Indexed OCR Text

Pages 421-440

قال أبو عبيدة١: لُقِّبَ المرعّث لانه كان في أذنه وهو صغير رعاث -
والرعاث القرطة واحدتها رعثة وجمعها رعاث ، ورعثات الديك اللحم المتدلي
تحت حنكه .
قال محمد بن يزيد العجلي : سمعت الاصمعي يذكر أن بشاراً كان أشد تبرّماً
بالناس ، وكان يقول : الحمد لله الذي أذهب بصري ، فقيل له : ولم ذاك يا أبا
معاذ؟ فقال : لئلا أرى من أبغض . وكان يلبس قميصاً له لبنتان فإذا أراد أن
ينزعه نزعه من أسفله ، وبذلك تسمَّى المرعث .
قال الاصمعي : ولد بشار أعمى فما نظر إلى الدنيا قط ، وكان يشبه الاشياء
في شعره بعضها ببعض فيأتي بما لا يقدر البصراء على أن يأتوا بمثله ، فقيل له يوماً
وقد أنشد قوله :
كأنّ مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبه
ما قيل أحسن من هذا التشبيه ، فمن أين لك هذا ولم تر الدنيا قط ولا
شيئاً فيها ؟ فقال : ان عدم النظر يقوي ذكاء القلب ويقطع عنه الشغل بما ينظر
إليه من الأشياء فيتوفر حسه وتذكو قريحته .
وقال أبو العواذل زكريا بن هارون : قال لي بشار : لي اثنا عشر ألف
قصيدة أنما في كل قصيدة بيت جيد ؟
وحكي عنه أنه قال : هجوت جريراً فأعرض عنّي ولو هجاني لكنتُ
أشعر الناس .
وكان بشار يدين بالرجعة ويكفّر الجميع من الامم ويصوّب رأي إبليس في
تقديم النار على الطين ، وقد ذكر ذلك في شعره حيث يقول :
الأرض مظلمة والنار مشرقة والنار معبودة مذ كانت النار
رأيتُ في بعض الكتب أن عبد الله بن طاهر لما قدم نيسابور صحبه من
١ أكثر هذا من الأغاني ٣ : ١٣٤ وما بعدها .
٤٢١

أولاد المجوس شاب متطبِّبٌ يدَّعي تحقيق الكلام فأظهر مسئلة تحريق النفس
بالنار ، وكان يزعم أن الجسد منتن في حال الحياة فإذا مات فلا حكمة في دفنه
والتسبب إلى زيادة نتنه ، وان الواجب إحراقه واذراء رماده ، فقيل لبعض
الفقهاء : إِن الناس قد افتتنوا بمقالة المجوسي ، فكتب الفقيه إلى عبد الله بن
طاهر أن اجمع بيننا وبين هذا المجوسي نسمع منه ؛ فاجتمعوا بمجلس عبد الله بن
طاهر ، فلما تكلم المجوسي بمقالته تلك قال له الفقيه : أخبرنا عن صبي تداعته
أمه وحاضنته أيهما أولى به ، فقال : الام ، فقال: إِن هذه الارض هي الام
منها خُلق آدم وأولى بأولادها أن ترد إليها ، وأنشد لأمية بن أبي الصلت :
والأرض معقلنا وكانت أمنا فيها مقابرنا ومنها نولد
فأفحم المجوسي وقطعه .
وكان الأصمعي يقول : بشار خاتمة الشعراء والله ولولا أنّ أيامه تأخرت
لفضلته على كثير منهم .
ولقي أبو عمرو ابن العلاء بعض الرواة فقال : يا أبا عمرو من أبدع الناس
بيتاً ؟ فقال : الذي يقول :
لم يطل ليلي ولكن لم أنم . ونفى عني الكرى طيفٌ ألمّ
أنني يا عبدَ من لحم ودم
روّحي عنّي قليلاً واعلمي
لو توكأت عليه لانهدم
[إِن في برديًّ جسماً ناحلاً
ختم الحب لها في عُنُقي موضع الخاتم من أهل الذمم]
قال : فمن أمدح الناس ؟ قال : الذي يقول :
لمستُ بكفي كفّه ابتغي الغنى ولم أدر أن الجودَ من كفه يُعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى أفدت وأعداني ، فأتلفت ما عندي
قال : فمن أهجى الناس ؟ قال : الذي يقول :
رأيت السُّهيلين استوى الجود فيهما على بُعد ذا من ذاك في حكم حاكم
سهيل بن عثمان يجود بماله كما جاد بالوجعا سهيل بن سالم
٤٢٢

قال : ويحك هذه الأبيات كلها لبشار .
وقال محمد بن الحجاج : قلت لبشار : إِني أنشدت فلاناً قولك :
إذا كنت في كل الأمور معاتباً صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
مقارفُ ذنبٍ مرّة ومجانبه
فعش واحداً أو صل أخاك فإِنه
ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى
فقال : ما كنت أظنه إلا لرجل كبير ، فقال لي بشار : ويلك افلا قلت له هو
والله أكبر الإنس والجن؟
وحدث الأصمعي قال : قلت لبشار : يا أبا معاذ، الناس يعجبون من أبياتك
في المشورة، قال : يا أبا سعيد إِن المشاور بين صوابٍ يفوز بثمرته، أو خطٍ
يشارك في مكروهه ، فقلت له : أنت والله في قولك أشعر منك في شعرك .
وقيل لبشار: ما لكم معشر الشعراء لا تكافأون في قدر مديحكم ؟ قال : لأنا
نكذب في العمل فنكذب في الأمل ؛ ومثل هذا قيل لأبي يعقوب الخريمي محمد
ابن منصور بن زياد : شعرك في مديحك أجود من شعرك في مراثيك ، قال :
إن ذلك للرجاء وهذا للوفاء وبينهما بون.
وقيل : كان بشار جالساً في دار المهدي والناس ينتظرون الإذن، فقال بعض
موالي المهدي لمن حضر : ما عندكم في قول الله عز وجل ﴿وأوحى ربك إلى
النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً﴾؟ فقال له بشار: النحل التي تعرفها الناس،
فقال : هيهات يا أبا معاذ ، النحل بنو هاشم وقوله ﴿يخرج من بطونها شراب
مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ﴾ يعني أهل العلم، فقال له بشار: أراني الله شرابك
وطعامك وشفاءك مما يخرج من بطون بني هاشم فقد أوسعت غثائة ، فغضب
وشتم بشاراً ، وبلغ المهديَّ الخبر فدعا بهما وسألهما عن القصة فحدثه بشار بها ،
فضحك حتى أمسك على بطنه ، ثم قال للرجل : فجعل الله طعامك وشرابك
مما يخرج من بطون بني هاشم فإنك بارد غث .
قال : ودخل يزيد بن منصور الحميري على المهدي وبشار بين يديه ينشده
قصيدة امتدحه بها ، فلما فرغ منها أقبل عليه يزيد بن منصور وكان فيه غفلة ،
٤٢٣

فقال : يا شيخ ما صناعتك ؟ قال: أثقب اللؤلؤ، فضحك المهدي ثم قال لبشار :
اعزب ، اتتنادر على خالي؟ فقال : وما أصنع به؟ يرى شيخاً أعمى ينشد الخليفة
شعراً يسأله عن صناعته .
ووقف على بشار بعض المجان وهو ينشد شعراً بسكة فقال له : استر
شعرك كما تستر عورتك ، فصفق بشار بيديه وغضب وقال له : ويلك من
أنت ؟ فقال : أنا أعزك الله رجل من باهلة وأخوالي سلول وأصهاري عك
واسمي كلب ومولدي بأضاخ ومنزلي بنهر بلال ، قال : فضحك بشار وقال :
اذهب ويلك فأنت عتيق لؤمك ، قد علم الله أنك استقرت مني بحصون من
حديد .
ومرّ بشار برجلٍ قد رمته بغلة وهو يقول: الحمد لله شكراً، فقال له: استزده
يزدك . ومرَّ به قوم يحملون جنازة وهم يسرعون المشي بها فقال : ما لهم
مسرعين ؟ أتراهم سرقوها فهم يخافون أن يُلحقوا فتؤخذ منهم ؟
وكان رجل من أهل البصرة ممن كان يتزوّج النهاريّات قال : تزوجت
امرأةً منهن فاجتمعت معها في علو بيت وبشار تحتنا ، أو كنا في سفل وبشار
يعلوه [مع امرأة]، فنهق حمار في الطريق فأجابه حمارٌ في الجيران وحمار في
الدار ، فارتجت الناحية بنهيقهما ، وضرب الحمار الذي في الدار برجله وجعل
يدقها دقاً شديداً فسمعت بشاراً يقول للمرأة : نُفخ يعلم الله في الصور وقامت
القيامة، أما تسمعين كيف يدقّ على أهل القبور حتى يخرجوا منها ؟ قال : ولم
تلبث أن فزعت شاة وكانت في السطح فقطعت حبلها وعدت فألقت طبقاً فيه
غضارة إلى الدار ، فانكسرت ، وتطاير حمامٌ ودجاج كان في الدار لصوت
الغضارة ، وبكى صغير في الدار، فقال بشار: صحّ الخبر يعلم الله ، ازفت
الآزفة وزلزلت الأرض ، فعجبت من كلامه وغاظني ، فسألت : من المتكلّم ؟
فقيل لي : بشار ، فقلت : قد علمت انه لا يتكلم بهذا غير بشار .
وتوفي ابن لبشار فجزع عليه فقيل له : اجرٌ قدمته وفرط أفرطته وذخر
أحرزته ، فقال : ولد دفنته وثكل تعجلته وغيب وعدته وانتظرته ، والله لئن
لم أجزع للنقص لم أفرح بالمزيد ، وقال يرثيه من أبيات :
٤٢٤

عجبت لإسراع المنيّة نحوه وما كان لو ملّته بعجيب
قيل : رفع غلام بشار إليه في حساب نفقته جلاء مرآة عشرة دراهم، فصاح
به بشار وقال : والله ما سمع بأعجب من هذا ، جلاء مرآة اعمى عشرة دراهم،
والله لو صدئت عين الشمس حتى يبقى العالم في ظلمة ما بلغت اجرة من يجلوها
عشرة دراهم .
وحضر بشار باب محمد بن سليمان فقال له الحاجب : اصبر ، فقال : الصبر
لا يكون إلا عن ثلاثة ، فقال الحاجب : إني أظن وراء قولك هذا شرّاً، ولن
أتعرض إليك ، قم فادخل .
وقال هلال بن عطيّة لبشار وكان صديقاً له يمازحه: إن الله عز وجل لم
يُذهب بصر أحد إلا عوضه شيئاً ، فما عوضك ؟ فقال: الطويل العريض، قال:
وما هو ؟ قال : لا أراك ولا أمثالك من الثقلاء ؛ ثم قال : يا هلال أتطيعني في
نصيحةٍ أخصّك بها ؟ قال : نعم ، قال : إنك كنت تسرق الحمير زماناً ، ثم
تبت وصرت رافضياً، فعُدْ إلى سرقة الحمير فهي والله خير لك من الرفض ؛
وكان هلال يُستثقل ، وفيه يقول بشار :
وكيف يخفُ لي بصري وسمعي وحولي عسكران من الثقال
إذا ما شئت صبّحني هلال وأيُّ الناس أثقل من هلال
وقد قيل إن الذي خاطب بشاراً بهذه المخاطبة هو ابن سيابة ، فلما أجابه
بشار قال له : من أنت ؟ قال له : أنا ابن سيابة، قال: يا ابن سيابة ، لو نُكح
الأسد لما افترس ؛ قال : وكان يتهم بالأبنة .
وقالت امرأة لبشار : ما أدري لمَ تهابك الناس مع قبح وجهك ، فقال
بشار : أليس من قبحه يهاب الأسد ؟
وحكى محمود الورّاق : أتينا بشاراً فأذن لنا فدخلنا والمائدة موضوعة بين
يديه فلم يدعنا إلى طعامه ، فلما أكل دعا بطست فكشف عن سوءته وبال ، ثم
حضرت الظهر والعصر والمغرب فلم يصلّ، فدنونا منه وقلنا له : أنت أستاذنا فقد
رأينا منك أشياء نكرهها ، قال : وما هي ؟ قلنا : دخلنا والطعام بين يديك
٤٢٥

فلم تدعنا ، فقال : إِنما أذنت لكم لتأكلوا ولو لم أرد ذاك لما أذنت لكم، قال :
ثم ماذا ؟ قلنا : ودعوت بالطست ونحن حضور قبلت ونحن نراك ، فقال : أنا
مكفوف وأنتم بصراء وأنتم المأمورون بغض الأبصار دوني، قال : مه ثم ماذا؟
قلنا : حضرت الظهر والعصر والمغرب فلم تصلّ، قال: إِن الذي يقبلها تفاريق
يقبلها جملاً .
وحكى أبو أيوب الجرمي قال: قعد إلى جنب بشار رجلٌ فاستثقله فضرط
ضرطة ، فظن الرجل أنها أفلتت ، ثم ضرط أخرى فقال : أفلتت ، ثم ضرط
ثالثة فقال : يا أبا معاذ ما هذا ؟ فقال : مه أرأيت أم سمعت ؟ فقال : لا بل
سمعت صوتاً قبيحاً ، قال : فلا تصدق حتى ترى .
وقيل إِن امرأةً قالت لبشار: أي رجل أنت لو كنت أسود الرأس واللحية،
فقال بشار : أما علمت أن بيض البزاة أثمن من سود الغربان ؟ فقالت : أما
قولك فحسن في السمع، فمن لك بأن يحسن [ شيبك] في العين كما حسن [قولك]
في السمع ؟ فكان بشار يقول : ما أفحمني إلا هذه المرأة .
وقال بعض الشعراء : أتيت بشاراً وبين يديه مائتا دينار فقال لي : خذ
منها ما شئت ، أوَتدري ما سببها ؟ قلت : لا ، قال : جاءني فتَّى فقال:
أنت بشار ؟ قلت : نعم ، فقال لي : كنت آليت على نفسي أن أدفع إليك
مائتي دينار ، وذلك أني عشقت امرأة وجئت إليها وكلمتها فلم تلتفت إلي
فهممت بأن أتركها ثم ذكرت قولك :
قولٌ تغلّظه وإِن جرحا
لا يؤيسنّك من مخبَّأةٍ
عسر النساء إلى مياسرة والصعبُ يمكن بعدما جمحا
فعدت إِليها ولازمت فِناءها ، فلم أرجع حتى بلغت حاجتي .
ولما بلغ المهديَّ هذان البيتان استدعاه فلما قدم عليه استنشده فأنشده إياهما،
وكان المهدي غيوراً، فقال: تلك أُمك يا عاضَ كذا وكذا من أُمّه، تحض النساء
على الفجور وتقذف المحصنات المخبآت ! والله لئن قلت بعد هذا بيتاً واحداً فيه
تشبيب لآتينّ على نفسك ! ولم يحظ بشيء منه فهجاه في قصيدة فقال :
٤٢٦

خليفة يزني بعماته يلعب بالدبّوق والصولجان
أَبدلنا الله به غيره ودسّ موسى في حر الخيزران
وأنشدها في حلقة ابن يونس النحوي فسُعي به إلى يعقوب بن داود وكان
بشار قد هجاه فقال :
بني أُميَّة هُبّوا طال نومكمُ إِنّ الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا خليفة الله بين الناي والعود
فدخل يعقوب على المهدي فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا الأعمى الملحد
الزنديق بشاراً قد هجاك ، قال : بأي شيء ؟ قال : بما لا ينطقُ به لساني ولا
يتوهمه فكري ، فقال : بحياتي أنشدني إياه ، فقال : والله لو خيّرتني بين
إنشادي إياه وضرب عنقي لاخترت ضرب عنقي ، فحلف عليه
المهدي بالأيمان المغلظة التي لا فسحة له فيها أن يخبره ، فقال : أما لفظاً فلا
ولكني أكتب ذلك، فكتبه ودفعه إليه فكاد ينشقُ غيظاً، وعمل على الانحدار
إلى البصرة للنظر في أمرها ، وما وكده غير بشار ، فانحدر ، فلما بلغ البطيحة
سمع أذاناً في ضحى النهار فقال : انظروا ما هذا الأذان ، فإذا بشار سكران
فقال له : يا زنديق يا عاض بظر أمه ، عجبت أن يكون هذا غيرك ، أتلمو
بالأذان في غير وقت صلاة وأنت سكران ؟ ! ثم دعا بأبي نهيك وأمره بضربه
فضربه بين يديه على صدر الحراقة سبعين سوطاً أتلفه فيها ، فكان إِذا أصابه
السوط يقول: حَسْ حَسْ، وهي كلمة تقولها العرب للشيء إِذا أوجع ، فقال
له بعضهم : انظر إلى زندقته يا أمير المؤمنين، يقول حس ولا يقول : بسم الله ،
فقال : ويلك أطعام هو فأسمي عليه ؟ قال له آخر: أفلا قلت : الحمد لله؟ قال:
أوَ هي نعمة فأحمد الله عليها ؟ إنما هي بليّة أسترجع منها ؛ فلما ضربه سبعين
سوطاً بان الموت فيه ، فألقي في سفينة ، فقال : ليت عين أبي الشمقمق تراني
حيث يقول :
إِن بشار بن برد تيس اعمى في سفينه
٤٢٧

ولما مات أُلقيت جُثَّتُه في البطيحة في موضع يُعرف بالجرار فحمله الماء
فأخرجه إلى دجلة ، فجاء بعض أهله فحملوه إلى البصرة لدفنه ؛ قال النوفلي :
فأخرجت جنازته فيما تبعه أحد إلا جارية سوداء سنديّة عجماء رأيتها خلف .
جنازته تصيح: واسيّداه، ما تفصح ؛ ولما نعي لأهل البصرة تباشر عامتهم وهنا
بعضهم بعضاً ، وحمدوا الله وتصدّقوا لما كانوا قد بُلوا به من لسانه.
وقيل : كان سبب قتل بشار أن صالح بن داود لما ولي أخوه يعقوب بن داود
وزير المهدي البصرة قال يهجوه :
همُ حملوا فوق المنابر صالحاً أخاك فضجّت من أخيك المنابر
فبلغ ذلك يعقوب بن داود فسعى فيه بما تقدّم . وكانت وفاته وقد ناهز
تسعين سنة، ودفن بالبصرة في سنة سبع وقيل ثمان وستين ومائة، رحمه الله تعالى.
(٣٢) *
(ترجمة ذي النون المصري، رقم : ١٢٩، ص : ٣١٦، س: ٨)
وكان يعرف اسم الله الأعظم ؛ قال يوسف بن الحسين : قيل لي إن ذا النون
يعرف اسم الله الأعظم ، فدخلت مصر وخدمته سنة ثم قلت : يا أستاذ إني قد
خدمتك وقد وجب حقي عليك ، وقيل لي إنك تعرف اسم الله الأعظم ، وقد
عرفتني ولا تجد له موضعاً مثلي فأحبّ أن تعلمني إياه ؛ قال : فسكت عني
ذو النون ولم يجبني وكأنه أومأ إلى أنه يختبرني ؛ قال : فتركني بعد ذلك ستة
أشهر ثم أخرج إليّ من بيته طبقاً ومكبة مشدوداً في منديل ، وكان ذو النون
يسكن الجيزة ، فقال : تعرف فلاناً صديقنا من الفسطاط ؟ فقلت : نعم ، قال:
وأحب أن تؤدي هذا إليه . قال : فأخذت الطبق وهو مشدود وجعلت أمشي
طول الطريق وأنا مفكر فيه : مثل ذي النون يوجه إلى فلان هدية ؟ ترى أي
شيء هي ؟ فلم أصبر إلى أن بلغت الجسر ، فحللتُ المنديل ورفعت المكبة ،
فإذا فأرة قفزت من الطبق ومرَّت ؛ قال : فاغتظت غيظاً شديداً وقلت :
٤٢٨

ذو النون يسخر بي ويوجّه مع مثلي فأرة ! فرجعت على ذلك الغيظ ، فلما رآني
عرف ما في وجهي ، فقال : يا أحمق إنما جربناك ، ائتمنتك على فأرة فخنتني
افأنتمنك على اسم الله الأعظم ؟ مرّ عني فلا أراك أبدا١ً.
وكان المتوكل قد أمر بإشخاصه سنة خمس وأربعين ومائتين فوصل إلى سر
من رأى ، فأنزله الخليفة في بعض الدور وأوصى به رجلاً يُعرف بزرافة، وقال:
إذا أنا رجعت من ركوبي فأخرج إليّ هذا الرجل ، فقال له زرافة : إِن أمير
المؤمنين قد أوصاني بك ؛ فلما رجع من الغد قال له : تستقبل أمير المؤمنين
بالسلام ، فلما أخرجه إليه قال : سلّم على أمير المؤمنين ، فقال ذو النون :
ليس هكذا جاءنا الخبر ، إن الراكب يسلم على الراجل ، قال : فتبسم الخليفة
وبدأه بالسلام ونزل إليه فقال له : أنت زاهد مصر ، قال : كذا يقولون ،
ثم وعظه ، وأكرمه الخليفة وردَّه إلى مصر مكرماً .
(٣٣)*
(ترجمة جرير الشاعر، رقم : ١٣٠، ص : ٣٢٢، س : ٨)٢
حكى عقال بن شبة قال : كنت رديف أبي ، فلقيه جرير على بغل فحيّاه
أبي وألطفه فقلت له : أبعد ما قال لنا ما قال ؟! [قال]: يا بنيَّ أفأ وسّع
جرحي ؟
وحدَّث أبو الخطاب عن أبيه عن بلال بن جرير قال : قلت لأبي : ما
هجوتَ قوماً إلا أفسدتهم سوى التيم، قال: إني لم أجد حسباً فأضعه ولا بناء
فأهدمه .
وحكى حماد عن أبيه عن إسحاق بن يحيى بن طلحة قال : قدم علينا جرير
المدينة فحشدنا له ، فبينا نحن عنده ذات يوم إذ قام لحاجته وجاء الأحوص
فقال : أين هذا ؟ قلنا : قام آنفاً ، ما تريد منه ؟ قال : أخزيه، والله إن
١ وردت هذه الحكاية في نسخة آيا صوفيا: ٨٠ ب أيضاً.
٢ اشتركت نسخة ف مع نسخة د في هذه الزيادة مع بعض الاختلاف في النص .
٤٢٩

الفرزدق لأشعر منه وأشرف ، قلنا له : لا ترد ذلك ، فلم يلبث أن جاء جرير
فقال له الأحوص : السلام عليك ، قال : وعليك السلام ، قال : يا ابن الخطفى ،
الفرزدق أشعر منك وأشرف ، فأقبل جرير علينا فقال : من الرجل ؟ قلنا :
الأحوص بن محمد بن عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح الأنصاري ، قال : هذا الخبيث
ابن الطيب ، ثم أقبل عليه فقال : قد قلت :
يقرّ بعيني ما يقرّ بعينها وأحسن شيء ما به العينُ قرَّت
فانه يقرّ بعينها أن يدخل فيها مثل ذراع البكر ، أفيقر ذلك بعينك ؟ قال :
وكان الأحوص يرمى بالأبنة ، فانصرف وأرسل إليه بتمرٍ وفاكهةٍ ؛ وأقبلنا
نسأل جريراً وهو في مؤخر البيت وأشعب عند الباب فأقبل أشعب يسأله ،
فقال له جرير : والله إنك لأقبحهم وجهاً ولكني أراك أطولهم حسباً وقد
أبرمتني ، قال : أنا والله أنفعهم لك ، فانتبه جرير وقال : وكيف ؟ قال :
لأني أملّح شعرك ، واندفع يغنيه قوله :
يا أم ناجية السلام عليكمُ قبل الرحيل وقبل لوم العُذَّلِ
لو كنت أعلم أن آخر عهدكم يوم الرحيل فعلتُ ما لم أفعَلٍ
قال : فأدناه جرير حتى ألصق ركبتَهُ بركبته وجعله أقربنا منه ثم قال :
أجل والله إنك أنفعهم لي وأحسنهم ترتيباً لشعري ، فأعاده عليه ، وجریر یبکي
حتى اخضلت لحيته بالدموع ، ثم وهب لأشعب دراهم كانت معه، وكساه حُلّةًّ
من حلل الملوك ، وكان يرسل إليه طول مقامه بالمدينة فيغنيه أشعب ، ويعطيه
جرير شعره فيغني فيه .
وحكى١ الهيثم بن عدي عن عوانة بن الحكم قال: لما استخلف عمر بن
عبد العزيز رضي الله عنه وفَد الشعراء إِليه وأقاموا ببابه أياماً لا يؤذن لهم ،
فبينا هم كذلك وقد ازمعوا على الرحيل إِذ مرّ بهم رجاء بن حيوة - وكان
١ ورد هذا الخبر كاملاً في نسخة آيا صوفيا ٨١ ب - ٨٢ ب أيضاً مع بعض الاختلاف في النص
عن نسختي دوف .
٤٣٠

خطيباً من أهل الشام - فلما رآه جرير داخلاً على عمر أنشأ يقول :
يا أيها الرجل المرخي عمامته هذا زمانك فاستأذن لنا عمرا
قال : فدخل فلم يذكر من أمرهم شيئاً ؛ قال : ومرّ بهم بعده عون بن
عبد الله بن عتبة بن مسعود١ فقال له جرير :
يا أيها الرجل المرخي مطيّته هذا زمانك إني قد مضى زمني
إني لدى الباب كالمصفود في قرن
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه
لا تنسَ حاجتنا لُقِيتَ مغفرة قد طال مكثيَ عن أهلي وعن وطني
قال : فدخل عون٢ على عمر فقال: يا أمير المؤمنين ، الشعراء ببابك
وسهامهم مسمومة وأقوالهم نافذة، قال: ويحك يا عون٣ ، ما لي والشعراء ؟
قال: أعز الله أمير المؤمنين، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد امتدح فأعطى
وفي ذلك أسوة ، قال : وكيف ذلك ؟ قال: امتدحه العباس بن مرداس السلمي
فأمر له بحلة فقطع بها لسانه ، قال : وهل تروي من قوله شيئاً ؟ قال : نعم ،
وأنشده :
نشرت كتاباً جاء بالحق معلما
رأيتك يا خير البرية كلها
عن الحقِّ لما أصبح الحق مظلما
شرعت لنا فيه الهدى بعد جورنا
وأطفأتَ بالقرآن ناراً تضرّما
ونوَّرتَ بالبرهان أمراً مدنّاً
وكل امرىء يجزى بما قد تكلما
فمن مبلغٌ عني النبيَّ محمداً
وكانت قديماً ركنها قد تهدّما
أقمتَ سبيل الحقِّ بعد اعوجاجها
وكان مكان الله أعلى وأعظما
تعالى علوّاً فوق عرش إلهنا
قال : ويحك يا عون٤ ، من بالباب منهم ؟ قال: عمر بن عبد الله بن أبي
١ كذا أيضاً في الأغاني ٨: ٤٥ وفي نسختي ف وآيا صوفيا : عدي بن أرطاة.
٢ ف وآيا صوفيا : عدي.
٣ ف وآيا صوفيا : يا عدي .
٤ ف وآيا صوفيا : يا عدي .
٤٣١

ربيعة المخزومي ، قال : أوَليس الذي يقول :
ثم نبّهتُها فهيَّتْ كعاباً طفلةً ما تبين رجعَ الكلام
ويلتا قد عجلت يا ابن الكرام
ساعةً ثم هوَّمت ثم قالت
تتخطى على رؤوس النيام
أعلى غير موعدٍ جئت تسعى
ما تجشمتَ ما يريبُ من الأمر ولا جئتَ طارقاً لخصام
فلولا كان عدو الله إذ فجر كتم على نفسه، لا يدخل عليّ والله أبداً ؛ فمن
منهم سواه ؟ قال : همام بن غالب ، يعني الفرزدق ، فقال : أوَليس هو
الذي يقول :
هما دلَّتاني من ثمانين قامة كما انقض بازٌ أُقتَمُ الريش كاسره
فلما استوت رجلاي بالأرض قالتا أحيّ يُرَجَّى أم قتيلٌ نحاذره
لا يطأ والله هذا لي بساطاً أبداً ، فمن سواه بالباب منهم؟ قال : الأخطل،
قال : يا عون١ أليس الذي يقول:
ولستُ بصائمٍ رمضان طوعاً ولست بآكلٍ لحمَ الأضاحي
إلى بطحاء مكة للنجاح
ولست بزاجرٍ عيساً بكوراً
بمكَّةَ أبتغي فيه صلاحي
ولست بزائر بيتاً بعيداً
قبيل الصُّبح حيّ على الفلاح
ولست بقائم كالعير أدعو
وأسجُدُ عند منبلج الصَّباح
ولكني سأشربها شمولاً
والله لا يدخل علىَّ أبداً وهو كافر ، فهل رأيت سوى من ذكرت ؟ قال :
نعم ، رأيت الأحوص بن محمد الأنصاري، قال: أوَليس الذي يقول
وقد أفسد على رجل من أهل المدينة جارية له حتى هرب بها منه :
الله بيني وبين وسيدها يفر مني بها وأتبعُهُ
............
١ ف وآيا صوفيا : يا عدي.
٤٣٢

اضرب عليه ، فما هو بدون من ذكرت ، فمن هاهنا سواه أيضاً ؟ قال :
جميل بن معمر العذري ، قال : هو الذي يقول :
ألا ليتنا نحيا جميعاً وإن أمت يوافق لدى الموتى ضريحي ضريحها
فما أنا في طول الحياة براغب إذا قيل قد سُوِّي عليها صفيحها
فلو كان عدو الله تمنى لقاءها في الدنيا فيعمل بعد ذلك صالحاً ، والله لا
يدخل علي أبداً ، فهل سوى من ذكرت أحد ؟ قال : نعم جرير بن عطية ،
قال : نعم أما إنه الذي يقول :
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا وقت الزيارة فارجعي بسلام . .
فإن كان ولا بد فهو ، قال : فأذن لجرير ، قال : فدخل وهو يقول :
جعل الخلافةَ للامام العادلِ
إِن الذي بعث النبي محمداً
حتی ارعوی وأقام ميل المائل
وسع الخلائقَ عدله ووفاؤه
إني لأرجو منك خيراً عاجلاً والنفسُ مولعةٌ بحب" العاجل
فلما مثل بين يديه قال: يا جرير ويحك اتق الله ولا تقل إِلاّ حقّاً، فأنشأ
يقول :
أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت
كم باليمامة من شعشاء أرملةٍ
ممن يعدُّك تكفي فقد والده
يدعوك دعوة ملهوفٍ كأن به
خليفة الله ماذا تأمرون لنا
ما زلتُ بعدك في همّ يؤرقني
لا ينفع الحاضر المجهود بادينا
إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا
أم قد كفاني بما بلَّغت من خبري
ومن يتيمِ ضعيفٍ الصوت والنظر
كالفرخ في العش لم ينهض ولم يطر
خبلاً من الجن أو مساً من البشر
لسنا إليكم ولا في دار منتظر
قد طال في الحي إصعادي ومنحدري
ولا يعود لنا بدوٌ على حضر
من الخليفة ما نرجو من المطر
زان الخلافة إذا كانت له قدراً كما أتى ربَّه موسى على قدر
٢٨ - ١
٤٣٣

هذي الأرامل قد قضَّيت حاجتها فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
الخير ما دمت حيّاً لا يفارقنا بوركتَ يا عمر الخيرات من عمر
فقال: ويحك يا جرير ما أرى لك فيما ههنا حقّاً، قال : بلى يا أمير المؤمنين،
أنا ابن سبيل ومنقطع بي، فأعطاه من صلب ماله أربعمائة درهم١؛ قال : وقد
ذكر أنه قال له : ويحك يا جرير لقد ولينا هذا الأمر وما نملك إلا ثلثمائة درهم ،
فمائة أخذها عبد الله ومائة أخذتها أم عبد الله، يا غلام أعطه المائة الباقية ، قال:
فأخذها وقال: والله هي أحبُّ مالٍ كسبته إلي؛ قال: ثم خرج فقال له الشعراء :
ما وراءك ؟ قال: ما يسوءكم، خرجتُ من عند أمير المؤمنين وهو يعطي الفقراء
ويمنع الشعراء وإِني عنه لراضٍ ، ثم أنشأ يقول :
رأيت رقى الشيطان لا تستفزه وقد كان شيطاني من الجن راقيا
[وقد كتبت هذا الخبر من طرق، والقصص فيها مختلفة] ٢.
ويحكى أن جريراً لما قال :
يا حبذا جبل الريان من جبل وحبذا ساكن الريان من كانا
سأله الفرزدق : ولو كان ساكنه قروداً ؟ فقال له جرير : لو أردت لقلت
ما كانا ولم أقل من كانا .
(٣٤)*
(ترجمة جعفر الصادق، رقم: ١٣١، ص : ٣٢٨، س : ٥)
قال٣ الهيثم : حدثني بعض أصحاب جعفر الصادق قال : دخلت على جعفر
وموسى بين يديه وهو يوصيه بهذه الوصية ، فكان مما حفظت منها أن قال : يا
١ آيا صوفيا : مائة درهم .
٢ زيادة من آيا صوفيا .
٣ ورد هذا الخبر والخبر الذي يليه في نسخة آيا صوفيا: ٨٣ أ - ٨٤ أ أيضاً.
٤٣٤

بني اقبل وصيتي واحفظ مقالتي ، فإنك إِن حفظتها تعش سعيداً وتمت حميداً ؛
يا بني إنه من [قنع بما قسم له استغنى ، ومن مد عينيه إلى ما في يد غيره مات
فقيراً، ومن لم يرضَ]١ بما قسم الله له اتهم الله في قضائه ، ومن استصغر زلة
نفسه استعظم زلة غيره ، ومن استصغر زلة غيره استعظم زلة نفسه ؛ يا بني
من كشف حجاب غيره انكشفت عورات بيته ، ومن سل سيف البغي قُتْل
به ، ومن احتفر لأخيه بئراً سقط فيها، ومن داخل السفهاء حقر ، ومن خالط
العلماء وقر ، ومن دخل مداخل التهم اتهم ؛ يا بني قل الحق لك وعليك ،
وإياك والنميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال ؛ يا بني إن طلبت الجود
فعليك بمعادنه .
قال أبو الحسن المدائني: بعث أبو جعفر المنصور إلى جعفر بن محمد فأتاه فقال:
إني أريد أن أستشيرك في أمر ؛ قد رأيت إطباق المدينة على ختري وقد تأنيت
بهم مرة بعد أخرى ولا أراهم ينتهون، وقد رأيت أن أبعث إليهم من يحمِّر
نخلها ويغوّر عيونها فما ترى ؟ فسكت جعفر فقال: ما بالك لا تتكلم ؟ قال :
يا أمير المؤمنين إِن سليمان بن داود أُعطي فشكر وإِن أيوب ابتلي فصبر وإِن
يوسف قدر فغفر ، وقد جعلك الله من نسل الذين يغفرون ويصفحون ، قال :
فطفى غيظه .
ويقال إن سليمان بن علي عم المنصور أخذ غلاماً لجعفر فكتب جعفر إليه :
أيها الامير إن الإنسان ينام على الشك ولا ينام على الحرام ، فإما أن رددت
غلامي وإلا عرضت أمرك على الله خمس مرات في اليوم والليلة ؛ فرده عليه .
واشتكى٢ ابن لجعفر فاشتد جزعه عليه ثم أُخبر بموته فسرّيَ عنه، فقيل
له في ذلك فقال: إنا ندعو الله فيما نحبّ فإذا وقع ما نكره لم تخالف فيما أحب.
وقيل له : ما بلغ من حبك له ؟ قال : كان يسرني ألا يكون لي ولد غيره
فيشركه في حبي له ؛ وفضله أشهر من أن يُذكر .
١ زيادة من نسخة آيا صوفيا .
٢ ورد هذا الخبر في نسخة آيا صوفيا: ٨٤ أ أيضاً .
٤٣٥

١
[وكان١ المنصور أراد إشخاصه إلى العراق معه عند مسيره إلى المدينة فاستعفاه
من ذلك فلم يعفه ، فاستأذنه في المقام بعده أياماً ليصلح أموراً مختلفة ، فأبى
عليه ، فقال له جعفر : سمعت أبي يحدث عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أن الرجل ليبقى أمله وينقضي أجله فليصل رحمه فيزداد في
عمره، قال : الله ، لقد سمعت ذلك عن أبيك عن جدك عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم ؟ قال : اللهم نعم ، فأعفاه من الشخوص وأقره بالمدينة وأجازه
ووصله .
وقيل إن المنصور وجه في إِشخاص جعفر قبل قتل محمد بن عبد الله ، فلما
صار إلى النجف توضأ للصلاة ثم قال : اللهم بك أستفتح وبك أستنجح وبمحمد
صلى الله عليه وسلم أتوجه ، اللهم إني أدراً بك في نحره وأعوذ بك من شره ،
اللهم سهل لي حزونته ولين لي عريكته وأعطني من الخير ما أرجو واضرب عني
من الشدة ما أخاف وأحذر ؛ قال : فلما دخل عليه قام إليه وأكرمه وبرّه
وغلَّفه بيده وصرفه إلى منزله، وإنما أشخصه ليقتله . وقال له وسأله عن محمد
ابن عبد الله فقال: أقول ما عندي ﴿ لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا
لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا يُنصرون﴾، فقال المنصور: في
دون هذا القول منك كفاية ، وسجد شكراً لله] .
(٣٥)*
(ترجمة جميل بثينة، رقم: ١٤٢، ص : ٣٦٦، س : ١٨)٢
وعشق جميلٌ بثينة وهو غلام صغير، فلما كبر خطبها فرُدّ عنها، فقال
الشعر، وكان يأتيها سرّاً، ومنزلها وادي القرى ، فجمع له قومها ليأخذوه إِذا
أتاها ، فحذرته بثينة فاستخفى وقال :
ولو انّ ألفاً دون بثنة كلهم غيارى وكل منهم مزمع قتلي
١ من هنا إلى آخر النص زيادة من أ .
٢ وردت مقاطع متفرقة من هذه الزيادة في نسخة ف، مع بعض الاختلاف في النص.
٤٣٦

لحاولتها إما نهاراً مجاهراً وإما سرى ليل ولو قطعت رجلي
وهجا قومها فاستعدوا عليه مروان ، وهو يومئذ عامل معاوية على المدينة،
فنذر ليقطعن لسانه ، فلحق بجذام وهي قبيلة من اليمن ، فأقام هناك إلى أن
عزل مروان عن المدينة، فانصرف إلى بلادها، وكان يختلف إليها سرّاً. [وكان
لما هدر السلطان دمه ضاقت عليه الأرض بما رحبت]١، وكان يصعد بالليل على
قور رمل فيتنسم الريح من عوارض بثينة ، حتى إذا تهور الليل وملَّ الوقوف
أنشد :
أذوب وأنني بادي النحولِ
أيا ريح الشمال أما تريني
ومُني بالهبوب على جميل
هي لي شمَّةً من ريح بأنٍ
قليلك أو أقل من القليل
وقولي يا بثينة حسب نفسي
وينصرف مع الفجر ، قال : وكانت بثينة تقول لجوارٍ من الحي عندها :
ويمكن إني لأسمع أنين جميل من بعض الغيران ، فيقلن لها : اتقي الله فهذا من
عمل الشيطان .
وحدث٢ عمر بن شبة عن إسحاق قال: لقي جميلٌ بثينة بعد تهاجر كان
بينهما طالت مدته ، فتعاتبا ساعة فقالت له : ويحك يا جميل تزعم أنك تهواني
وأنت الذي تقول :
رمى الله في عينَيْ بثينة بالقذى وفي الغرّ من أنيابها بالقوادح
قال : فأطرق طويلاً يبكي ثم قال : بل أنا القائل :
ألا ليتني أعمى أصمّ تقودني بثينة لا يخفى عليّ كلامُها
فقالت : وما حملك على هذه المنى ؟ أوَ ليس في سعة العافية ما كفانا ؟
وكان٣ توبة بن الحمير رحل إلى الشام فمر ببني عذرة فرأته بثينة فجعلت
١ زيادة من نسخة آيا صوفيا ٩٤ أ - ٩٤ ب، وقد ورد فيها هذا الخبر كاملاً.
٢ ورد هذا الخبر في نسخة آيا صوفيا (٩٤ أ) أيضاً.
٣ نص هذه الرواية في نسختي ف وآيا صوفيا (٩٤ أ) يختلف عن نصها في نسخة د.
٤٣٧

تنظر إليه ، فشقَّ ذلك على جميل ، وذلك قبل أن يظهر على حبه لها ، فقال له
جميل : من أنت ؟ قال : أنا توبة بن الحمير ، قال : هل لك إلى الصراع ؟ قال :
ذلك إِليك ،فنبذت إليه بثينة ملحفة مُوَرَّسة فاتزر بها ثم صارعه، فصرعه جميل،
ثم قال : هل لك في السباق ؟ قال : نعم، فسابقه، فسبقه جميل، فقال له توبة:
يا هذا إِنك إنما تفعل هذا بروح هذه الجالسة ، ولكن اهبط بنا إلى الوادي ،
فهبطا وانطلقت بثينة راجعة ، فصرعه توبة وسبقه فقال: يا جميل، أخبرتك أنك
لا تقوم لي وأنك بروحها غلبتني .
وقال١ الهيثم بن عدي : قال لي صالح بن حسان : هل تعرف بيتاً نصفه أعرابي
في شملة بالبادية وآخره مخنث يتفكك من مخنفي العقيق؟ قلت: لا أدري، قال :
قد أجلتك فيه حولاً ، فقلت : لو أجلتني حولين ما علمت ، قال : قول جميل :
ألا أيُّها الركب النيام ألا هبّوا٢
هذا أعرابي في شملة ، ثم قال :
أسائلكم٣ هل يقتل الرجلَ الحُبُ
كأنه والله من مخنَّي العقيق .
وحدث٤ الزبير بن بكار عن رجل من العرب قال : دخلت حمّاماً بمصر يقال
له حمّام القر فإذا برجل لم أرَ من خلق الله رجلاً أحسن منه فظننته قرشياً
فأعظمتُهُ وسألتُهُ من هو فقال : أنا جميل بن عبد الله، قلت : أصاحب
بثينة ؟ فضحك وقال : نعم والله لأراها ستغلب على نسبي كما غلبت على عقلي ،
قلت له: قد ملأت بلاد الله تنويهاً بذكرها، وصار اسمها لك نسباً. والله إني لأظنها
حديدة العرقوب دقيقة الظنبوب كثيرة وسخ المرفق ... [فضحك حتى استلقى]°.
١ ورد هذا الخبر أيضاً في نسخة آيا صوفيا : ٩٥ أ.
٢ ف وآيا صوفيا: ألا أيها النوام ويحكو هبوا.
٣ فى وآيا صوفيا : نسائلكم .
٤ ورد هذا الخبر أيضاً في نسخة آيا صوفيا : ٩٤ أ.
٥ زيادة من آيا صوفيا .
٤٣٨

(٣٦)*
(ترجمة جميل بثينة، رقم: ١٤٢، ص : ٣٦٩، س : ١٩) ١
قال سهل بن سعد الساعدي أو ابنه عياش : لقيني رجل من أصحابي فقال :
هل لك في جميل فإنه يعتلّ ، فدخلنا عليه وهو يكيد بنفسه، وما يخيل إليّ
أن الموت يكرثه، فقال : ما تقول في رجل لم يزنِ قط ولم يشرب خمراً
ولم يقتل نفساً حراماً قط، يشهد أن لا إله إلا الله ؟ قلت : أظنه والله قد نجا،
فمن هذا الرجل ؟ قال: أنا، قلت: والله ما سلمت وأنت منذ عشرين سنة تنسب
ببثينة، قال: إني لفي آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، فلا نالتني
شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم إِن كنت وضعت يدي عليها لريبةٍ قط . فما
قمنا حتى مات .
١ اشتركت نسخة فى مع نسخة د في هذه الزيادة .
٤٣٩