Indexed OCR Text
Pages 281-300
أليم) - هذا مع كل حالف، فمنهم من يرجع عن اليمين ؛ وكان يحاسب أمناءه في كل شهر ويسأل عن الشهود . قال أبو حاتم ابن أخي بكار : قدم على عمي رجل من البصرة له علم وزهادة ونسك فأكرمه وقربه وأدناه ، وذكر أنه كان معه في المكتب ، فمضت به الأيام فجاء في شهادة ومعه شاهدان من شهود مصر فوديا عند عمي فما قبل شهادته ، فقلت لعمي : هذا رجل زاهد وأنت تعرفه ، قال : يا ابن أخي ما رددت شهادته إلا أنه كنا صغاراً وكنا على مائدة عليها أرز وفيه حلوى فنقبت الأرز بإصبعي فقال لي : ﴿أخرقتها لتغرق أهلها﴾ فقلت له : أتهزأُ بكتاب الله تعالى على الطعام ؟ ثم أمسكت عن كلامه مدة ، وما أقدر على قبوله وأنا أذكر ذلك منه. ولم يزل على القضاء إلى أن جرى بينه وبين أحمد بن طولون ما جرى وذلك ان المعتمد على الله تعالى ابن جعفر المتوكل لما ولي الخلافة عقد لأخيه أبي أحمد ولقبه الموفق وأقبل المعتمد على لذاته واشتغل عن الرعية، فغلب على الأمر وقام به أحسن قيام وأتمه ، فسار المعتمد في جمادى الآخرة سنة سبع وستين ومائتين يريد مصر بمكاتبة جرت بينه وبين أحمد بن طولون لما كان ابن طولون بدمشق ، فلما بلغ الموفق ذلك وهو في قتال صاحب الزنج أنفذ عسكراً عليه إسحاق بن كنداج ، فرد المعتمد وسلمه إلى صاعد بن مخلد وحجر عليه ، فكتب ابن طولون أن الموفق نكث بيعة المعتمد وأمر يجمع القضاة والفقهاء والأشراف وسيرهم إلى دمشق فاجتمعوا بها، وخلع الموفق لأن الفقهاء أفتوا بخلعه إلا بكار ابن قتيبة فقال له : أنت أوردت علي كتاباً من المعتمد ان الموفق ولي عهده فأوردْ عليّ كتاباً منه بخلعه ، فقال : هو الآن مغلوب مقهور ، وأنا أحبسك حتى يرد كتابه، فقيده وحبسه واسترجع منه ما كان دفعه إليه من جوائزه، وولى أحمد بن طولون محمد بن شاذان الجوهري. ولم يزل بكار محبوساً إلى أن اعتل أحمد ابن طولون سنة سبع ومائتين، ولما مات قيل لبكار: انصرف إلى منزلك، فقال : الدار بأجرة وقد صلحت لي، فأقام وجاء أصحاب الدار يطلبون أجرة ما مضى فقال بكار : على مذهبي الغاصب لا أجرة عليه ولكن أدفع لكم في المستقبل ٢٨١ وليس علي فيما مضى أجرة لأني كنت مغصوباً على نفسي؛ ومات العباس بن أحمد ابن طولون بعده باثنتي عشرة ليلة ومات بكار بعده بأربعين يوماً وسنه تسع وثمانون سنة ، وصلى عليه ابن أخيه محمد بن الحسين بن قتيبة ، وعاش بعد عمه عشر سنين ودفن بمصر عند مُصلى بني مسكين رحمه الله تعالى قريباً من قبر الشريف ابن طباطبا ، وقبره مشهور هناك على الطريق تحت الكوم بينه وبين الطريق المذكور ، معروف باستجابة الدعاء عنده . ١١٧ أبو بكر المخزومي أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر ابن مَخْزُوم القُرَشي المخزومي ، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة ، وكنيته اسمه - وعادة المؤرّخين أن يذكروا من كنيته اسمه في الحرف الموافق لأول المضاف إليه ، والمضاف إليه ههنا بكر فلهذا ذكرته في الباء ، ومن المؤرخين من يفرد للكنى باباً -؛ وكان أبو بكر المذكور من سادات التابعين ، وكان يسمى راهبَ قريش١، وأبوه الحارث أخو أبي جهل بن هشام من جلة الصحابة ، رضي الله عنهم . ومولده في خلافة عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ؛ وتوفي سنة أربع وتسعين للهجرة رحمه الله تعالى، وهذه السنة تسمى سنة الفقهاء، وإنما سميت بذلك لأنه مات فيها جماعة منهم . وهؤلاء الفقهاء السبعة كانوا بالمدينة في عصر واحد، وعنهم انتشر العلم والفتيا ١١٧ - ترجمته في طبقات ابن سعد ٥: ٢٠٧ والشذرات ١: ١٠٤ والعبر ١ : ١١١ ونكت الهميان : ١٣١. ١ قال ابن سعد : لكثرة صلاته ولفضله . ٢٨٢ في الدنيا - وسيأتي ذكر كل واحد منهم في حرفه ، وننبه عليه في موضعه إِن شاء الله تعالى - وقد جمعهم بعض العلماءِ في بيتين ، فقال : ألا كلُّ من لا يقتدي بأئمةٍ فَقِسْمَتُهُ ضِيرَى عن الحق خارجه فخُذْهِم عبيد الله عُرْوَة قاسم سعيد سليمان أبو بكر خارجه ولولا كثرة حاجة فقهاء زماننا إلى معرفتهم لما ذكرتهم ، لأن في شهرتهم غنية عن ذكرهم في هذا المختصر ، وإِنما قيل لهم الفقهاء السبعة وخصوا بهذه التسمية لأن الفتوى بعد الصحابة رضوان الله عليهم صارت إليهم، وشهروا بها ، وقد كان في عصرهم جماعة من العلماء التابعين مثل سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأمثاله ، ولكن الفتوى لم تكن إلا لهؤلاء السبعة ، هكذا قاله الحافظ السِّلَفِيُّ. ١١٨ المازني النحوي أبو عثمان بكر بن محمد بن عثمان - وقيل: بقية، وقيل: عدي - بن حبيب المازني البصري النحوي ؛ كان إمام عصره في النحو والآداب ، أخذ الأدب عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد الأنصاري وغيرهم، وأخذ عنه أبو العباس المبرد وبه انتفع وله عنه روايات كثيرة، وله من التصانيف كتاب (( ما تلحن فيه العامة)) وكتاب ((الألف واللام)) وكتاب ((التصريف)) وكتاب ((العروض)) وكتاب ((القوافي)) وكتاب ((الديباج)) على خلاف كتاب أبي عبيدة . قال أبو جعفر الطحاوي الحنفي المصري : سمعت القاضي بكار بن قُتَّيْبَةَ ، ١١٨ - ترجمة المازني في إنباه الرواة ١: ٢٤٦ وتاريخ بغداد ٧: ٩٣ والزبيدي: ٩٢ وغاية النهاية ١ : ١٧٩ ونور القبس: ٢٢٠ ومعجم الأدباء ٧: ١٠٧ ونزهة الألباء : ١٢٤ وبغية الوعاة : ٢٠٢ . ٢٨٣ قاضي مصر، يقول : ما رأيت نحوياً قط يُشْبهُ الفقهاء إلا حَيّان بن هلال والمازني ، يعني أبا عثمان المذكور ، وكان في غاية الورع . ومما رواه المبرد أن بعض أهل الذمة قصده ليقرأ عليه ((كتاب)) سيبويه وبذل له مائة دينار في تدريسه إياه ، فامتنع أبو عثمان من ذلك ، قال : فقلت له : جُعِلتُ فِداكَ ، أترد هذه المنفعة مع فاقتك وشدة إِضاقتكَ ؟ فقال: إِن هذا الكتاب يشتمل على ثلثمائة وكذا كذا آية من كتاب الله عز وجل ، ولست أرى أن أمكِّن منها ذِمِّيّاً غَيرَةً على كتاب الله وحَميَّةً له ؛ قال : فاتفق أن غَنَّتْ جارية١ بحضرة الواثق بقول العَرْجي٣ّ: أَظلومُ إِن مُصابكم رَجُلاً أَهْدَى السَّلَامَ تحيةً ظُلمُ فاختلف مَنْ كانَ بالحضْرة في إعراب ((رجلاً))، فمنهم من نصبه وجعله اسم ((إِن))، ومنهم من رفعه على أنه خبرها، والجارية مُصِرَّةٌ على أن شيخها أبا عثمان المازني لقنها إياه بالنصب ، فأمر الواثق بإشخاصه . قال أبو عثمان٣ : فلما مثلت بين يديه قال : ممن الرجل ؟ قلت : من بني مازن، قال: أيّ الموازن ؟ أمازن تميم٤، أم مازن قيس ، أم مازن ربيعة٥ ؟ قلت : من مازن ربيعة، فكلمني بكلام قومي ، وقال : بَاسْمُكَ ؟ لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميماً ، قال : فكرهت أن أجيبه على لغة قومي كيلا أواجهه بالمكر٦ ، فقلت : بكر يا أمير المؤمنين ، ففطن لما قصدته ، وأُعجب به ، ثم قال : ما تقول في قول الشاعر : أظلوم إن مصابكم رجلاً ١ نور القبس : أن مخارقاً غنى في مجلسه ... الخ . ٢ ديوان العرجي : ١٩٣ . ٣ د : قال أبو العباس المبرد: حدثني المازني قال: لما قدمت سر من رأى دخلت على الواثق ، فقال: من ... الخ . ٤ هـ : أمازن بكر . ٥ زاد في نور القبس : أم من مازن اليمن ؟ ٦ نور القبس: فقلت على القياس : ((مكر)» - أي بكر. ٢٨٤ أترفع رجلاً أم تنصبه١ ؟ فقلت : بل الوجه النصب يا أمير المؤمنين ، فقال : ولم ذلك ؟ فقلت: إِن (( مصابكم)) مصدر بمعنى إصابتكم ، فأخذ اليزيدي في معارضتي، فقلت: هو بمنزلة قولك ((إِن ضربك زيداً ظلم)) فالرجل مفعول مصابكم وهو منصوب به والدليل عليه أن الكلام مُعلق إلى أن تقول («ظلم )) فيتم ، فاستحسنه الواثق وقال : هل لَك من ولد ؟ قلت : نعم بُنَية٢ يا أمير المؤمنين ، قال : ما قالت لك عند مسيرك ؟ فقلت : [طافت حولي] وأنشدت [وهي تبكي] قول الأعشى: أيا أبَتا لا تَرِم٣ِ عندنا فإنَّا بخيرٍ إذا لم تَرِمْ أرانا إِذا أَضْمَرَتْكَ البلا دُنُجفى وتُقْطَع منا الرَّحِمْ" قال : فما قلت لها ؟ قال : قلت [لها ما قال جرير] لابنته : ثِقي باللهِ ليسَ له شريك ومِنْ عندِ الخليفةِ بالنّجاحِ قال : على النجاح، إن شاء الله تعالى ، ثم أمر لي بألف دينار، وردًّني مكرماً؛ ، قال المبرد : فلما عاد إلى البصرة قال لي: كيف رأيت يا أبا العباس؟ ردَدْنا لله مائةً فعوَّضنا ألفاً . [وكان أبو عثمان مع علمه بالنحو متسعاً في الرواية ؛ قال أبو القاسم الكوكني: حدثني العنزي قال : أنشد رجل أبا عثمان المازني شعراً له وقال : كيف تراه ؟ قال : أراك قد عملت عملً بإخراج هذا من صدرك لأنك لو تركته الأورثك السلّ] . وروى المبرد عنه أيضاً قال: قرأ عليَّ رجل ((كتاب)) سيبويه في مدة طويلة، ١ ج : أبرفع ... بنصبه ؟ ٢ ب هـ : بنت . ٣ دونور القبس : أبانا فلا رمت . ٤ اختصر هنا، وفي المصادر ما يفيد أنه جعله معلماً لبعض ولده ولكن المازني كره البقاء وأحب العودة (نور القبس: ٢٢١ - ٢٢٢). ٢٨٥ فلما بلغ آخره قال لي : أمّا أنت فجزاك الله خيراً ، وأمّا أنا فما فهمت منه حرفاً . وتوفي أبو عثمان المازني المذكور في سنة تسع وأربعين ومائتين ، وقيل : ثمان وأربعين ، وقيل : ست وثلاثين ومائتين بالبصرة ، رحمه الله تعالى . ١١٩ بلکین جد بادیس أبو الفتوح بُلُكِّينُ بنُ زيري بن مَنَاد الحميري الصنهاجي ؛ وهو جد باديسَ المقدّم ذكره ، ويسمى أيضاً يوسُفَ ، لكن بلكين أشهر ، وهو الذي استخلفه المعز بن المنصور العُبَيْدي على إِفريقية عند توجهه إلى الديار المصرية ، وكان استخلافه إياه يوم الأربعاء لسبع بقينَ من ذي الحجة سنة إحدى وستين وثلثمائة، وأمر الناسَ بالسمع والطاعة له ، وسلم إليه البلاد ، وخرجت العمال وجُباة الأموال باسمه ، وأوصاه المعز بأمور كثيرة ، وأكد عليه في فعلها ، ثم قال: إِن نسيتَ ما أوصيتك به فلا تنْسَ ثلاثة أشياء: إياك أن ترفع الجباية عن أهل البادية ، والسيف عن البربر، ولا تولّ أحداً من إخوتك وبني عمك ، فإنهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك ، وافعل مع أهل الحاضرة خيراً ، وفارَقَهُ على ذلك ، وعادَ من وداعه ، وتصرّفَ في الولاية . ولم يزل حسن السيرة ، تام النظر في مصالح دولتهِ ورَعيته إلى أن توفي يوم الأحد لسبع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وسبعين ، بموضع يقال له : وارَ كْلان مجاور إفريقية، وكانت علته القولنج ، وقيل : خرجت في يده . بَثْرَة فمات منها ، رحمه الله تعالى . ..... ١١٩ - انظر أخباره في ابن عذاري ١ : ٢٢٨ وفي كتب التاريخ العامة . ٢٨٦ وكان له أربعمائة حَظيَّة، حتى قيل: إِن البشائر وَفَدتْ عليه في يوم واحد بولادة سبعة عشر ولداً . وبُلُكِّينُ : بضم الباء الموحدة واللام وتشديد الكاف المكسورة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون . وَزِيري: بكسر الزاي وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر الرَّاء وبعدها ياء . وبقية نسبه وضبط نسبته وألفاظه مذكور في حرف التاء عند ذكر حفيده الأمير تميم بن المعز بن باديس ، رحمهم الله تعالى . وأما واركلان: فإنه بفتح الواو وبعد الألف راء مفتوحة أيضاً ثم كاف ساكنة وبعد اللام ألف نون . ١٢٠ بوران بوران بنت الحسن بن سَهل، وسيأتي خبر أبيها إن شاء الله تعالى ؛ ويقال: إِن اسمها خديجة ، وبوران لقب، والأول أشهر . وكان المأمون قد تزوجها لمكان أبيها منه ، واحتفل أبوها بأمرها ، وعملَ من الولائم والأفراح ما لم يُعهد مثله في عصر من الأعصار ، وكان ذلك بفَم الصّلْح وانتهى أمره إلى أن نثر على الهاشميين والقوّاد والكتّاب والوجوه ... ١٢٠ - الذي أثار المؤلف إلى إفرادها بترجمة هو وصف ما أنفق في عرسها حين تزوجها المأمون ؛ أي غرابة هذا الصنيع الذي لا يضاهيه في الأندلس إلا الاعذار الذنوني (الذخيرة ٤ /١: ٩٩) وقد أطنبت المصادر في الحديث عن هذا الحادث ، انظر شرح البسامة : ٢٧٠ وقبله قصة خرافية عن صلة المأمون ببوران قبل الزواج ؛ وكذلك المسعودي (٤: ٣٠)؛ والطبري ١٠: ٢٧١ (حوادث سنة ٢١٠) وابن طيفور: ١١٣ وترجم لها السيوطي في نزهة الجلساء: ٣٠. ٢٨٧ بنادقَ مسكٍ فيها رقاع بأسماء ضياع وأسماء جَوارٍ وصفات دَوابّ وغير ذلك ، فكانت البندقة إذا وقعت في يد الرجل فتحها ، فيقرأ ما في الرقعة ، فإذا علم ما فيها مضى إلى الوكيل المرصَدِ لذلك فيدفعها إليه ويتسلم ما فيها ، سواء كان ضيعة أو ملكاً آخر أو فرساً أو جارية أو مملوكاً . ثم نشَرَ بعد ذلك على سائر الناس الدنانير والدراهم ونَوافِجَ المسك وبَيْضَ العنبر ، وأنفق على المأمون وقواده وجميع أصحابه وسائر من كان معه من أجناده وأتباعه، وكانوا خلقاً لا يحصى ، حتى على الجمالين والمكارية والملاحين وكل من ضمه عسكره ، فلم يكن في العسكر مَنْ يشتري شيئاً لنفسه ولا لدوابه . وذكر الطبري في تاريخه١ أن المأمون أقام عند الحسن تسعة عشر يوماً ، يُعَدُّ له في كل يوم ولجميع مَنْ معه ما يحتاج إليه ، وكان مبلغ النفقة عليهم خمسينَ ألفَ ألفٍ درهم ، وأمر له المأمون عند مُنصَرَفه بعشرة آلاف ألف درهم، وأقطعه فَمَ الصِّلْح، فجلس الحسن وفرّقَ المال على قوّاده وأصحابه وحشَمِه ، ثم قال : بعد هذا خرج المأمون نحو الحسن لثمان خلون من شهر رمضان، ورحل من فم الصِّلْحِ لسبع بقين من شوال سنة عشر ومائتين ، وهلك حميد بن عبد الحميد يوم الفطر من هذه السنة ، وقال غيره : وفُرش للمأمون حصير منسوج بالذهب، فلما وقف عليه نُثْرَت على قدَميه لآلىء كثيرة، فلما رأى تساقط اللآلىء المختلفة على الحصير المنسوج بالذهب قال : قاتل الله أبا نواس ! كأنه شاهد هذه الحال حين قال٢ في صفة الخمر والحَباب الذي يعلوها عند المزاج : كأن صُغْرَى وكبرَى مِنْ فَواقِعِها حَصْبَاءُ دُرّ على أرْضٍ مِنَ الذّهَبِ وقد غَلَّطوا أبا نواس في هذا البيت، وليس هذا موضع إبانة الغلط٣ . ١ تاريخ الطبري ١٠ : ٢٧٢. ٢ هـ : حتى قال . ٣ هامش ب : يريد بتغليط أبي نواس أنه استعمل أفعل التفضيل بدون أحد الأمور الثلاثة وهي: من أو اللام أو الإضافة ، لأن صغرى فعلى أفعل ... الخ . ٢٨٨ وأطلق له المأمون خَراجَ فارس وكُوَرِ الأهواز مدة سنة، وقالت الشعراء والخطباء في ذلك فأطنبوا . ومما يستظرف فيه قول محمد بن حازم الباهلي١ : بارَكَ اللهُ الحَسَنْ ولبوران في الخَتَنْ يا ابنَ هارونَ قدْ ظَفِرْ تَ ولكنْ ببنتِ مَنْ فلما نمي هذا الشعر إلى المأمون قال : والله ما ندري خيراً أراد أم شرّاً . وقال الطبري أيضاً : دخل المأمون على بُوران الليلة الثالثة من وصوله إلى فم الصِّلحِ، فلما جلس معها نشَرَتْ عليهما جدّتها ألف درة كانت في صينية ذهب، فأمر المأمون أن تجمع وسألها عن عدد الدرّ كم هو، فقالت: ألف حبة ، فوضعها في حجرها وقال لها : هذه نِحلتك، وسلي حوائجك ، فقالت لها جدتها : كلمي سيدَك فقد أمرك ، فسألته الرضى عن إبراهيم بن المهدي - قلت : وقد تقدم ذكره - فقال : قد فعلت ، وأوقدوا في تلك الليلة شمعة عنبر وزنها أربعون مَناً في تَوْر من ذهب ، فأنكر المأمون ذلك عليهم وقال : هذا سَرَف . وقال غير الطبري : لما طلب المأمون الدخول عليها دافعوه لعذر بها ، فلم يندفع ، فلما زفت إليه وجدها حائضاً فتركها ، فلما قعدَ للناس من الغد دخل عليه أحمد بن يوسف الكاتب وقال : يا أمير المؤمنين ، هنأك الله بما أخذت من الأمر باليمن والبركة ، وشدّة الحركة ، والظفر بالمعركة، فأنشده المأمون : فارِسٌ ماضٍ بحرْبْتهِ صادِق٢ٌ بالطَّمْن في الظُّلَمِ رام٣ أنْ يدْمي فَريستهُ فاتقتهُ من دمٍ بدمـ ١ نشأ بالبصرة وسكن بغداد وكان كثير الهجاء ولم يمدح من الخلفاء إلا المأمون (الأغاني ١٤: ٨٧ وطبقات ابن المعتز: ٣٠٨ والورقة: ١٠٩ وتاريخ بغداد ٢ : ٢٩٥). ٢ د : عارف . ٣ أ : كاد . ١٩ - ١ ٢٨٩ فعرض بحيضها وهو من أحسن الكنايات ، حكى ذلك أبو العباس الجرجاني في كتاب ((الكنايات))١، وقد رُويت هذه القصة على غير هذا الوجه ، والله أعلم بالصواب . وجرى هذا كله في شهر رمضان سنة عشر ومائتين ، وعقد عليها في سنة اثنتين ومائتين ، وتوفي المأمون وهي في صحبته ، وكانت وفاته يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين ، وبقيت بعده إلى أن توفيت يوم الثلاثاء لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة إحدى وسبعين ومائتين وعمرُها ثمانون سنة، لأن مولدها ليلة الاثنين لليلتين خلتا من صفر سنة اثنتين وتسعين ومائة، وكانت وفاتها ببغداد ، ويقال: إنها دفنت في قبة٢ مقابلة مقصورة جامع السلطان وإنها باقية إلى الآن ، رحمها الله تعالى . وفم الصِّلح - بفتح الفاء وبعدها ميم وكسر الصاد المهملة وبعد اللام الساكنة حاء مهملة - وهي بلدة على دجلة قريبة من واسط، كذا ذكره السمعاني . وقال العماد الكاتب في (( الخريدة)): الصلح نهر كبير، يأخذ من دجلة بأعلى واسط عليه نَواح كثيرة ، وقد علا النهر وآل أمر تلك المواضع إلى الخراب . قلت : والعماد بذلك أخبر من السمعاني ، لأنه أقام بواسط زماناً طويلاً ، متولي الديوان بها . ١٢١ تاج الملوك بوري تاج الملوك أبو سعيد بُوري بن أيوب بن شاذي بن مروان الملقب مجد الدين ، قد تقدّم ذكر أبيه ، وهو أخو السلطان صلاح الدين ، رحمه الله تعالى ؛ وكان أَصغر أولاد أبيه ، كانت فيه فضيلة ، وله ديوان شعر فيه الغث والسمين ١ انظر كنايات الجرجاني : ٤٥. ٢ هـ : بقبة . ٢٩٠ لكنه بالنسبة إلى مثله جيد ؛ نقلت من ديوانه في أحد مماليكه وقد أقبل من جهة المغرب راكباً فرساً أشهب قوله : أقبَلَ مِنْ أعشقهُ راكباً منْ جهة الغرب على أشهبِ فقلتُ: سبحانكَ يا ذا العلا أشرقَتِ الشمسُ منَ المغربِ [ومما يناسب ذلك قول ابن طلحة الصقلي١ : فحبُّه المشهور من مذهبي أيتها النفس إليه اذهبي مسكية في خده المذهَب مفضض الثغر له نقطة طلوعه شمساً من المغرب أيأسني التوبة من حبه ولأحمد بن عثمان الأندلسي : متهللاً كتهلل البرقِ لما رأيت شعاع خدك ذا سبَّحتُ من عجب وقلت مق للشمس تطلع من سوى الشرقٍ] وأورد له العماد الكاتب في كتاب (( الخريدة)): ومَمَاتي حين يَسْخَطْ يا حياتي حين يَرْضى يْك بالمِسْكِ مُنَقَّط آهِ من وردٍ علی خَدَّ ن على ضَعْفي مُسَلَّط بين أجفانك سُلْطا حَ بي الشوق وأفْرَط قد تصبرت وإِن بَرَّ بالتلاقي منكَ يَغْلَط فلعل الدهْرَ يَوْماً وأورد له أيضاً : ويا شاهراً سَيْفاً حَكى لحظه عَضْبَا أيا حامل الرمح الشبيه بقَدِّهِ قَتَلتَ وما حاولت طعناً ولا ضَرْبًا ضع الرمح واغمد ما سَلَلْتَ فربَّما وذكر له غير ذلك أيضاً ، وله أشياء حسنة . ١ سقطت هذه العبارة من نسخة آيا صوفيا، وألحقت الأبيات الثلاثة التالية ببيتي تاج الملوك بوري. ٢٩١ وكانت ولادته في ذي الحجة سنة ست وخمسين وخمسمائة ، وتوفي يوم الخميس الثالث والعشرين من صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة ، على مدينة حلب من جراحة أصابته عليها لما حاصرها أخوه السلطان صلاح الدين ، رحمه الله تعالى ، وأصابته الجراحة يوم نزولهم عليها ، وهو السادس عشر من المحرم من السنة المذكورة ، وكانت الجراحة طعنة في ركبته . قال العماد الأصبهاني في ((البرق الشامي)): إِن صلاح الدين كان قد أُعَدَّ لعماد الدين صاحب حلب ضيافة في المخيم بعد الصلح وقبل دخوله البلد ، فبينما هو جالس على السماط وعماد الدين إلى جانبه ونحن في أغبط عيش وأتم سرور إذ جاءَ الحاجب إلى صلاح الدين وأسرَّ إِليه بموت أخيه ، فلم يتغير عن حالته وأمر بتجهيزه ودفنه سرّاً، وأعطى الضيافة حقها إلى آخرها، ويقال: إن صلاح الدين كان يقول : ما أخذنا حلب رخيصة بقتل تاج الملوك١. وبوري - بضم الباء الموحدة وسكون الواو وكسر الراء وبعدها ياء مثناة من تحتها - وهو لفظ تركي معناه بالعربية ذئب ، انتهى ، والله تعالى أعلم . ................ ..... ١ أوردت نسخة د هذا الخبر بشيء من التغيير اليسير فلم أر إثباته في الزيادات. ٢٩٢ حَرْفُ التَّاء ١٢٢ تتش السلجوقي تاج الدولة أبو سعيد تُنُش بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق ابن دقاق السلجوقي ؛ كان صاحب البلاد الشرقية ، فلما حاصر أمير الجيوش بدر الجمالي مدينة دمشق من جهة صاحب مصر - وكان صاحب دمشق يومئذ اتسز بن أوق بن الخوارزمي الترکی - سیر أتسز المذکور إلى تُلُشَ فاستنجد به١ فأنجده وسار إليه بنفسه ، فلما وصل إلى دمشق خرج إليه أتسز ، فقبض عليه تتش وقتله واستولى على مملكته وذلك في سنة إحدى وسبعين وأربعمائة لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر٢ ، وكان قد ملك دمشق في ذي القعدة سنة ثمان وستين وأربعمائة، ورأيت في بعض التواريخ أن ذلك٣ كان في سنة اثنتين وسبعين ، والله أعلم . ثم تملك حلب بعد ذلك في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة كما تقدم في ترجمة آق سُنْقُر، واستولى على البلاد الشامية ، ثم جرى؛ بينه وبين ابن أخيه بَرْكْياروقَ المقدم ذكره مُنافرات ومشاجرات أدَّتْ إلى المحاربة ، فتوجه إليه وتَصافّا بالقرب من مدينة الري في يوم الأحد سابع عشر صفر سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، فانكسر تتش المذكور ، وقُتل في المعركة ذلك النهار ، ومولده في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وأربعمائة . ١٢٢ - أخبار تتش واستيلائه على دمشق وحلب في ابن القلانسي: ١١٦، ١٢٠ - ١٢٥؛ وانظر في منازعته لبركياروق: تاريخ الدولة السلجوقية، ٧٥ - ٧٨ وراجع تاريخ ابن الأثير وابن خلدون ؛ وهذه الترجمة قد سرد فيها المؤلف ولاة دمشق حتى استيلاء نور الدين عليها (انظر ولاة دمشق للصفدي) . ١ أج : فاستنجده . ٢ هـ : الأول . ٣ زاد في هـ : يعني قتل أتز . ٤ هـ : جرت . ٢٩٥ وخلَّف ولدين: أحدهما فخر الملوك رضوان، والآخر شمس الملوك ١ أبو نصر دقاق ، فاستقل رضوان بمملكة حلب ، ودقاق بمملكة دمشق ، وتوفي رضوان في سلخ جمادى الأولى سنة سبع وخمسمائة ، ومن نوابه أخذ الفرنج أنطاكية في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة ، وتوفي دقاق في ثامن عشر شهر رمضان سنة سبع وتسعين وأربعمائة، ودفن في مسجد بحكر الفَهّادين٢ بظاهر دمشق الذي على نهر بَرَدى، وكان قد حصل له مرض متطاول ، وقيل: إِن أمه سمته في عنقود عنب . فلما مات قام بالملك ظهير الدين أبو منصور طفتكين ، وكان أتابكه ، وتزوج أمه في حياة أبيه ، زوّجه إياها وهو عتيق تُتُشَ رحمهم الله تعالى ، وأولاد الملك رضوان المقيمون بظاهر حلب هم أولاد رضوان المذكور . ولم يزل ظهير الدين طغتكين مالك دمشق إلى أن توفي يوم السبت لثمان خلون من صفر سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة . وتولى الأمر بعده ولده تاج الملوك أبو سعيد بوري ، إلى أن توفي يوم الاثنين الحادي والعشرين من رجب سنة ست وعشرين وخمسمائة من جراحة أصابته من الباطنية . وتولى بعده ولده شمس الملوك إسماعيل إلى أن قُتل يوم الأربعاء رابع عشر شهر ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وخمسمائة ، قتلته أمه خاتون زمرد بنت جاولي . وأجلست أخاه شهاب الدين أبا القاسم محمود بن بوري ، فتولى الأمر بعده بدمشق إلى أن قُتل ليلة الجمعة الثالث والعشرين من شوال سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة ، قتله غلامه البغش ويوسف الخادم والفراش الخركاوي . وصبيحة قتله وصل أخوه جمال الدين محمد بن بوري من بعلبك وكان صاحبها ، فملك دمشق وأقام بها إلى أن توفي ليلة الجمعة ثامن شعبان سنة أربع وثلاثين وخمسمائة . ١ أ : الملك . ٢ د : ودفن في خانقاه الطواويس . ٢٩٦ و تولى بعده مملكة دمشق ولده مجير الدين أبق بن محمد بن بوري بن طفتكين، إلى أن نزل عليها نور الدين محمود بن زَنْكي في التاريخ الآتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى وأخذها منه ، وعوضه عنها حمص فأقام بها يسيراً ثم انتقل إِلى بالس التي على الفرات بأمر نور الدين ، وأقام بها مدة ثم توجه إلى بغداد وأقبل عليه الامام المقتفي ، ولا أعلم متى مات . ولما كان بدمشق كان مدير دولته معين الدين أنز بن عبد الله مملوك جده طغتكين ، وهو الذي ينسب إليه قصر معين الدين ببلاد الغور من أعمال دمشق ، وتوفي معين الدين المذكور في ليلة الثالث والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وخمسمائة وهو الذي تَزَوج نور الدين محمود ابنَتَهُ ثم تزوجها من بعده السلطان صلاح الدين رحمهم الله أجمعين . وله بدمشق مدرسة ، ثم وجدت تاريخ وفاة مجير الدين أبق فذكرتها في ترجمة نور الدين محمود - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - . ١٢٣ تقية الصورية أم علي تقية ابنة أبي الفرج غيث بن علي بن عبد السلام بن محمد بن جعفر السلمي الأرْمَنازي الصوري ، وهي أم تاج الدين أبي الحسن علي بن فاضل بن سعد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن يحيى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن محمد بن صمدون١ الصُّوري الأصل . كانت فاضلة، ولها شعر جيد ، قصائد ومقاطيع، وصحبت الحافظ أبا الطاهر أحمد بن محمد السِّلَفي الأصبهاني - رحمه الله تعالى - زماناً بثغر ١٢٣ - تعرف بست النعم، وقد عدها العماد (الخريدة - قسم مصر ٢٢١:٢) من أهل الإسكندرية، ولها ذكر في معجم السفر للسلفي وترجمة في الوافي ونزهة الجلساء: ٣٢ والشذرات ٤ : ٢٦٥. ١ أ : حمدون؛ هـ : مهران . ٢٩٧ الإسكندرية المحروس ، وذكرها في بعض تعاليقه ، وأثنى عليها وكتب بخطه : عثرت في منزل سكناي، فانجرح أخمصي ، فشَقّتْ وليدة في الدار خِرْقَةً من خمارِها وَعصَبته١ ، فأنشدت تقية المذكورة في الحال لنفسها تقول : لو وجَدْتُ السبيل جُدْت بخَدِّي عوضاً عن خِمار تلك الوليدة كيفَ لي أن أقَبِّلَ اليومِ رِجْلً سلكت دَهْرَها الطريقَ الحميده نظرت في هذا المعنى إلى قول هارون بن يحيى المنجم : كيف نال العثارُ مَنْ لم يَزَلْ مِنْ هُ مُقيماً في كل خَطْبٍ جَسيم أو ترقَّى الأذى إِلى قَدَمِ لَمْ تَخْطُ إِلا إِلى مَقامٍ كريم ولها غير ذلك أشياء حسنة . وحكى٢ لي الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري رحمه الله أن تقية المذكورة نظمت قصيدة تمدح بها الملك المظفر تقي الدين عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين رحمهما الله تعالى ، وكانت القصيدة خمرية، ووصفت آلة المجلس وما يتعلق بالخمر ، فلما وقف عليها قال : الشيخة تعرف هذه الأحوال من زمن صباها٣ ، فبلغها ذلك ، فنظمت قصيدة أخرى حربية ووصفت الحرب وما يتعلق بها أحسَنَ وصفٍ ، ثم سيرت إِليه تقول : علمي بهذا كعلمي بهذا٤ ، وكان قصدها براءة ساحتها مما نسبها إليه . [وكانت قد سألت الشيخ الامام العالم أبا الطاهر اسماعيل بن عوف الزهري عن الشعر ، فقال : هو كلام ان تكلمت بحسن فهو لك وان تكلمت بشر فهو عليك] . وكانت ولادتها في صفر سنة خمس وخمسمائة بدمشق، ورأيت بخط الحافظ ١ أ : وعصبت أخمصي . ٢ هـ : وذكر . ٣ أج وآيا صوفيا : الصبا . ٤ أج وآيا صوفيا : بذلك. ٢٩٨ السلفي أنها ولدت في المحرم من السنة المذكورة ، وتوفيت في أوائل شوال سنة تسع وسبعين وخمسمائة ، رحمها الله تعالى . وتوفي والدها أبو الفرج١ المذكور في أواخر سنة تسع وخمسمائة ، وقيل : في صفر، وكان ثقة ، رحمه الله تعالى . وتوفي جدّها علي بن عبد السلام ضحى يوم الأحد تاسع ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة بصور . وتوفي ولدها أبو الحسن علي المذكور في الخامس عشر من صفر سنة ثلاث وستمائة بثغر الإسكندرية عن سن عالية ، وهو صوري الأصل مصري الدار٢ ، وكان فاضلاً في النحو والقراءات حسن الخط والضبط لما يكتبه . وكان مولد أبيه فاضل المذكور في شوال سنة تسعين وأربعمائة بدمشق ، هكذا نقلته من خط الحافظ السلفي ، وتوفي في أول شهر ربيع الأول سنة ثمان وستين وخمسمائة بالإسكندرية ، وكنيته أبو محمد ، نقلت وفاته من خط ولده أبي الحسن علي المذكور . والأرْمَنازيُ - بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الميم والنون وبعد الألف زاي - هذه النسبة إلى أرْمَناز ، وهي قرية من أعمال دمشق ، وقيل : من أعمال أنطاكية ، والأول أصح، وذكر ابن السمعاني أنها من أعمال حلب، وقال لي من رأى أرمناز : إن بينها وبين عزاز من أعمال حلب أقلّ من ميل من جانبها الغربي٣ . والصُّوري - بضم الصاد المهملة وسكون الواو وبعدها راء - هذه النسبة إلى مدينة صور، وهي من ساحل الشام ، وهي الآن بيد الفرنج، خَذَ لهم ١ ذكره ياقوت نقلاً عن السمعاني في (أرمناز) وانظر الأنساب (أرمنازي) كما ذكر ترجمة لوالدها غيث بن علي نقلاً عن ابن عساكر . ٢ أ : الديار . ٣ وقف ياقوت عند هذا الخلاف في تحديد ((أرمناز)» بعد أن ذكر أنها من نواحي حلب، وأورد قول أبي سعد ابن السمعاني ثم قال : لا شك في أرمناز التي من نواحي حلب ، فان لم يكن أبو سعد اغتر بسماع محمد بن طاهر من أبي الحسن بصور ولم ينعم النظر وإلا فأرمناز قرية أخرى بصور، والله أعلم . على أن الحافظ أبا القاسم ذكر في ترجمة علي بن عبد السلام الأرمنازي فقال: والد غيث الصوري الكاتب أصله من أرمناز قرية من ناحية أنطاكية بالشام . ٢٩٩ الله تعالى، استولوا عليها في سنة ثماني عشرة وخمسمائة، يسر الله فتحها على أيدي المسلمين ، آمين . ١٢٤ أبو غالب التياني أبو غالب تمام بن غالب بن عمر اللغوي المعروف بالتَّيّاني من أهل قُرْطبة سكن مُرْسية ؛ كان إماماً في اللغة وثقة في إيرادها ، مذكوراً بالديانة والفقه والورع ، وله كتاب مشهور جمعه في اللغة لم يؤلف مثله اختصاراً وإكثاراً ، وله قصة تدل على دينه مع علمه١ ، حكى ابن الفرضي أن الأمير أبا الجيش مُجاهد بن عبد الله العامري وَجَّه إلى أبي غالب المذكور أيام غلبته على مُرْسية، وأبو غالب ساكن بها، ألف دينار على أن يزيد في ترجمة هذا الكتاب ((مما ألفه أبو غالب لأبي الجيش مجاهد))، فرد الدنانير وقال: والله لو بُذِلِت لي الدنيا على ذلك لم أفعله ، ولا استجزت الكذب ، فإني لم أؤلفه لك خاصة ، ولكن الناس عامة؛ فاعْجَبْ لهمة هذا الرئيس وعلوها ، واعْجَبْ لنفس هذا العالم ونزاهتها . وقال ابن حيان : كان أبو غالب هذا مقدماً في علم اللسان مسلمةً له اللغة، وله كتاب جامع في اللغة سماه ((تلقيح العين)»٢ جم الإفادة . وتوفي بالمريّة في إحدى الجمادَيَين سنة ست وثلاثين وأربعمائة٣، رحمه الله ٠ ١٢٤ - ترجمة أبي غالب التياني في الجذوة: ١٧٢ (والبغية: ٢٣٦) والصلة: ١٢٤ وإنباه الرواة ١ : ٢٥٩ وبغية الوعاة: ٢٠٩ ومعجم الأدباء ٧: ١٣٥ وروضات الجنات : ١٤٠. ١ هذه القصة في الأصل مأخوذة من رسالة ابن حزم في فضل الأندلس ( النفح ٣ : ١٧٢ ) وقد كررها الشقندي في رسالته (المصدر السابق: ١٩٠). ٢ انظر فهرسة ابن خير : ٣٥٩. ٣ أج : سنة ٤٣٣ . ٣٠٠