Indexed OCR Text

Pages 1-20

وَفَيَائِي الأَغْيَان
وَأنَّاءُ ابْنَاءِ الزَّمَّانِ
لِأبى العَبَّاسِ شمس الدّين ◌َجْمَدَ بْ حَدَّ بن أبى بكر بن خَلْكَان
(٦٠٨ - ٦٨١ هـ)
حققه
الدكتور احسان عبامن
المجلد الثانى
دار صادر
بيروت

وفيات الأعيان
٢

مقَدّمة
اعتمدنا في تحقيق هذا الجزء على المخطوطات الآتية :
١ - النسخ التي أشار إليها وستنفيلد في مطبوعته، وقد تقدم الحديث عنها
في مقدمة الجزء الأول .
٢ - مخطوطة المتحف البريطاني (رقم: ١٥٠٥، التكلة : ٦٠٧) وقد
تقدم وصفها أيضاً في مقدمة الجزء الأول .
٣ - مسودة المؤلف (المتحف البريطاني رقم : ٢٥٧٣٥ .Add) ، وتقع
في ٢٩٣ ورقة، وقد كتب على الورقة الثانية فيها بخط غير خط الأصل : مسودة
المرحوم ابن خلكان عليه رحمة المليك المنتان بخطه . وعلى هذه الورقة ما يفيد
ان النسخة كانت ملكاً لمسعود بن إبراهيم سنة ١٠٧٤ ، وعلى الورقة التي تليها :
(( كتاب وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان ، عني يجمعه لنفسه ولمن شاء الله
تعالى من بعده الفقير إلى رحمة الله تعالى أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن
خلكان )). وعلى هذه الورقة نفسها ان النسخة كانت من كتب أبي بكر ابن
رستم بن أحمد بن محمود الشرواني ، كما تملكها محمد بن سالم بن معز الله بن سالم
ابن واصل ، وعليها تعليق بخط هذا الأخير في تبيان مزايا الكتاب وتفضيله على
سائر الكتب المؤلفة في التراجم لما اشتمل عليه من المذاكرات الأدبية والفوائد
الفقهية والنكت الغريبة اللطيفة . وهي نسخة جيدة دقيقة الضبط ، وعلى هوامشها
عنوان لكل ترجمة ، كما امتلأت تلك الهوامش بالتحشيات التي أضافها المؤلف بعد
أن كتب الصورة الأولى من كتابه. وقد امحى بعض هذه الحواشي في الخُمس
الأول من ورقات هذه النسخة ، كما ان هناك تحويلات أو إشارات إلى تحويلات
لم تثبت فيها، ويبدو أن المؤلف قد أثبتها في كراسات منفصلة. كذلك فإن المؤلف
قد ضرب على أشياء كان قد أثبتها ثم بدا له فيها فأسقطها أو أثبت ما رآه أصلح منها.
٥

وقد جاء على الورقة الأخيرة من هذه النسخة : نجز الجزء الأول ويتلوه في أول
الجزء الثاني حرف الفاء إن شاء الله تعالى ، الحمد لله وحده وصلى الله على خير خلقه
محمد وآله وصحبه وسلم ؛ وكان الفراغ منه يوم الجمعة بعد الصلاة رابع عشر شهر
ربيع الأول سنة خمس وخمسين وستمائة بالقاهرة المحروسة . فهذه النسخة إذن تمثل
النَصف الأول من الكتاب ( قبل أن يكل المؤلف حرف الياء بتراجم طويلة )
وتنتهي عند آخر ترجمة غيلان بن عقبة المشهور بذي الرمة ، ولكن الإضافات في
حواشيها تدل على أن المؤلف تعهدها بالزيادة والتبديل بعد تاريخ نسخها ، فهناك
حاشية تشير إلى أنه قد أضاف ما أضافه سنة ٦٧٥ ، وذلك بعد عودة المؤلف من
الشام إلى القاهرة بسنوات . وإذا صح هذا التقدير فإن هذه النسخة تمثل - مع ما
يضاف إليها من التحويلات - الشكل الذي ارتضاه المؤلف لكتابه .
٤ - نسخة أحمد الثالث (رقم : ٢٩١٩) ورمزها س: وتتكون هذه النسخة
من ثلاثة أجزاء :
الجزء الأول في ٢٦٧ ورقة ( ١٨ سطراً × ١٢ كلمة ) ، وينتهي بترجمة أبي
الحسن الأشعري ، وفي آخره : بلغ مقابلة وتصحيحاً بالنسخة الكبرى ولله الحمد .
الجزء الثاني في ٢٥٩ ورقة ، وينتهي بترجمة المعتمد بن عباد .
الجزء الرابع في ٢٠٧ ورقات ، ويبدأ بترجمة يحيى بن زياد المعروف بالفراء
وينتهي بخاتمة المؤلف؛ وقد كتب في آخره أيضاً : بلغ مقابلة وتصحيحاً بالنسخة
الكبرى فصح صحتها والحمد له .
فهذه النسخة تنقص الجزء الثالث الذي يبدأ بترجمة المعتصم بن صمادح وينتهي .
بترجمة يحيى بن يعمر . وهي نسخة حسنة الضبط في الجملة وتاريخ نسخها في شهر
محرم الحرام سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة ، وقد قوبلت على نسخة حازت تقدير أحد
الائمة وهو الشيخ العلامة مفتي المسلمين أبو محمد عبد الرحيم جمال الدين بن الحسن بن
علي الأسنوي، فقد كتب على تلك النسخة ما نصه: ((اعلم أن نسخ هذا الكتاب
سقيمة غالباً وهذه النسخة من أصحها متناً وضبطاً ومقابلة على خط مؤلفها)).
والحقيقة أن المقابلة بين هذه النسخة ومسودة المؤلف تبرز حقيقة هامة وهي ان
النسخة التي أثنى عليها الأسنوي قوبلت على نسخة بخط المؤلف قبل أن يضع عليها
٦
:

الزيادات والحواشي اللاحقة. ولهذا فإن نسخة س تكاد تكون صورة أمينة لما قيده
المؤلف في المرحلة الاولى من تأليفه لهذا الكتاب .
٥ - نسخة آيا صوفيا (رقم: ٣٥٣٢) ورمزها ص: تقع في ٢٤٤ ورقة (٢٥
سطراً × ١٥ كلمة) وهي مكتوبة بخط نسخ دقيق واضح، وتنتهي بترجمة عبد الرحمن
ابن عبد الله السهيلي صاحب ((الروض الأنف))، وقد جاء في آخرها: ((نجز الجزء
الاول من وفيات الاعيان بحمد الله ومنه وإعانته وحسن توفيقه يوم الخميس سادس
عشرين رجب الفرد سنة خمس وثلاثين وسبعمائة ، علقه لنفسه الفقير إلى الله تعالى عز
وجل محمد بن الحسين بن محمود البالسي عفا الله عنه وسامحه بمنّه ولطفه وكرمه ،
يتلوه في الجزء الثاني ترجمة أبي جعفر المنصور ... إلخ)). فهي نسخة قديمة نسبياً من
حيث تاريخها، وتتفق كثيراً مع مسودة المؤلف ، ولكنها احتوت ترجمات زائدة لم
يشر إليها المؤلف في مسودته، كما حفلت بزيادات كثيرة في كثير من التراجم المشتركة.
ومما يلفت النظر أن أكثر الترجمات المزيدة فيها يخرج على الخطة التي صرح بها المؤلف
في مقدمته حين قال: ((ولم أذكر في هذا المختصر أحداً من الصحابة رضوان الله عليهم
ولا من التابعين رضي الله عنهم إلا جماعة يسيرة تدعو حاجة كثير من الناس إلى معرفة
أحوالهم، وكذلك الخلفاء لم أذكر أحداً منهم)). فمن أمثلة التراجم المزيدة ترجمات أبي
بكر الصديق وعائشة وعبد الله بن العباس وعبد الله بن الزبير وأبي جعفر المنصور .
٦ - نسخة الظاهرية (رقم: ٥٤١٨) ورمزها ر: وهي نسخة كاملة من وفيات
الأعيان تقع في ٤٨٨ ورقة (٣٧ سطراً × ١٦ كلمة) وقد جاء في آخرها: ((وقد وقع
إتمام كتابة هذا الكتاب بحمد الله وعونه في اليوم السابع والعشرين من شهر رجب
الفرد سنة خمس وخمسين ومائة وألف على يد الحقير السيد إبراهيم بن الحكيم غفر الله
له بمنه وكرمه آمين)). فهي تمثل نسخة حديثة قليلة الاحتفال بالضبط والدقة، ولكنا
اعتمدناها لأن فيها زيادات يتفق بعضها مع زيادات ص ومسودة المؤلف . وتنفرد ر
بزيادات تتفق فيها أحياناً مع النسخة التي رمزنا لها بالحرف د من نسخ وستنفيلد .
وبعد حصولنا على هذه المخطوطات الجديدة ، أصبح من الضروري أن نعدّل
في خطتنا التي جرينا عليها في الجزء الأول ؛ فقد أصبحت مسودة المؤلف تمثل أصلاً
معتمداً للنص الأصلي الذي أثبتناه في المتن، وقد كانت هذه النسخة ذات عون كبير
٧

لنا في ترجيح القراءة المعتمدة لدى اختلاف النسخ . ثم إننا بدلاً من أن نضيف
زيادات النسخ في آخر الجزء كما فعلنا في الجزء الأول ، أثبتنا الزيادات المستمدة من
النسخ : ص ، ر ، د، في المتن نفسه ، وميزنا هذه الزيادات بوضعها بين معقفين مع
الإشارة إلى ذلك في الحواشي . وفي هذا الجزء أيضاً أثبتنا العناوين التي وضعها
المؤلف نفسه في مسودته بعد أن كنا نلتزم بعناوين مطبوعة وستنفيلد . وسيجد من
يتتبع تراجم هذا الجزء والأجزاء التي تليه ترجمات إضافية لم ترد في أصل المؤلف أو في
معظم مطبوعات الكتاب ، وقد أشرنا في الحواشي إلى كل إضافة من هذا النوع .
وقد كان حصولنا على المخطوطة ص سابقاً لحصولنا على سائر النسخ ، ولهذا
استخرجنا ما فيها من زيادات وألحقناها في آخر الجزء الأول تالية للزيادات
المستخرجة من نسخة د. وهنالك وجدنا أن هذه النسخة - أي ص - قد
انفردت بترجمة لم ترد في غيرها من النسخ وهي ترجمة : إبراهيم بن الوليد بن
عبد الملك التي لم نستطع أن نعطيها رقماً منفرداً.
أما الترجمات العارضة التي تصدى لها ابن خلكان في أثناء كتابه ، فقد جرينا في
هذا الجزء أيضاً على تميزها بالرقم العربي، وجعلنا الترقيم فيه قالياً للترقيم في الجزء الاول.
وسوف يكون اعتمادنا في تحقيق الاجزاء التالية على عدد آخر من المخطوطات
سنشير إليها في المواضع الملائمة لذلك .
ويطيب لي في ختام هذه الكلمة أن أتقدم بأوفر الشكر وأتمه إلى جميع
الاصدقاء الذين قدموا لي العون المسعف على إنجاز هذا العمل ، وأخص بالذكر
منهم : الصديق الدكتور عزت حسن أمين المكتبة الظاهرية بدمشق الذي تفضل
فأمدَّني بميكروفيلم من نسخة الظاهرية؛ والصديق محمد بن قاويت الطنجي الاستاذ
بالمعهد الإسلامي الاعلى في اسكدار لما قدمه لي من مساعدة كبيرة أثناء مراجعتي
للمخطوطات في مكتبات استانبول ؛ والاخ الدكتور وليد عرفات الذي ذلل
كل صعوبة عملية في سبيل الحصول على صورة من مسودة المؤلف؛ كما أشكر القائمين
على القسم الشرقي في المتحف البريطاني على ما لقيته لديهم من معونة صادقة .
والله أسأل أن يعينني على إنجاز سائر هذا العمل بحوله وقوته .
بيروت في تشرين الأول ( أكتوبر ) ١٩٦٩
إحسان عباس
٨

حَرف الّاء

١٤٧
أبو تمام
أبو تمام حبيبُ بن أوس بن الحارث بن قيس بن الأشْجّ بن يحيى بن مروان بن
مُر بن سعد بن كاهل١ بن عمرو بن عدي بن عمرو بن الغوث٢ بن طيىء - واسمه
جُلُهُمة - بن أدَدَ بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كَهْلان بن يشجب
ابن يعرب بن قَحطان الشاعر المشهور؛ [وذكر٣ أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى
الآمدي في كتاب ((الموازنة بين الطائيين)) ما صورته: والذي عند أكثر الناس
في نسب أبي تمام: أن أباه كان نصرانياً من أهل جاسم، قرية من قرى دمشق ،
يقال له : تَدوس٤ العطار، فجعلوه أوساً، وقد لُفَقَت له نسبة إلى طيىء ،
وليس فيمن ذكر فيها من الآباء من اسمه مسعود، وهذا باطل ممن عمله ، ولو كان
نسبه صحيحاً لما جاز أن يلحق طيئاً بعشرة آباء".
١٤٧ - ترجمة أبي تمام في طبقات ابن المعتز: ٢٨٧ والأغاني ١٦ : ٣٠٣ وتاريخ بغداد ٨ : ٢٤٨
وتهذيب ابن عساكر ٤: ١٨، وفيه كتب الصولي كتابه («أخبار أبي تمام» ( ط. القاهرة:
١٩٣٧) وكتب الآمدي كتاب («الموازنة)» بينه وبين البحتري.
١ ص س : كامل .
٢ أج : غوث ؛ س : الحرث .
٣ ما بين معقفين لم يرد إلا في م ر ، مع ايجاز في م .
٤ أ : ندوس ؛ م : فدرس .
٥ لم أجد هذا في ((الموازنة))، ولكني وجدت عند ذكر البيت ((إن كان مسعود ... )) قول
الآمدي (١: ٥٣٤): «إن كان مسعود)» يعني مسعوداً اخا ذي الرمة، ولا يعرف له
بيت واحد بكى فيه على الديار ، وهذا من معاني أبي تمام الغامضة التي يسأل عنها ، وما زلت
أرى الناس قديماً يخبطون فيه، وإنما ذكر مسعوداً لأنه كان ينهى ذا الرمة عن البكاء على الديار،
وذلك كقول القائل : إن كان حاتم قد شح فلست منه ، أي انه إن كان بعد كرمه وجوده
قد رأى ان البخل حسن فلست مقتدياً به .
١١

قلت : وذكر الآمدي هذا في قول أبي تمام :
إن كان مَسعود سقى أطلالهمْ سَبَلَ الشؤونِ فلستُ من مسعودٍ
. وقد سقط في النسب بين قيس ودفاقة ١ ستة آباء .
وقول أبي تمام: ((فلست من مسعود )) لا يدلّ على أن مسعوداً من آبائه بل
هذا كما يقال: ((ما أنا من فلان ولا فلان مني)) يريدون به البعد منه والأنَفَة،
ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ولد الزنا ليس منا)) و((عليّ مني
وأنا منه )) .
وقد ساق الخطيب أبو بكر في ((تاريخ بغداد )) نسَبه ، وفيه تغيير يسير .
وقال الصولي٢: قال قوم: إن أبا تمام هو حبيب بن تدوس النصراني ،
فغير ، فصار أوساً ] .
كان أوحد٣ عصره في ديباجة لفظه ونصاعة٤ شعره وحسن أسلوبه ، وله
كتاب (( الحماسة))° التي دلت على غزارة فضله وإتقان معرفته بحسن اختياره،
وله مجموع آخر سماه (( فحول الشعراء)) جمع فيه بين طائفة كبيرة من شعراء
الجاهلية والمخضرمين والإسلاميين، وله كتاب ((الاختيارات من شعر الشعراء»،
وكان له من المحفوظ ما لا يلحقه فيه غيره ، قيل إنه كان يحفظ أربع
عشرة٦ ألف أرجوزة للعرب غير القصائد والمقاطيع، ومدح الخلفاء وأخذ
١ هـ : وذفافة .
٣ قال الصولي في أخبار أبي تمام: « وهو حبيب بن أوس الطائي صليبة».
٣ ر : واحد .
٤ د : وفصاحة .
٥ تصدى له شراح كثيرون ؛ ومن شروحه المشهورة شرح التبريزي وشرح المرزوقي ؛ وحاكاه في
١٠
الاختيار عدد كبير في المغرب والمشرق سموا كتبهم باسم الحماسة؛ ولأبي تمام «الحماسة الصغرى)»
وهو كتاب الوحشيات ، نشر بتحقيق الاستاذ عبد العزيز الميمني الراجكوتي وزاد في حواشيه
الاستاذ محمود محمد شاكر (دار المعارف: ١٩٦٣).
٦ كذا في المسودة .
١٢

جوائزهم ، وجاب البلاد، وقصد البصرة وبها عبد الصمد بن المعذّل١ الشاعر،
فلما سمع بوصوله - وكان في جماعة من غلمانه وأتباعه - فخاف من قدومه أن
يميل الناس إليه ويُعرضوا عنه ، فكتب إليه قبل دخوله البلد٢:
أنتَ بينَ اثنتين تبرُزُ للنا سِ وكلْتَاهُم بِوَجهٍ مذالٍ
من حَبيب أو طالباً لِنَوال
لستَ تنفك راجياً لوصالٍ
بينَ ذُلّ الهوى وذُلّ السؤال
أيّ ماء يبقى لوجهكَ هذا٣
فلما وقف على الأبيات أضرب عن مقصده ورجع ، وقال : قد شغل هذا ما
يليه فلا حاجة لنا فيه . وقد ذكرت نظير هذه الأبيات في ترجمة المتنبي في
حرف الهمزة .
[٤ ولما قال ابن المعذَّل هذه الأبيات في أبي تمام، كتبها ودفعها إلى ورّاق
كان هو وأبو تمام يجلسان إليه ولا يعرف أحدُهما الآخر ، وأمر أن تُدفع إلى
أبي تمام ، فلما وافى أبو تمام وقرأها قلبها وكتب :
وأنتَ أُنقَصُ من لا شيءٍ فِي العَدَدِ
أُفِيَّ تنظم قَوَلَ الزور والفَنَّدِ
كأنها حرّكات الرُّوح في الجسد
أشرَجت٦َ قلبكَ من غيظ على حنق.
كالعَيرِ يُقْدِمُ مِن خَوف على الأسَد
أُقدَمْتَ ويلكَ من هجوي على خطر.
وحضر عبدُ الصمد ، فلما قرأ البيت الأول قال: ما أحسن علمه بالجدل ،
أوجبَ زيادة ونقصاناً على معدوم، ولما نظر إلى البيت الثاني قال: الإشراج
١ أج ده : المعدل.
٢ انظر الصولي: ٢٤١ - ٢٤٣ والشريشي ٢: ١٨٩ والأغاني ١٣ : ٢٥٤.
٣ ب ج : لحر وجهك يبقى .
٤ ما بين معققين انفردت به م ر .
• هذا الخبر مخالف الذي قبله بعض المخالفة ومن حق المؤلف أن يصدّره بمثل قوله «ويقال ان ...
الخ)» وانظر الأغاني ١٣: ٢٥٥ وديوانه ٤ : ٣٥١ .
٦ أشرج الشيء: شده بالشرج وهي العرى .
١٣

من عمل الفراشين ولا مدخل له ههنا ، فلما قرأ البيت الثالث عضَّ على شفته
وقال : قتل .
وقال الصولي١: قد ذكر ذلك أبو الفتح محمود بن الحسين المعروف بكشاجم
في كتاب ((المصايد والمطارد)) عند قوله فيه: وأغفل الجاحظ في باب ذكر
انقياد بعض المأكولات لبعض الآكلات ذكرَ الحمار الذي يرمي بنفسه على الأسد
إذا شمّ ريحه ] .
ولما أنشد أبو تمام أبا دُلَفَ العجلي قصيدته البائية المشهورة التي أولها٢ :
على مِثلها منْ أربُعٍ ومَلاعِبٍ أُذيلَتْ مَصوناتُ الدُّموعِ السَّواكِبِ
استحسنها وأعطاه خمسين ألف درهم وقال له : والله إنها لدون شعرك ، ثم
قال له: والله ما مثل هذا القول في الحسن إلا ما رئيتَ به محمد بن حميد الطوسي،
فقال أبو تمام : وأيّ ذلك أراد الأمير ؟ قال : قصيدتك الرائية التي أولها :
كذا فليَجلّ الخَطْبُ وليَقدَحِ الأمر٣ُ فليسَ لِعَينٍ لم يَفِضْ مَاؤُها عُذْرُ
وددت والله أنها لك فيّ ، فقال : بل أفدي الأمير بنفسي وأهلي وأكون المقدم
قبله، فقال: إنه لم يمتْ من رئي بهذا الشعر.
وقال العلماء : خرج من قبيلة طيىء ثلاثة ، كل واحد مجيد في بابه : حاتم
الطائي في جوده ، وداود بن نصير الطائي في زهده ، وأبو تمام حبيب بن أوس
في شعره .
وأخباره كثيرة؛ ورأيت الناس مطبقين على أنه مدح الخليفة بقصيدته
١ يبدو أن المؤلف هنا ينقل عن شرح الصولي لشعر أبي تمام، فهذا التعليق لم يرد في كتابه
(« أخبار أبي تمام» ؛ وانظر : المصايد والمطارد : ٤٦ ففيه النص والخبر عن التهاجي بين أبي
تمام وعبد الصمد بن المعذل وتعليق عبد الصمد على أبيات أبي تمام ؛ ولم يرد في م ر قوله
« وقال الصولي ».
٢ ديوانه ١: ٢٠٥، والخبر في الصولي: ١٢١ - ١٢٥.
٣ ر : الدهر .
٤ وأخباره كثيرة : سقطت من ص .
١٤

السينية١، فلما انتهى فيها إلى قوله :
إقدامُ عمرو في سماحَةِ حاتم في حلم أحتَفَ في ذكاءٍ إياس
قال له الوزير : أتشبه أمير المؤمنين بأجلاف العرب ؟ فأطرق ساعة ، ثم رفع
رأسه وأنشد :
لا تنكروا ضَرْبي لهُ مَن دونهُ مثلاً شَروداً في الندى والباسِ
فالله قد ضرَبَ الأقلّ لِنورهِ مثلاً مِنَ المِشكاةِ والنّبراسِ
فقال الوزير للخليفة : أيّ شيء طلبه فأعطه ، فإنه لا يعيش أكثر من
أربعين يوماً ، لأنه قد ظهر في عينيه الدم من شدة الفكرة ، وصاحب هذا
لا يعيش إلا هذا القدر ، فقال له الخليفة : ما تشتهي ؟ قال : أريد الموصل ،
فأعطاه إياها ، فتوجه إليها، وبقي هذه المدة ومات ؛ وهذه القصة لا صحة
لها أصلاً .
وقد ذكر أبو بكر الصولي في كتاب ((أخبار أبي تمام))٢ أنه لما أنشد هذه
القصيدة لأحمد بن المعتصم وانتهى إلى قوله ((إقدام عمرو - البيت المذكور))
قال له [أبو يوسف يعقوب بن الصباح] ٣ الكندي الفيلسوف ، وكان حاضراً:
الأمير فوق مَن وصفت، فأطرق قليلا ثم زاد البيتين الآخرين، ولما أُخذت
القصيدة من يده لم يجدوا فيها هذين البيتين ، فعجبوا من سرعته وفطنته .
ولما خرج قال أبو يوسف ، وكان فيلسوف العرب : هذا الفتى يموت قريباً .
ثم قال بعد ذلك : وقد روي هذا على خلاف ما ذكرته ، وليس بشيء ،
والصحيح هو هذا .
وقد تتبعتها وحققت صورة ولايته للموصل ، فلم أجد سوى أن الحسن
١ مطلع هذه القصيدة (ديوانه ٢ : ٢٤٢):
ما في وقوفك ساعة من باس نقضي مام الأربع الادراس
٢ أخبار أبي تمام: ٢٣١ - ٢٣٢.
٣ لم يرد في المسودة.
١٥

ابن وهب ولاه بريد الموصل ، فأقام بها أقلّ من سنتين ثم مات بها . والذي
يدل على أن القضيّة ليست صحيحة أن هذه القصيدة ما هي في أحد من الخلفاء،
بل مدح بها أحمد بن المعتصم ، وقيل أحمد بن المأمون ، ولم يل واحد منهما
الخلافة ، والحيصَ بيصَ ذكر في رقاعه السبع اللاتي كتبها إلى الإمام المسترشد
يطلب منه بايعقوبا أنّ الموصل كانت إجازة لشاعر طائي ، فإما أنه بنى الأمر
على ما قاله الناسُ من غير تحقيق ، أو قصد أن يجعل هذا ذريعةً لحصول بايعقوبا
له، والله أعلم [ وتابعه في الغلط ابن دحية في كتاب ((النبراس)) ]١.
[ وذكر الصولي٢ أن أبا تمام لما مدح محمد بن عبد الملك الزيات الوزير بقصيدته
التي منها قوله :
دِيمَةٌ سَمْحَةُ القيادِ سَكوبُ مستغيثٌ بها الثرى المكروبُ
لو سعَتْ بُقعة لإعظام أخرى لسعى نحوها المكانُ الجديبُ
قال له ابن الزيات : يا أبا تمام ، إنك لتحلي شعرك من جواهر لفظك وبديع
معانيك ما يزيد حسناً على بهيّ الجواهر في أجياد الكواعب ، وما يُدّخر لك
شيء من جزيل المكافأة إلا ويقصر عن شعرك في الموازاة . وكان بحضرته
فيلسوف ، فقال له: إن هذا الفتى يموت شاباً، فقيل له: ومن أين حكمت
عليه بذلك ؟ فقال : رأيتُ فيه من الحِدَّة والذكاء والفطنة مع لطافة الحسّ
وجودة الخاطر ما علمتُ به أن النفس الروحانية تأكل جسمه كما يأكل السيفُ
المهند غِيْدَهُ، وكذا كان ، لأنه مات وقد نيَّف على ثلاثين سنة.
قلت : وهذا يخالف ما سيأتي في تاريخ مولده ووفاته بعد هذا إن شاء
الله تعالى ]٣ .
١ ما بين معقفين سقط من س ص والمسودة .
٢ لم يرد هذا الخبر في كتاب أخبار أبي تمام؛ وفي الديوان (١: ٢٩٦) ان القصيدة في مدح
محمد بن الهيثم بن شبانة .
٣ هذا النص لم يرد في ص والمسودة .
١٦

ولم يزل شعره١ غير مرتب حتى جمعه أبو بكر الصولي ، ورتبه على الحروف،
ثم جمعه عليّ بن حمزة الأصبهاني، ولم يرتبه على الحروف ، بل على الأنواع .
وكانت ولادة أبي تمام سنة تسعين ومائة ، وقيل : سنة ثمان وثمانين ومائة ،
وقيل : سنة اثنتين وسبعين٢ ومائة يجاسم، وهي قرية من بلد الجيدور٣ من
أعمال دمشق بين دمشق وطبرية ، ونشأ بمصر ، قيل إنه كان يسقي الناس
ماء بالجرة في جامع مصر ، وقيل كان يخدم حائكاً ويعمل عنده [بدمشق
وكان أبوه خماراً بها ، وكان أبو تمام أسمر طويلاً فصيحاً حُلو الكلام فيه
تمتمة يسيرة ] ثم اشتغل وتنقل إلى أن صار منه ما صار .
وتوفي بالموصل - على ما تقدم - في سنة إحدى وثلاثين ومائتين ، وقيل
إنه توفي في ذي القعدة ، وقيل في جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين ، وقيل
تسع وعشرين ومائتين ، وقيل في المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ، رحمه
الله تعالى . .
[ قال٤ البحتري : وبنى عليه أبو نهشل ابن حميد الطوسي قبة ، قلت :
ورأيت قبره بالموصل خارج باب الميدان ، على حافة الخندق ، والعامة تقول :
هذا قبر تمام الشاعر .
وحكى لي الشيخ عفيفُ الدين أبو الحسن علي بن عدلان الموصلي النحوي
المترجم"، قال: سألت شرف الدين أبا المحاسن محمد بن عنين الشاعر - الآتي
ذكره في هذا الكتاب في حرف الميم إن شاء الله تعالى - عن معنى قوله :
سَقَى الله دوحَ الفُوطَتين ولا ارتوتْ من الموصل الحدباء إلا قُبورها
لم حرمها وخص قبورها ؟ فقال : لأجل أبي تمام .
١ هذا عن الفهرست : ١٦٥ .
٢ كذا في المسودة وص، وفي سائر النسخ: وتسعين .
٣ أ : الجولان؛ د : حلوان .
٤ ما بين معقفين سقط من ص س والمسودة .
٥ ولد سنة ٥٨٣ وكان ماهراً محل المترجم والألغاز ولذلك لقب المترجم، وتوفي بالقاهرة سنة
٦٦٦ (انظر الفوات ٢: ١٢١ وبغية الوعاة: ٣٤٣ والنجوم الزاهرة ٧: ٢٢٦).
٢ - ٢
١٧

وهذا البيت من قصيدة لابن عنين المذكور يمدح بها السلطان الملك المعظم
شرف الدين عيسى ابن الملك العادل بن أيوب - وسيأتي ذكره في حرف العين
إن شاء الله تعالى - أولها١ :
أشاقَك من عليا دمشقَ قُصورُها وولدانُ أرض النيربين وحُورُها
وهي من أحسن قصائده ] .
ورثاه الحسن بن وهب بقوله٢ :
فُجعَ القريضُ بخاتم الشُّعَراءِ وغدير روضتها حبيب الطائي
مانا معاً فتجاوَرا في حُفرَة وكذاك كانا قبلُ في الأحياء
وقيل : إن هذين البيتين لديك الجن رثى بها أبا تمام ، والله أعلم .
[ ورثاه الحسن أيضاً بقوله من قصيدة :
سقى بالمَوصلِ القبرَ الغريبا سحائِبُ يَنتحبْنَ له نحيبا
شعيبَ المزنِ يتبعها شعيبا
إذا أظللنه أظللن فيه
وشقَّن الرعود به جُيوبا
ولطَّمْنَ البروق به خدوداً
فإنّ ترابَ ذاك القبر يحوي حبيباً كان يُدْعى لي حبيبا]٣
ورثاه محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم بقوله وهو يومئذ وزير، وقيل
إنهما لأبي الزبرقان عبد الله بن الزبرقان الكاتب مولى بني أمية :
نبأ أتى من أعظمِ الأنباءِ لما ألمّ مُقَلقِلُ الأحشاءِ
قالوا حبيبٌ قد نوى فأجبتهم ناشدتكم لا تجعلوه الطائي
.....
١ انظر ديوان ابن عنين : ١٥ .
٢ وردت هذه المرائي في أخبار الصولي : ٢٧٦، ٢٧٥، ٢٧٧ .
٣ ما بين معقفين سقط من ص والمسودة .
١٨

[١ ولأبي تمام المذكور :
لو يعلم الركن من قد جاء يلثمه لظل يلثم منه موطىء القدم
وللبحتري أيضاً في هذا المعنى :
ولو أن مشتاقاً تكلف فوق ما في وسعه لسعى إليك المنبر
ولما سار المأمون إلى بلاد الشام يريد غزو الروم مدحه أبو تمام بقصيدتين فلم
يجد من يوصلها إليه وذلك قبل قدوم أبي تمام العراق ، ثم صار إلى العراق في
خلافة المعتصم ، فمن ذلك قوله في المأمون قصيدة قال فيها :
ثم انبرت أيامُ هجرٍ أردفت نحوي أسى فكأنها أعوامُ
ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلامُ
فأخذها حتى بلغ فيها :
اتضعضعت عبرات عينك أن دعت ورقاء حين تضعضع الإظلام
لا تشجيَنَّ لها فإِنّ بكاءها ضحكٌ وإِنّ بكاءك استغرام
هُنَّ الحَمَامِ فإن كسرت عيافةٌ من حائهن فإنهُنَّ حِمام
حكي عن يموت بن المزرع قال٢ : كان أحمد بن المدبر إذا مدحه شاعر ولم يرض
شعره أمر غلمانه أن يمضوا به إلى المسجد فلا يفارقوه أو يصلي مائة ركعة ،
فكان هذا دأبه ؛ قال : فتحاماه الشعراء إلا الأفراد المجيدون فأتاه أبو عبد الله
الحسين بن عبد السلام المصري المعروف بالجمل فاستأذنه في النشيد فقال له :
عرفت الشرط ؟ قال : نعم ، فأنشده :
أردنا في أبي حسنٍ مديحاً كما بالمدح تنتجع الولاةُ
١ انفردت نسختا رد بهذا النص الطويل الذي أثبتناه بين معقفين ولم تشترك معهما نسخة ص
إلا في جزء يسير منه وقعت أجزاؤه مختلفة في ترتيبها عما هي عليه في النسختين المذكورتين .
٢ انظر تهذيب ابن عساكر ٤ : ٣٠٦ - ٣٠٧.
١٩

ومن كفيه دجلة والفرات
فقلنا أكرم الثقلين طُرّاً
جوايزه عليهنّ الصلاة
فقالوا يقبل المدحات لكن
صلاتي إنما الشأن الزكاة
فقلت لهم وما يغني عيالي
فتصبح لي الصلاة هي الصِلات
فيأمرني بكسر الصاد منه
فضحك ابن المدبر وقال : من أين أخذت هذا ومن أين وقع لك ؟ فقال :
أخذته من قول أبي تمام :
مُنّ الحَمَامُ فإن كسرت عيافة"
قال : فأعجبه صدقُهُ ووصله .
ومن قصيدته الأخرى التي مدح بها المأمون التي أولها :
كشف الغطاء فأوقدي أو أخمدي
ويقول فيها :
أوليّ أُمَّةِ أحمدٍ ما أحمد بمضيعِ ما أوليتَ أمةَ أحمدٍ
للعالمين فويل من لا يهتدي
أما الهدى فقد اقتدحت بزنده
حدث الصولي عن محمد بن يحيى قال : حدثني يحيى بن علي قال : كان محمد
ابن القاسم بن مهرويه يقدم دعبلاً على أبي تمام ، فقلت له: بأيّ شيء قدمته ؟
فلم يأت بمقنع ، فجعلت أنشده محاسنهما فإذا محاسن أبي تمام أكثر وأطرز وإذا
عيوب دعبل أعظم وأفحش ، فأقام على رأيه وتعصبه لدعبل فقلت :
يا أبا جعفرٍ أتحكم في الشء و وما فيك آلة الحُكّامِ
رف صعب فكيف نقد الكلام
إنّ نقد الدينار إلا على الصيـ
عار بين الأرواح والأجسام
قد رأيناك ليس تفرق في الأشـ
ـدث قيْنٌ في وقت عرض الحسام
إنما يعرف العتيق من الحـ
لا تقس دعبلاً إذن بجبيبٍ ليس خُفّ البعير مثل السنام
٢٠