Indexed OCR Text
Pages 461-480
ومن الأخرى قوله : أنت الخصيب وهذه مصرُ فتدفّقا فكلاكما بحر لا تقعدا بي عن مدى أملي شيئاً فما لكا [ به ] عذر ويحق لي إِذ صرت بينكما أن لا يحلّ بساحتي فقر وأجازه عليها جائزة سنية ، ومدحه أيضاً بقصيدته النونية التي يقول فيها : أنا في ذمة الخصيب مقيمٌ حيث لا تهتدي صروف زماني لا تخافي عليّ غولَ الليالي ومكاني من الخصيب مكاني ( آيا صوفيا : ٤٨ أ) أسامة بن منقذ ( الترجمة رقم: ٨٤، ص: ١٩٩، س: ١، بعد قوله : فرقة الابد ) ونقلت منه أيضاً : خلع الخليع عذاره في فسقه حتى تهتك غاية الافراطِ يأتي ويؤتى ليس ينكر ذا ولا هذا كذلك إبرة الخياطِ ونقلت منه ، وقالها بدمشق : فالشمس أدنى سحاب عن يسترها إِن یستروا وجه إِحساني بكفرهم فالعين أدنى القذى فيها يكدّرها وإِن همُ كدّروا صفوي بغشَهِمُ ونقلت منه أيضاً : اصبر على ما كرهت تحظَ بما تهوى فما جازع بمعذورٍ إِن اصطبار الجنين في ظُلَم الـ أحشاء أفضى به إلى النورِ وقال أيضاً بحماة : اصبر إذا ناب خطبٌ وانتظر فرجاً يأتي به الله بعد الريث والياسٍ ٤٦١ إِن اصطبار ابنة العنقود إِذ حُبست في ظلمة القار أدّاها إلى الكاسِ وقال في المعنى : ولاحظته السعود في الفلك من رُزق الصبر نال بغيته نيران أدناه من فم الملك إِن اصطبار الزجاج للسبك والـ وكان حين دخوله إلى القاهرة كتب إلى أبي الفضل الحصكفي - الآتي ذكره - رقعة هذه نسختها: التقطتُ - أطال الله بقاء سيدنا الامام الاجل العالم معين الدين قدوة الشريعة تاج العلماء زين الأدباء - من نفيس جوهره الفاخر، وإِن حُلّئْت عن بحره العذب الزاخر، ألفاظاً احيتْ موات فهمي، وان كانت تدق عن إدراك وهمي ، لا أقول هي السحر الحلال ، والماء الزلال ، والرياض الأريضة ، واللثائم المفضوضة ، بل روح الحياة المحبوبة ، ونيل الأماني المطلوبة، تحليت من نظمها بالعقود ، واحتلبت من زقها ماء العنقود، وعودت فضلاً ذلّل عاصيها، وملك أزمّتها ونواصيها، وإِن زماناً سمح بمثله لغير منسوب إلى بخل، وان عاق عن الفوز بنظره عوائق الزمان ، وغيّبني من الاستعداد بمفاكهته شقوة الحرمان ، فلساني خطيب بالثناء عليه ، وقلبي حيث كنت مرتهن لديه ، وأنا أهدي إلى حضرته السامية سلاماً أعذب من السلسبيل ، وارقً من النسيم العليل، وأصفى من الرحيق ، وأذكى من المسك الفتيق ، وأسأله أن يتحفني بذكر خدمه وأداته ، ويحليني بما حضره من درر ذاته ، لأستضيء بنور شعاعه ، وافتخر بروايته وسماعه، ومولاي الرئيس الأجل - أدام الله علوه - يوضح بتصديق أملي ، والصفح عن زللي ، لا زال منعماً إن شاء الله تعالى . فكتب أبو الفضل إليه جواباً هذه نسخته : أنا من ألفاظ حضرته بين السور العاصم وسوار المعاصم، اذ خر ذا أشرف للباس ، وأفخر بالشرف من اللباس ، سور ضرب له باب بين أهل الرحمة وأهل العذاب ، وسوار اختلت عندها الألباب ، وتحلت بها الأحباب ، وهلاّ زدت هاء فازددت بها بهاء ، فقلت بين سورة فضلها لا يكذب ، وصورة ترى كل ملك دونها يتذبذب ، ولما نبهني من رقدة الذهول ، وتيّهني عن وهدة الخمول ، رفعتني النباهة ، ونفعتني الانتباهة ، ٤٦٢ فكتبت يدي عجلاً وقلتُ - جُعلتُ فداه - مرتجلاً: كتاب فضضتُ الختمَ عند وصوله عن الفرقد العلويِّ لا أم فرقد أديرت على شدو الغريض ومعبد فملت كأنّي قد ثملت بقهوةٍ وكتب أسامة المذكور من إربل إلى أخيه أبي الحسن - الآتي ذكره إن شاء الله - صدرَ كتاب : وإِن امرءاً أضحى بإربل دارُه وفي شيزر أحبابه وشجونه لغير ملوم في الحنين إليهمُ ومعذورةٌ أن تستهلَّ جفونه وقال وهو بمصر : فضائلي بين بدو الناس والحضر إِن کنتُ في مصرَ مجهولاً وقد شهرت إِذا اختفى نورها عن غير ذي بصر فما على الشمس من عارٍ تُعاب به ( آيا صوفيا : ٥٠ ب - ٥١ ب ) الاسعد بن مماتي ( الترجمة رقم : ٩١، ص : ٢١٣ ، س : ١٩، بعد قوله : وهي فم ) وكان ابن مكنسة ينادمه ، فاتفق أن سرقت نعله فى بعض الليالي ، وكانت حمراء ، فكتب إليه : لالكتي أثمن من عمتي وهمتي أكبر من قدرتي من جهة المريخ قد قُدَّتِ كأنها في قدمي شعلة أعز من رأسي ومن قمتي وزنتها[ عندي] ورب العلى ومن نداه أسبغت نعمتي وأنت يا مولاي يا من به من بعد هذا سرقت لحيتي متى تغافلت على أخذما ٤٦٣ ... - فضحك من الأبيات وأنفذ له عشرين ديناراً وعشرين طاق أدم واستخدم للمجلس فراشاً بثلاثة دنانير في الشهر وجراية كل يوم لحفظ نعال الندماء . ( آيا صوفيا : ٥٤ ب ) المزني صاحب الشافعي ( الترجمة رقم : ٩٣، ص : ٢١٨، س: ١٢، بعد قوله : خمس وعشرين درجة ) وسئل عن الموت فقال : هو فزع الأغنياء وشهوة الفقراء . وكان يقول : من التمس من الاخوان الرخصة عند المشورة ، ومن الأطباء عند المرض ، ومن الفقهاء عند الشبهة ، فقد أخطأ الرأي وازداد مرضاً وحمل الوزر . ومناقبه كثيرة . ( آيا صوفيا : ٥٥ ب) الصاحب بن عباد (الترجمة رقم: ٩٦، ص: ٢٣٠، س: ٣، بعد قوله: ردت إِلينا) ووقَّع في رقعة من يعتذر من ترك حضوره لخوف الثقل على حضرته فقال : متى يثقل الجفن على العين ؟ .. وله جواب كتاب : وصل كتاب مولاي ، فكانت فاتحته أحسن من كتاب الفتح، وواسطته أنفس من واسطة العقد ، وخاتمته أشرف من خاتم الملك . ( آيا صوفيا : ٥٨ أ ، ٥٩ ب) ٤٦٤ الصاحب بن عباد ( الترجمة رقم: ٩٦، ص: ٢٣٢، س : ١٢، بعد قوله : حتى المعاد معاد) ورثاه أيضاً أبو القاسم غانم بن محمد الأصبهاني بقوله : ما متَّ وحدك بل كل الذي ولدت حواء طرّاً بل الدنيا بل الدين تبكي عليك العطايا والصلات كما بكت عليك الرعايا والسلاطين قام السعاة وكان الخوف أقعدهم واستيقظوا بعدما متَّ الملاعين لا يعجب الناس منهم إن هم انتشروا مضى سليمان فانحلَّ الشياطين ( آيا صوفيا : ٥٩ ب ) المنصور العبيدي ( الترجمة رقم : ٩٨، ص: ٢٣٦، س : ١٤، بعد قوله: رحمه الله تعالى ) تتألف هذه الزيادة من رواية طويلة منقولة عن ابن بسام ( الذخيرة ١/٤ : ٩) خلط فيها كاتبها بين المنصور بن أبي عامر والمنصور العبيدي، ولذلك لم نرَ وجهاً لنقل نصها هنا . ( آيا صوفيا: ٦٠ ب - ٦١ أ) أبو الصلت الاندلسي ( الترجمة رقم : ١٠٤، ص : ٢٤٤، س : ٧، بعد قوله: فوقهنّ تغرّد) وله أيضاً ، أعني أمية المذكور : تلاقت الاضداد في جسمه على اتفاق بينها واصطلاح ٣٠ - ١ ٤٦٥ أو ثبت الخلخال حال الوشاح إِن لان عطفاه قسا قلبه وله في الشمعة : وناحلةٍ صفراء لم تدر ما الهوى فتبكي لهجر أو لطول بعاد حكتني نحولاً واصفراراً وحرقة وفيض دموع واتصال سهاد وله أيضاً : تجري الامور على قدر القضاء وفي طيّ الحوادث محبوبٌ ومكروه فربّما سرّني ما بتُّ أحذره وربما ساءني ما بتُّ أرجوه ( آيا صوفيا : ٦٣ ب ) القاضي اياس (الترجمة رقم : ١٠٥، ص: ٢٤٩، س: ٢٣، بعد قوله: وكان له في ذلك غرائب) وقال حبيب : سمعت إياس بن معاوية يقول : ما كلمت أحداً من أصحاب الاهواء بعقلي كله إلا القدرية ، فاني قلت لهم : ما الظلم بينكم ؟ قالوا : ان يأخذ الإنسان ما ليس له ، فقلت لهم : فإن الله عز وجل كل شيء . واستودع رجل رجلاً من أمناء إياس مالاً وخرج المستودع إلى مكة ، فلما رجع طلبه فجحده ، وأتى إِياساً فأخبره ، فقال له إياس : أعَلِمَ بك أنك أتيتني ؟ قال : لا ، قال : فنازعته عند أحد ؟ قال : لا، لم يعلم بهذا أحد ، قال : فانصرف واكتم أمرك ثم عد إليّ بعد يومين . فمضى الرجل ، فدعا إِياس أمينه ذلك وقال : قد اجتمع عندي مال كثير أريد أن أسامه إليك ، أفحصينٌ منزلك ؟ قال : نعم ، قال : فأعدّ موضعاً للمال وقوماً يحملونه . وعاد الرجل إلى إياس فقال له : انطلق إلى صاحبك فاطلب مالك فإن أعطاك فذاك وإن جحدك فقل له : إني أخبر القاضي . فأتى الرجل صاحبه فقال : مالي وإلا أتيت القاضي وشكوت إليه حالي وأخبرته بأمري ، فدفع إليه ماله ، فرجع ٤٦٦ الرجل إلى إياس فقال: قد أعطاني المال ، وجاء الأمين إلى إياس لوعده فزبره وانتهره وقال : لا تقربني يا خائن . وحدث المدائني عن أبي محمد القرشي قال : استودع رجل رجلاً مالاً ثم طلبه فجحده ، فخاصمه إلى إياس فقال الطالب : إِني دفعت إِليه المال ، قال : ومن حضرك ؟ قال : دفعته إليه في مكان كذا وكذا ولم يحضرنا أحد ، قال : فأي شيء كان في ذلك الموضع؟ قال : شجرة، قال : فانطلق إلى ذلك الموضع وانظر إلى الشجرة فلعل الله تعالى يوضح لك هناك ما يبين به حقك لعلك دفنت مالك عند الشجرة ونسيت فتذكر إذا رأيت الشجرة . فمضى الرجل وقال إياس للمطلوب : اجلس حتى يرجع خصمك ، فجلس وإياس يقضي بين الناس وينظر إليه ساعة ؛ ثم قال : يا هذا ، أترى صاحبك بلغ موضع الشجرة التي ذكر ؟ قال : لا ، قال : يا عدو الله ، إِنك لخائن ! قال : أقلني أقالك الله ، فأمر من يحتفظ به حتى جاء الرجل فقال له إياس : قد أقر بحقك فخذه منه . وصحب إِياس رجلاً في سفر، فلما أراد أن [يفارقه]١ قال له الرجل : أخبرني عن عيوبي ، قال : سل غيري ، فإني كنت أراك بعين الرضى ، يشير إلى قول القائل : وعين الرضى عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا ( آيا صوفيا : ٦٤ ب ) بشار بن برد ( الترجمة رقم: ١١٣، ص : ٢٧٢، س: ٢٢، بعد الرقم (٣١)*) قال محمد بن الحجاج : كنا مع بشار [فجاءه] رجل فسأله عن منزل رجل ذكره له ، فجعل بشار يُفهمه ولا يفهم ، فأخذه بيده وقام يقوده إلى منزل الرجل وهو يقول : ١ زيادة لا بد من مثلها ليستقيم المعنى . ٤٦٧ 3 أعمى يقودُ بصيراً لا أبا لكمُ قد ضلَّ من كانتِ العميان تهديهِ حتى صار إلى منزل الرجل ، ثم قال له : هذا منزله يا أعمى . ولما سمع بشار قول العباس بن الأحنف : دوني وعَذّبني الظلام الراكد لما رأيت الليل سدً طريقه أعمى تحيّر ما لديه قائد والنجم في كبد السماء كأنه قال : قاتل الله هذا الغلام ، ما رضي إِذ جعله أعمى حتى جعله بلا قائد ! ومن شعره ، أعني بشاراً : أقول وليلتي تزداد طولاً أما للّيلِ عندكمُ نهارُ كأنّ جفونها عنها قصارٌ جفت عيني عن التغمیض حتى ( آيا صوفيا : ٧١ ب - ٧٢ أ) بشر الحافي (الترجمة رقم : ١١٤، ص : ٢٧٦ ، س: ٩ ، بعد قوله : بمرو، رحمه الله تعالى) قال أبو بكر الباقلاني : سمعت أبي يقول : سمعت بشر بن الحارث ونحن معه بباب حرب ، وأراد الدخول إلى المقبرة فقال : الموتى داخل السور أكثر منهم خارج السور .... وكان يقول: إذا أعجبك الكلام فاصمت ، وإذا أعجبك الصمت فتكلم ، وإذا هممت بغلاء السعر فاذكر الموت فإنه يذهب عنك همُّ الغلاء . ( آيا صوفيا : ٧٢ ب ) ٤٦٨ بشر المريسي (الترجمة رقم : ١١٥، ص: ٢٧٧ ، س : ١٧، بعد قوله: وغيرهم رحمهم الله تعالى) وكان صحب مجوسيّاً في سفر فقال له بشر : أسلم ، قال المجوسي : حتى يريد الله ، قال: قد أراد الله ذلك وشاءه ولكن الشيطان ليس يدعك ، قال المجوسي : فأنا مع أقواهما ، فقطعه وأفحمه . ( آيا صوفيا : ٧٣ أ ) تقية الصورية ( الترجمة رقم : ١٢٣، ص : ٢٩٨ ، س : ٩، بعد قوله: إلى مقام كريم ) ولها من قصيدة في الحافظ المذكور : أعوامنا قد أشرقت أيامها وعلا على ظهر السماك خيامها لما بكى فرحاً عليه غمامها ترنو فيفهم ما يقول خزامها خالات مسك حاكها رقّامها أسفاً على مهجٍ يزيد غرامها خرطت عقيقاً والنضار مدامها غيداء يثنى قدها وقوامها في موكب منشورة أعلامها فينمّ عن طيبٍ بها نمّامها وتنبّهت" بعد الكرى نوّامها لما تجرّد للقريض حسامها والروض مبتسم بنور أقاحه والنرجس الغض الذي أحداقه وشقائق النعمان في وجناته وبنفسج لبس الحداد لحزنه والجلنار على الغصون کاکؤس. وغصون آس شبهته عيوننا وكأنما زهر الرياض عساكرٌ يبدي نسيم الصبح سرّ عبيرها يا صاحِ قُمْ لسعادة قد أقبلت* واجمع خواطرنا لنجلو فكرها مدح الإمام على الأنام فريضة فخر الأئمة شيخها وإِمامُها ( آيا صوفيا : ٧٧ أ) ٤٦٩ تميم بن المعز الفاطمي (الترجمة رقم: ١٢٥، ص : ٣٠٣، س: ٦، بعد قوله: عارضهما بالبيتين الأولين) وأورد له علي بن سعيد في المرقص : أطلع الحسن من جبينك شمساً فوق وردٍ من وجنتيك أطلاً فكأنّ العذار خاف على الور د جفافاً فمد بالشعر ظلاً وأورد له أيضاً : كأنّ بقايا الليل والصبح طالعٌ بقية لطخ الكحل في الأعين الزرق ( آيا صوفيا : ٧٨ ب ) جوير الشاعر (الترجمة رقم : ١٣٠، ص: ٣٢٢، س: ٣، بعد قوله: أضعف خلق الله أركانا) ودخل جرير على الوليد وعنده عدي بن الرقاع ، فقال الوليد لجرير: أتعرف هذا ؟ قال : لا ، قال : هو ابن الرقاع ، قال جرير : شر الثياب ما كانت فيه الرقاع ، قال : انه من عاملة ، قال : عاملة ناصبة ، قال : ما تريد من رجل يمدح أحياء بني أمية ويرثي موتاهم ؟ والله لئن هجوته لأُركبنه عنقك ، فخرج جرير وابن الرقاع وراءه ، فقال : أيها الناس ، كدت أخرج إليكم وهذا القرد على عنقي . ( آيا صوفيا: ٨١ أ) ٤٧٠ جعفر الصادق ( الترجمة رقم : ١٣١، ص: ٣٢٧، س : ٩، بعد قوله : رضي الله عنهم أجمعين) كان عالماً زاهداً عابداً ، روى عن أبيه وعطاء وعكرمة ، قال محمد بن أبي القاسم عن يحيى بن الفرات قال : قال جعفر بن محمد لسفيان الثوري : لا يتم المعروف إلا بثلاثة : تعجيله وتصغيره وستره . حدث الزبير عن محمد بن يحيى الربعي [قال: ] قال ابن شبرمة : دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد فسلمت عليه ، وكنت له صديقاً ، ثم أقبلت عليه فقلت : أمتع الله بك ، هذا رجل من أهل العراق له فقه وعلم ، فقال جعفر : لعله الذي يقيس الدين برأيه ؟ ثم أقبل عليه فقال له : اتق الله ولا تقس الدين برأيك فان أول من قاس إبليس إذ أمره الله بالسجود لآدم فقال: ﴿أنا خير منه - الآية الكريمة﴾ . ثم قال له : هل تحسن أن تقيس رأسك من جسدك ؟ فقال : لا ، فقال : أخبرني عن الملوحة في العين ، وعن المرارة في الأذن ، وعن الماء في المنخرين ، وعن العذوبة في الفم ، لأي شيء جعل ذلك ؟ قال : لا أدري ، قال له جعفر : إن الله تبارك وعلا خلق العينين فجعلهما شحمتين ، وجعل الملوحة فيهما منّاً على ابن آدم ، ولولا ذلك لذابتا فذهبتا ، وجعل المرارة في الأذنين منّاً منه عليه ، وجعل الماء في المنخرين ليصعد منه النفس وينزل ويجد منه الريح الطيبة من الريح الردية ، وجعل العذوبة في الفم ليجد ابن آدم لذة مطعمه ومشربه . ثم قال لأبي حنيفة : أخبرني عن كلمة أولها شرك وآخرها ايمان ، ما هي ؟ قال: لا أدري، قال : قول الرجل : لا إله إلا الله ، فلو قال: لا إِله ثم أمسك كان مشركاً، فهذه كلمة أولها شرك وآخرها إيمان . ثم قال : ويحك أيهما أعظم عند الله : قتل النفس التي حرم أم الزنا ؟ قال : لا بل قتل النفس ، قال جعفر : إن الله قد رضي وقبل في قتل النفس بشاهدين ولم يقبل في الزنا إِلا أربعة ، فكيف يقوم لك قياس ؟ ثم قال : أيهما أعظم عند الله : الصوم أم الصلاة ؟ قال : الصلاة، قال : فما بال المرأة إِذا حاضت ٤٧١ تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ؟ اتق الله يا عبد الله ولا تقس ، فإنا نقف نحن غداً وأنت ومن خالفنا بين يدي الله عز وجل فنقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الله تعالى ، وتقول أنت وأصحابك : سمعنا ورأينا ، فيفعل بنا وبكم ما يشاء . ( آيا صوفيا : ٨٣ أ - ٨٣ ب) جعفر البرمكي (الترجمتان رقم: ١٣٢ أو ١٣٢ ب، ص: ٣٢٨ و ٣٤٢، إضافات متفرقة) وقال إدريس بن بدر : عرض رجل للرشيد فقال : نصيحة ، فقال لهرثمة : خذ إليك الرجل واسأله عن نصيحته ، فسأله ، فأبى أن يخبره وقال : هي سرّ من أسرار الخليفة ، فأخبره هرثمة فقال له الرشيد : لا يبرح هذا الباب حتى أفرغ له . فلما كان في الهاجرة وانصرف من كان عنده دعا به فقال : أخلني ، فالتفت هارون إلى فتيته فقال : انصرفوا يا فتيان ، فوثبوا وبقي خاقان وحسين على رأسه ، فنظر إليهما الرجل فقال الرشيد : تنحيا عنا، ففعلا ، ثم أقبل [على] الرجل فقال: هات ما عندك، قال : على أن تؤمنني، قال : على أن أؤمنك وأُحسن إليك ، قال : كنت بحلوان في خان من خاناتها، فإذا أنا بيحيى بن عبد الله في دراعة صوف وكساء صوف أخضر غليظ وإذا معه جماعة ينزلون إذا نزل ويرحلون إذا رحل ويكونون منه برصد يوهمون من رآهم أنهم لا يعرفونه وهم أعوانه ومع واحد منهم منشور يأمن به أن تعرض لهم ؛ فقال : تعرف يحيى بن عبد الله ؟ قال : نعم أعرفه قديماً وذلك الذي حقق معرفتي له بالأمس ، قال : فصفه ، قال : مربوع أسمر رقيق البشرة أجلح حسن العينين عظيم البطن ، قال : صدقت هو ذاك ، فما سمعته يقول ؟ قال : ما سمعته يقول شيئاً غير أني رأيته يصلي ورأيت غلاماً من غلمانه أعرفه قديماً جالساً على باب الخان ، فلما فرغ من صلاته أناه بثوب غسيل فألقاه في عنقه ونزع الجبة والصوف فقال له : أحسن الله جزاك وشكر سعيك ، فمن ٤٧٢ أنت ؟ قال : رجل من أفناء هذه الدولة وأصلي من مرو ومولدي ببغداد ، قال : فمنزلك بها ؟ قال : نعم ، فأطرق مليّاً ثم قال : كيف احتمالك لمكروه تمتحن به في طاعتي ؟ قال : أبلغ في ذلك حيث أحب أمير المؤمنين ، قال : كن بمكانك حتى أرجع ، فدخل حجرة كانت خلف ظهره فأخرج كيساً فيه ألفا دينار فقال: خذ هذه ودعني وما أدبر فيك ، فأخذها وضمّ عليه ثيابه ثم قال : يا غلام ، فأجابه خاقان وحسين ، فقال : اصفعوا ابن اللخناء ، فصفعوه نحواً من مائة ، ثم قال : أخرجوه إلى من بقي من الدار وعمامته في عنقه وقولوا : هذا جزاء من يسعى ببطانة أمير المؤمنين وأوليائه ، ففعلوا ذلك وتحدثوا بخبره ، ولم يعلم بحال الرجل أحد ولا بما ألقي إلى الرشيد حتى كان من أمر البرامكة ما كان .... وكان الحسن بن علي بن عيسى يقول : الشره قتل جعفر بن يحيى ، فقيل له: إن الناس يقولون إن ذنبه أمر بعض أخوات الرشيد ، فقال : هذا من رواية الجهال ، من كان يجسر على الرشيد ؟ إِنما كان جعفر من حاز ضياع الدنيا لنفسه ، وكان الرشيد إذا سافر لا يمر بضيعة ولا بستان إِلا قيل : هذا لجعفر ، فما زال ذلك حتى جنى على نفسه بأن وجَّه بعض الطالبيين في يوم نوروز من غير أن يكون قد أمره بقتله ، فاستحل بذلك دمه ؛ وقيل : أرادت البرامكة إظهار الزندقة وإفساد الدولة فقتلهم لذلك .... حدث داود بن الجراح قال : قال لي الفضل بن مروان : كنت أعمل في أبواب ضياع الرشيد الحساب ، فنظمت في حساب السنة التي نكب فيها البرامكة فوجدت ثمن هدية دفعتين من مال الرشيد أهداهما إلى جعفر بن يحيى بضعة عشر ألف دينار ، وفيه بعد شهور من هذه السنة ثمن نفط وقطن برسم حرق جثة جعفر درهم ونصف .... وكان جعفر طويل العنق ؛ حكي أن الرشيد قام من مجلسه يريد الدخول إلى بعض حجره ، وأن جعفراً أسرع فرفع له الستر ، وان الرشيد تأمل عنقه فقال له : ما تتأمل مني يا أمير المؤمنين ؟ فقال : حسن عنقك ، فقال : لا والله ما تأملت مني إلا موضع سيفك منها ، فقال له : أعيذك بالله من هذا ٤٧٣ القول ، واعتنقه وقبَّله ؛ فلما قتله بعد ذلك قال الفضل بن الربيع : قاتل الله جعفراً، وذكر هذا الخبر وقال: والله ما تأملت عنقه إِلا لموضع السيف منها . ولما عزم جعفر على بناء قصره شاور أباه يحيى بن خالد فيه فقال : هو قميصك إن شئت فوسعه وإن شئت فضيقه . وأتاه وهو يبني داره هذه ، وإذا الصناع يبيضون حيطانها فقال : إنك تغطي الذهب بالفضة ، فقال له جعفر : ليس في كل أوان يكون ظهور الذهب أصلح ، ولكن هل ترى عيباً ؟ قال : نعم ، مخالطتها دور السفل والسوقة .... وقال إسحاق بن سعد القطربلي : أخبرني أبو حفص عمر بن فرج قال : انصرفت مع عمرو بن مسعدة يوماً من الشماسية والمأمون بها في زلال لعمرو بن مسعدة ، فلما صرنا بإزاء قصر جعفر بن يحيى قال عمرو : يا أبا حفص ، سرت أنا وجعفر يوماً كمسيرنا هذا ، فلما نظر إلى البناء قال لي : يا أبا الفضل إني لأعلم أن هذا ليس من بناء مثلي ولكن قلت إن بقي فهو قصر جعفر ، وإن شره السلطان إِليه في وقت من الأوقات فهو قصر جعفر، وان مضت عليه الأيام فإنما يقال : قصر جعفر ، ويبقى لي اسمه وذكره ، وربما مر عليه بعض من لنا عنده معروف فترحم علينا . ثم قال عمرو : فوالله لكأن جعفراً كان ينظر إِلى ما آلت إليه الحال فيه . ولما مضت ثلاثة أيام من قتل الرشيد جعفراً ، قال الرشيد لمسرور : ما كان جعفر يصنع لما أخذته ؟ قال : كان يلعب بالشطرنج ويشرب وعنده جبريل ابن بختيشوع الطبيب ، قال : فما قال حين مسه حد السيف ؟ قال : سمعته يقول : أهون بها من قتلة ولا سيما إذا كانت في طاعة الله ، فقال الرشيد : ويلي على ابن الفاعلة، أراد أن يوهم أني قتلته في هوى نفسي ، لا بل في طاعة الله .... واختصم إِليه رجلان فقال لأحدهما : أنت خلي وهذا شجي ، فجوابك يجري على برد العافية وجوابه يجري على حر المصيبة . ورفع رجل إلى جعفر رقعة ذكر فيها قصده إياه بأمل طويل ورجاء فسيح، فوقَّع على ظهرها : هذا يمت بحرمة الأمل وهي أقرب الوسائل وأثبت الوصائل، فليعجل له من ذلك عشرون ألف درهم ، وليمتحن ببعض الكفاية ، فان ٤٧٤ وجدت عنده فقد ضم إلى حقه حقّاً وإلى حرمته حرمة ، وإِن قصر عن ذلك فعلينا معوله وإلينا موثله وفي مالنا سعة له . ورفع رجل إليه يسأله الاستعانة، وكان يعرفه ويخبره، فوقَّع على ظهر رقعته: قد رأيناك فما أعجبتنا وبلوناك فلم نرضَ الخبر ووقَّع على رقعة لمحبوس : ان العدوان أوبقه والتوبة تطلقه .... ولما ولي جعفر بن يحيى خراسان ، دخل عليه أشجع السلمي فأنشده وذكر خروجه : أتصبر يا قلب أم تجزع فان الديار غداً بلقع إلى أن بلغ فيها : ولا يصنعون كما يصنع تريد الملوك مدى جعفر وهم يجمعون ولا يجمع وكيف ينالون غاياته ولكنّ معروفه أوسع وليس بأوسعهم في الغنى وكان يقول : من تسبب إلينا بشفاعة في عمل فقد حلّ عندنا محل من نهض بغيره ، ومن لم ينهض بنفسه لم يكن للعمل أهلً .... [ووقع] في قصة محبوس : لكل أجل كتاب . ( آيا صوفيا : ٨٤ ب - ٨٨ ب ) جعفر بن حنزابة (الترجمة رقم : ١٣٣، ص: ٣٤٨، س : ٢٤، بعد قوله : بلا كدر) ومما يناسب هذه الواقعة أن قتيبة بن مسلم لما ولي خراسان صعد المنبر فسقط القضيب من يده ، فكره ذلك وتشاءم به ، فقام إليه رجل فقال : ليس كما ذهب الأمير ولكن كما قال الشاعر : بالإياب المسافر كما قرّ عننا فألقت عصاها واستقرت بها النوى ٤٧٥ المتوكل على الله ( الترجمة رقم : ١٣٤، ص: ٣٥٠، س: ٦، بعد قوله: سنة ٢٣٢) وكان سبب البيعة انه لما توفي الواثق حضر الدار أحمد بن أبي دواد وايتاخ ووصيف ومحمد بن عبد الملك الزيات وعزموا على البيعة لمحمد بن الواثق ؛ فأحضروه وهو غلام أمرد قصير ، فألبسوه درّاعة سوداء وقلنسوة رصافية ، فإِذا هو قصير ، فقال لهم وصيف : أما تتقون الله ؟ تولون مثل هذا الخلافة وهو لا تجوز معه الصلاة - يعني لصغره - . فتناظروا فيمن يولونها ، فذكر أحمد بن أبي دواد جعفراً أخا الواثق ، فأحضروه ، فقام أحمد فألبسه الطويلة وعمَّمه وقبّله بين عينيه وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؟ وأراد ابن الزيات أن يلقبه المنتصر فقال أحمد بن أبي دواد : قد رأيت لقباً أرجو أن يكون موافقاً وهو المتوكل على الله ، فأمر بإمضائه وكتب به إلى الآفاق ؛ وقيل : بل رأى المتوكل في منامه قبل أن يستخلف كأن سكراً ينزل عليه من السماء مكتوب عليه (( المتوكل على الله))، فقصها على أصحابه فقالوا: هي والله الخلافة ، فبلغ ذلك الواثق فحبسه وضيّق عليه .... ويقال انه كان يغلو في بغض علي ، رضوان الله عليه . ( آيا صوفيا : ٨٩ ب) المتوكل على الله (الترجمة رقم: ١٣٤، ص : ٣٥٦، س: ٢٣، بعد قوله : رحمها الله تعالى) واصطبح المتوكل يوماً فأمر بإحضار الحسين الخليع، وكان قد كبر وضعف، فحمل إليه في محفة حتى وضع بين يديه ، فسلم بالخلافة ، وعلى رأس المتوكل شفيع يرفل في قَراطقَ حُمرٍ ممنطق بمنطقة ذهب وفي يده قهوة حمراء يتلألأً نورها وبين يديه طبقان مرصعان بورد أحمر وأبيض ؛ فأمر شفيعاً أن يناول ٤٧٦ الحسين رطلاً ويحييه بوردة ويلاعبه ، فناوله شفيع رطلاً فشربه ، ثم حياه بوردة وقرص يده فقال : من الورد يسعى في قراطق كالورد وكالوردة الحمراء حيّا بأحمرٍ بعينيه تستدعي الخليَّ إِلى الوجدِ له عَبَئاتٌ عندَ كلِّ تحيةٍ من الدهرِ إلا من حبيبٍ على وعدٍ سقى اللهُ دهراً لم [أبت"] فيه ليلة فضحك المتوكل وطرب وقال : أحسنت والله يا حسين ، سل ما شئت ، فقال: يأذن أمير المؤمنين في الانصراف ، قال : حدثني بحديث في الورد يكون مختصراً ، قال : نعم يا أمير المؤمنين؛ بلغني أن الورد فيما مضى من سالف الدهر كان كله أبيض ، وأن قضيبي ورد تعاشقا ، فغمز أحدهما صاحبه فاحمر المغموز خجلاً ، فمنه حمرة الورد إلى هذه الغاية ؛ فضحك المتوكل حتى استلقى ، وأمر بحمله إلى منزله ، وحُملتْ معه أربعة آلاف دينار . ورمى المتوكل عصفوراً فأخطأه ، فقال ابن حمدون : أحسنت يا أمير المؤمنين، قال : أتهزأ بي ؟ كيف أحسنت ؟ قال : إِلى العصفور يا مولاي ، قال : لقد دققت النظر . وقال المتوكل لزنام الزامر : تأهب للخروج معي إلى دمشق ، فقال : يا أمير المؤمنين ، الناي في كمي والريح في فمي . قال عبد الأعلى بن عباد النرسي : دخلت على المتوكل فقربني وألزمني وقال : قد كنا هممنا لك بمعروف فتدافعت الأيام ، فقلت : أحسن الله جزاء أمير المؤمنين على حسن نيته وكرم طويته ، أفلا أنشدتك لبعض الشعراء شيئاً في مثل هذا ؟ قال : بلى ، فأنشدته : إِنَّ اهتمامَك بالمعروفِ معروفٌ لأشكرنك معروفاً هممت به فالشيء بالقدر المحتوم مصروفُ ولا ألومك إن لم تمضه قدراً فقال : يا غلام ، دواة وقرطاس ، فكتبهما بيده . ورأى الفتح بن خاقان في لحية المتوكل شيئاً ، فلم يمسّه بيده ولا قال له شيئاً ٤٧٧ لكنه نادى : يا غلام ، مرآة أمير المؤمنين ، فجيء بها ، فقابل بها وجهه حتى أخذ ذلك الشيء بيده . ومن عجائب الظفر ما حكاه الصولي أن المتوكل قال : ركبت إلى دار الواثق أزوره في مرضه الذي مات فيه ، فدخلت الدار وجلست في الدهليز ليؤذن لي، فسمعت بكاء بنياحة تشعر بموته ، فتحسست وإِذا ايتاخ ومحمد بن عبد الملك الزيات يأتمران فيّ، فقال محمد: نقتله في التنور، وقال ايتاخ : بل ندعه في الماء البارد حتى يموت ولا يُرى عليه أثر القتل . فبينا هم كذلك إذ جاء أحمد بن أبي دواد - وكان القاضي يومئذ - فمنعه الخدام الدخول ، فدافعهم حتى دخل ، فجعل يحدثهما بما لا أعقله لما داخلني من الخوف واشتغال القلب بإعمال الحيلة في الهرب والخلاص مما ائتمر به فيّ . فبينا أنا كذلك، إذ خرج الغلمان يتعادون إلي ويقولون : انهض يا مولانا ، فما شككت أن أدخل وأبايع ولد الواثق ويُنَفَّذ فيّ ما قد قرر. فدخلت فلقيني أحمد بن أبي دواد، فقبّل يديّ وأمسكهما إلى أن أتى إلى السرير وقال لي : اصعد إلى المكان الذي أهلك الله له ؛ فلما صعدت وجلست سلّم عليّ بالخلافة ، وجاء محمد بن عبد الملك الزيات وايتاخ فسلما علي أيضاً ، ثم دخل القواد فسلموا ، ثم الناس على طبقاتهم . فلما انقضت المبايعة بقيت متعجباً مما اتفق مع ما سمعته من كلام ابن الزيات وايتاخ ، فسألت عن الحال كيف جرى، فقيل لي: بينا محمد وايتاخ في تقرير ما سمعته ، إِذ دخل عليهما ابن أبي دواد فسلم ثم قال: أنا رسول المسلمين إليكما وهم يقرأون السلام عليكما ويقولون لكما : قد بلغنا وفاة إمامنا وعند الله نحتسبه ، وأنتما المنظور إليكما في هذا الأمر، فمن اخترتما الإمامتنا ؟ فقالا : محمداً ابنه، فقال : بخ بخ، ابن أمير المؤمنين إلا أنه صغير لا يصلح للإمامة ؛ فمن غيره ؟ قالا : فلان وفلان، وعدّا جماعة، إلى أن قالا: وجعفر بن المعتصم، فقال: رضي المسلمون، اصفقا على يدي ، فصفقا ، ثم أرسل إلي ، فكان ما أرى ، قال المتوكل : فبقي ما قاله ابن الزيات وايتاخ في نفسي فقتلتهما بما اعتزما به على قتلي ، فقتلت ابن الزيات في التنور وإيتاخ بالماء البارد . ولما قتل الأتراك المتوكل بمواطأة ابنه المنتصر وأفضى الأمر بعده وبعد ٤٧٨ المستعين إلى المعتزّ ، لم تزل أمه قبيحة تحرضه على الإيقاع بقتلة أبيه ، فكان يمنيها ذلك ويعلم أنه لا يقوى بهم مع شدة شوكتهم ، فأبرزت قبيحة يوماً للمعتز قميص المتوكل الذي قُتل فيه وضُرج بدمهِ وجعلت تبكي وتحرضه على الطلب بدمه ، فقال : يا أمي ، ارفعي وإلا صار القميص قميصين ؛ فعندها أمسكت ولم تُعِدْ. ( آيا صوفيا: ٩٠ أ - ٩١ أ) أبو معشر المنجم (الترجمة رقم: ١٣٦، ص: ٣٥٩، س: ١٥، بعد قوله: غير ذلك من الإصابات) ومما يناسب هذا من فطن المتطببين ما رواه الحسين بن إدريس الحلواني قال: سمعت الإمام محمد بن إدريس الشافعي يقول : ما أفلح سمين قط إلا أن يكون محمد بن الحسن ، قيل له : ولمَ ؟ قال: لأنه لا يعدو العاقل إحدى خصلتين : إما أن يهتم لآخرته ومعاده ، أو لدنياه في معاشه ، والشحم مع الهم لا ينعقد ، فإذا خلا من المعنيين صار في حد البهائم فانعقد الشحم ؛ ثم قال : كان ملك في الزمان الأول وكان مثقلاً كثير الشحم لا ينتفع بنفسه ، فجمع المتطببين وقال : احتالوا لي بجيلة تُخِفُّ عني لحمي هذا قليلاً ؛ قال : فما قدروا له على شيء ؛ قال: فذكر له رجل عاقل أديب متطبب فاره ، فبعث إليه وأشخصه فقال له: عالجني ولك الغنى ، قال : أصلح الله الملك ، أنا طبيب منجم ، دعني حتى أنظر الليلة في طالعك أيّ دواء يوافقه فأسقيك ؛ قال : فغدا عليه فقال : أيها الملك الأمان ، قال : رأيت طالعك يدل على أن عمرك شهر ، فإن اخترتَ عالجتك، وإن أردت بيان ذلك فاحبسني عندك ، فإن كان لقولي حقيقة فخلِّ عني ، وإلا فاستقص مني ؛ قال : فحبسه ؛ قال : ثم رفع الملك الملاهي واحتجب عن الناس وخلا وحده مغتمّاً كلما انسلخ يوم ازداد غمّاً حتى هزل وخف لحمه ، ومضى لذلك ثمانية وعشرون يوماً، فبعث إليه وأخرجه، فقال : ما ترى ؟ قال : أعز الله الملك ، أنا أهون على الله من أن أعلم الغيب ، والله لم أعرف عمري فكيف ٤٧٩ أعرف عمرك ؟ إنه لم يكن عندي دواء إلا الغم ؛ فلم أقدر أجلب إليك الغم إلا بهذه العلة ، فأذاب شحم الكلى ؛ فأجازه وأحسن إليه . ( آيا صوفيا : ٩٢ أ) جميل بثينة (الترجمة رقم: ١٤٢، ص : ٣٦٦، س: ١٨، بعد الرقم (٣٥)*) وقيل إن عائشة بنت طلحة أرسلت إلى كثير فقالت : يا ابن أبي جمعة ، ما الذي يدعوك إلى أن تقول في عزة من الشعر ما قلت وليست من الحسن على ما تصف، ولو شئت صرفت ذلك عنها إلى غيرها ممن هو أولى به منها أنا ومثلي، فإني أشرف وأجمل وأوصل من عزة ، وإِنما أرادت أن تختبره بذلك ، فقال : إذا ما أرادت خلة أن تزيلها أبينا وقلنا الحاجبية أولُ سنوليك عرفاً إن أردت وصالنا ونحن لتلك الحاجبية أوصلُ لها مهل لا يستطاع ادّراكه وسابقة في القلب لا تتحوّلُ فقالت له عائشة : أخطأت استك الحفرة يا أبا صخر ؛ لقد أسميتني خلة وما أنا لك بخلة، وعرضتَ عليّ وصلك وما أريده، ولو أردتَه أنت لكرهتُه أنا ، وإنما أردت أن أبلو ما عندك قولاً وفعلاً فما أفلحت ولا أنجحت ؛ هلاًّ قلتَ كما قال سيدك جميل : ويقلن إنك قد رضيت بباطلٍ منها فهل لك في اجتناب الباطل ولَباطلٌ ممن أحب حديثه أشهى إليّ من البغيض الباذل وقال بعض الرواة : دخلت بثينة وعزة على عبد الملك بن مروان ، فانحرف إلى عزة وقال : أنت عزة كثيّر ؟ قالت : لست لكثير بعزة ولكني أم بكر، قال : أتروين قول كثير : وقد زعمت أني تغيرت بعدها ومن ذا الذي يا عزَّ لا يتغيّر ٤٨٠