Indexed OCR Text
Pages 321-340
١٣٠ جرير الشاعر أبو حَزْرة جرير بن عطية بن الخَطَفَى، واسمه حُذَيفة ، والخطفى لقبه، ابن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يَربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة ابن تميم بن مر التميمي الشاعر المشهور ؛ كان من فحول شعراء الإسلام ، وكانت بينه وبين الفرزدق مُهاجاة ونقائض، وهو أشعر من الفرزدق عند أكثر أهل العلم بهذا الشأن ، وأجمعت العلماء على أنه ليس في شعراء الإسلام مثل ثلاثة : جرير والفرزدق والأخطل . [قال محمد بن سلام : سمعت يونس يقول: ما شهدت مشهداً قط وذكر فيه جرير والفرزدق فاجتمع أهل المجلس على أحدهما. وقال أيضاً : الفرزدق أشعر خاصة وجرير أشعر عامة] ؛ ويقال : إن بيوت الشعر أربعة: فخر ومديح وهجاء ونسيب١، وفي الأربعة فاق جرير غيره ، فالفخر قوله : إِذا غَضِبَتْ عليكَ بنو تميم حَسِبْتَ الناسِ كَلَّهُمُ غِضابا والمديح قوله٢ : التَسْتُمْ خَيَرَ مَنْ ركب المطايا وأندى العالمين بطونَ راحٍ والهجاء قوله : فغُضَّ الطَّرِفَ إِنَّكَ مِن نُمِيرٍ فلا كعْباً بلغتَ ولا كِلابا ١٣٠ - ترجمته في طبقات ابن سلام: ٣١٥ والأغاني ٨: ٣ والموشح: ١١٨ والعيني ١ : ٩١ وشرح شواهد المغني: ١٦ والخزانة ١: ٣٦ والشعر والشعراء : ٣٧٤ وانظر بروكلمان ١ : ٠٢١٥ ١ دهـ : وتشبيب . ٢ زاد في ب : فى عبد الملك. ٢١ - ١ ٣٢١ والنسيب١ قوله : إِن العُيون التي في طَرْقها حَوَر٢ٌ قَتَلْنَنا ثم لم يُحيين قَتْلانا يَصْرَ عْنَ ذا اللبّحتى لا حَراكَ بهِ وهنَّ أَضعف خلق الله أركانا٣ وحكى أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنى - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - قال: التقى جرير والفرزدق بمنى وهما حاجان ، فقال الفرزدق لجرير : فإنك لاقٍ بالمشاعر؛ من منى فخاراً فخبرني بمن أنت فاخر فقال له جرير: لبيك اللهم لبيك ! قال أبو عبيدة : فكان أصحابنا يستحسنون هذا الجواب من جرير ويعجبون® به (٣٣) *. وحكى أبو عبيدة أيضاً : خرج جرير والفرزدق مرتدفين على ناقة إلى هشام ابن عبد الملك الأموي ، وهو يومئذ بالرصافة ، فنزل جرير لقضاء حاجته ، فجعلت الناقَةُ تتلفتُ فضربها الفرزدق وقال : إِلامَ تَلَفَّتِينَ وأَنتِ تَحْتِي وخيرُ الناسِ كلِّهمُ أَمامي مِنَ التهجير والدَّبَر الدَّوامي مَتى تردي الرُّصافةَ تستريحي ثم قال : الآن يجيئني جرير فأنشده هذين البيتين فيقول : تَكَفَّتُ أنها تَحْتَ ابِن قَينٍ إِلى الكيرَيْن والفاس الكهامِ مَتى ترد الرُّصافة تَخْزَ فيها كخِزْيكَ في المواسمِ كلَّ عامِ قال : فجاء جرير والفرزدق يضحك ، فقال : ما يضحكك يا أبا فراس ؟ فأنشده البيتين الأولين ، فأنشده جريرٌ البيتين الآخرين ، فقال الفرزدق : والله ١ دهـ : والتشبيب . ٢ ب ج وآيا صوفيا : مرض . ٣ ١ ج هـ : إنسانا . ٤ د وآيا صوفيا : بالمنازل . ٥ د : ويتعجبون . ٣٢٢ لقد قلت هذا ، فقال جرير : أما علمت أن شيطاننا واحد ؟ وذكر المبرد في ((الكامل))١ أن الفرزدق أنشد قول جرير : ترى بَرَصاً ٢ بأسفل أسْكتيْها٣ كمَنْفقة الفرزدقِ حينَ شابا فلما أنشد النصف الأول من البيت ضرب الفرزدق يده على عنفقته توقعاً لعَجُز البيت . [وحكى أبو عبيدة قال: كان [جرير] مع حسن تشبيبه عفيفاً، وكان الفرزدق فاسقاً ، وكان يقول : ما أحوجه إلى صلابة شعري وأحوجني إلى رقة شعره .] وحكى أبو عبيدة أيضاً قال : رأت أمُّ جرير في نومها وهي حامل به كأنها ولدَتْ حَبْلاً مِن شَعَرَ أَسود، فلما وقع؛ منها جعَلْ ينزو فيقع في عنق هذا فيخنقه ، حتى فعل ذلك برجال كثيرة ، فانتبهت مرعوبة، فأوَّلت الرؤيا، فقيل لها : تلدين غلاماً شاعراً ذا شر وشدة شَكيمةٍ وبلاء على الناس، فلما ولدته سمَّته جريراً باسم الحبل الذي رأت أنه خرج منها ، والجرير : الحبل . وذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب ((الأغاني )) في ترجمة جرير المذكور أن رجلاً قال لجرير : من أشعر الناس ؟ قال له : قم حتى أعرفك الجواب ، فأخذ بيده وجاء به إلى أبيه عطية وقد أخذ عَنزاً له فاعتقلها وجعل يمصُّ ضرْعها، فصاح به : اخرج يا أبت ، فخرج شيخ دميم رث الهيئة٦ وقد سال لبنُ العنز على لحيته ، فقال : أترى هذا ؟ قال : نعم ، قال: أوَ تعرفه ؟ قال : لا ، قال : هذا أبي ، أفتدري لم كان يشرب من ضَرْع العنز ؟ قلت : لا ، قال : ١ الكامل ٣ : ٠٤٥ ٢ أج : بها برص . ٣ الكامل : ترى الصبيان عاكفة عليها . ٤ ب هـ وآيا صوفيا: سقط . ٥ هـ : أخذ . ٦ أ : رث الثياب والهيئة . ٣٢٣ مَخافةَ أن يُسمع صوت الحلب فيطلب منه لبن، ثم قال: أشعر الناس مَنْ فاخَرَ بمثل هذا الأب ثمانين شاعراً وقارعهُم به فغلبهم جميعاً . وحكى صاحب ((الجليس والأنيس))١ في كتابه عن محمد بن حبيب عن عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير أنه قيل له : ما كان أبوك صانعاً حيث يقول : لو كنتُ أعلم أن آخر عَهْدِ هِم يومَ الرَّحيل فعلتُ ما لم أفعلِ فقال : كان يقلع عينيه ولا يرى مظعن أحبابه . وقال في ((الأغاني)) أيضاً: قال مسعود بن بشر لابن مُناذر بمكة: من أشعر الناس ؟ قال: من إذا شئت لعب، ومن إذا شئت جدًّ ، فاذا لعب أطمعك لعبه فيه، وإذا رُمْتَهُ بعُدَ عليك، وإِذا جَدَّ فيما قصد له آيَسَكَ من نفسه، قال : مثل من ؟ قال : مثل جرير حيث يقول إذا لعب : إِن الذين غَدَوْا بلُبِّكَ غادروا وشَلاً بعينك لا يزال مَعينا ماذا لقيتَ من الهوى ولَقينا غَيَّضْن مِنْ عِبَراتِهِنَّ وَقُلْن لي ثم قال حین جدًّ : إِنَّ الَّذي حَرَم المكارم تَغْلِباً جعل النبوة والخلافَةَ فينا مُضَر أبي وأبو الملوكِ فَهلْ لكم يا خُزْرَ تَغْلبَ من أبٍ كأبينا هذا ابْنُ عَمِّي فِي دِمَشْقَ خليفَةٌ لو شِئْتُ ساقَكُمُ إِليَّ قَطينا قال : فلما بلغ عبدَ الملك بن مروان قولُه قال : ما زاد ابن المراغة على أن جعلني شرطيّاً له، أما إنه لو قال ((لو شاء ساقكم إليَّ قطينا)) لسقتهم إليه كما قال، قلت: وهذه الأبيات هجا بها جريرٌ الأخطَلَ التغلي الشاعر المشهور . وقوله فيها (( جعل النبوة والخلافة فينا)) إنما قال ذلك لأن جريراً تميمي ١ كتاب الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي لأبي الفرج المعافى بن زكريا النهرواني الجريري (- ٣٩٠) . ٣٢٤ النسب ، وتميم ترجع إلى مضر بن نزار بن معد بن عدنان جد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالنبوة والخلافة وبنو تميم يرجعون إلى مصر . وقوله (( يا خُزر تغلب » خُزْر - بضم الخاء المعجمة وسكون الزاي وبعدها راء - وهو جمع أخْزَرَ مثل أحمر وحمر وأصفر وصفر وأسود وسود ، وكل ما كان من هذا الباب ، والأخزر : الذي في عينيه ضيق وصغر ، وهذا وصف العجم ، فكأنه نسبه إلى العجم وأخرجه عن العرب ، وهذا عند العرب من النقائص الشنيعة . وقوله ((هذا ابن عمي في دمشق خليفة)) يريد به عبد الملك بن مروان الأموي ، لأنه كان في عصره . والقطين - بفتح القاف - الخدم والأتباع . وقول عبد الملك ((ما زاد ابن المراغة)) هو بفتح الميم وبعدها راء وبعد الألف غين معجمة وهاء ، وهذا لقب لأم جرير هجاه به الأخطل المذكور ، ونسبها إلى أن الرجال يتمرغون عليها، ونستغفر الله تعالى من ذكر مثل هذا١ ، لكن شرح الواقعة أحوج إلى ذلك . ومن أخبار جرير أنه دخل على عبد الملك بن مروان فأنشده قصيدة أولها: أتصْحُو أم فؤادكَ غيرُ صاحي عَشيةَ هُمَّ صَحبكَ بِالرَّواحِ تَقولُ العاذلاتُ عَلاكَ شيبٌ أهذا الشيبُ يَمْنَعني مُزاحي رأيتُ الموردين٢ ذَوي لِقاح تَعَزَّت أم حَزْرَة ثم قالت ومِنْ عند الخليفة بالنَّجاح ثِقِي بالله لَيسَ له شريكٌ وأنبتَّ القوادِمَ في جناحي سأشكر إن رَدَدْتَ إِليَّ ريشي ألَسْتمَ خيرَ مَنْ ركب المطايا وأنْدَى العالمينَ بطونَ راح قال جرير : فلما انتهيت إلى هذا البيت كان عبد الملك متكئاً فاستوى جالساً وقال : مَنْ مَدَحَنا منكم فليمدحنا بمثل هذا أو فليسكت ، ثم التفت ١ دهـ : من ذكر هذا . ٢ د : الواردين . ٣٢٥ ،٠ إلي وقال : يا جرير، أتَرى أمَّ حَزْرة يرويها مائة ناقة من نَعَمِ بني كلب ؟ قلت : يا أمير المؤمنين، إن لم تروِها فلا أُرْواها الله تعالى ، قال : فأمر لي بها كلها سُودَ الحدق ، قلت : يا أمير المؤمنين ، نحن مشايخ وليس بأحدنا فضل عن راحلته، والإبل أُبَّاق ، فلو أمرت لي بالرعاء١ ، فأمر لي بثمانية ، وكان بين يديه صحاف من الذهب وبيده قَضيب، فقلت: يا أمير المؤمنين، والمحلب ؟ وأشرت إلى إحدى الصحاف٢ فنَبَذَها إلي بالقضيب وقال : خذها لا نفعتك ، وإلى هذه القضية أشار جرير بقوله : أعْطَوْا هُنَيدَة تَحْدُوها ثمانية ما في عطائهمُ منَّ ولا سَرَفُ قلت : هنيدة - بضم الهاء على صورة التصغير - اسم علم على المائة، وأكثر علماء الأدب يقولون : لا يجوز إدخال الألف واللام عليها ، وبعضهم يجيز ذلك، قال أبو الفتح بن أبي حصينة٣ السلمي الحلبي الشاعر المشهور من جملة قصيدة٤ : أيها القلبُ لم يَدَعْ لك في وَصْ ل العَذارى نصفُ الهنيدة عُذْرا يعني خمسين سنة التي هي نصفُ المائة ، والله أعلم . ولما مات الفرزدق وبلغ خبرُه جريراً بكى وقال : أما والله إني لأعلم أني قليل البقاء بعده، ولقد كان نَجْمُنا واحِداً، وكل واحد منا مشغول بصاحبه، وقلّما مات ضد أو صديق إلا وتبعه صاحبه ، وكذلك كان . وتوفي في سنة عشر ومائة، وفيها مات الفرزدق كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى . وقال أبو الفرج ابن الجوزي : كانت وفاة جرير في سنة إحدى عشرة ومائة، وقال ابن قتيبة في كتاب ((المعارف))°: إن أمه حملت به سبعة أشهر ، وفي ١ د : برعاتها؛ هـ: بالرعاة . ٢ هـ : الصحائف . ٣ هو الحسن بن عبد الله بن أبي حصينة المعري ( - ٤٥٦ أو التي بعدها ) وديوانه مطبوع ( دمشق : ١٩٥٦ ) مع شرح لأبي العلاء المعري . ٤ ديوانه ٣٠٣:١ وكتب فيه ((هبيدة)» موضع (( هنيدة)» وخفي معناه لذلك على محقق الديوان. • المعارف : ٥٩٥ . ٣٢٦ ترجمة الفرزدق طرف من خبر موته فليُنظر هناك إن شاء الله تعالى . وكانت وفاته باليمامة ، وعمر نيفاً وثمانين سنة . وحَزْرَةُ : بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي وفتح الراء وبعدها هاء . والخطفى : بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة والفاء وبعدها ياء - وقد تقدم الكلام في أنه لقب عليه ، والله أعلم . ١٣١ جعفر الصادق أبو عبد الله جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهم أجمعين ؛ أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية ، وكان من سادات أهل البيت ولقب بالصادق لصدقه في مقالته وفضلُه أشهر من أن يُذكر ، وله كلام في صناعة الكيمياء والزجر والفأل ، وكان تلميذه أبو موسى جابر بن حيان الصوفي الطرسوسي١ قد ألف كتاباً يشتمل على ألف ورقة تتضمن رسائل جعفر الصادق وهي خمسمائة رسالة . وكانت ولادته سنة ثمانين للهجرة، وهي سنة سيل الْجَحَّاف، وقيل : بل ولد يوم الثلاثاء قبل طلوع الشمس ثامن شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين . وتوفي في شوال سنة ثمان وأربعين ومائة بالمدينة ، ودفن بالبقيع في قبر فيه أبوه محمد الباقر وجده علي زين العابدين وعم جده الحسن بن علي ، رضي الله عنهم أجمعين ، فلله دره من قبر ما أكرمه وأشرفه . ٠ ١٣١ - انظر الأئمة الاثنا عشر: ٨٥ (والترجمة منقولة عن ابن خلكان) وعلى الصفحة المقابلة ثبت بمصادر ترجمته ، وأضف إليها صفة الصفوة ٢ : ٩٤ وحلية الأولياء ٣: ١٩٢. ١ أج : الطرطوسي . ٣٢٧ وأمه أم فَرْوةَ بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، رضي الله عنهم أجمعين . وسيأتي ذكر الأئمة الاثني عشر - رضي الله عنهم - كل واحد في موضعه إن شاء الله تعالى . (٣٤) * وحكى كشاجم في كتاب ((المصايد والمطارد))١ أن جعفراً المذكور سأل أبا حنيفة - رضي الله عنهما - فقال: ما تقول في مُحْرِمٍ كَسَرَ رَباعية ظبي ؟ فقال : يا ابن رسول الله ، ما أعلم ما فيه ، فقال له : أنت تَتَداهى ولا تعلم أن الظبي لا يكون له رَباعية وهو ثَنيِّ أبداً . ١٣٢ جعفر البرمكي أبو الفضل جَعْفر بن يحيى بن خالد بن بَرْمك بن جاماس٢ بن يشتاسف البرمكي وزير هارون الرشيد ؛ كان من علو القدر ونَفاذ٣ الأمر وبُعْد الهمة وعظم المحل وجَلالة المنزلة عند هارون الرشيد بحالة انفرد بها ، ولم يُشارَك فيها ، وكان سَمْح الأخلاق طَلْق الوجه ظاهر البشر، وأما جوده وسخاؤه وبذله وعطاؤه فكان أشهر من أن يُذكر ، وكان من ذوي الفصاحة والمشهورين باللسن والبلاغة ، ويقال: إنه وقَّعَ ليلَةَ بحضرة هارون الرشيد زيادة على ١ المصايد : ٢٠٢ . ١٣٢ - قد أطنب المؤلف في ترجمته، فلا حاجة الى تعيين مصادرها ، وإنما يحال على كتب التاريخ المختلفة التي تحدثت عن نكبة البرامكة ؛ وفي العقد (٥: ٥٨-٧٣) فصل من أخبارهم وكذلك في البسامة : ٢٢٢ وأكثر ما أورده نقله المؤلف وفي مقدمة ابن خلدون محاكمة عقلية الروايات التي تنسب نكبتهم إلى علاقة جعفر بالعباسة . ٢ هـ : ماجاس. ٣ هـ : وتقادم . ٣٢٨ ألف توقيع، ولم يخرج في شيء منها عن موجب الفقه ، وكان أبوه ضمه إلى القاضي أبي يوسف الحنفي حتى علَّمه وفقَّهه ، وذكره ابن القادسي في كتاب ((أخبار الوزراء))١. واعتذر رجل إليه فقال له جعفر : قد أغناك الله بالعذر منا عن الاعتذار إلينا ، وأغنانا بالمودة لك عن سوء الظن بك ؛ ووقّع إلى بعض عماله وقد شُكي منه: قد كثر شاكوك وقَلَّ شاكروك، فإما اعتدلت وإما اعتزلت. ومما يُنْسَب إليه من الفِطْنة أنه بلغه أن الرشيد مفهوم لأن منجِماً يهوديّاً زَعم أنه يموت في تلك السنة ، يعني الرشيد ، وأن اليهودي في يده ، فركب جعفر إلى الرشيد فرآه شديدَ الغم ، فقال اليهودي : أنت تزعم أن أمير المؤمنين يموت إلى كذا وكذا يوماً ؟ قال : نعم ، قال : وأنت كم عمرك ؟ قال : كذا وكذا ، أمداً طويلاً، فقال للرشيد : اقتله حتى تعلم أنه كذب في أمدك كما كذب في أمده ، فقتله وذهب ما كان بالرشيد من الغم ، وشكره على ذلك ، وأمر بصَلْب اليهودي ، فقال أَشْجَع السُّلَمي في ذلك : سلِ الراكِبَ الموفي على الجِدعِهِلَ رأَى لِراكبهِ نَجْماً بَدا غيرَ أَغْوَرٍ لأَخبرَه عن رأسه المتحيِّر ولو كان نجمٌ مخبراً عن مَنِيَّةٍ يُعَرِّفُنا أنباء كِسْرى وقَيْصَر يُعَرِّفُنا موتَ الإمامِ كأنه ونجْمُكَ بادي الشر يا شَرَّ مُخبر أُتخبرُ عن نَحْسٍ لغيركَ شُؤْمُه ومضى دم المنجِّم هَدَراً بحمقه . وكان جعفر من الكرم وسَعَة العطايا كما هو مشهور، ويقال: إِنه لما حَجَّ اجتاز في طريقه بالعقيق ، وكانت سنة مُجْدبة ، فاعترضته امرأة من بني كلاب وأنشدته : ١ لم يذكره السخاوي في الإعلان بالتوبيخ، وقال القفطي في تاريخ الحكماء في تصويره لتسلسل التأليف في التاريخ: (( ثم كمل عليه ابن الجوزي الى بعد سنة ثمانين [وخمسمائة] ثم كمل عليه ابن القادسي الى سنة ٦١٦»؛ وهذا الذي يذكره القفطي يدل على أن ما يشير إليه كتاب في التاريخ العام، وهو غير كتابه أخبار الوزراء، وقد توفي محمد بن أحمد القادسي سنة (٦٢١ هـ). انظر تاريخ ابن كثير ١٣ : ١٠٤ . ٣٢٩ إِنِي مَرَرت على العَقيق وأهلُهُ يشكون من مطر الربيع نُزورا ما ضَرَّهم إِذ جعْفَر جارٌ لهمْ أن لا يكون ربيعُهُمْ ممطورا فأجزل لها العطاء . قلت : والبيت الثاني مأخوذ من قول الضحاك بن عقيل الخفاجي من جملة أبيات : ولو جاورتنا العام "مراء لم نُبَلْ على جَدْبنا أن لا يَصوبَ ربيعُ لله دره، فما أحلى هذه الحشوة وهي قوله ((على جدبنا)) ، وأهل البيان يسمون هذا النوع حَشْو اللوزينج . وحكى ابن الصابىء في كتاب ((الأماثل والأعيان))١ عن إسحاق النديم الموصلي عن إبراهيم بن المهدي قال : خلا جعفر بن يحيى يوماً في داره ، وحضر ندماؤه وكنت فيهم ، فلبس الحرير وتَضَمَّخ بالخلوق وفعل بنا مثله ، وأمر بأن يحجب عنه كل أحد٢ إلا عبد الملك بن بحران قهر مانه ، فسمع الحاجب ((عبد الملك)) دون ((ابن بجران))، وعرف عبدُ الملك بن صالح الهاشمي مقامَ جعفر ابن يحيى في داره ، فركب إليه، فأرسل الحاجب أن قد حضر عبد الملك فقال : أدخله ، وعنده أنه ابن بحران، فما راعنا إلا دخول عبد الملك بن صالح في سواده ورصافيته ، فاربَدَّ وجهُ جعفر، وكان ابن صالح لا يشرب النبيذ ، وكان الرشيد دعاه إليه فامتنع ، فلما رأى عبد الملك حالة جعفر دعا غلامه فناوله سواده وقلنسوته ووافى باب المجلس الذي كنا فيه ، وسلم وقال : أشركونا في أمركم، وافعلوا بنا فعلكم بأنفسكم ، فجاءه خادم فألبسهُ حريرة واستدعى بطعام فأكل وبنبيذ فأتي برطل منه فشربه ثم قال لجعفر : والله ما شربته قبل اليوم ، فليخفف عني، فأمر أن يجعل بين يديه باطية يشرب منها ما ١ من مؤلفات هلال بن المحسن الصابىء (- ٤٤٨) واسمه كاملاً («الأماثل والأعيان ومنتدى العواطف والإحسان)» قال فيه ياقوت (٧: ٢٥٥): جمع فيه أخباراً وحكايات مستطرفة مما حكي عن الأعيان والأكابر ، وهو كتاب ممتع ؛ وقال ابن خلكان إنه في مجلد واحد . ٢ هـ : عن كل أحد . ٣٣٠ يشاء . وتضمخ بالخلوق ونادمنا أحسن منادمة ، وكان كلما فعل شيئاً من هذا سُرِّيَ عن جعفر ، فلما أراد الانصراف قال له جعفر : اذكر حوائجك فإني ما أستطيع مقابلة ما كان منك ، قال : إِن في قلب أمير المؤمنين مَوْجِدة علي فتخرجها من قلبه وتعيد إِليَّ جميلَ رأيه فيَّ ، قال : قد رضي عنك أمير المؤمنين وزال ما عنده منك ، فقال : وعلي أربعة آلاف ألف درهم ديناً ، قال : تقضى عنك ، وإنها لحاضرة ، ولكن كونها من أمير المؤمنين أشرف بك وأدل على حسن ما عنده لك١، قال: وإبراهيم ابني أحب أن أرفع قدره بصهر من ولد الخلافة، قال: قد زوجه أمير المؤمنين العاليَةَ ابنتَهُ، قال: وأوثر التنبيه على موضعه برفع لواء على رأسه ، قال : قد ولاه أمير المؤمنين مصر ، وخرج عبد الملك ونحن متعجبون من قول جعفر وإقدامه على مثله من غير استئذان فيه ؛ وركبنا من الغد إلى باب الرشيد ، ودخل جعفر ووقفنا ، فما كان بأسرع من أن دُعي بأبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن وإبراهيم بن عبد الملك ، ولم يكن بأسرع من خروج إبراهيم والخلع عليه واللواء بين يديه وقد عقد له على العالية بنت الرشيد وحملت إِليه ومعها المال إلى منزل عبد الملك بن صالح ، وخرج جعفر فتقدم إلينا باتباعه إلى منزله، وصرنا معه ، فقال : أظن قلوبكم تعلقت بأول أمر عبد الملك فأحببتم علم آخره ، قلنا : هو كذلك ، قال: وقفت بين يدي أمير المؤمنين وعرَّفته ما كان من أمر عبد الملك من ابتدائه إلى انتهائه ، وهو يقول : أحسن أحن ، ثم قال: فما صنعت معه ؟ فعرَّفته ما كان من قولي له ، فاستصوبه وأمضاه ، وكان ما رأيتم ؛ ثم قال إبراهيم بن المهدي : فوالله ما أدري أيهم أعجب فعلاً : عبدُ الملك في شربه النبيذ ولباسه ما ليس من لبسه وكان رجلاً ذا جِدٍ وتعفُّف ووقار وناموس ، أو إِقدام جعفر على الرشيد بما أقدم ، أو إمضاء الرشيد ما حكم به جعفر عليه . وحكي أنه كان عنده أبو عبيد الثقفي فَقَصَدَتْهُ خُنْفُساء ، فأمر ١ في نسخة آيا صوفيا : ثم قال: وعلي عشرة آلاف دينار، فقال: هي لك حاضرة من مالي ومن مال أمير المؤمنين ضعفها ؛ والرواية - في جملتها - أكثر تفصيلاً في هذه النسخة منها في النسخ الأخرى . ٣٣١ جعفر بإزالتها ، فقال أبو عبيد: دعوها عسى يأتيني بقصدها لي خير ، فإنهم يزعمون ذلك، فأمر له جعفر بألف دينار وقال : نحقق زعمهم ، وأمر بتنحيتها ، ثم قصدته ثانياً فأمر له بألف دينار أخرى . وحكى ابن القادسي في ((أخبار الوزراء)» أن جعفراً اشترى جارية بأربعين ألف دينار ، فقالت لبائعها : اذكر ما عاهدتني عليه أنك لا تأكل لي ثمناً ، فبكى مولاها وقال : اشهدوا أنها حُرة وقد تزوجتها ، فوهب له جعفر المال ولم يأخذ منه شيئاً ، وأخبار كرمه كثيرة ، وكان أبلغ أهل بيته . وأول من وَزَر من آل برمك خالد بن بَرْمَك لأبي العباس عبد الله السفاح بعد قتل أبي سَلَمَة حَقْصٍ الخلال - كما سيأتي في ترجمته في حرف الحاء إن شاء الله تعالى - ولم يزل خالد على وزارته حتى توفي السفاح يوم الأحد لثلاثَ عَشْرَةَ ليلةً خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة ، وتولى أخوه أبو جعفر عبد الله المنصور الخلافة في اليوم المذكور ، فأقر خالداً على وزارته ، فبقي سنة وشهوراً . وكان أبو أيوب المورياني قد غلب على المنصور فاحتال على خالد بأن ذكر للمنصور تغلتُّب الأكراد على فارس، وأن لا يكفيه أمرها سوى خالد فندبه إليها ، فلما بعد خالد عن الحضرة استبد أبو أيوب بالأمر . وكانت وفاة خالد سنة ثلاث وستين ومائة ، ذكره ابن القادسي ، وقال ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)): ولد خالد في سنة تسعين للهجرة، وتوفي سنة خمس وستين ومائة ، والله أعلم . وكان جعفر متمكناً عند الرشيد ، غالباً على أمره ، واصلاً منه ، وبلغ من علوّ المرتبة عنده ما لم يبلغه سواه، حتى إن الرشيد اتخذ ثوباً له زيقان، فكان يلبسه هو وجعفر جملة، ولم يكن للرشيد صَبْرٌ عنه ؛ وكان الرشيد أيضاً شديدَ المحبة لأخته العباسة ابنة المهدي ، وهي من أعز النساء عليه ، ولا يقدر على مفارقتها، فكان متى غاب أحد من جعفر والعباسة لا يتم له سرور، فقال: يا جعفر، إنه لا يتم لي سرور إلا بك وبالعباسة، وإني سأزوّجها منك ليحلّ لكما أن تجتمعا، ولكن إيا كما أن تجتمعا وأنا دونكما، فتزوجها على هذا الشرط. ثم تغير الرشيد عليه وعلى البرامكة كلهم آخر الأمر ونَكَبَهم وقتل ٣٣٢ جعفراً واعتقل أخاه الفضل وأباه يحيى إلى أن ماتا - كما سيأتي في ترجمتها إن شاء الله تعالى - . وقد اختلف أهل التاريخ في سبب تغير الرشيد عليهم : فمنهم مَنْ ذهب إلى أن الرشيد لما زوج أخته العباسة من جعفر على الشرط المذكور بقيا مدة على تلك الحالة ، ثم اتفق أن أحبّتِ العباسة جعفراً وراودته ، فأبى وخاف ، فلما أعيتها الحيلة عَدَلت إلى الخديعة فبعثت إلى عتابة أمّ جعفر أن أرسليني إلى جعفر كأني جارية من جواريك اللاتي ترسلين إليه ، وكانت أمه ترسل إليه كل يوم جمعة جارية بكراً عذراء ، وكان لا يطأ الجارية حتى يأخذ شيئاً من النبيذ ، فأبت عليها أم جعفر ، فقالت : لئن لم تفعلي لأذكرن لأخي أنك خاطبتني بكَيْتَ وكيت، ولئن اشتملت من ابنك على ولد ليكوننّ لكم الشرف ، وما عسى أخي يفعل لو علم أمرنا ؟ فأجابتها أم جعفر وجعلت تَعِدُ ابنها أن ستهدي إليه جارية عندها حسناء من هيئتها ومن صفتها كيت وكيت ، وهو يطالبها بالعِدَةِ المرّة بعد المرّة، فلما علمت أنه قد اشتاق إليها أرسلت إلى العباسة أن تهيئي الليلةَ، ففعلت العباسة وأُدخلت على جعفر ، وكان لم يتثبت صورتها لأنه لم يكن يراها إلا عند الرشيد ، وكان لا يرفع طرفه إليها مخافة ، فلما قضى منها وطَرَهُ قالت له : كيف رأيت خديعة بنات الملوك ؟ فقال : وأي بنت ملك أنت ؟ فقالت : أنا مولاتُكَ العباسة ، فطار السكر من رأسه ، وذهب إلى أمه فقال : يا أماه بعْتني والله رخيصاً ، واشتملت العباسة منه على ولد، ولما ولدته وكلت به غلاماً اسمه رياش ، وحاضنة يقال لها برة ، ولما خافت ظهور الأمر بعثتهم إلى مكة . وكان يحيى بن خالد ينظر إلى قصر الرشيد وحرمه ، ويغلق أبواب القصر وينصرف بالمفاتيح معه ، حتى ضيق على حرم الرشيد ، فشكته زبيدة إلى الرشيد ، فقال له: يا أبت - وكان يدعوه بذلك - ما لزبيدة تشكوك ؟ فقال: أمُنَّهَمٌ أنا في حرمك يا أمير المؤمنين ؟ قال: لا، قال: فلا تقبل قولها فيّ ، وازداد يحيى عليها غلظة وتشديداً، فقالت زبيدة للرشيد مرة أخرى في شكوى يحيى ، فقال الرشيد لها : يحيى عندي غير مُتَّهَمِ في حرمي ، فقالت : فلم لم ٣٣٣ يحفظ ابنه مما ارتكبه ؟ قال : وما هو ؟ فخبرته بخبر العباسة ، قال : وهل على هذا دليل ؟ قالت : وأي دليل أدل من الولد ؟ قال : وأين هو ؟ قالت : كان هنا ، فلما خافتْ ظهوره وجَّهت به إلى مكة ، قال : وعلم بذا سواك ؟ قالت : ليس بالقصر جارية إلا وعلمت به، فسكت عنها ، وأظهر إِرادة الحج ، فخرج له ومعه جعفر ، فكتبت العباسة إلى الخادم والداية بالخروج بالصبي إلى اليمن، ووصل الرشيد مكة، فوكل مَنْ يَشِقُ به بالبحث عن أمر الصبي حتى وجده١ صحيحاً ، فأضمر السوء البرامكة . ذكره ابن بَدْرُرون في شرح قصيدة ابن عبدون٢ التي رئى بها بني الأفْطَسِ والتي أولها : الدّهر يَفجعُ بَعدَ العينِ بالأثرِ فما البكاء عَلى الأشباحِ والصُّوَرِ أورده عند شرحه لقول ابن عبدون من جملة هذه القصيدة : وأشرَقَتْ جعفراً والفضلُ يَرْمُقُهُ والشيخ يحيى بِرِيقِ الصارمِ الذكر ولأبي نواس أبيات تدل على طرف من الواقعة التي ذكرها ابن بدرون ، والأبيات : ألا قل لأمين الل ، وابن القادة الساسة إذا ما ناكثٌ سرّ كَ أن تُفقدَهُ راسه فلا تقتلهُ بالسيفِ وزَوّجَه بِعَبَّاسَه وذكر غيره أن الرشيد سلم إليه أبا جعفر يحيى بن عبد الله بن الحسين الخارج عليه ، وحبسه عنده، فدعا به يحيى إليه وقال له : اتق الله يا جعفر في أمري، ولا تتعرض أن يكون خصمَكَ جدي محمدٌ صلى الله عليه وسلم، فوالله ما أحدثت حدثاً ، فرقَّ له جعفر وقال : اذهب حيث شئت من البلاد ، ١ أ : فوجده . ٢ شرح البسامة : ٢٢٦. ٣٣٤ فقال : إني أخاف أن أوخذ فأرد، فبعث معه من أوصله إلى مَأْمَنهٍ ، وبلغ الخبرُ الرشيدَ فدعا به وطاوله الحديث وقال : يا جعفر، ما فعل يحيى ؟ قال : بحاله، قال: بحياتي ، فوجمَ وأحجمَ وقال : لا وحياتك ، أطلقته حيث علمت أن لا سوء عنده، فقال: نعم الفعل، وما عَدَوْتَ ما في نفسي، فلما نهض جعفر أتبعه بصره وقال : قتلني الله إن لم أقتلك . وقيل : سئل سعيد بن سالم عن جناية البرامكة الموجبة لغضب الرشيد فقال: والله ما كان منهم ما يوجب بعضَ عمل الرشيد بهم، ولكن طالت أَيامهم وكل طويل مَمْلول ، والله لقد استطال الناسُ الذين هم خير الناس أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وما رأوا مثلها عدلاً وأمناً وسعة أموال وفتوح ، وأيام عثمان رضي الله عنه حتى قتلوهما، ورأى الرشيدُ مع ذلك أنس النعمة بهم ، وكثرة حمد الناس لهم ، ورميهم بآمالهم دونه ، والملوك تتنافس بأقلَّ من هذا ، فتعنّتَ عليهم ، وتجنَّى وطلب مَساويَهم ، ووقع منهم بعض الإدلال ، خاصة جعفر والفضل ، دون يحيى ، فإنه كان أحكم خبرة وأكثر ممارسة للأمور ، ولاذ من أعدائهم بالرشيد ، كالفضل بن الربيع وغيره ، فستروا المحاسن وأظهروا القبائح ، حتى كان ما كان ، وكان الرشيد بعد ذلك إذا ذُكروا عنده بسوء أنشد يقول١ : أقلُّوا عليهم لا أبا لأبيكُمُ من اللوم أو سُدُّوا المكان الذي سَدُّوا وقيلَ : السبب أنه رُفعتْ إلى الرَّشيد قصة لمْ يعرف" رافعها فيها : قُلْ لأمينِ الله٢ فِي أَرْضهِ ومَنْ إليهِ الحلّ والعَقْدُ مثلك ، ما بينكما حَدٌ هذا ابن يحيى قد غدا مالكاً وأمْرهُ ليسَ لهُ ردُّ أمركَ مردود إلى أمرهٍ وقَدْ بنى الدارَ التي ما بنى الـ فرسُ لها مثلاً ولا الهندُ الدُّرُّ والياقوت حَصْباؤها وتُرْبها العنبرُ والندُ ١ البيت الحطيئة ، ديوانه : ٤٠ . ٢ هـ : لأمين الناس. ٣٣٥ ٠٠ ٠٫ ونحن نَخشى أنهُ وارثٌ ملككَ إِنْ غيّبكَ اللحدُ ولنْ يباهي العبدُ أَرْبَابَهُ إِلا إِذا ما بَطِرَ العبدُ فلما وقف الرشيد عليها أضمر له السوء . [وكان من الأسباب أيضاً ما تعده العامة سيئاً، وهو أقوى الأسباب ، ما سمع من يحيى بن خالد وهو يقول ، وقد تعلق بأستار الكعبة في حجته : اللهم إِن ذنوبي جمة عظيمة لا يحصيها غيرك ، اللهم إن كنت تعاقبني لذلك فاجعل عقوبتي في الدنيا وإن أحاط ذلك بسمعي وبصري ومالي وولدي حتى تبلغ رضاك ، ولا تجعل عقوبتي في الآخرة ، فاستجيب له . وقد رئتهم الشعراء بمراثٍ كثيرة وذكرت أيامهم ، فمما استحسن من مراثيهم قول أشجع السلمي من أبيات : كأن أيامهم من حسن بهجتها مواسم الحج والأعياد والجمع]! وحكى ابن بدرون أن علية بنت المهدي قالت للرشيد بعد إيقاعه بالبرامكة : يا سيدي ، ما رأيت لك يوم سرور تام منذ قتلت جعفراً ، فلأي شيء قتلته ؟ فقال لها : يا حياتي لو علمتُ أن قميصي يعلم السبب في ذلك لمزقته . وكان قتل الرشيد لجعفر بموضع يقال له العُمْرُ، من أعمال الأنبار ، في يوم السبت سلخ المحرم - وقيل : مستهل صفر - سنة سبع وثمانين ومائة . وذكر الطبري في تاريخه٢ أن الرشيد لما حج سنة ست وثمانين ومائة، ومعه البرامكة ، وقفَلَ راجعاً من مكة وافق الحِيرةَ في المحرم سنة سبع وثمانين [ومائة] فأقام في قصر عون العباديّ أياماً، ثم شخص في السفن حتى نزل العُمْرَ الذي بناحية الأنبار ، فلما كان ليلة السبت سلخ المحرم أرسل أبا هاشم مسروراً الخادم ومعه أبو عصمة حماد بن سالم في جماعة من الجند فأطافوا يجعفر ، ودخل عليه مسرور وعنده ابن بختيشوع الطبيب وأبو زكار المغني ١ ما بين معقفين زيادة من أ . ٢ تاريخ الطبري ١٠ : ٨٤. ٣٣٦ الأعمى الكلواذاني وهو في لهوه ، فأخرجه إخراجاً عنيفاً يقوده ، حتى أتى به منزل الرشيد فحبسه وقيده بقيد حمار ، وأُخبر الرشيد بمجيئه ، فأمر الرشيد بضرب عنقه واستوفى حديثه هناك . وقال الواقدي : نزل الرشيد العُمْرَ بناحية الأنبار في سنة سبع وثمانين منصرفاً من مكة ، وغضب على البرامكة ، وقتل جعفراً في أول يوم من صفر، وصلبه على الجسر ببغداد ، وجَعل رأسه على الجسر وفي الجانب الآخر جسده . وقال غيره : صلبه على الجسر مستقبل الصَّراة ، رحمه الله تعالى . وقال السندي بن شاهك : كنت ليلة نائماً في غرفة الشرطة بالجانب الغربي ، فرأيت في منامي جعفر بن يحيى واقفاً بإزائي ، وعليه ثوب مصبوغ بالعصفر ، وهو ينشد : كأنْ لم يكن بين الحَجون إلى الصفا أنيسٌ ولم يَسْمُرْ بمكةَ سامرُ بَلى نحن كنّا أهلها فأبادنا صُروفُ الليالي والجُدودُ العوائِرُ فانتبهت فزعاً ، وقصصتها على أحد خَواصَّي فقال : أضغاث أحلام ، وليس كل ما يراه الإنسان يجب أن يفسر ، وعاودت مضجعي ، فلم تنل عيني غَمْضاً حتى سمعت صيحة الرابطة والشرط وقعقعة لجم البريد ودق باب الغرفة، فأمرت بفتحها ، فصعد سلاّم الأبرش الخادم، وكان الرشيد يوجهه في المهمات ، فانزعجت وأُرعدَتْ مَفاصلي، وظننت أنه أمر فيَّ بأمر ، فجلس إلى جانبي وأعطاني كتاباً ففضضته، وإذا فيه (( يا سندي ، هذا كتابنا بخطنا مختوم بالخاتم الذي في يدنا ، وموصله سلاّم الأبرش، فإذا قرأته فقبل أن تضعه من يدك فامض إلى دار يحيى بن خالد - لا حاض الله - وسلاّم معك حتى تقبض عليه ، وتوقِرَهُ حديداً، وتحمله إلى الحبس في مدينة المنصور المعروف بحبس الزنادقة ، وتقدم إلى بادام١ بن عبد الله خليفتك بالمصير إلى الفضل ابنه مع ركوبك إلى دار يحيى ، وقبل انتشار الخبر ، وأن تفعل به مثل ما تقدم به إليك في يحيى ، وأن تحمله أيضاً إلى حبس الزنادقة ، ثم بُثَّ بعد فراغك من ١ ب هـ : باذام . ٢٢ - ١ ٣٣٧ أمر هذين أصحابَكَ في القبض على أولاد يحيى وأولاد إخوته وقراباته)). وسَرَدَ صورة الإيقاع بهم ابنُ بدرون أيضاً سَرْداً فيه فوائد زائدة على هذا المذكور ، فأحببت إيراده مختصراً ههنا؛ قال عقيب كلامه المتقدم: ((ثم دعا السندي بن شاهك فأمره بالمضي إلى بغداد والتوكل بالبرامكة وكتتابهم وقراباتهم، وأن يكون ذلك سرّاً ، ففعل السندي ذلك ، وكان الرشيد بالأنبار بموضع يقال له العُمْرُ ، ومعه جعفر، وكان جعفر بمنزله، وقد دعا أبا زكار وجواريه ونصب الستائر وأبو زكار يغنيه : ما يريدُ الناسُ مِنَا ما ينامُ الناسُ عنّا إنما همُّهم أن يُظهروا ما قدْ دَفًّا ودعا الرشيدُ ياسراً غلامه وقال: قد انتخبتك لأمر لم أر له محمداً ولا عبد الله ولا القاسم ، فحقق ظني ، واحذر أن تخالف فتهلك ، فقال : لو أمرتني بقتل نفسي لفعلت ، فقال : اذهب إلى جعفر بن يحيى وجثني برأسه الساعة ، فوجم لا يُحيرُ جواباً، فقال له: ما لك ويلك ؟ قال: الأمر عظيم ، ودِدْتُ أني مت قبل وقتي هذا ، فقال : امض لأمري ، فمضى حتى دخل على جعفر وأبو زكار يغنيه : عليه الموتُ يطرُّقُ أو يفادي فلا تَبْعد فكل فتى سيأتي وإِنْ بقيت تصيرُ إلى نفاد وكل ذخيرةٍ لا بد يوماً ولو فوديت من حَدَث الليالي فدَيْتك بالطريف وبالتّلاد فقال له : يا ياسر ، سررتني بإقبالك وسؤتني بدخولك من غير إذن ، فقال: الأمر أكبر من ذلك ، قد أمرني أمير المؤمنين بكذا وكذا ، فأقبل جعفر يقبل قدمي" ياسر وقال: دعني أدخل وأوصي، قال : لا سبيل إلى الدخول ، ولكن أَوص بما شئت ، قال : لي عليك حق ، ولا تقدر على مكافأتي إلا الساعة ، قال : تجدني سريعاً إلا فيما يخالف أمير المؤمنين ، قال : فارجع وأَعلمه بقتلي ، فإن ندم كانت حياتي على يدك، وإلا أَنفذت أمره فيّ، قال: لا أَقدر، قال: فأسير معك إلى مَضْربه وأسمع كلامه ومراجعتك، فإن أَصَرّ فعلت، قال: ٣٣٨ أما هذا فنعم ، وسار إلى مضرب الرشيد فلما سمع حسَّه قال له : ما وراءك ؟ فذكر له قول جعفر ، فقال له: يا ماصَّ هَنِ امه ، والله لئن راجعتني لأقدمنك قبله ، فرجع فقتله وجاء برأسه ، فلما وضعه بين يديه اقبل عليه مليّاً ثم قال: يا ياسر ، جئني بفلان وفلان، فلما أتاه بهما قال لهما : اضربا عنق ياسر ، فلا أقدر أَرى قاتل جعفر))؛ انتهى كلامه في هذا الفصل . وذكر في كتابه قال : لما فهم جعفر من الرشيد الإعراضَ عند حَجّه معه ووصل إلى الحيرة ركب جعفر إلى كنيسة بها لأمر، فوجد فيها حَجَراً عليه كتابة لا تُفْهم ، فأحضر تراجمة الخط وجعله فألاً من الرشيد لما يخافه ويرجوه ، فقرىء فإذا فيه : بحيث شاد البيعةَ الراهبُ إِن بني المنذر عامَ انقضوا يوماً ولا يرهبهم راهب أضحَوا ولا يرجوهمُ راغبٌ والعنبر الورد له قاطب تنفح بالمسك ذفارهم وانقطع المطلوب والطالب فأصبحوا أكلاً لدود الثرى فحزن جعفر وقال : ذهب والله أمرنا . قال الأصمعي : وجّه إليّ الرشيدُ بعد قتله جعفراً، فجئت فقال : أبيات أردت أن تسمعها ، فقلت : إذا شاء أمير المؤمنين ، فأنشدني : لَنَجا بِهِ منها طِمِرٌ مُلْجَمُ لو أن جعفر خاف أسباب الردى يرجو اللحاق به العُقابُ القَشْعَم ولكان من حذر المنية حيث لا لم يدفع الحدثان عنه مُنَجِّم لكنه لما أتاه يومه فعلمت أنها له فقلت : إنها أحسن أبيات في معناها ، فقال: إلحق الآن بأهلك يا ابن قُرَيب إن شئت . وحكي أن جعفراً في آخر أيامه أراد الركوب إلى دار الرشيد ، فدعا بالاصطرلاب ليختار وقتاً وهو في داره على دجلة ، فمر رجل في سفينة وهو لا يراه ولا يدري ما يصنع والرجل ينشد : ٣٣٩ يُدَبر بالنجوم وليس يَدْري وربُّ النجم يَفْعَل ما يريدُ فضرب بالاصطرلاب الأرض وركب . ويحكى أنه رؤي على باب قصر علي بن عيسى بن ماهان بخراسان صبيحة الليلة التي قتل فيها جعفر كتاب بقلم جليل : إِن المساكين بَني بَرْمَكِ صُبَّ عليهم غِيَرُ الدهرِ فَلَيَعْتبر ساكنُ ذا القضْرِ إِن لنا في أمرهم عِبْرَةً ولما بلغ سفيان بن عيينة خبر جعفر وقتله وما نزل بالبرامكة حَوَّلَ وجهه إلى القبلة وقال : اللهم إنه كان قد كفاني مؤنة الدنيا فاكفه مؤنة الآخرة . ولما قتل أكثر الشعراء في رثائه ورثاء آله ، فقال الرقاشي من أبيات : هدا الخالونَ مِن شَجْوي فناموا وعيني لا يُلائمها منامُ إذا أرق المحبُّ المستهام وما سَهِرت لأني مُسْتهامٌ فلي سهر إذا هجدَ النيام ولكنَّ الحوادث أرَّقَتْني بهم نُسْقى إذا انقطع الغَمام أصِبْتُ بسادةٍ كانوا نجوماً لدَوْلة آل برمك السَّلام على المعروف والدنيا جَميعاً حساماً فَلَّهُ السيف الحسام فلم أر قَبْلَ قتلك يا ابْنَ يحيى وعين للخليفة لا تَنام كما الناس بالحجَر استلام أما والله لولا خوفُ واشٍ لطُفْنا حَوْل جِدْعِكَ واستلَمْنا وقال أيضاً يرثيه وأخاهُ الفضل : الا إِنْ سَيْقاً برمكيّاً مُهَنَّداً أصيب بسيفٍ هاشميّ مهنَّدٍ وقل للرزايا كل يوم تجدّدي فقل للعَطايا بعد فَضْلٍ تعطَّلي وقال دِعْبِلُ بن علي الخزاعي : ونادى مُنادٍ للخليفة في يحيى ولما رأيت السيف صَبِّحَ جَعْفَراً بكيت على الدنيا وأيقَنْتُ أنما قُصارى الفتى فيها مُفارقة الدنيا ٣٤٠