Indexed OCR Text

Pages 301-320

تعالى ؛ وأخذ اللغة عن أبيه وعن أبي بكر الزبيدي وغيرهما .
والتَّيَّاني: أظنه منسوباً إلى التين وبَيْعهِ ، والله أعلم .
١٢٥
تميم بن المعز الفاطمي
أبو علي تميم بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي ؛ كان أبوه صاحب الديار
المصرية والمغرب، وهو الذي بنى القاهرة المعزية - وسيأتي ذكره في حرف الميم
إن شاء الله تعالى - وقد تقدم ذكر جماعة من أهل بيته - وسيأتي ذكر الباقين إن
شاء الله تعالى -؛ وكان تميم المذكور فاضلاً شاعراً ماهراً لطيفاً ظريفاً، ولم يَلِ
المملكة لأن ولاية العهد كانت لأخيه العزيز فوليها بعد أبيه، والعزيز أيضاً
أشعار جيدة وقد ذكرهما أبو منصور الثعالبي في ((اليتيمة))١، وأورد لهما كثيراً
من المقاطيع ، فمن شعر تميم المذكور٢ :
ومَشَى الدجى في خده فَتَحَيَّرا
ما بان عُذْري فيه حتى عَذَّرا
فاستلَّ ناظرُهُ عليها خنْجَرا
هَمَّتْ تُقَبَّله عقاربُ صُدْغِه
وصَبًا وإن كان التَّصَابِي أجْدَرا
والله لولا أن يُقال تَغَيْرا
لأعدْتُ تفَاحَ الخدودِ بَنَفْسجاً لثماً وكافورَ الترائِبِ عَنْبرا
وله أيضا٣ً :
١٢٥ - ترجمة تميم في الحلة السيراء ١: ٢٩١ ومسالك الأبصار (أول الجزء ١٢) ومقدمة ديوانه
(ط. دار الكتب ١٩٥٧).
١ اليقيمة ١: ٣٠٨ وقد عاد الثعالبي فأفرد لتميم ذكراً ص : ٤٥٢ من الجزء نفسه.
٢ أضيفت الى الديوان: ٤٦٤ ولم تكن في الأصول ، عن اليتيمة وغيرها .
٣ ديوانه : ٣٩٨ .
٠ ٣٠١

أما والّذي لا يملكُ الأمرَ غيرُهُ ومَنْ هوَ بالسرِّ المكثم أعْلَمُ
لإعلانها عِندي أشَدُّ وآَلَمُ
وإن كنت منهُ دائماً أتبسَّمُ
لَئِنْ كان كِتْمَانُ المصائب مؤْماً
وبي كلُّ ما يُبكي العيونَ أُقلتُّه
وأورد له صاحب ((اليتيمة))١ :
ببَلْفَعَة بَيْداء ظمآن صاديا
وما أم خِشْفٍ ظلَّ يوماً ولَيْلَةً
تهيمُ فلا تدري إلى أين تَنْتَهي٢
أُضَرَّ بها حَرُّ الهجير فلم تجدْ
فلما دَنَتْ من خشفها انْعَطَفَتْله
موَلَّهَة حَيْرَى تجوبُ الفَيافيا
لِغُلَّتها مِنْ بارد الماء شافيا
فألفَتْهُ ملهوفَ الجوانح طاويا
بأَوْجَعَ مِنِّي يوم شدّت حمولهم ونادى مُنادي الحي أن لا تلاقيا
[وأورد له أبو الصلت أميّة بن عبد العزيز في كتابه ((الحديقة)):
يوم لنا في النيل مختصرٌ ولكل يوم مسرَّةٍ قُصْرُ
والسُّفْنُ تصعد كالخيول بنا فيه وجيش الماءِ ينحدرُ
فكأنما أمواجه عكنٌ وكأنما داراته سُرَرُ
ومن شعره أيضاً رحمه الله تعالى :
أضحك وجه الأرض لما بكى
اشرب على غيم كصبغ الدجى
كأنما صُنْدل أو مُسِّكا
وانظر لماءِ النيل في مَدِّهِ
وكان قد وصل إلى عبد الله بن محمد الكاتب بيتان قيلا في وصف النيل فجمع
شعراء إِفريقية وأمرهم أن يقولوا في معناهما وقافيتهما فلم يأتوا بطائل وهما
هذان البيتان :
شربنا على النيل لما بدا بموجٍ يزيد ولا ينقُصُ
كأن تكاثف أمواجه معاطفُ جاريةٍ ترقُصُ
١ ديوانه : ٤٦٢ .
٢ أج : تنتحي.
٣٠٢

وأحسبهما للأمير تميم أو لبعض شعراء مصر ، وذلك أن تميماً ركب في النيل
ليلة متنزهاً فمرَّ ببعض الطاقات المشرفة على النيل، وجارية تغنّ هذا الصوت:
نبهت ندماني بدجلة موهناً والبدر في أفق السماء مُعَلَّقُ
والبدر يضحك وجهه في وجهها والماء يرقص حولها ويصفّقُ
فاستحسنه وطرب عليه وما زال يستعيدها فيه ويشرب عليه حتى انصرف
وهو لا يعقل سكراً فلما أصبح عارضهما بالبيتين الأولين] .
ومن المنسوب إليه أيضاً :
وكما يَمَلُّ الدهر من إعطائه فكذا مَلالته من الحِرْمان
وأشعاره كلها حسنة .
وكانت وفاته في ذي القعدة سنة أربع وسبعين وثلثمائة بمصر ، رحمه الله
تعالى، هكذا قال صاحب ((الدول المنقطعة)) وزاد العتقي١ في تاريخه أنه
توفي يوم الثلاثاء مع زوال الشمس لثلاث عشرة ليلة خلت من الشهر المذكور ،
وأن أخاه العزيز نزار بن المعز حضر الصلاة عليه في بستانه ، وغسله القاضي
محمد بن النعمان وكفنه في ستين ثوباً، وأخرجه من البستان مع المغرب
وصلى عليه بالقرافة ، وحمله إلى القصر فدفنه بالحجرة التي فيها قبر أبيه المعز .
وقال محمد بن عبد الملك الهمداني في كتابه الذي سماه ((المعارف المتأخرة))٢:
إنه توفي سنة خمس وسبعين ، والله أعلم . وقال غيرهما : إنه ولد سنة سبع
وثلاثين وثلثمائة .
١ العتقي: محمد بن عبد الرحمن بن القاسم بن جنادة (وعند القفطي في تاريخ الحكماء : ٢٨٥ محمد
ابن عبد الله بن محمد أبو عبد الرحمن العتقي) ، قدم مصر من إفريقية مع المعز وظل مقرباً من
الفاطميين حتى أيام العزيز حين ألف كتاباً في أخبار بني أمية وبني العباس ذكر فيه أشياء من
محاسنهم، فوبخه العزيز على ذلك وصودرت صفية كانت له ، وتوفي سنة ٣٨٤، ولعل هذا
الكتاب هو الذي يشير اليه المؤلف باسم تاريخ العتقي (انظر الوافي ٣ : ٢٣٩).
٢ توفي الهمداني سنة ٥٢١؛ وكتابه («المعارف المتأخرة)) مختصر، ومن كتبه تكملة تاريخ الطبري.
٣٠٣

١٢٦
تميم بن المعز الصنهاجي
أبو يحيى تميم بن المعز بن باديس بن المنصور بن بُلكِّين بن زيري بن مَناد
ابن منقوش بن زناك بن زير الأصغر بن واشفال بن وزغفي بن سري بن وتلكي
ابن سليمان بن الحارث بن عدي الأصغر، وهو المثنى ، بن المِسْور بن يحصب بن
مالك بن زيد بن الغَوْث الأصغر بن سعد وهو عبد الله بن عوف بن عدي بن
مالك بن زيد بن سدد بن زرعة ، وهو حِمْير الأصغر ، بن سبأ الأصغر بن
كعب بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جُشَم بن عبد شمس بن
وائل بن الغوث بن حيدان بن قطن بن عوف بن عريب بن زهير بن أيمن بن
الهمَيْسَعِ بن عمرو بن حمير وهو العرنجَج بن سبأ الأكبر بن يشْجُب بن يَعْرُبَ
ابن قَحْطان بن عابر وهو هود عليه السلام ابن شالخ بن إرفخشذ بن سام بن نوح
عليه السلام، هكذا قاله العماد في (( الخريدة))، الحميري الصنهاجي .
ملك إفريقية وما والاها بعد أبيه المعز ، وكان حَسَن السيرة ، محمود الآثار ،
محبّاً للعلماء ، معظماً لأرباب الفضائل ، حتى قصدته الشعراء من الآفاق على بعد
الدار كابن السراج الصوري وأنظاره ، وجدُّه المثنى بن المسور أول من دخل
منهم إلى افريقية .
ولأبي علي الحسن بن رشيق القيرواني فيه مدائح ، فمن ذلك قوله١ :
أَصَحُّ وأعلى ما سمِعْناه في النَّدى من الْخَبَرِ المأثور مُنْذ قديم
أحاديث ترويها السُّيولُ عن الحَيا عن الْبَحْرِ عن كفِّ الأميرِ تميم
١٢٦ - ترجمة تميم الصنهاجي في الحلة السيراء ٢: ٢١ والبيان المغرب ١: ٢٩٨ وابن خلدون ٦ :
١٥٩ وأعمال الأعلام (القسم الثالث) : ٧٣.
١ الحلة : ٠٢٣
٣٠٤

وللأمير تميم المذكور أشعار حسنة ، فمن ذلك قوله :
إِن نظرَتْ مقلقٍ لِمُقْلَتِها تعلم ممَّا أُريدُ نَجْواهُ
كأنها في الفؤادِ ناظرَةٌ تكْشِفُ أسراره وفحواهُ
وله أيضاً :
سَلِ المطَرَ العام الذي عمّ أرضكم أجاء بمقْدار الذي فاض مِنْ دَمْعي
فمِن أين لي صبر فأجعله طَبْعي
إذا كنتَ مطبوعاً على الصدّ والجفا
وله أيضاً :
وخمْر قد شربْتُ على وجوه إذا وصِفَتْ تجلُ عن القياسِ
خدودٌ مثلُ وردٍ في ثغور كدرٍ في شعور مثلٍ آسٍ
وذكره العماد الكاتب في كتاب (( السيل )) ، وأورد له :
فكَّرْت في نار الجحيم وحَرِّها يا ويْلَتاه ولات حين مَناصٍ
فَدَعوتُ ربي أن خير وسيلقي يوم المعاد شهادةُ الإخلاصِ
وأشعاره وفضائله كثيرة ، وكان يجيز الجوائز السنية ، ويعطي العطاء
الجزيل، وفي أيام ولايته اجتاز المهدي محمد بن تومرت - الآتي ذكره إن شاء الله
تعالى - بإفريقية عند عَوْده من بلاد المشرق، وأظهر بها الانكار على مَنْ رآه
خارجاً عن سنن الشريعة ، ومن هناك توجه إلى مَرَّاكش وكان منه ما اشتهر .
وكانت ولادة الأمير تميم المذكور بالمنصورية التي تسمى صَبْرَةَ من بلاد
إفريقية يوم الاثنين ثالث عشر رجب سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة ، وفوض
إليه أبوه ولاية المهدية في صفر سنة خمس وأربعين ، ولم يزل بها إلى أن توفي
والده في [رابع] شعبان سنة أربع وخمسين وأربعمائة كما سيأتي في ترجمته إن
شاء الله تعالى ، فاستبد بالملك ، ولم يزل إلى أن توفي ليلة السبت منتصف رجب
سنة إحدى وخمسمائة ، ودفن في قصره ، ثم نقل إلى قصر السيدة بالمنستير ،
رحمه الله تعالى .
٢٠ - ١
٣٠٥

وخلف من البنين أكثر من مائة ، ومن البنات ستين ، على ما ذكر حفيده
أبو محمد عبد العزيز بن شداد ابن الأمير تميم المذكور في كتاب ((أخبار القيروان))
رحمه الله تعالى .
وقد تقدم ضبط بعض أجداده والباقي يطول ضبطه وقد قيدته بخطي ،
فمن أراد نقْله فلينقله على هذه الصورة فإني نقلته من خط بعض الفضلاء .
والصنهاجي : قد تقدم الكلام فيه .
والمنستير : يأتي ذكرها في حرف الهاء إن شاء الله تعالى في ترجمة البوصيري.
١٢٧
توران شاه
الملك المعظم شمس الدولة توران شاه بن أيوب بن شاذي بن مروان الملقب
فخر الدين ، وقد تقدم ذكر أبيه وأخيه تاج الملوك ، وهو أخو السلطان صلاح
الدين رحمه الله تعالى، وكان أكبر منه ؛ وكان السلطان يكثر الثناء عليه ويرجحه
على نفسه ، وبلغه أن باليمن إنساناً يسمى عبد النبي بن مهدي يزعم أنه ينتشر
ملكه حتى يملك الأرض كلها ، وكان قد ملك كثيراً من بلادها واستولى على
حصونها وخطب لنفسه، وكان السلطان قد ثَبَتَتْ قواعده وقوي عسكره،
فجهز أخاه شمس الدولة المذكور بجيش اختاره ، وتوجه إليها من الديار المصرية
في أثناء رجب سنة تسع وستين وخمسمائة ، فمضى إليها ، وفتح الله على يديه ،
وقتل الخارجي الذي كان فيها ، وملك معظمها ، وأعطى وأغنى خلقاً كثيراً ،
وكان كريماً أرْيَحيّاً ، ثم إنه عاد من اليمن والسلطان على حصار حلب، فوصل
إلى دمشق في ذي الحجة سنة إحدى وسبعين ، ولما رجع السلطان من الحصار
وتوجه إلى الديار المصرية استخلفه بدمشق ، فأقام بها مدة ثم انتقل إلى مصر .
١٢٧ - انظر طبقات السبكي ٥ : ٥٢.
٣٠٦

وذكر ابن شداد في ((سيرة صلاح الدين)) ١ أنه توفي يوم الخميس مستهلّ
صفر ، وقال في موضع آخر من السيرة أيضاً : خامس صفر سنة ست وسبعين
وخمسمائة ، بثغر الاسكندرية المحروس ، ونقلته أخته شقيقته ست الشام بنت
أيوب إلى دمشق ودفنته في مدرستها التي أنشأتها بظاهر دمشق ، فهناك قبره
وقبرها وقبر ولدها حُسام الدين عمر بن لاجين وقبر زوجها ناصر الدين أبي
عبد الله محمد بن أسد الدين شير كوه صاحب حمص ، وكانت تزوجته بعد لاجين ،
رحمهم الله أجمعين .
وكانت وفاة حسام الدين المذكور ليلة الجمعة تاسع عشر شهر رمضان سنة سبع
وثمانين وخمسمائة ، وهذا حسام الدين المذكور هو سيد شبل الدولة كافور بن
عبد الله الحسامي الخادم صاحب المدرسة والخانقاه الشبلية اللتين في ظاهر دمشق
على طريق جبل قاسيون ، ولهما شهرة في مكانهما . وله أوقاف كثيرة ومعروف
نافع في الدنيا والآخرة ، وكانت وفاته في رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة ،
ودفن في تربته المجاورة لمدرسته المذكورة .
وسيأتي ذكر ناصر الدين محمد بن شيركوه في ترجمة أبيه في حرف الشين إِن
شاء الله تعالى .
وتوفيت ست الشام المذكورة في سادس عشر ذي القعدة سنة ست عشرة
وستمائة .
وبعد الفراغ من هذه الترجمة وجدت بخط بعض الفضلاء ممن له عناية بهذا
الفن زيادة على ما ذكرته ههنا ، فتركت ما هو مذكور في هذا المكان وأتيت
بتلك الزيادة ، فقال : لما تمهدت بلاد اليمن لشمس الدولة واستقامت له أمورها
كره المقام بها لكونه تربية بلاد الشام ، وهي كثيرة الخير ، واليمن بلاد مجدبة
من ذلك كله ، فكتب إلى أخيه صلاح الدين يستقيل منها ويسأله الإذن له
في العَود إلى الشام ، ويشكو٢ حاله وما يقاسيه من عدم المرافق التي يحتاج
إليها ، فأرسل إليه صلاح الدين رسولاً مضمون رسالته ترغيبه في الإقامة وأنها
١ سيرة صلاح الدين : ٥٢، ٥٤ .
٢ هـ: في العود الى بلاد الشام، وشكا.
٣٠٧

كثيرة الأموال ومملكة كبيرة ، فلما سمع الرسالة قال لمتولي خزانته : أحضر لنا
ألف دينار ، فأحضرها ، فقال الأستاذ داره والرسول حاضر عنده : أرسل هذا
الكيس إلى السوق يشترون لنا بما فيه قطعة ثلج ، فقال أستاذ الدار : يا
مولانا ، هذه بلاد اليمن من أين يكون فيها ثلج ؟ فقال : دعهم يشترون بها
طبق مشمش لوزي ، فقال : من أين يوجد هذا النوع ههنا ؟ فجعل يعدد عليه
جميع أنواع فواكه دمشق١ وأستاذ الدار يظهر التعجب من كلامه ، وكلما قال
له عن نوع يقول له : يا مولانا من أين يوجد هذا ههنا؟ فلما استوفى الكلام إلى
آخره قال للرسول : ليت شعري ماذا أصنع بهذه الأموال إذا لم أنتفع بها في
ملاذي وشهواتي ؟ فإن المال لا يؤكل بعينه ، بل الفائدة فيه أن يتوصل به
الانسان إلى بلوغ أغراضه . فعاد الرسول إلى صلاح الدين وأخبره بما جرى ،
فأذن له في المجيء .
وكان القاضي الفاضل يكتب إليه الرسائل الفائقة ، ويودعها شرح الأشواق،
فمن ذلك أبيات مشهورة ذكرها في ضمن كتاب ، وهي :
لا تضجرَنْ مما أبثّ فإِنه صَدْرٌ لأسرار الصبابة يَنْفُثُ
أمَّا فراقكَ واللقاء فإنَّ ذا منه أموت وذاك منه أُبْعثُ
حَلَفَ الزمانُ على تفرّق شملنا فمتى يَرِقُّلنا الزمانُ ويحنَثُ؟
كمْ يلبث الجسمُ الذي ما نَفْسهُ فيه ولا أنفاسهُ كم يلبثُ
حَول المضاجِع كُتْبُكم فكأنني ملْسوعكم وهي الرّقاة النُّفَّثُ
ولما وصل إلى دمشق في التاریخ المقدم ذکره ناب عن أخيه صلاح الدين بها لما
عاد صلاح الدين إلى الديار المصرية ، ثم انتقل إلى الديار المصرية في سنة أربع
وسبعين وخمسمائة، وكان أخوه صلاح الدين قد سيره في سنة ثمان وستين وخمسمائة
إلى بلاد النوبة ليفتحها قبل سفره إلى اليمن، فلما وصل إليها وجَدَها لا تساوي
المشقة فتركها ورجع ، وقد غنم شيئاً كثيراً من الرقيق ، وكانت له من
...
١ أ : الشام .
٣٠٨

أخيه إِقطاعات ، ونوابه باليمن يجبون له الأموال ، ومات وعليه من الديون
مائتا ألف دينار ، فقضاها عنه صلاح الدين .
وحكى صاحبنا الشيخ مهذب الدين أبو طالب محمد بن علي المعروف بابن
الخيمي الحلي نزيل مصر الأديب الفاضل ، قال : رأيت في النوم شمس الدولة
توران شاه بن أيوب وهو ميت ، فمدحته بأبيات وهو في القبر ، فلفَّ كفنه
ورَمَاه إليّ وأنشدني :
لا تستقلَّنَّ مَعْروفاً سمحْتُ به ميْتاً فأمْسيْتُ منه عارياً بدني
ولا تَظُنْنَّ جودي شابَه بَخَلٌ مِن بَعْدِ بذليَ ملك الشام واليمنِ
إِني خَرَجْتُ من الدنيا ولَيْسَ معي
من كل ما ملَكَتْ كفِّي سوى كفني
ولما كان في اليمن استناب في زبيد سيف الدولة أبا الميمون المبارك بن منقذ
الآتي ذكره في حرف الميم إِن شاء الله تعالى .
وتوران - بضم التاء المثناة من فوقها وسكون الواو وبعدها راء ثم بعد
الألف نون - وهو لفظ أعجمي ، وشاه - بالشين المعجمة - هو الملك باللغة
العجمية ، ومعناه ملك المشرق ، وإنما قيل للمشرق توران لأنه بلاد الترك ،
والعجم يسمون الترك تركان ، ثم حرفوه فقالوا : توران ، والله أعلم .
٣٠٩

حَرفُ الثَاءِ

١٢٨
ثابت بن قرة
أبو الحسن ثابت بن قرة بن هارون١ - ويقال زهرون - بن ثابت بن کرایا
ابن إبراهيم بن كرايا بن مارينوس بن مالاجريوس٢ الحاسب الحكيم الحرّاني؛ كان
في مبدإ أمره صيرفيّاً بجرّان، ثم انتقل إلى بغداد واشتغل بعلوم الأوائل
فَمَهَرَ فيها ، وبرع في الطب .
وكان الغالب عليه الفلسفة، وله تآليف كثيرة في فنون من العلم مقدار
عشرين تأليفاً، وأخذ كتاب إقليدس الذي عرّبه حنين بن إسحاق العِباديّ
فهذبه ونقحه وأوضح منه ما كان مستعجماً ، وكان من أعيان عصره في
الفضائل ، وجرى بينه وبين أهل مذهبه أشياء أنكروها عليه في المذهب ،
فرافعوه إلى رئيسهم فأنكر عليه مقالته ومنعه من دخول الهيكل ، فتاب
ورجع عن ذلك ، ثم عاد بعد مدة إلى تلك المقالة ، فمنعوه من الدخول إلى
المجمع ، فخرج من حران ونزل كَفْرَ توثا ، وأقام بها مدة إلى أن قدم محمد
ابن موسى من بلاد الروم راجعاً إلى بغداد ، فاجتمع به فرآه فاضلاً فصيحاً ،
فاستصحبه إلى بغداد وأنزله في داره، ووصله بالخليفة فأدخله في جملة المنجمين ،
فسكن بغداد وأولد الأولاد وعَقِبُهُ بها إلى الآن .
وكَفْرَ توثا - بفتح الكاف وسكون الفاء وفتح الراء وضم التاء المثناة من
فوقها وسكون الواو وبعدها ثاء مثلثة - وهي قرية كبيرة بالجزيرة الفراتية
بالقرب من دارا .
١٢٨ - لثابت بن قرة ترجمة في أخبار الحكماء : ١١٥ والفهرست: ٢٧٢ وابن أبي أصيبعة ١ :
٢٠٤ - ٢٠٧ وطبقات صاعد: ٣٧ وابن جلجل: ٧٥ ومختصر الدول : ٢٦٥.
١ الفهرست والقفطي : ابن مروان .
٢ الفهرست والقفطي: ابن سالامويوس (سالامانس) .
٣١٣

وكانت ولادته سنة إحدى وعشرين ومائتين ، وتوفي يوم الخميس السادس
والعشرين من صفر سنة ثمان وثمانين ومائتين .
وكان صائيَّ النّحْلَة .
(12) وله ولد يسمى إبراهيم١ بلغ رتبة أبيه في الفضل، وكان من حُذَّاق
الأطباء ومقدمي أهل زمانه في صناعة الطب، وعالج مرة السريَّ الرفاء
الشاعر فأصاب العافية ، فعمل فيه ، وهو من أحسن ما قيل في طبيب :
بَعدَ الإلهِ، وهلْ لهُ من كافي ؟
هلْ للعليل سوى ابن قرَّة شافي
أُوْدَى، وأوضَحَ رسمَ طب عافي
أحيا لنا رَسْمَ الفلاسفة الذي
يهبُ الحياةَ بِأَيْسَرِ الأوصافِ
فكأنهُ عيسى بنُ مَرْيَمَ ناطقاً
ما اكتَنَّ بين جوانحي وشغافي
مثلَتْ لهُ قارورَتي فرأى بِها
يبدو لهُ الدَّاءُ الخفيُّ كما بدا للعينِ رَضْراضُ الغديرِ الصافي
وله فيه أيضاً :
فَرَاحَ يُدْعى وارثَ العلمِ
بَرَّزَ إِبراهيمُ في علمه
ما زالَ فيهِمْ دارسَ الرسم
أوضح نهج الطب في معشر.
يجولُ بينَ الدَّمِ واللحم
كأنه منْ لطفٍ أفكارهِ
أصلَحَ بينَ الرُّوح والجسمِ
إن غَضبت روحٌ على جسمها
(13) ومن حَفَدَة ثابت المذكور أبو الحسن ثابت بن سنان بن ثابت بن
قرة٢، وكان صابئيَّ النحلة أيضاً، وكان ببغداد في أيام معز الدولة بن بويه المقدم
ذكره ، وكان طبيباً عالماً نبيلاً يُقرأ عليه كتب بقراط وجالينوس ، وكان
فكّاكاً للمعاني ، وكان قد سلك مسلك جده ثابت في نظره في الطب والفلسفة
١ انظر القفطي : ٥٧ والفهرست : ٢٧٢.
٢ راجع أخباره في الفهرست: ٣٠٢ والقفطي: ١٠٩ وابن أبي أصيبعة ١: ٢١٦ وطبقات
صاعد: ٣٧ وابن جلجل: ٨٠ ومختصر الدول: ٢٩٦ ومعجم الأدباء ٥ : ١٤٢.
٣١٤

والهندسة وجميع الصناعات الرياضية للقدماء ؛ وله تصنيف في التاريخ أحسن
فيه ١، وقد قيل: إن الأبيات المذكورة أولاً من نظم السري الرفاء إنما عملها
فيه ، والله أعلم .
والحرّاني: نسبة إِلى حَرّان، وهي مدينة مشهورة بالجزيرة.
ذكر ابن جرير الطبري - رحمه الله تعالى - في تاريخه أن هاران عم إبراهيم
الخليل - عليه الصلاة والسلام - عمَرَها فسميت باسمه فقيل : هاران ،
ثم إِنها عُرِّبت فقيل: حَرّان، وهاران المذكور: أبو سارَةَ، زوجة
إبراهيم ، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام .
وكان لإبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أخٌ يسمى هاران أيضاً، وهو أبو
لوط عليه السلام، وقال الجوهري في كتاب ((الصحاح)): وحَرَّان اسم بلد،
والنسبة إِليه حَرْناني على غير قياس ، والقياس: حَرَّاني، على ما عليه العامة .
١٢٩
ذو النون المصري
أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم - وقيل : الفيض بن إبراهيم - المصري المعروف
بذي النون ، الصالح المشهور ، أحد رجال الطريقة ؛ كان أوحد وقته علماً
وورعاً وحالاً وأدباً ، وهو معدود في جملة من رَوى الموطأ عن الامام مالك ،
رضي الله عنه ؛ وذكر ابن يونس عنه في تاريخه أنه كان حكيماً فصيحاً ، وكان
١ قال القفطي: وعمل ثابت هذا كتاب التاريخ المشهور في الآفاق الذي ما كتب كتاب في التاريخ
أكثر مما كتب وهو من سنة نيف وتسعين ومائتين وإلى حين وفاته في شهور سنة ٣٦٣ وعليه
ذيل ابن أخته هلال بن المحسن .
١٢٩ - أخبار ذي النون في تهذيب ابن عساكره: ٢٧١ وتاريخ بغداد ٨: ٣٩٣ وأخبار
الحكماء : ١٨٥.
٣١٥

أبوه نوبيّاً ، وقيل : من أهل إخميم ، مولّى لقريش .
وسئل عن سبب توبته فقال : خرجت من مصر إلى بعض القُرى ، فنمت
في الطريق في بعض الصحارى ، ففتحت عيني فإذا أنا بقنبرة عمياء سقطت
من وكرها على الأرض ، فانشقت الأرض فخرجت منها سكرجتان :
إحداهما ذهب والأخرى فضة ، وفي إحداهما سمسم وفي الأخرى ماء ،
فجعلت تأكل من هذا وتشرب من هذا ، فقلت : حسبي ، قد تبت ، ولزمت
الباب إلى أن قبلني .
(٣٢)* وكان قد سَعوا به إلى المتوكل فاستحضره من مصر، فلما دخل عليه
وعظه ، فبكى المتوكل وردّهُ مكرماً؛ وكان المتوكل إذا ذُكر أهل الورع بين
يديه يبكي ويقول : إذا ذُكر أهل الورع فحيَّ هلا بذي النون. وكان رجلاً
نحيفاً تعلوه حمرة ، ليس بأبيض اللحية ، وشيخه في الطريقة شُقران العابد .
ومن كلامه : إذا صحت المناجاة بالقلوب استراحت الجوارح .
وقال إسحاق بن إبراهيم السرخسي بمكة : سمعت ذا النون وفي يده الغلُّ
وفي رجليه القيد وهو يساق إلى المُطْبِقِ والناس يبكون حوله وهو
يقول : هذا من مواهب الله تعالى ومن عطاياه ، وكل فعاله عذب حسن
طيب ، ثم أنشد :
لك منْ قلبيَ المكانُ المصونُ كُلُّ لوم عليّ فيكَ يهونُ
لك عزمٌ بأن أكونَ قتيلاً فيكَ والصبرُ عنكَ ما لا يكونُ
ووقفت في بعض المجاميع على شيء من أخبار ذي النون المصري ، رحمه
الله تعالى ، فقال : إِن بعض الفقراء من الناس تلامذته فارَقه من مصر وقدم
بغداد فحضر بها سماعاً ، فلما طاب القومُ وتواجدوا قام ذلك الفقير ودار
واستمع ، ثم صرخ ووقع ، فحركوه فوجدوه ميتاً ، فوصل خبره إلى شيخه
ذي النون فقال لأصحابه : تجهزوا حتى تمشي إلى بغداد ، فلما فرغوا من
أشغالهم خرجوا إليها فقدموا عليها ، وساعة قدومهم البلد قال الشيخ :
ائتوني بذلك المغني ، فأحضروه إليه ، فسأله عن قضية ذلك الفقير ، فقص
٣١٦

عليه قصته . فقال له : مبارك ؛ ثم شرع هو وجماعته في الغناء ، فعند ابتدائه
فيه صَرَخ الشيخُ على ذلك المغني فوقع ميتاً ، فقال الشيخ : قتيل بقتيل ،
أخذنا نأر صاحبنا ؛ ثم أخذ في التجهيز والرجوع إلى الديار المصرية ، ولم يلبث
ببغداد بل عادَ من فَوْره .
قلت : وقد جرى في زمني شيء من هذا يليق أن أحكيه ههنا ، وذاك أنه
كان عندنا بمدينة إِرْبِلَ مُغنّ موصوف بالحذق والإجادة في صنعة الغناء
يقال له : الشجاع جبريل بن الأواني ، فحضر سماعاً قبل سنة عشرين وستمائة ،
فإنني أُذكر الواقعة وأنا صغير ، وأهلي وغيرهم يتحدثون بها في وقتها، فغَنَّى
الشجاع المذكور القصيدة الطنانة البديعة التي لسبط ابن التعاويذي - الآتي
ذكره في حرف الميم في المحمدين إن شاء الله تعالى - وأولها١:
سَقاكَ سَارٍ مِنَ الوَسْمِيِّ هَتَّانُ ولَا رَقَتْ للغَوادي فيكَ أجفانُ
إلى أن وصل إلى قوله منها :
وما عَسى يُدْركُ المشتاقُ منْ وطَر
كانوا معاني المغاني، والمنازلُ أمْـ
الله كمْ قَمَرَتْ لُبِّي يجوِّكَ أقـ
وليلة باتَ يُجْلو الرّحَ منْ يدهِ
خالٍ منَ الهَمِّ في خلخاله حَرَجٌ
يذكي الجوى باردٌ مِنْ ثغرهِ شَبِمٌ"
إِنْ يُمسِ ريانَ مِنْ ماء الشبابٍ فلي
بينَ السيوفِ وعينيْهِ مُشارَ كةٌ
ولي إلى البانِ مِنْ رَمْلِ الحمى وطَرٌَ فاليومَ لا الرّمَلُ يُصْبيني ولا البانُ
إذا بكى الرَّبْعَ والأحبابُ قد بانوا
وات إذا لم يكنْ فيهنّ سُكان
مارٌ وَكَم غازَ لَتني فيكَ غِزْلان
فيها أغنُّ خفيفُ الرّوحِ جَذْلان
فقلبهُ فارغ والقلبُ ملآنْ
ويوقظُ الوجدَ طَرْفٌ منه وسْنان
قلْبٌ إِلى ريقهِ المعسولِ ظمآن
مِنْ أجلها قيلَ للأغمادِ أجفان
فلما انتهى إلى هذا البيت قام بعض الحاضرين وقال له : يا شجاع ، أعِدْ ما
قلته ، فأعاده مرتين أو ثلاثاً وذلك الشيخ متواجد ، ثم صرخ صرخة هائلة
١ ديوان سبط ابن التعاويذي : ٤١٢ .
٣١٧

ووقع ، فظنوه قد أغمي عليه ، فافتقدوه بعد أن انقطع حسه فوجدوه قد
مات ، فقال الشجاع : هكذا جرى في سماعي مرةً أخرى ، فإِنه مات فيه
شخص آخر .
وهذه القصيدة من غرر القصائد ، وهي طويلة مدح بها الامام الناصر لدين
الله أبا العباس أحمد بن المستضيء أمير المؤمنين العباسي في يوم عيد الفطر من سنة
إِحدى وثمانين وخمسمائة ، والله أعلم .
ومحاسن الشيخ ذي النون كثيرة .
وتوفي في ذي القعدة سنة خمس وأربعين - وقيل : ست وأربعين ، وقيل :
ثمان وأربعين ومائتين - رضي الله عنه بمصر ، ودفن بالقرافة الصغرى ، وعلى
قبره مشهد مبني ، وفي المشهد أيضاً قبور جماعة من الصالحين رضي الله عنهم ،
وزرته غير مرة .
وثَوْبَانُ : بفتح الثاء المثلثة وسكون الواو وفتح الباء الموحدة وبعد
الألف نون .
٣١٨

حَرفُ الجِيمُ