ٣: ٩ ومعجم الأدباء ٩: ١١٨.
١٠ اليقيمة : ٢٢٤ - ٢٢٥.
٢ د : روح .
١٢٤

برفيقه في السفر الذي اشترى له اللحم١، وبلغه وزارة المهلبي فقصده وكتب إليه:
ألا قُلْ للوزير فَدَتهُ نفسي مَقالة مُذْكَر٢ٍ ما قد نَسيهِ
أتذكر إذ تقول لضَنْكِ عيش٣ٍ ((ألا موت يباع فأشتريهِ))
فلما وقف عليه تذكره وهَزَّته أرْيَحِيَّةُ الكرم ، فأمر له في الحال بسبعمائة
درهم ووقّع في رقعته؛ ﴿مثلُ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة
أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء﴾ ثم دعا به
فخلع عليه وقلده عملاً يرتفق به .
ولما ولي المهلبي الوزارة بعد تلك الإضافة عمل :
رَقَّ الزمانُ لفاقتي ورَثى لطول تحرُّقي
فأنالني ما أرتجيهِ وحادَ عمّاْ أَتَّقي
فلْأصْفَحَنْ عما أنا ٦٥ من الذنُوبِ السُّبَّق
حتى جنايتهُ بما صنَعَ المشيبُ بمفرقي
وله أيضا٧ً :
قال لي مَنْ أُحبُّ والبينُ قد جـ ◌ّ وفي مُهْجتي لهيبُ الحريقِ*
ما الذي في الطريق تَصْنع بعدي قلت أبكي عَلَيكَ طولَ الطريقِ
ومن المنسوب إليه في وقت الإضاقة من الشعر ما كتبه إلى بعض الرؤساء،
١ أج: في السفرة التي اشترى له فيها اللحم .
٢ أواليتيمة: مقال مذكر .
٣. أ: لضيق ؛ ج : حال .
٤ د : قصته .
٥ اليقيمة : ما أرتجي وأجار مما .
٦ ج : فلأغفرن له الكثير .
٧ اليقيمة: ٢٣٩ والفوات: ٢٥٨.
٨ اليتيمة : والبين قد بدد دمعي مواصلاً للشهيق.
١٢٥

وقيل إنها لأبي نواس :
ولو أني استزدتك فوق ما بي من البَاوَى لأعوزك المزيدُ
ولو عُرِضَِتْ على المَوْتَى حَيَاة بعَيشٍ مِثْلِ عَيشي لم يُريدوا
وقال أبو إسحاق الصابىء صاحب الرسائل : كنتُ يوماً عند الوزير المهلبي
فأخذ ورقة وكتب ، فقلت بديها١ً :
ومنطقٌ دُرّه في الطِّرْس ينتثرُ
لهُ يَدٌ بَرَعَتْ جُوداً بنائلها
وفي أناملها سَحبان مُستقرُ
فحاتمٌ كامنٌ في بطنِ راحَتْهِ
وكان لمعز الدولة٢ مملوك تركي في غاية الجمال ، يدعی تکین الجامدار، وكان
شديد المحبة له ، فبعث سَريَّةٌ لمحاربة بعض بني حَمْدان وجعل المملوك ٣ المذكور
مقدم الجيش ، وكان الوزير المهلبي يستحسنه ويرى أنه من أهل الهوى لا مدد
الوغى ، فعمل فيه :
طفل يرقّ الماء في وجَناته ويرفُ عُودُهْ
رى فيه أن تبدو نهُودُه
ويكاد من شبه العذا
سيفاً ومنطقَةٌ تؤودُه
ناطوا بمعقدِ خَصرهِ
جعَلوهُ قائدَ عسكرٍ ضاعَ الرعيلُ ومن يقودُه
وكذا كان، فإنه ما أنجح في تلك الحركة ، وكانت الكرّة عليهم.
ومن شعره النادر في الرقة قوله٤ :
تَصارَمَتِ الْأجفانُ لما صَرَمْتَنِي فما نَلتَقي إلا على عَبَرَةٍ تجري
١ الفوات : ٢٥٩ .
٢ اليقيمة : ٢٢٦.
٣ ص : تكين .
٤ اليقيمة ٢: ٢٣٩ والفوات: ٢٦٠ .
١٢٦

ومحاسن الوزير المهلبي كثيرة .
وكانت ولادته ليلة الثلاثاء لأربع بقين من المحرم سنة إحدى وتسعين
ومائتين بالبصرة . وتوفي يوم السبت لثلاث بقين من شعبان١ سنة اثنتين وخمسين
وثلثمائة في طريق واسط ، وحمل إلى بغداد ، فوصل إليها ليلة الأربعاء لخمس
خلون من شهر رمضان من السنة المذكورة ، ودفن في مقابر قريش في مقبرة
النوبختية ، رحمه الله تعالى .
والمُهَلَّبِيُّ - بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام المفتوحة وبعدها باء
موحدة - هذه النسبة إلى المهلب المذكور أولاً ، وسيأتي ذكره إن شاء الله
تعالى .
ولما مات الوزير المذكور راه أبو عبد الله الحسين بن الحجاج الشاعر المشهور٢
- وسيأتي ذكره - بقوله :
يا مَعَشرَ الشعراءِ دَعْوَةَ مُوجَعٍ لا يُرْتجى فَرَجُ السلوِّ لدَيْهِ
عَزُّوا القَوافيَ بِالوَزِيرِ فإنها تبكي دَماً بَعدَ الدُّمُوعِ عَليه
والعَفْو عَفْو الله٣ بَيْنَ يَدَيْه
هَدَمَ الزمانُ بَمَوْتِهِ الحصنَ الذي
ماتَ الذي أمسى الثناءُ وراءه
كُنا نفرّ مِنَ الزمانِ إِليه
فَلَيَعْلمَنَّ بَنو بوَيَه أنهُ فُجْعت بهِ أيامُ آلِ بُوَيَه
١ ر : لثلاث بقين من المحرم .
٢ معجم الأدباء ٩ : ١٣٨.
٣ ياقوت : وجميل عفو الله.
١٢٧

ے
١٧٩
الوزير نظام الملك
أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق بن العباس الملقب نظام الملك قوام الدين
الطوسي؛ ذكر السمعاني، في كتاب ((الأنساب)) في ترجمة الرّاذَ كان ، أنها
بليدة صغيرة بنواحي طوس ، قيل إن نظام الملك كان من نواحيها١ ، وكان من
أولاد الدَّهاقين ، واشتغل بالحديث والفقه ، ثم اتصل بخدمة علي بن شاذان
المعتمد عليه بمدينة بَلْخَ - وكان يكتب له - فكان يصادره في كل سنة، فهرب
منه وقصد داود بن ميكائيل بن سلجوق ، والد السلطان ألبَ أرْسِلان فظهر له
منه النصح والمحبة، فسلمه إلى ولده ألب أرسلان وقال له : اتخذه والداً ولا
تخالفه فيما يشير به ، فلما ملك ألب أرسلان - كما سيأتي في موضعه من حرف
الميم إن شاء الله تعالى - دَبْرَ أمره فأحسن التدبير، وبقي في خدمته عشر
سنين ، فلما مات ألب أرسلان وازدحم أولاده على الملك وطَّدَ المملكة لولده
ملك شاه فصار الأمر كله لنظام الملك ، وليس للسلطان إلا التخت والصيد ،
وأقام على هذا عشرين سنة .
ودخل على الإمام المقتدي بالله ، فأذن له في الجلوس بين يديه ، وقال له :
يا حَسَنُ، رضي الله عنك برضاء أمير المؤمنين عنك.
وكان مجلسه عامراً بالفقهاء والصوفية ، وكان كثير الإنعام على الصوفية ،
وسُئل عن سبب ذلك فقال : أقاني صوفي وأنا في خدمة بعض الأمراء فوعظني
وقال : اخدُم من تنفعك خدمته ولا تشتغل بمن تأكله الكلاب غداً ، فلم أعلم
...
١٧٩ - أخبار نظام الملك في الكتب التاريخية العامة، وانظر كتاب الروضتين ١: ٢٥ وابن
العبري: ١٩٢ - ١٩٥ وتاريخ الدولة السلجوقية: ٦٦ - ٧١ وطبقات السبكي ١٣٥:٣ - ١٤٥
وشذرات الذهب ٣ : ٣٧٣ .
١ ذكر السمعاني ... نواحيها : سقط من س .
١٢٨

معنى قوله ، فشرب ذلك الأمير من الغد [ إلى الليل] وكانت له كلاب كالسباع
تفترس الغرباء بالليل ، فغلبه السكر فخرج وحده فلم تعرفه الكلاب فمزقته ،
فعلمت أن الرجل كوشف بذلك ، فأنا أخدم الصوفية لعلي أظفر بمثل ذلك .
وكان إذا سمع الأذان أمسك عن جميع ما هو فيه. وكان إذا قدم عليه إمام
الحرمين أبو المعالي وأبو القاسم القشيري صاحبُ الرسالة بالغ في إكرامهما وأجلسهما
في مُسنده. وبنى المدارس والرُّبُطَ والمساجد في البلاد١، وهو أول من أنشأ
المدارس فاقتدى به الناس . وشرع في عمارة مدرسته ببغداد سنة سبع وخمسين
وأربعمائة ، وفي سنة تسع وخمسين جمع الناس على طبقاتهم ليدرس بها الشيخ
أبو إسحاق الشيرازي ، رحمه الله تعالى، فلم يحضر ، فذكر الدرس أبو نصر ابن
الصباغ، صاحب ((الشامل))، عشرين يوماً، ثم جلس الشيخ أبو إسحاق بعد ذلك.
وهذا الفصل قد استقصيته في ترجمة أبي نصر عبد السيد بن الصباغ صاحب
((الشامل)) فليُنظر هناكَ. وكان الشيخ أبو إسحاق إذا حضر وقتُ الصلاة
خرج منها وصلى في بعض المساجد ، وكان يقول: بلغني أن أكثر آلاتها غصب٢.
وسمع نظام الملك الحديثَ وأسمعه، وكان يقول : إني لأعلم أني لست أهلاً
لذلك، ولكني أريد أربط٣ نفسي في قطارُ النَّقَلَةِ لحديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم .
ويروى له من الشعر قوله :
بعدَ الثمانينَ ليسَ قُوّه قدْ ذَهَبتْ شِرَّةُ الصُّبوّة
كأنني والعصا بكفِّ مُوسى ولكن بِلا نُبوّهْ
وقيل : إن هذين البيتين لأبي الحسن محمد بن أبي الصقر الواسطي - وسيأتي
ذكره إن شاء الله تعالى - .
١ انظر المدارس التي بناها في السبكي : ١٣٧.
٢ ص : مغصوبة .
٣ ج : أريد ربط .
٤ هـ : كتاب .
٩ - ٢
١٢٩

[ويروى له أيضاً - أعني نظام الملك - :
تقوّس بعد طول العمر ظهري وداستني الليالي أيَّ دوس
كأن قوامها وتر بقوس]!
فأمشي والعصا تمشي أمامي
وكانت ولادة نظام الملك يوم الجمعة الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة
ثمان وأربعمائة بنُوقانَ ، إِحدى مدينتي طوس، وتوجَّه صُحبة ملك شاه إلى
أصبهان ، فلما كانت ليلة السبت عاشر شهر رمضان سنة خمس وثمانين وأربعمائة
أفطر وركب في محفته٢، فلما بلغ إلى قرية قريبة من نهاوَندَ يقال لها سَحْنَةُ(٣،
قال : هذا الموضع قُتِلَ فيه خلق كثير من الصحابة زمَنَ أمير المؤمنين عمر بن
الخطاب ، رضي الله عنهم أجمعين ، فطوبى لمن كان معهم ، فاعترضه في تلك
الليلة صبيّ ديلمي على هيئة الصوفية مَعهُ قصة، فدعا له وسأله تناولها، فمد"
يده ليأخذها فضربه بسكين في فؤاده ، فحمل إلى مضربه فمات ، وقتل القاتل
في الحال بعد أن هرب ، فعثر في طُنُب خيمة فوقع ، وركب السلطان إلى
معسكره ، فسكَّنهم وعزَّاهم ، وحمل إلى أصبهان ودفن بها .
وقيل: إن السلطان دَسَّ عليه من قتله فإنه ستم طول حياته ، واستكثر
ما بيده من الاقطاعات ، ولم يعش السلطان بعده سوى خمسة وثلاثين يوماً ،
فرحمه الله تعالى لقد كان من حسنات الدهر .
ورثاه شبل الدولة أبو الهيجاء مقاتل بن عطية بن مقاتل البكري - الآتي
ذكره إن شاء الله تعالى - وكان خَتَته فإن نظام الملك زوَّجَهُ ابنته - فقال؛:
كان الوزيرُ نظامُ الملك لؤلؤةٌ نفيسة صاغها الرَّحمنُ من شرفٍ
فردَّها غيرة منه إلى الصَّدفِ
عزَّت فلم تعرف الأيامُ قيمتها
١ زيادة من ص س .
٢ أج هـ : محفة.
٣ سحنة : إلى الشمال الغربي من نهاوند ولا تزال تعرف بهذا الاسم إلى اليوم .
٤ أخبار الدولة السلجوقية : ٧١ .
١٣٠

وقد قيل : إنه قتل بسبب تاج الملك أبي الغنائم المرزبان بن خسروفيروز
المعروف بابن دارست١، فإنه كان عدو نظام الملك ، وكان كبير المنزلة عند
مخدومه ملك شاه ، فلما قتل رتَّبه موضعه في الوزارة ، ثم إن غلمان نظام
الملك وثَبوا عليه فقتلوه وقطعوه إرباً إرباً في ليلة الثلاثاء ثاني عشر المحرم من
سنة ست وثمانين وأربعمائة ، وعمره سبع وأربعون سنة ، وهو الذي بنى على
قبر الشيخ أبي إسحاق الشيرازي ، رحمه الله تعالى .
١٨٠
فخر الكتّاب الجويني
أبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم الملقب فخر الكُتّاب الجويني الأصل
البغدادي الكاتب المشهور ؛ كتب كثيراً ، ونسخ كتباً توجد في أيدي الناس
بأوفر الأثمان لجودة خطها ورغبتهم فيه، وذكره العماد الكاتب في «الخريدة »
وبالغ في الثناء عليه ، وقال : كان من ندماء أتابك زَنْكي بالشام ، وأقام بعده
عند ولده نور الدين محمود في ظل الإكرام، ثم سافر إلى مصر في أيام ابن رُزِيك،
وتوطَّنَ بها إلى هذه الايام ، وليس بمصر الآن مَن يكتب مثله، وأورد له
مقطوع٢ شعر كتبه إلى القاضي الفاضل ، ولولا أنه طويل لذكرته .
وتوفي سنة أربع وثمانين ، وقيل : ست وثمانين وخمسمائة ، بالقاهرة ، رحمه
الله تعالى٣ .
.....
١ انظر شرح هذا في أخبار الدولة السلجوقية : ٦٧ .
١٨٠ - ترجمة فخر الكتاب الجويني في معجم الأدباء ٩: ٤٣ ومعجم الالقاب ٣/٤ : ١٤٣.
٢ أ : مقاطيع .
٣ هامش س: الصحيح أنه توفي سنة ست وثمانين لأني رأيت جزءاً بخطه ذكر أنه كتبه في سنة
خمس وثمانين وأن عمره حينئذ احدى وثمانون سنة ونصف .
١٣١

والجُوَيني - بضم الجيم وفتح الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها
نون - هذه النسبة إلى جُوَين ، وهي ناحية كبيرة من نواحي نيسابور ، ينسب
إليها جماعة كثيرة من العلماء .
وكان١ كثيراً ما ينشد لبعض العراقيين٢:
يَنْدَمُ المرء على ما فاتهُ من لُباناتٍ إذا لم يَقضِها
وتراه فَرِحاً مُستبشراً بالتي أمضى كأن لم يمضها
لَقَرِيبٌ بعضُها مِن بعضِها
إنها عِندي وأحلام٣ الكرى
١٨١
الكرابيي صاحب الشافعي
أبو علي الحسين بن علي بن يزيد الكرابيسي البغدادي ؛ صاحب الإمام
الشافعي ، رضي الله عنهما ، وأشهرهم بانتياب مجلسه وأحفظهم لمذهبه ، وله
تصانيف كثيرة في أصول الفقه وفروعه . وكان متكلماً عارفاً بالحديث، وصنف
أيضاً في الجَرْح والتعديل وغيره ، وأخذ عنه الفقه خلق كثير .
١ من هنا حتى آخر الترجمة سقط من س .
٢ نسبت هذه الأبيات لعمران بن حطان (انظر مجموع شعر الخوارج: ١٩ وديوان المعاني: ٤).
٣ هـ : كأحلام.
١٨١ - ترجمة الكرابيسي في تاريخ بغداد ٨: ٦٤ وطبقات الشيرازي، الورقة: ٢٨ وتهذيب
التهذيب ٢: ٣٥٩ وطبقات الشافعية ١: ٢٥١ والفهرست: ١٨١. وانظر «الكرابيسي»
في الأنساب واللباب .
وكان الكرابيسي أولاً على مذهب أهل الرأي ثم تفقه للشافعي ، وقد اختلف مع أحمد بن
حنبل في بعض المسائل ، وكان من متكلمي أهل السنة وله كتاب في المقالات عول عليه من بعده
في فهم مذاهب الخوارج وأهل الأهواء، وله كتاب المدلسين في الحديث وكتاب «الامامة ».
١٣٢
١

وتوفي سنة خمس وأربعين ، وقيل : سنة ثمان وأربعين ومائتين ، وهو أشبه
بالصواب ، رحمه الله تعالى .
والكرابيسي - بفتح الكاف والراء وبعد الألف باء موحدة مكسورة ثم ياء
مثناة من تحتها ساكنة وبعدها سين مهملة - هذه النسبة إلى الكرابيس ، وهي
الثياب الغليظة، واحدها كِرْباس - بكسر الكاف - وهو لفظ فارسي١ عُرِّب
وكان أبو علي المذكور يبيعها فنسب إليها .
١٨٢
ابن خیران
أبو علي الحسين بن صالح بن خَيْران الفقيه الشافعي ؛ كان من جلّة الفقهاء
المتورّعين وأفاضل الشيوخ، وعُرضٍ عليه القضاء ببغداد في خلافة المقتدر فلم
يفعل ، فوَكَّلَ الوزير أبو الحسن علي بن عيسى بداره مترسماً ، فخوطب في
ذلك فقال : إنما قصدت ذلك ليقال كان في زماننا من وكل بداره ليتقلّد القضاء
فلم يفعل ، وكان يُعاقب أبا العباس ابن سُرَيج على توليته ، ويقول : هذا الأمر
لم يكن فينا ، وإنما كان في أصحاب أبي حنيفة ، رضي الله عنه.
[ومثل هذا: دعا عثمان رضي الله عنه عبد الله بن عمر فقال: اذهب، كن
قاضياً . قال : أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال : لا ، اذهب كن قاضياً ، قال:
لا تعجل يا أمير المؤمنين ، ألم تسمع رسول الله (ص ) يقول : من عاذ بالله
فقد عاذ بمعاذ ؟ قال : بلى ، قال : فإني أعوذ بالله أن أكون قاضياً ، قال :
وما يمنعك من ذلك وأبوك كان يقضي بين الناس ؟ قال : يمنعني قول النبي
١ رس : عجمي .
١٨٢ - ترجمة ابن خيران في طبقات الشيرازي، الورقة: ٣١ وطبقات السبكي ٢: ٢١٣ وتاريخ
بغداد ٨: ٥٣ والمنتظم ٦ : ٢٤٤.
١٣٣
٠

( ص ) : من كان قاضياً بين المسلمين فقضى يجهل فهو في النار ، ومن كان
قاضياً بحق أو بعدل سأل أن ينفلت كفافاً، فما أرجو من القضاء بعد هذا؟] !.
وكانت وفاته يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة عشرين
وثلثمائة ، قاله أبو العلاء ابن العسكري ، وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني :
توفي في حدود سنة عشر وثلثمائة ، وصوبه الحافظ أبو بكر الخطيب في ذلك ،
وقال : وهِمَ أبو العلاء العسكري٢ ، رحمه الله تعالى .
وخَيْران : بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء
وبعد الألف نون .
١٨٣
القاضي حسين
أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد المرْ وَروذي الفقيه الشافعي المعروف بالقاضي
صاحب التعليقة في الفقه ؛ كان إماماً كبيراً صاحبَ وجوهٍ غريبة في المذهب ،
وكلَّا قال إمام الحرمين في كتاب ((نهاية المطلب)) والغزالي في ((الوسيط
والبسيط)): ((وقال القاضي)) فهو المراد بالذكر لا سواه . أخذ الفقه عن أبي
بكر القَفّال المرْوَزي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في العبادلة - وصَنَّف
في الأصول والفروع والخلاف، ولم يزل يحكم بين الناس ويُدَرِّس ويفتي، وأخذ
عنه الفقه جماعةٌ من الأعيان، منهم أبو محمد الحسين بن مسعود الفرّاء البغوي
صاحب كتاب ((التهذيب)) وكتاب ((شرح السنة)) وغيرهما .
١ ما بين معقفين زيادة من د .
٢ الصواب أن أبا عبد الله (لا أبو العلاء) الحسين بن محمد بن عبيد العسكري ينقل عن أبي العلاء
محمد الواسطي تاريخ وفاة ابن خيران ، فالذي وقع في الوهم هو الواسطي .
١٨٣ - ترجمة القاضي حسين المروروذي في طبقات السبكي ٣ : ١٥٥.
١٣٤

وتوفي في سنة اثنتين وستين وأربعمائة بمَرْ وَ رُّوذ ، رحمه الله تعالى .
وقد تقدم الكلام على مروروذ في حرف الهمزة .
١٨٤
أبو علي السنجي
أبو علي الحسين بن شعيب بن محمد السِّنْجي الفقيه الشافعي؛ أحدُ الأئمة
المتقنين١، أخذ الفقه بخراسان عن أبي بكر عبد الله القَفّال المرْوَزيّ هو
والقاضي حسين الذي تقدم ذكره والشيخ أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين
- وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وشَرَح الفروع التي لأبي بكر ابن الحداد
المصري٢ شرْحاً لم يُقاربه فيه أحد ، مع كثرة شروحها، فإن القفال شيخ.
شرحها ، والقاضي أبو الطيب الطبري شرحها ، وغيرهما ، وشرح أيضاً كتاب
(((التلخيص)) ٣ لأبي العباس ابن القاص شرحاً كبيراً، وهو قليل الوجود ، وله
كتاب ((المجموع)) وقد نقل منه أبو حامد الغزالي في كتاب ((الوسيط)) وهو
أول من جمع بين طريقي العراق وخراسان، وكان فقيه أهل مَرْوَ في عصره.
وكان يقال في عصره: الأئمة بخراسان ثلاثة: مكثر محقق ومقلّ محقق
ومكثر غير محقق، فالمكثر المحقق أبو علي السنجي والمقل المحقق أبو محمد الجويني
١٨٤ - ترجمة السنجي في طبقات السبكي ٣: ١٥٠.
١ ج : المتقين ، وفي سائر النسخ: المتقدمين ، وأثبتنا ما في مسودة المؤلف .
٢ توفي أبو بكر ابن الحداد سنة ٣٤٥ وكتابه الفروع في مذهب الشافعي صغير الحجم إلا أنه دقق
المسائل فيه غاية التدقيق ، ومن شراحها عدا من ذكره المؤلف أبو إسحاق الاسفرايني (٤١٨)
وأبو القاسم الفوراني (٤٦١) وأبو بكر الصيدلاني .
٣ هو التلخيص في الفروع لأبي العباس أحمد بن محمد بن يعقوب ابن القاص الطبري (- ٣٣٥).
وممن شرحه القفال والاستراباذي محمد بن الحسن (- ٣٨٦).
١٣٥

والمكثر غير المحقق ناصر المروزي١.
وكانت وفاته في سنة نيِّفٍ وثلاثين وأربعمائة ، رحمه الله تعالى .
والسّنْجي - بكسر السين المهملة وسكون النون وبعدها جيم - نسبة إلى
سنج، وهي قرية كبيرة من قرى مَرْوَ .
١٨٥
الفراء البغوي
أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد، المعروف بالفَرّاء، البَغَويُّ الملقب ظهير
الدين٢ الفقيه الشافعي المحدث المفسر ؛ كان بحراً في العلوم ، وأخذ الفقه عن
القاضي حسين بن محمد - كما تقدم في ترجمته - وصنف في تفسير كلام الله تعالى،
وأوضح المشكلات من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وروى الحديث ودَرَّسَ،
وكان لا يُلقي الدرس إلا على الطهارة، وصنف كتباً كثيرة ، منها كتاب
((التهذيب)) في الفقه، وكتاب ((شرح السنة)) في الحديث، و((معالم التنزيل))
في تفسير القرآن الكريم، وكتاب ((المصابيح)) و((الجمع بين الصحيحين))
وغير ذلك .
توفي في شوال سنة عشر وخمسمائة٣ بمروروذ ، ودفن عند شيخه القاضي
حسين بمقبرة الطالقان ، وقبره مشهور هنالك ، رحمه الله تعالى .
ورأيت في كتاب ((الفوائد السفرية)) التي جمعها الشيخ الحافظ زكي الدين
١ وكان يقال ... المروزي : ثبت في مسودة المؤلف ونسخة ص وحدهما .
١٨٥ - ترجمة الفراء البغوي في طبقات السبكي ٤: ٢١٤ وتهذيب ابن عساكر ٤: ٣٤٠
(استطراداً لا من أصل التاريخ) .
٢ الملقب ظهير الدين : من ص ومسودة المؤلف وحدهما .
٣ س : ست عشرة وخمسمائة ؛ ص : عشرين.
١٣٦

عبد العظيم المنذري أنه توفي في سنة ست عشرة وخمسمائة١ ، ومن خطه نقلت
هذا، والله أعلم . ونقلت عنه أيضاً أنه ماتت له زوجة فلم يأخذ من ميراثها
شيئاً، وأنه كان يأكل الخبز البَحْتَ ، فعُذِل في ذلك ، فصار يأكل الخبز مع
الزبيب٢ .
والفَرّاء : نسبة إلى عمل الفِراء وبيعها .
والبَغَوي - بفتح الباء الموحدة والغين المعجمة وبعدها واو - هذه النسبة
إلى بلدة بخراسان بين مرو وهراة يقال لها بغ وبغشور بفتح الباء الموحدة
وسكون الغين المعجمة وضم الشين وبعدها واو ساكنة ثم راء - وهذه النسبة
شاذة على خلاف الأصل، هكذا قال السمعاني في كتاب ((الأنساب)).
١٨٦
الحليمي
أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم الفقيه الشافعي المعروف
بالحليمي الجرجاني؛ ولد يجُرْجان٣ سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة، وحمِل إلى بُخارى،
وكتب الحديث عن أبي بكر محمد بن أحمد بن حبيب وغيره ، وتفقه على أبي
بكر الأودني٤ وأبي بكر القَفّال ، ثم صار إماماً معظماً مرجوعاً إليه بما وراء
١ كذا ورد أيضاً في طبقات السبكي.
٢ قوله : ورأيت ... الزبيب : سقط من س ؛ ص ر : بالزبيب .
١٨٦ - ترجمة الحليمي في طبقات السبكي ٣: ١٤٧ والأنساب واللباب: «الحليمي».
٣ ج : بخراسان .
؛ أ: الازدي، والأودني بضم الألف وسكون الواو وفتح الدال المهملة والنون نسبة إلى أودنة
وهي من قرى بخارى .
١٣٧
٠٠.

النهر ، وله في المذهب وجوه حسنة ، وحدث بنيسابور وروى عنه الحافظ
الحاكم وغيره .
وتوفي في جمادى الاولى - وقيل في شهر ربيع الأول - سنة ثلاث وأربعمائة،
رحمه الله تعالى ، ونسبته إلى جده حليم المذكور .
١٨٧
الوني الحاسب
أبو عبد الله الحسين بن محمد الونّيُّ الفَرَضِيُّ الحاسب؛ كان إماماً في
الفرائض وله فيها تصانيف كبيرة مليحة أجاد فيها، وسمع الحديث من أصحاب
أبي علي الصَّفّار وغيرهم ، وسمع منه أبو حكيم عبد الله بن إبراهيم الخَبْري
صاحب (( التلخيص)) في الحساب والخطيب التبريزي وغيرهما، وهو شيخ الخبري
في علم الحساب والفرائض ، وانتفع به وبكتبه خلق كثير .
وتوفي شهيداً ببغداد في ذي الحجة سنة إحدى وخمسين وأربعمائة في فتنة
البساسيري المقدم ذكره .
٠٠٠٠٠٠.٠٠
والوَنِّيُّ - بفتح الواو وتشديد النون - هذه النسبة إِلى وَنَّ، وهي قرية
من أعمال قُهُستان أظنه منها .
١٨٧ - ترجمة الوني في طبقات السبكي ٣: ١٦٣ والأنساب واللباب («وني)). ونكت الهميان: ١٤٥.
١٣٨
١٠

١٨٨
ابن خميس الكعبي
٠
أبو عبد الله الحسين بن نصر بن محمد بن الحسين بن القاسم بن خميس بن عامر
المعروف بابن خميس الكعبي الموصلي الجهني الملقب تاج الإسلام مجد الدين الفقيه
الشافعي ؛ أخذ الفقه عن أبي حامد الغزالي ببغداد وعن غيره ، وولي القضاء
برَحبَة مالك بن طَوْق ، ثم رجع إلى الموصل وسكنها ، وصنف كتباً كثيرة ،
منها ((مناقب الأبرار))٢ على أسلوب رسالة القُشَيري، ومنها ((مناسك الحج))
و((أخبار المنامات)).
ذكره الحافظ أبو سعد السمعاني في تاريخه ، وأثنى عليه .
وكان يروي عن أبي إسحاق إبراهيم بن عثمان الكلبي الغزي الشاعر - المقدم
ذكره - في وزير عميد الدولة ابن جهير ، قوله :
٣
(البيتين)
من آلة الدست لم يؤت الوزير سوى .
وخميس جَدُّه الأعلى .
وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة٤ ، رحمه الله تعالى.
والجُهَني - بضم الجيم وفتح الهاء وبعدها نون - هذه النسبة إلى جُهَيْنة ،
وهي قرية قريبة من الموصل تُجاور القرية التي فيها العين المعروفة بعين القيارة
١٨٨ - ترجمة ابن خميس الكعبي في طبقات السبكي ٤: ٢١٧.
١ س : أبو عبد الرحمن.
٢ ذكر فيه أنه تتبع مسموعاته ومما جمعه العلماء من أخبار الصالحين كطبقات السلمي والحلية
وبهجة الأسرار والرسالة القشيرية ، فجمع الجميع بحذف الأسانيد .
٣ انظر جـ ١ : ٥٩ من هذا الكتاب .
٤ ولد الكعبي في ٢٠ محرم سنة ٤٦٦ بالموصل .
١٣٩

التي ينفع الاستحمام بمائها من الفالج والرياح الباردة ، وهي مشهورة ، وهما في برّ
الموصل أسفل من الموصل ، وجهينة أقرب من عين القيارة ؛ والجُهَني أيضاً نسبة
إلى جُهَينة وهي قبيلة كبيرة من قضاعة .
والكعبي - بفتح الكاف وسكون العين المهملة وبعدها باء موحدة - هذه
النسبة إلى بني كعب ، وهم أربع قبائل ينسب إليها ، ولا أعلم المذكور إلى
أيها ينتسب .
والموصلي معروف .
١٨٩
الحلاج
أبو مُغِيث١ الحسين بن منصور الحَلاَّجُ الزاهد المشهور؛ هو من أهل البَيْضاء
وهي بلدة بفارس ، ونشأ بواسط والعراق ، وصحب أبا القاسم الجُنَيد وغيره ،
والناس في أمره مختلفون : فمنهم مَن يبالغ في تعظيمه ، ومنهم من يكفره .
ورأيت في كتاب ((مشكاة الأنوار)) تأليف أبي حامد الغزالي فصلاً طويلاً في
حاله، وقد اعتذر عن الألفاظ التي كانت تصدر عنه مثل قوله ((أنا الحق))
وقوله (( ما في الجبة إلا الله)) وهذه الإطلاقات التي ينبو السمع عنها وعن ذكرها
١٨٩ - ترجمة الحلاج وأخباره في الفهرست : ١٩٠ - ١٩٢ وطبقات السلمي: ٣٠٧ ولسان
الميزان ٢: ٣١٤ وميزان الاعتدال ١ : ٥٤٨ وتاريخ بغداد ٨: ١١٢ ومرآة الجنان ٢ :
٢٥٣ وتاريخ ابن الأثير ٨: ١٢٦ والمنتظم ٦: ١٦٠ والفخري: ٢٣٤ وابن كثير ١١ :
١٣٢ وتجارب الأمم ١: ٧٦ وصلة عريب: ٨٦، وانظر أخبار الحلاج من جمع ماسينيون
(باريس ١٩٥٧) وديوانه (جمع ماسينيون، المجلة الاسيوية، باريس ١٩٣١) وقد نشر
ماسينيون أيضاً ((الأصول الأربعة)) وتتعلق بسيرة الحلاج (باريس ١٩١٤) وألف فيه رسالة
بعنوان : (1922 La Passion d'al-Hosayn-ibn-Mansour al-Hallaj (Paris .
١ كنيته في بعض المصادر تختلف عما أثبته المؤلف .
١٤٠