Indexed OCR Text
Pages 121-140
ليال عَلِّي أن أجد لهذين الجمعين ثالثاً، فلم أجد. وحَسْبُكَ من يقول في حقه أبو علي هذه المقالة. وحِجْلى: جمع حَجَل، وهو: الطائر الذي يسمى القَبْج. والظِّرْبَى: جمع ظَرِبان - على مثال قَطِرانٍ - وهي دُوَيبة منتنة الرائحة. وأما شعره فهو في النهاية ، ولا حاجة إلى ذكر شيء منه لشهرته ، لكن الشيخ تاج الدين الكندي رحمه الله كان يروي له بيتين لا يوجدان في ديوانه وكانت روايته لهما بالإسناد الصحيح المتصل به، فأحببت ذكرهما لغرابتها، وهما: أبِعِينِ مُفْتَقرٍ إِلَكَ نظَرْتَنِي فَأَهَنتني وقَذَفْتْني مِنْ حالِقِ أنزلتُ آمالي بغيرِ الخالقِ. لَستَ الملومَ أنا الملومُ لأنني (١٤)* ولما كان بمصر مرض، وكان له صديق يَغشاه في علته، فلما أبَلَّ انقطع عنه، فكتب إليه: ((وصلتني وَصَلَكَ اللهُ معتلاً، وقطعتني مُبِلاً، فإن رأيت أن لا تحبِّب العلة إلي ، ولا تكدر الصحة علي ، فعلت إن شاء الله تعالى )) . والناسُ في شعره على طبقات: فمنهم من يرجحه على أبي تمام ومَنْ بعده ، ومنهم من يرجح أبا تمام عليه ، وقال أبو العباس أحمد بن محمد النامي الشاعر الآتي ذكره عقيب هذا : كان قد بقي من الشعر زاوية دخلها المتنبي ، وكنت أشتهي أن أكون قد سبقته إلى معنيين قالهما ما سُبِق إليهما ، أحدهما قوله : رَمَانِي الدَّهْرُ بالأرزاء حتى فؤادي في غشاء مِنْ نِبالِ فصرتُ إِذا أصابتني سِهامٌ تكسّرَتِ النصالُ على النصالِ والآخر قوله : في جحفل سترَ العُيُونَ غُبارُهُ فكأنما يُبْصِرْنَ بالآذانِ واعتنى العلماءُ بديوانه فشرحوه ، وقال لي أحد المشايخ الذين أخذت عنهم : وقفتُ له على أكثر من أربعين شرحاً ما بين مطولات ومختصرات ، ولم يُفْعَلْ هذا بديوان غيره ، ولا شك أنه كان رجلاً مسعوداً ، ورُزِقَ في شعره السعادة التامة . ١٢١ وإنما قيل له ((المتنبي)) لأنه ادعى النبوة في بادية السَّماوة، وتبعه خلق كثير من بني كَلْب وغيرهم فخرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيدية فأسره وتفرق أصحابه وحبسه طويلاً ثم استتابه وأطلقه (١٥)* ، وقيل غير ذلك ، وهذا أصح ، وقيل : إنه قال : أنا أول من تنبأ بالشعر . ثم التحق بالأمير سيف الدولة بن خَمْدان في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة ، ثم فارقه ودخل مصر سنة ست وأربعين وثلثمائة، ومدح كافوراً الإخشيدي وأنوجور ابن الإخشيد ، وكان يقف بين يدي كافور وفي رجليه خفان وفي وسطه سيف ومنطقة ويركب بحاجبين من مماليكه وهما بالسيوف والمناطق ، ولما لم يُرْضِهِ هجاه وفارقه ليلة عيد النحر سنة خمسين وثلثمائة ، ووجه كافور خلفه رواحل إلى جهات شتى فلم يلحق ، وكان كافور وعده بولاية بعض أعماله ، فلما رأى تَعالِيَهُ في شعره وسموه بنفسه خافه ، وعوتب فيه فقال: يا قوم، من ادَّعى النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم ، أما يدعي المملكة مع كافور ؟ فحسبكم . قال أبو الفتح ابن جني النحوي : كنت قرأت ديوان أبي الطيب المتنبي عليه، فقرأت عليه قوله في كافور القصيدة التي أولها : أُغَالِبُ فِيكِ الشوقَ والشوقُ أَغْلَبُ وأعجَبُ من ذا الهَجْرِ والوصْلُ أعْجَبُ حق بلغت إلى قوله : ألا لَيْتَ شعري هل أقول قصيدةً ولا أشتكي فيها ولا أُتَعَتَّبُ وبي ما يَذُود الشعرَ عني أقَلتُّهُ ولكنَّ قلبي يا ابنَةَ القومِ قْلَّبُ فقلت له : يعز علي ، كيف يكون هذا الشعر في ممدوح غير سيف الدولة ؟ فقال : حذرناه وأنذرناه فما نفع ، ألست القائل فيه : أخا الجود، أَعْطِ الناسَ ما أنت مالك ولا تُعْطِيَنَّ الناس ما أنا قائلُ فهو الذي أعطاني كافوراً بسوء تدبيره وقلة تمييزه . وكان لسيف الدولة مجلس يحضره العلماء كل ليلة فيتكلمون بحضرته ، فوقع ١٢٢ بين المتنبي وبين ابن خالَوَيْهِ النحوي كلام ، فوثب ابن خالويه على المتنبي فضرب وجهه بمفتاح كان معه ، فشجه وخرج ودمه يسيل على ثيابه ، فغضب وخرج إلى مصر وامتدح كافوراً . ثم رحل عنه وقصد بلاد فارس ، ومدح ◌َضُد الدولة بن بُوَيْه الدَّيْلمي ، فأجزل جائزته ، ولما رجع من عنده قاصداً إلى بغداد ثم إلى الكوفة في شعبان لثمان خلونَ منه عرض له فاتكُ بن أبي الجهل الأسدي في عِدّة من أصحابه، وكان مع المتنبي أيضاً جماعة ◌ٌ من أصحابه، فقاتلوهم، فقُتل المتنبي وابنُه مُحَسَّدٌ وغلامُه مُفْلِحٌ بالقرب من النعمانية، في موضع يقال له الصافية ، وقيل حيال الصافية ، من الجانب الغربي من سَواد بغداد عند دَيرِ العاقُول بينهما مسافة ميلين . وذكر ابن رشيق في كتاب (( العمدة))١ في باب منافع الشعر ومضاره أن أبا الطيب لما فرَّ حين رأى الغلبة قال له غلامه : لا يتحدث الناس عنك بالفرار أبداً وأنت القائل : فالخيْلُ والليلُ والبَيْداء تعرفني والحرب والضرب والقرْطاسُ والقَلمُ فكرَّ راجعاً حتى قتل ، وكان سبب قتله هذا البيت ، وذلك يوم الأربعاء لست بقين - وقيل : لثلاث بقين ، وقيل : لليلتين بقيتا - من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلثمائة ، وقيل : إِن قتله كان يوم الاثنين لثمان بقين من شهر رمضان ، وقيل : لخمس بقين من شهر رمضان من السنة المذكورة . ومولده في سنة ثلاث وثلثمائة بالكوفة في محلة تسمى كِنْدَةَ فنسب إليها، وليس هو من كندة التي هي قبيلة، بل هو جُعْفي القبيلة - بضم الجيم وسكون العين المهملة وبعدها الفاء - وهو جُعْفي بن سعد العشيرة بن مذحج ، واسمه مالك بن أدد بن زيد بن يَشْجب بن عريب بن زيد بن كهلان ، وإنما قيل له ((سعد العشيرة)) لأنه كان يركب - فيما قيل - في ثلثمائة من ولده وولد ولده، فإذا قيل له : من هؤلاء ؟ قال : عشيرتي ، مخافة العين عليهم . ١ انظر العمدة ١ : ٤٥ . ١٢٣ ويقال : إن أبا المتنبي كان سَقّاء بالكوفة ، ثم انتقل إلى الشام بولده ، ونشأ ولده بالشام ، وإلى هذا أشار بعض الشعراء في هجو المتنبي حيث قال : أيُّ فَضْلٍ لشاعر يَطلبُ الفَضْ لَ من الناس بكرة وعَشِيّا عاشَ حيناً يبيعُ في الكوفة الماءَ، وحيناً يبيع ماء المُحَيّا وسيأتي في حرف الحاء نظير هذا المعنى لابن المعذَّل في أبي تمام حبيب بن أوس الشاعر المشهور . ولما قتل المتنبي رؤاه أبو القاسم المظفر بن علي الطَّبَسي بقوله : لا رَعى الله سِرْبَ هذا الزمانِ إِذ دَهانا في مِثْلِ ذاك اللّانِ أيُّ ثانٍ يُرى لِبِكْرِ الزَّمان ما رأى النّاسُ ثانيَ المتنبِّي شٍ وفي كِبْرياءِ ذِي سُلْطان كانَ من نفْسِهِ الكبيرةِ فِي جَيْ ظهَرَتْ مُعجزاتُه في المعاني هو في شعره نبيٌ، ولكِنْ والطَّبَسي - بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة وبعدها سين مهملة - هذه النسبة إلى مدينة في البرية بين نيسابور وإِصبهان وكرمان يقال لها طَبّس. ويحكى أن المعتمد بن عَبّادِ اللخمِيَّ صاحبَ قُرْطُبة وإشبيلية أنشد يوماً في مجلسه بيتَ المتنبي، وهو من جملة قصيدته المشهورة١ : إِذا ظّفِرَتْ منك العيونُ بنَظْرَةٍ أثاب بها مُعي المَطِيِّ ورازِمُهْ وجعل يردده استحساناً له ، وفي مجلسه أبو محمد عبد الجليل بن وهبون الأندلسي ، فأنشد ارتجالاً : لَئِنْ جاد شعرُ ابن الحسين فإنما تُجيدُ العطايا واللُّّها تَفتَحُ اللَّها تَنَبَّأ عُجْباً بالقَريض ولو دَرى بأنك تروي شعرَهُ لتألَّها وذكر الإفليلي أن المتنبي أنشد سيف الدولة بن حمدان في الميدان قصيدته التي أولها : ١ راجع هذا الخبر في نفح الطيب ٣: ١٩٤، ٢٣٥ (ط. صادر). ١٢٤ لكل امرىء من دَهْرِهِ ما تَعَوَّدًا وعاداتُ سَيْفِ الدولة الطعنُ في العِدا فلما عاد سيف الدولة إلى داره استعاده إياها ، فأنشدها قاعداً ، فقال بعض الحاضرين - يريد أن يكيد أبا الطيب - لو أنشدها قائماً لأسمع ، فإن أكثر الناس لا يسمعون ، فقال أبو الطيب : أما سمعت أولها : لكل امرىءٍ من دهره ما تعوَّدا وهذا من مستحسن الأجوبة ، وبالجملة فسمو نفسه وعلو همته وأخباره وماجرياته كثيرة ، والاختصار أولى . واسم ولده مُحَسَّد : بضم الميم وفتح الحاء المهملة والسين المهملة المشددة وبعدها دال مهملة . ٥١ النامي الشاعر أبو العباس أحمد بن محمد الدَّارِ ميّ المِصيصيُّ المعروف بالنامي الشاعر المشهور ؛ كان من الشعراء المفلِقين، ومن فحولة شعراء عصره، وخواص مُدّاح سيف الدولة بن خَمْدان، وكان عنده تِلْوَ أبي الطيب المتنبي في المنزلة والرتبة، وكان فاضلاً أديباً بارعاً عارفاً باللغة والأدب ، وله أمالٍ أملاها بحَلَبَ روى فيها عن أبي الحسن عليّ بن سليمان الأخْفَش وابنِ دُرُسْتُوَيْهِ وأبي عبد الله الكرماني وأبي بكر الصُّولي وإِبراهيم بن عبد الرحمن العَرُوضي وأبيه محمد المصيصي ، وروى عنه أبو القاسم الحسينُ بن علي بن أبي أسامة الحلي وأخوه أبو الحسين أحمد وأبو الفرج البَبَّغاء وأبو الخطاب ابن ◌َوْن الحريري١ وأبو بكر الخالدي ٥١ - ترجمة النامي في اليقيمة ١: ٢٤١ والوافي ٨، الورقة: ٤٣. ١ هـ : الجزيري، ووردت في هـ مرة : الجريري. ١٢٥ والقاضي أبو طاهر صالح بن جعفر الهاشمي . ومن محاسن شعره قوله فيه من جملة قصيدة١ : أميرَ العُلا إِنَّ العَوالي كواسبٌ عَلَاءَكَ في الدنيا وفي جَنَّة الخُلْدِ وطَرْفُك ما بَينَ الشكيمة واللّبْد يمر عليكَ الحولُ، سَيْفُكَ في الطُّلِى وقولك للتقوَى وكفك الرِّفْد ويَمْضي عليك الدَّهرُ، فعلك للعلا ومن شعره أيضاً : أحقّاً أن قاتلتي زَرُودُ وأن عُهُودَها تلكَ العُهُودُ وقَفتُ وقد فقَدْتُ الصَّبْرَ حتى تبين موقفي أني الفَقِيد فشكَّتْ فيَّ عذّالي فقالوا لرَسم الدار أيكما العميد وله مع المتنبي وقائع ومعارضات في الأناشيد . وحكى أبو الخطاب ابن ◌َوْن الحريري النحوي الشاعر أنه دخل على أبي العباس النامي قال : فوجدته جالساً ورأسه كالثتُغامة بياضاً وفيه شعرة واحدة سوداء ، فقلت له : يا سيدي في رأسك شعرة سوداء ، فقال : نعم ، هذه بقية شبابي وأنا أفرح بها ولي فيها شعر ، فقلت : أنشدنيه ، فأنشدني : سوداء تهْوَى العيونُ رُؤيتَها رأيت في الرأس شَعْرَةً بَقِيَتْ بالله ألاً رحمت٢ٍ غُرْبَتَها٣ فقلت للبيض إذ تُرَوِّعُها فقَلَّ لبثُ السوداء في وَطَنٍ تكونُ فيه البيضاء ضَرَّتها ثم قال : يا أبا الخطاب بيضاءُ واحدة تروّع ألفَ سوداء ، فكيف حال سوداء بين ألف بيضاء ؟ ! ومن شعره - وينسب إلى الوزير أبي محمد المهلبي، وليس الأمر كذلك - : أقاني في قَميص اللاذِ يَسْعِى عَدُوْ لِي يُلَقَّبُ بالحبيبِ : ١ هذه المقطوعة واثنتان بعدها في اليتيمة . ٢ أ: ما ترحمن . ٣ د : وحدتها . ١٢٦ وقد ◌َبِثَ الشرابُ بِمُقْلَتَيْه فصَيِّر خَدَّه كَسَنا اللهيبِ لقَدْ أقبَلتَ في زيّ عجيب فقُلْتُ له بما اسْتَحْسَنَتَ هذا أحْمْرَةُ وجنَتَيْكَ كَستك هذا أمَ انتَ صَبغْتَه بدَمِ القُلوب ؟ كَلَوْنِ الشمسِ في شفَقِ المَغيب فقالَ الرّاحُ أَهْدَت لي قميصاً فَتَوْبِيَ والمُدامُ ولوْنُ خَدّي قَرِيبٌ من قريبٍ من قريب وتوفي سنة تسع وتسعين وثلثمائة١ ، وقيل : سنة سبعين أو إحدى وسبعين ، بحلب ، وعمره تسعون سنة ، رحمه الله تعالى . والدارمي - بفتح الدال المهملة وبعد الألف راء مكسورة ثم ميم - هذه النسبة إلى دارم بن مالك ، بَطن كبير من تميم . والمصيصي - بكسر الميم والصاد المهملة المشددة وسكون الياء المثناة من تحتها ، وبعدها صاد ثانية مهملة - هذه النسبة إلى المصيصة ، وهي مدينة على [ساحل] البحر الرومي تجاور طرسوس والسيس وتلك النواحي، بناها صالح ابن علي عم أبي جعفر المنصور في سنة أربعين ومائة بأمر المنصور . ٥٢ بديع الزمان الهمذاني أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد الهمذاني ، الحافظ المعروف ببديع الزمان ؛ صاحب الرسائل الرائقة٢ ، والمقامات الفائقة ، وعلى منواله نسج الحريري مقاماته واحتذى حذوه واقتفى أثره ، واعترف في خطبته بفضله، وأنه الذي أرشده إلى سلوك ذلك المنهج (١٦)*، وهو أحد الفضلاء ١ ج : تسع وسبعين وثلاثمائة . ٥٢ - ترجم له الثعالبي في اليتيمة ٤: ٢٥٦ وانظر معجم الأدباء ٢ : ١٦١. ٢ أج: الأنيقة . ١٢٧ الفصحاء، روى عن أبي الحسين أحمد بن فارس صاحب ((الجمل)) في اللغة وعن غيره ، وله الرسائل البديعة والنظم المليح ، وسكن هَراة من بلاد خراسان . فمن رسائله١: ((الماء إذا طال مُكثُه، ظهر خُبتُه. وإذا سكن مَتْنُه، تحرك نَتْلُه. وكذلك الضيف يَسْمُج لقاؤه، إِذا طال ثَواؤه ، ويَثقُل ظلُّه، إِذا انتهى محلُّه. والسلام)). ومن رسائله٢: ((حَضْرَتُه التي هي كمْبة المحتاج، لا كمْبة الحُجّاج. ومَشعَرُ الكَرَم، لا مَشعَرَ الحَرَمِ. ومُنى الضَّيف، لا مِنى الخيف. وقبلة الصِّلات ، لا قبلة الصلاة )). وله من تعزية٣: ((الموت خطبٌ قد عظم حتى هان، ومَسِّ قد خَشُنَ حتى لان . والدنيا قد تنكرت حتى صار الموت أخف خطوبها، وجَنَت؛ حتى صار أصغر ذنوبها . فلتنظرْ يمنة ، هل ترى إلا محنة ؟ ثم انظر يسرة ، هل ترى إلا حسرة ؟)). ومن شعره من جملة قصيدة طويلة٦ : وكاد يحكيكَ صَوْبُ الفَيثِ مُنسكبا لوْ كان طَلْقَ المحيّا يُمْطِرُ الذَّهَبا والدهر لو لم يخُنْ، والشمس لو نطَقَتْ والليث لو لم يُصَدْ والبحر لو عَذُبا ومن شعره في ذم همذان، ثم وجدتهما لأبي العلاء محمد بن [علي بن] حسول الهمذاني: هَمَذانُ لي بلد أقول بفَضْلِه لكنَّهُ من أَقْبَحِ البُلدانِ صِبيانُه في القُبْح مثلُ شيوخِهِ وشيوخُه في العقل٢ كالصِّبْيانِ وله كل معنى مليح حسن من نظم ونثر . ١ اليتيمة : ٢٦٤ . ٢ اليقيمة : ٢٥٩ . ٣ القيمة : ٢٦٠ . ٤ هـ : وخبثت . ٥ هـ : فانظر . ٦ اليقيمة : ٢٩٣. ٧ د : في الفعل . ١٢٨ ١ وكانت وفاته سنة ثمان وتسعين وثلثمائة مسموماً بمدينة هَراة ، رحمه الله تعالى . ثم وجدت في آخر رسائله التي جمعها الحاكم أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد بن دوست ما مثاله: ((هذا آخر الرسائل ، وتوفي رحمه الله تعالى بهراة يوم الجمعة الحادي عشر من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وثلثمائة))؛ قال الحاكم المذكور: وسمعت الثقات يحكون أنه مات من السكتة وعجل دفنه ، فأفاق في قبره وسمع صوته بالليل ، وأنه نبش عنه فوجدوه قد قبض على لحيته ومات من هول القبر . ٥٣ ابن طباطبا أبو القاسم أحمد بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم ابن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، الشريف الحسني الرسي ١ المصري ؛ كان نقيبَ الطالبيين بمصر ، وكان من أكابر رؤسائها ، وله شعر مليح في الزهد والغزل وغير ذلك ، وذكره أبو منصور الثعالبي في كتاب ((اليتيمة)) وذكر له مقاطيع، ومن جملة ما أورد له قوله : خليليَّ إِني للثريّا لَحاسِدٌ وإني على رَيْبِ الزمانِ لَوَاجِدُ أيَبقى جميعاً شملُها وهيَ سِنَّةٌ وأفقِدُ مَنْ أُحبَبْته وهْوَ واحدٌ وأورد له أيضاً ، وذكرها في أوائل الكتاب لذي القرنين بن حمدان ، قوله: قالت لطيف خيال زارني ومضى بالله صفهُ ولا تَنقُصْ ولا تزِدٍ ٥٣ - انظر اليقيمة ١: ٤٢٨ والمغرب (قسم مصر): ٢٠٢ والوافي ٧ ، الورقة : ١٧٦ . ١ هـ : الزيني . ٩ - ١ ١٢٩ فقال أبصرتهُ لو مات من ظها وقلتٍ قف عن ورود الماء١ لم يردِ قالت صدقت الوفا في الحب٢ عادتهُ يا برد ذاك الذي قالت على كبدي وله غير هذا أشياء حسنة . ومن شعره المنسوب إليه في طول الليل ، وهو معنى غريب : كأنّ ◌ُنُجُومَ اللَّيْلِ سارَتْ نِهَارَها فَوافَتْ عِشاءً وهيَ أنْضاء أسْفَارٍ وقدْ خَيَّمَتْ كِي يَسْتريحَ ركابُها فلا فَلَكٌ جارٍ ولا كَوْ كَبٌ ساري ثم وجدت هذين البيتين في ديوان أبي الحسن ابن طباطبا من جملة قصيدة طويلة . ونقلت من ديوان أبي الحسن المذكور من جملة أبيات : بانوا وأبْقَوْا فِي حَشاي لبَيْنِهِمْ وَجْداً إذا ظَعَنَ الخليط أقاما كانت لسرعة مَرِّها أحلاما الله أيامُ السُّرُورِ كأنما لأقام لي ذاكَ السُّرور وَدَاما لوْ دامَ عَيشٌ رحمةً لأخِي هَوِّى يا عيشنا المفقود خذ من عمرنا عاماً وَرُدَّ من الصبا أياما ولا أدري مَن هذا أبو الحسن، ولا وجه النسبة بينه وبين أبي القاسم المذكور ، والله أعلم . وذكره الأمير المختار المعروف بالمسبِّحي في (تاريخ مصر)) وقال: توفي في سنة خمس وأربعين وثلثمائة، رحمه الله تعالى ؛ وزاد غيره : ليلة الثلاثاء الخمس بقين من شعبان ، ودفن في مقبرتهم خلف المصلى الجديد بمصر ، وعمره أربع وستون سنة . وطَبَاطَبا - بفتح الطاءين المهملتين والباءين الموحدتين - وهو لقب جده إبراهيم ، وإنما قيل له ذلك لأنه كان يلثغ فيجعل القاف طاء ، وطلب يوماً ثيابه، فقال له غلامه: أجيء بدُرّاعة ؟ فقال: لا، طباطبا، يريد قَبَاقَبًا، ١ هذه هي رواية أج د واليقيمة ؛ وفي ب هـ : قف لا ترد للماء . ٢ هذه هي رواية أج واليقيمة ؛ وفي سائر الأصول : وفاء الحب . ١٣٠ فبقي عليه لقباً ، واشتهر به ١ . والرسي : بفتح الراء والسين المشددة المهملة ، قال ابن السمعاني : هذه نسبة إلى بطن من بطون السادة العلوية . ٥٤ أبو الرقعمق أبو حامد أحمد بن محمد الأنطاكي المنبوز بأبي الرَّقَعْمَق الشاعر المشهور ؛ ذكره الثعالبي في ((اليتيمة)) فقال في حقه: ((هو نادرة الزمان، وجملة الإحسان ، وممن تصرف بالشعر في أنواع الجد والهزل ، وأحرز قصب الحصل ، وهو أحد المداح المجيدين، والشعراء المحسنين، وهو بالشام كابن حَجّاج بالعراق)). فمن غُرَر محاسنه قوله يمدح أبا الفرج يعقوب بن كِلِّس وزير العزيز بن المعز العبيدي صاحب مصر ، وسيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى : قد سَمِعِنا مقالَهُ واعتذارَهْ وأقلْناهُ ذنبه وعِثاره بِكِ عَرَّضْتُ فاسمعي يا جاره والمعاني لمن عَنَيتُ ولكن ـر تراه مُحَلّلاً أزرارَه مَنْ تُراديه أنه أبَدَ الدَّهـ عالم أنه عَذابٌ من الل » مُتاحٌ لأعينِ النظَّاره هتكَ الله سترَهُ فلكمِ هَت ◌ِك مِنْ ذي تَسَتَشْرٍ أُستاره سَحَرَتني ألحاظُهُ وكَذا كـ لُّ مليح ألحاظُهُ سَجّارَه ما على مؤثرِ التباعُدِ والإء راضٍ لوْ آثرَ الرَّضى والزِّيارَه ١ أورد هذا في عمدة أنساب الطالبيين ص: ١٤١ ثم قال: وطباطبا بلسان النبطية: ((سيد السادات» . ٥٤ - له ترجمة في اليتيمة ١: ٣٢٦ والوافي ٨، الورقة: ٥٥ والشذرات ٣: ١٥٥ والعبر ٣: ٧٠ ومعاهد التنصيص ٢ : ٢٥٣. ١٣١ وعلى أنني وإِن كانَ قَدْ عَ ذَّبَ بِالهَجْرِ مؤثر إثارَهْ لم أزل لا عَدِمتُه من حبيبٍ أشهي قُرْبه وآبَى نِفارَه ومن مديحها : لم يَدَعْ لي العزيزُ في سائر الأَرض عَدُوًّا إِلا وأخمَدَ نارَهْ كلَّ يَوْمٍ له على نُوَبِ الدَّهْ ر وكَرِّ الخطوب بالبَذْل غارَه ذو يَدٍ شأنها الفرارُ من البخـ هي فَلَتْ عن العزيزِ عِداهُ هكذا كلُّ فاضلٍ يَدُهُ تُمْ فاسْتَجِرْهُ فليس يأمَنُ إِلاَّ وإذا ما رأيْتَهُ مُطْرِقِاً يُعْـ لِ وفي حَوْمَةِ النَّدَى كَرَّارَه بالعطايا وكثَّرتْ أنصاره سِي وتضحي نَفَّاعة ضَرَّاره مَن تَفَيّا ظِلالَه واستجاره مل فيما يُريده أفكاره في ضَمير الغُيوب إِلا أثاره لم يَدَعْ بالذكاء والذهن شيئاً لا ولا مَوضِعاً من الأرض إلاَّ كانَ بالرأي مُدْرِ كاً أقطاره زادَهُ الله بَسْطَةَ وكَفَاهُ خَوْفه من زمانه وحِذاره وأكثر شعره جيد، وهو على أسلوب شعر صريع الدّلاء القَصّار البصري. وأقام بمصر زماناً طويلاً ، ومعظم شعره في ملوكها ورؤسائها ، ومدح بها المعز أبا تميم معد بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله ، وولده العزيز ، والحاكم بن العزيز، والقائد جوهراً، والوزير أبا الفرج ابن كِلِّس، وغيرهم من أعيانها ، وكل هؤلاء الممدوحين سيأتي ذكرهم في تراجمهم إن شاء الله تعالى . وذكره الأمير المختار المسبّحي في ((تاريخ مصر)) وقال : توفي سنة تسع وتسعين وثلثمائة ، وزاد غيره : في يوم الجمعة لثمان بقين من شهر رمضان، وقيل: في شهر ربيع الآخر ، رحمه الله تعالى؛ وأظنه توفي بمصر . والأنطاكيّ - بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الطاء المهملة وبعد الألف كاف - هذه النسبة إلى أنطاكية وهي مدينة بالشام بالقرب من حلب . والرَّفَعْمَق - بفتح الراء والقاف وسكون العين المهملة وفتح الميم وبعدها قاف - وهو لقب عليه . ١٣٢ 1 ٥٥ جحظة البرمكي أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برْمَك المعروف يُحَحظَة البرمكي النديم؛ كان فاضلاً صاحب فنون وأخبار ونجوم ونوادر ومنادمة، وقد جمع أبو نصر ابن المَرْزُبان أخباره وأشعاره ، وكان من ظرفاء عصره ، وهو من ذرية البرامكة ، وله الأشعار الرائقة ، فمن شعره قوله : أنا ابنُ أُناسٍ مَوَّلَ الناسَ جُودُهُمْ فَأَضْحَوا حديثاً للنَّوَالِ المشَهَّرِ فلم يَخْلُ من إِحسانهِمْ لَفْظُ مخبر ولم يَخْلُ من تَقْريظهم بطنُ دفَتَرٍ وله أيضاً : فقلتُ لها بَخِلتِ عَليَّ يَقظى فجودي في المنامِ لمُستَهامٍ فقالت لي وصرتَ تنامُ أيضاً وتطمَعُ أن أزورَكَ في الْمَنامِ وله أيضاً : أصبحْتُ بين مَعاشرٍ هَجَرُوا الندَى وتقيلوا الأخلاقَ من أسلافِهِمْ قومٌ أُحاولُ نَيْلَهم فكأنَّما حاولْتُ نَتَفَ الشَّعْرِ من آنافِهِم ((ذَهَبَ الذينَ يُعاشُ في أكنافِهِم)» هاتِ اسْقِنِيها بالكَبَيرِ وغَنِّني وله أيضاً : يا أَيُّها الركْبُ الّذي ن فراقُهُم إِحْدَى البَليَّه ٥٥ - لجحظة البرمكي ترجمة في معجم الأدباء ٢: ٢٤١ وتاريخ بغداد٤ : ٦٥ والفهرست : ١٤٥ وله تصانيف ذكرها ابن النديم منها : كتاب الطبيخ ، وكتاب الطنبوريين ، وكتاب الترم ... ؛ وذكر ياقوت أن وفاته كانت سنة ٣٢٤، وأنه كان وسخاً قذراً دني النفس. ١٣٣ يُوصِيكُمُ الصَّبُّ الْمُقِيهِ مُ بقلبهِ خَرَ الوَصِيَّه وله أيضاً : وقائلةٍ لي كيف حالكَ بعدنا أَفي ثَوْب مُثْرٍ أنتَ أم ثوب مُقْتِرِ فقُلْتُ لها لا تسْأليني فإنّني أروحُ وأغدُو في حَرامٍ مُقَتَّرٍ وله ديوان شعر أكثرُه جيد، وقضاياه مشهورة ، ومن أبياته السائرة قوله: ورَقَّ الجوّ حتََّ قيلَ هذا عِتَابٌ بين جَحْظَةَ والزَّمانِ ولابن الرومي فيه ، وكان مُشَوَّه الخَلْق : نُبِّئْتُ جَحْظةَ يَستَعِيرُ جُحوظهُ مِنْ فِيلِ شِطْرَنْجٍ وَمِنْ سَرَ طانٍ وَارَحْمَتا لِمُنَادِمِيهِ تَحَمَّلوا أَمَ العُيونِ للذةِ الآذانِ (١٧) * وتوفي سنة ست وعشرين وثلثمائة، وقيل: سنة أربع وعشرين ، بواسط ، وقيل : حمل تابوته من واسط إلى بغداد ، رحمه الله تعالى . وجحظة - بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الظاء المعجمة وبعدها هاء - وهو لقب عليه لقبه به عبد الله بن المعتز . قال الخطيب : وكانت ولادته في شعبان سنة أربع وعشرين ومائتين . وله ذكر في ((تاريخ بغداد))، وفي كتاب ((الأغاني)). ١٣٤ ٥٦ ابن دراج القسطلي أبو عمر أحمد بن محمد بن العاصي بن أحمد بن سليمان بن عيسى بن درًّاج الأندلسي القَسْطَلِّي الشاعر الكاتب ؛ كان كاتب المنصور بن أبي عامر وشاعره، وهو معدود في تاريخ الأندلس من جملة الشعراء المجيدين والعلماء المقدمين ، ذكره أبو منصور الثعالبي في ((يتيمة الدهر))، وقال في حقه: ((كان بصقع الأندلس كالمتنبي بصقع الشام ، وهو أحد الشعراء الفحول ، وكان يجيد ما ينظم ويقول))، وأورد له أشعاراً حسنة، وذكره أبو الحسن ابن بسام في كتاب ((الذخيرة))، وساق طرفاً من رسائله ونظمه، ونقلت من ديوانه - وهوَ جزءان - أن المنصور بن أبي عامر أمره أن يعارض قصيدة أبي نواس الحكمي التي مدح بها الخصيبَ بن عبد الحميد١ صاحبَ الخراج بمصر التي أولها: أجارَةَ بَيْتَيْنا أَبُوكِ غَيورُ ومَيْسُور ما يُرْجِى لدَيكِ عسيرُ فعارضها بقصيدة بليغة ، من جملتها٢ : ألم تعلمي أن الشَّواءَ هُو التَّوَى وأن بيوتَ العاجزين قُبُورُ تُخوّفني طول السِّفار، وإنه لتقبيل كفّ العامريِّ سفير ٥٦ - راجع ترجمته في الذخيرة ١/١: ٤٣ والجذوة: ١٠٢ والصلة: ٤٤ والمغرب ٢ : ٦٠ واليقيمة ١: ٤٣٨ والوافي ٨، الورقة: ٢٢ والمسالك ١١: ٢٠١ والعبر ٣ : ١٤٢ والشذرات ٣: ٢١٧ وقد نشر ديوانه بتحقيق الدكتور محمود مكي (دمشق: ١٩٦١) وانظر في مقدمته مزيداً من المصادر عنه وعن شعره . ١ قال في شرح ديوان أبي نواس (١: ٢١٥): هو دهقان من أهل المذار شريف الآباء وليس بابن صاحب نهر أبي الخصيب ، ذاك عبد للمنصور ، وهذا كان رئيساً في أرضه فانتقل إلى بغداد وأصبح كاتب مهرويه الرازي ثم انتقل إلى الامارة . ٢ ديوانه : ٢٩٨ . ١٣٥ دعيني أُرِدْ ماء المفاوز آجناً إلى حيثُ ماءُ المكرُمات غير فإنَّ خطيرات المهالك ضُمَّنٌ لراكبها أن الجَزاءَ خطير ومنها في وصف وداعه لزوجته وولده الصغير : تُنَاشِدُني ◌َعَهْدَ المودّة والهوى عَيِّ بَمَرْ جوع الخطاب ولحظُه تبوَّأَ مَمتُوعَ القلوب وَمُهّدَتْ فكل مُقدَّاة التّرَائِب مُرْضِع عَصيْتُ شفيعَ النفس فيه وقادني وطار جَناحُ البَيْنِ بِي وهَفَتْ بها لَئِنْ وَدَّعَتْ منسِّي غيُوراً فإنّني ولو شاهدتني والهواجرُ تَلْتَظي أُسلِّطُ حرَّ الهاجِراتِ إذا سَطا وأستنشقُ النكْباء وهي لوافحٌ وللموْتِ في عين الجَبان تلوُّنُ لَبَانَ لها أني من البيْن جازعٌ أميرٌ على غوْل التَّائِف ما لهُ ولو بصُرَت بي والشُّرى جُلُّ عزمتي وأَعتسِفِ الموْماة في غسق الدُّجى وقد حوَّمتْ زهرُ النُّجوم كأنها ودارتْ نجُومُ القطْب حتى كأنها وقد خَيَّلَتْ طُرْقُ المَجَرَّة أنها وثاقبُ عَزْمي والظلامُ مُرَوِّعٌ ولما تَدانتْ للوَدَاعِ وقد هَفا بصَبْريَ منها أَنَّةٌ وزَفِيرُ وفي المهد مَبْغُوم النداءِ صَغير بمَوْقعِ أهواء النفوس خَبير له أذرُعٌ محفوفةٌ ونحُور وكل مُحَيّاةِ المحاسِنِ ظِير رَوَاحٌ لتَدْ آب الشُّرى وبُكُور جَوانحُ من ذُعْرِ الفِراق تطير على عَزْمتي من شَجْوِها لغيُور عليَّ ورقْراقُ السَّراب يُور على حُرٌّ وجهي والأصيلُ هَجير وأستوْطىءُ الرَّمضاءَ وهي تفور وللذُغْر في سمع الجريء صَغِير وأني على مضِّ الخُطوبِ صَبُور إذا رِيع إلا المشرفيَّ وَزير وجَرْسي لِجِنّان الفلاة سمير وللأسْد في غِيل الغِياضِ زَئير كواكبُ في خضر الحَدائق حُور كؤوسُ مها١ والى بهن مُدير على مَفرق الليْل البَهم قَتير٢ وقد غضَّ أجْفانَ النُّجوم فُتور ١ المها : الباور . ٢ القتير : الشيب . ١٣٦ لقد أيقَنَتْ أنّ المنى طَوْعُ همَّتِي وأني بعَطْف العامريّ جَدير وهي طويلة ، وفي هذا القدر منها كفاية . وإذ قد ذكرت هذه القصيدة فينبغي أن أذكر شيئاً من قصيدة أبي نُوَاس التي وازنها أبو عمر ؛ وكان أبو نواس قد خرج من بغداد قاصداً مصر ليمدح أبا نصر الخصيبَ بن عبد الحميد صاحبَ ديوان الخراج بها ، فأنشده هذه القصيدة ، وذكر المنازل التي مرَّ عليها في طريقه ، وقد ذكرت منها بيتاً في ترجمة أبي إسحاق إبراهيم بن عثمان الغزّي، ولا حاجة إلى ذكر جميعها فإنها طويلة ، لكن أذكر الذي أختاره منها ، فمن ذلك ١ : تقولُ السَّي مِنْ بيتها خفَّ محملي٢ عزيزٌ عَلَيْنا أن نَراك تسير بَلى إِنَّ أَسْبابَ الغنى لكثير جَرتْ فجَرى من جَرْيهن غدير إِلى بَلدةٍ فيها الخصيبُ أمير فأيَّ فتى بعْد الخصيبِ تزور ولكنْ يصيرُ الجُودُ حيثُ يصير أما دُون مصْرٍ للغنى مُتطلّبٌ فقلتُ لها واسْتَعْجلتْها بوادِرٌ ذريني أُكَثِّرْ حاسدِيك برِحْلةٍ إذا لمْ تَزُرْ أرضَ الخصيبِ ركابُنا فما جازه جُودٌ ولا حَلَّ دُونَهُ فتِّى يشتري حُسْنَ الثناءِ بمالهِ ويَعلمُ أنّ الدَّائرات تَدُور ومنها أيضاً : فمنْ كان٣َ أمسى جاهِلاً بمقالتي فإنَّ أميرَ المؤمنينَ خَبِيرُ وما زلتَ تُوليه النصيحةَ يافعاً إلى أنْ بَدا في العارضَينِ فَتير إذا هاله٤ُ أمرٌ فإمّا كَفَيْتَهُ وإِمّا عليهِ بالكَفيِّ تُشير ثم شرع من ههنا في ذكر المنازل ، ثم قال في أواخرها : ١ ديوان أبي نواس ١ : ٢١٩ (تحقيق فاجتر). ٢ الديوان : موكبي . ٣ الديوان : فمن يك . ٤ الديوان : غاله، والصواب («عاله)»: أي غلبه. ١٣٧ زَها بالخصيبِ السيفُ والرُّمْحُ في الوَغى وفي السِّلْمِ يزْهُو مِنبرٌ وسريرُ جَوَاد إذا الأيدي قُبِضْنَ عَنِ النَّدى ومِنْ دُونِ عَوْرَاتِ النّساءِ غَيُور فإني جديرٌ إِن بلغتُكَ للغنى وأنتَ لما أَمَّلتُ منكَ جَدير فإنْ تُولِني منكَ الجميلَ فأهلُه وإلا فإني عاذرٌ وشكور ثم مدحه بعد هذه بعدة قصائد، ويقال إنه لما عاد إلى بغداد مدَحَ الخليفة ، فقيل له : وأي شيء تقول فينا بعد أن قلت في بعض نُوّابنا : إذا لمْ تَزُرْ أَرْضَ الخصيب ركابُنا البيتان المذكوران ؛ فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وأنشدَ يقول : إذا نحن أثْنَيْنا عليكَ بصالحٍ فأنتَ كما نُثني وفوْقَ الذي نُثني وإِنْ جَرَتِ الألفاظُ منا بمدْحةٍ لغيركَ إنساناً فأنتَ الذي نعني ومن شعر أبي عمر المذكور من جملة أبيات١: إِن كانَ واديكِ تَمْسُوعاً فَمَوْعِدُنا وادي الكَرَى فَلَعلّ فيه ألقاكِ وقد ألمَّ في هذا البيت بقول الآخر : هَلْ سبيل إِلى لقائكَ بالجز ع فإِنَّ الحِمى كثير الوشاة وكانت ولادته في المحرم سنة سبع وأربعين وثلثمائة٢ ، وتوفي ليلة الأحد لْأَرْبَعَ عشرَةَ ليلةً بقيت٣ من جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وأربعمائة ، رحمه الله تعالى . ١ ديوان ابن دراج : ٥٣٩ وهو من انشادات الثعالبي، ولم يرد في أصل الديوان. ٢ أج: سنة ٣٤٩ . ٣ أج : خلت . ١٣٨ ودَرّاج - بفتح الدال المهملة وفتح الراء المشددة وبعد الألف جيم - وهو اسم جده . والقَسْطَلِّي - بفتح القاف وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة وتشديد اللام - هذه النسبة إلى قَسْطلة١، وهي مدينة بالأندلس يقال لها قسطلة دراج ، ولا أعلم أهي منسوبة إلى جده دراج المذكور أم إلى غيره ، والله سبحانه أعلم . ٥٧ ابن زيدون أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زَيْدون المخزومي الأندلسي القُرْطُبي الشاعر المشهور؛ قال ابن بَسّام صاحب ((الذخيرة)) في حقه: ((كان أبو الوليد غايةَ منثورٍ ومنظوم، وخاتمة شعراء بني مخزوم . أخذ من حُرّ الأيام حُر٢ّ، وفاق الأنام طُرًّا، وصرَّف السلطان نفعاً وضرّا، ووسع البيان نظماً ونثرا . إلى أدب ليس للبحر تدفقه، ولا البدر تألقه . وشعر ليس للسحر بيانه ، ولا للنجوم الزُّهْرِ اقترانه . وحَظ من النثر غريب المباني ، شعري الألفاظ والمعاني . وكان من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة ، وبرَع أدبه ، ١ يقول الدكتور مكي (مقدمة الديوان: ٢٩): أكثر الباحثين على انها (أي قسطلة) القرية الداخلة اليوم في حدود البرتغال وتسمى Cacella من أعمال منطقة الغرب (Algarve ) وتقع على ساحل المحيط الأطلسي بين الحدود الإسبانية ومدينة طبيرة ( Tavira )؛ وهذا تصحيح لرأي ابن سعيد الجغرافي الأندلسي الذي عدها من منطقة جيان؛ غير أن الدكتور المحقق يميل إلى رأي ابن سعيد. ٥٧ - لابن زيدون ترجمة في الذخيرة ١/١: ٢٨٩ والقلائد: ٧٠ والمغرب ١ : ٦٣ والجذوة : ١٢١ والمطرب: ١٦٤ واعتاب الكتاب: ٢٠٧ والوافي ٧، الورقة: ٤٢ وقد نشر ديوانه عدة مرات آخرها بتحقيق الدكتور علي عبد العظيم (القاهرة : ١٩٥٧) وله في نفح الطيب أخبار وأشعار كثيرة . ٢ الذخبرة: أحد من جر الأيام جراً . ١٣٩ وجاد شعره، وعلا شأنه ، وانطلق لسانه . ثم انتقل عن قرطبة إلى المعتضد عبادٍ صاحب إشبيلية في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة ، فجعله من خواصه : يجالسه في خلواته، ويركن إلى إشاراته . وكان معه في صورة وزير)). وذكر له شيئاً كثيراً من الرسائل والنظم ، فمن ذلك قوله : بيني وبينكَ ما لو شئتَ لم يَضِعِ سرُّ إِذا ذاعتِ الأسرار لم يَذِعِ ليَ الحياة بحظي منهُ لم أبع يا بائعاً حَظَّهُ مني، ولوْ بُذِلَتْ يكفيكَ أنك إِنْ حَمَّلتَ قلبيَ ما تِهِ أحتملْ واستطلْ أصبرْ وعزَّ أهُنْ لا تستطيع قلوبُ الناس يستطِع ووَلّ أُقبِلْ وَقُلْ أسمعْ ومُرْ أَطِعِ ومن شعره أيضاً : ذائعٌ مِنْ سره ما استوْدَعكْ وَدّعَ الصبرَ مُحِبٌّ وَدّعكْ زادَ في تلك الخطا إِذ شَيَّعَك يقرَعُ السنَّ على أنْ لم يكنْ حفظَ الله زماناً أطْلَمَك يا أخا البدر سناءً وسناً إِنْ يطلْ بعدَكَ ليلي فلكمْ بتُ أشكو قِصر الليل معك وله القصائد الطنانة ، ولولا خوف الإطالة لذكرت بعضها . ومن بديع قلائده القصيدة النونية التي منها : يقضي علينا الأسى لولا تأسِّينا نكادُ حِينَ تُنَاجِيكُمْ ضمائرنا سُوداً وكانتْ بكمْ بيضاً ليالينا حالَتْ لِبعدكم'١ أيامنا فغدَتْ واليومَ نحنُ وما يُرْجى تلاقِينا بالأمس كنا وما يُخْشِى تَفَرُّقنا وهي طويلة، وكل أبياتها نُخَبٌ ، والتطويل يخرج بنا عن المقصود . وكانت وفاته في صدر رجب سنة ثلاث وستين وأربعمائة بمدينة إشبيلية ، رحمه الله تعالى ، ودفن بها . ١ أج : لفقدكم . ١٤٠