Indexed OCR Text

Pages 41-60

فقال لي : يا عم أخرجك الهزل إلى الجد ، وأنشد يقول :
ليس يُزري السوادُ بالرجل الشه مِ ولا بالفق الأديبِ الأريبِ
إن يكن للسّوادِ فيكَ نصيبٌ فبياضُ الأخلاقِ منكَ نصيبي
قلت : وقد نظم بعض المتأخرين ، وهو الأعز أبو الفتوح نصر الله بن قلاقس
الإسكندري - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف النون - هذا المعنى
وزاد فيه وأحسن كل الإحسان ، وهو قوله١ :
رُبُّ سوداءَ وهي بيضاءُ فِعْلٍ حسَدَ المسكَ عندها الكافُورُ
مثلُ حَبِّ العيون يحسبه النا سُ سواداً وإنما هو نور
وجلس (٢)* المعتصم يوماً - وقد تولى الخلافة بعد المأمون - وعن يمينه
العباس بن المأمون ، وعن يساره إبراهيم بن المهدي ، فجعل إبراهيم يقلِّب
خاتماً في يده ، فقال له العباس : يا عم ما هذا الخاتم ؟ فقال: خاتم رهنته في
أيام أبيك فما فككته إلا في أيام أمير المؤمنين ، فقال له العباس: والله لئن لم
تشكر أبي على حَقْن دمك مع عظيم جُرْمك لا تشكر أمير المؤمنين على فك
خاتمك ، فأفحمه .
وهذا إبراهيم في حديثه طول كثيراً أورده أرباب التواريخ في كتبهم ،
لكن اختصرته ، ونبهت على المقصود منه ، وقد استوفى الطبري وغيره
الكلام فيه .
ولما ظفر المأمون بإبراهيم شاوَر فيه أحمد بن أبي خالد الأحول الوزير ،
فقال : يا أمير المؤمنين ، إن قتلته فلك نظراء ، وإن عفوت عنه فما لك نظير.
وكانت ولادته غُرَّة ذي القعدة سنة اثنتين وستين ومائة ، وتوفي يوم الجمعة
لتسع خَلوْنَ من شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومائتين بسُرَّ من رأى،
وصلى عليه ابن أخيه المعتصم ، رحمه الله تعالى .
وسُرّ مَن رأى فيها ست لغات حكاها الجوهري في كتاب ((الصحاح)» في فصل
١ ليسا في ديوانه المطبوع .
٢ د : وأخبار إبراهيم بن المهدي طويلة .
٤١

رأى، وهن: سُرَّ مَن رأى - بضم السين المهملة وفتحها - وسُرَّ من راءَ -
بضم السين وفتحها وتقديم الألف على الهمزة في اللغتين - وساء من رأى ،
وسامرّا ، واستعمله البحتري ممدوداً في قوله :
ونَصَبْتَهُ عَلَمَاً بسامَرًّا.
ولا أعلم هل هي لغة شائعة أو استعمله كذلك ضرورة .
وسر من رأى : مدينة بالعراق، بناها المعتصم في سنة عشرين ومائتين وفيها
السّر داب الذي ينتظر الإمامية خروج الإمام منه ، وسيأتي ذكره في حرف
الميم في المحمدين إن شاء الله تعالى .
١٠
ابراهيم النديم الموصلي
أبو إسحاق إبراهيم بن ماهان - ويقال له أيضاً: ميمون - بن بَهْمَن بن
نُسْك، التميمي بالولاء ، الأرَّجاني، المعروف بالنديم ، الموصلي : ولم يكن
من الموصل ، وإنما سافر إليها وأقام بها مدة ، فنُسب إليها ، هكذا ذكره
أبو الفرج الأصبهاني في كتاب ((الأغاني )).
وهو من بيت كبير في العجم . وانتقل والده ماهان إلى الكوفة وأقام بها.
وأول خليفة سمعه المهدي بن المنصور، ولم يكن في زمانه مثله في الغناء واختراع
الألحان (٣) * وكان إذا غنى إبراهيم، وضرب له منصور المعروف بزلزُل، اهتزّ
لهما المجلس ، وكان إبراهيم زوج أُخت زلزل المذكور، وأخباره ومجالسه
مشهورة .
وحكي أن هارون الرشيد كان ◌َهوَى جاريته مارِدة هوِّى شديداً، فتغاضبا
١٠ - انظر الأغاني ٥ : ١٤٢.
٤٢

مرة ودام بينهما الغضب ، فأمر جعفر البرمكي العباس بن الأحنف أن يعمل
في ذلك شيئاً ، فعمل١:
راجِعْ أحِبّتكَ الذينَ هَجَرْتِهِمْ إِنَّ المتَيَّمَ قلَّما يَتَجَنَّبُ
إِنّ التجنبَ إِنْ تطاولَ منكما دَبّ السُّلوّ لهُ فَعَزّ المطلَب
وأمر إبراهيم الموصلي فغنى به الرشيد، فلما سمعه بادر إلى ماردة فترضّاها،
فسألت عن السبب في ذلك، فقيل لها، فأمرت لكل واحد من العباس وإبراهيم
بعشرة آلاف درهم ، وسألت الرشيد أن يكافئهما ، فأمر لهما بأربعين ألف درهم.
وكان هارون قد حبس إبراهيم في المُطْبق، فأخبر سَلْمٌ الخاسر أبا العتاهية
بذلك ، فأنشده٢ :
سَلْمْ يا سَلْمُ ليسَ دُونكَ سِرُّ حُبسَ المَوْصَلِيُّ فالعيشُ مُرُ
بِقٍ رأسُ اللذّات في الناس حُر
ما اسْتَطابَ اللذَّاتِ مُذْغَابَ في المُط
جميعاً وعَيشهُمْ مُقْشَعِر
ترَكَ المَوْصِيُّ مَنْ خَلَقَ الله
حُبسَ اللهوُ والسرُورُ فما في الأرض شيءٌ يُلهَى به ويَسُر
ولد إبراهيم المذكور بالكوفة سنة خمس وعشرين ومائة ، وتوفي ببغداد سنة
ثمان وثمانين ومائة بعلة القولنج، وقيل : سنة ثلاثَ عَشْرَةَ ومائتين ، والأول
أصح ، رحمه الله تعالى . وفي ترجمة العباس بن الأحنف خبر وفاته أيضاً فلينظر
فيها ، وقيل : مات إبراهيم الموصلي وأبو العتاهية الشاعر وأبو عمرو الشيباني
النحوي في سنة ثلاث عشرة ومائتين في يوم واحد ببغداد، وإن أباه مات وهو
صغير فكفله بنو تميم وربّوْهُ ، ونشأ فيهم فنُسب إليهم ، والله أعلم .
وسيأتي ذكر ولده إسحاق .
وأرّجان: بتشديد الراء المهملة، حكاه الجوهري والحازمي، وهي مذكورة
في ترجمة أحمد الأرجاني .
١ ديوان العباس: ٢٨ وقبلهما بيتان، والزهرة ١: ٥٨ والنجوم الزاهرة ٢: ١٢٦، وهما
أيضاً في الأغاني .
٢ ديوان أبي العتاهية: ٥٣٥ والقطعة أيضاً في الأغاني .
٤٣

١١
ابراهيم الصولي
إبراهيم بن العباس بن محمد بن صُول تكين الصُّولي ، الشاعر المشهور ؛
كان أحد الشعراء المجيدين، وله ديوان شعر كله نُخَبٌ، وهو صغير ،
ومن رقيق شعره (٤) * :
وشطَّ بليلى عن دُوّ مَزارُها!
دَنَتْ بأناسٍ عَن تَناءِ زيارةٌ.
لأقرَبُ من ليلى وهاتيكَ دارُها
وإِنّ مُقياتٍ بِمُنْعَرجِ اللَّوَى
ولهُ نثرٌ بديعٌ، فمن ذلك ما كتبه٢ عن أمير المؤمنين، إلى بعض البغاة
الخارجين يتهددهم ويتوعدهم، وهو ((أما بعد ، فإن لأمير المؤمنين أناةٌ ، فإن
لم تُفْنِ عَقَّب بعدها وعيداً، فإن لم يغن أغنت عزائمه، والسلام)) وهذا الكلام
مع وجازته في غاية الإبداع ، فإنه ينشأ منه بيت شعر له أوله :
أناة ◌ٌ فإنْ لم ◌ُعْنِ عَقَّبَ بعدها وَعيداً فإنْ لم يُفْنِ أَغْنَت عَزائِمُهْ
وكان يقول : ما اتكلتُ في مكاتبتي قط إلا على ما يجلبه خاطري ويحيش
به صدري، إلا قولي: ((وصار ما يُخْرِزِهِم يُبرزُهم، وما كان يعقلهم يعتَقلُهُم))،
وقولي في رسالة أُخرى: ((فأنزلوه من مَعْقلٍ إلى عِقال، وبدلوه آجالاً من
آمال)) فإني ألممت بقولي ((آجالاً من آمال » بقول مسلم بن الوليد الأنصاري ،
المعروف بصريع الغواني ، وهو٣ :
١١ - ترجمة إبراهيم الصولي في معجم الأدباء ١: ١٦٤ وتاريخ بغداد ٦: ١١٧ والأغاني ٤٢:١٠
واعتاب الكتاب: ١٤٦، وله ديوان نشره العلامة الميمني في الطرائف الأدبية ١٢٦ - ١٩٤.
١ ديوانه : ١٤٥ .
٢ د : كتب به .
٣ ديوان مسلم : ٩ .
٤٤

مُوفٍ على مُهَجٍ في يوم ذي رَهَج كأنه أُجَلٌ يسعى إلى أمَل!
وفي المعقل والعِقال بقول أبي تمام٢ :
قِراهُ، وأخْواضُ المنايا مَناهل٣٠
فإِنْ باشَرَ الإصْحَارَ فالبيضُ والقَنا
أولئكَ عُقّالاتُهُ لا ◌َمَعاقلُه؛
وإنْ يَبْنِ حيطاناً عَليهِ فإنما
وإِلاَّ فأعلمْهُ بأنكَ ساخِطٌ عَليهِ فإنَّ الخوفَ لاَشكّ قاتلُه
وهو ابن أُخت العباس بن الأحنف الحنفي الشاعر المشهور .
ونسبته إلى جده صُول المذكور ، وكان أحد ملوك جُرْجان، وأسلم على
يد يزيد بن المهلب بن أبي صُفرة ، وقال الحافظ أبو القاسم حمزة بن يوسف.
السهمي في ((تاريخ جُرْجان° )): الصُّلِي جُرْجاني الأصل ، وصول من بعض
ضياع جرجان، ويقال لها جُول٦، وهو عم والد أبي بكر محمد بن يحيى بن
عبد الله بن العباس الصولي، صاحب كتاب ((الوزراء )) وغيره من المصنفات ،
فإنهما يجتمعان في العباس المذكور .
وقد ذكره أبو عبدالله محمد بن داود بن الجراح في كتاب ((الورقة)) فقال :
إبراهيم بن العباس بن محمد بن صُول ، بغداديّ أصله من خراسان ، يكنى
أبا إسحاق ، أشعر نظرائه الكتّاب وأرقهم لساناً، وأشعاره قصار ثلاثة
أبيات ونحوها إلى العشرة، وهو أنعت الناس للزمان وأهله غير مدافَع، وأصله
تركي، وكان صول وفَيْرُوز أخوين مَلَكَا جُرْجان، تركيان، تمجَّسا وصارا
أشباه الفرس، فلما حضر يزيد بنُ المهلب بن أبي صفرة جرجان أمَّنَهُما ، فلم يزل
١. يقول: يوني على المهج بالقتل ؛ والرهج : الغبار ، أي يوم الحرب.
٢ ديوانه ٣ : ٢٨ .
٣ الإصحار : البروز إلى الصحراء .
؛ العقال : داء يعرض الخيل يعوقها عن الجري ؛ المعاقل: الحصون وأصله من امتناع الوعول
في الجبال ، يقال : عقل الوعل إذا حصل في موضع عال لا يوصل إليه فيه .
٥ أ : خراسان؛ وهو خطأ .
٦ ج د : جون .
٧ لم ترد له ترجمة في كتاب الورقة المطبوع .
٤٥

صول معه ، وأسلم على يده حتى قُتل معه يوم العَقْر .
وكان أبو عمارة محمدُ بنُ صُول أحد جلَّة الدعاة ، وقتله عبد الله بن علي
العباسي ، عمُّ السفاح والمنصور ، لما خلع مع مقاتل بن حكيم العكي وغيره .
واتصل إبراهيم وأخوه عبد الله بذي الرياستين الفَضْل بن سَهْل ، ثم تنقل
في أعمال السلطان ودواوينه إلى أن توفي وهو يتقلد ديوان الضياع والنفقات
بسُرَّ مَن رأى النصف من شعبان سنة ثلاث وأربعين ومائتين .
قال دعبل بن علي الخزاعي : لو تكسب إبراهيم بن العباس بالشعر لتركنا
في غير شيء، هذا آخر ما نقلته من كتاب ((الورقة)).
وقد وقفت على ديوانه ، ونقلت منه أشياء ، منها قوله ، وهذان البيتان
يوجدان في ديوان مسلم بن الوليد الأنصاري ، والله أعلم١ :
لا يَمْنَعَنَّكُ خَفْضَ العيشِ فِي دَعَةٍ ◌ُزوعُ نفسٍ إِلى أَهْلٍ وأوطانِ
تَلقى بكل بِلادٍ إِنْ حلَلْت بها أهلً بأهلِ وجيراناً يجيران
وله - ويقال : إنه ما ردَّدهما من نزلت به نازلة إِلا فرج الله تعالى عنه -:
ولرُبّ نازِلةٍ يضيقُ بها الفتى ذرْعاً وعِند اللهِ منها المخرج٣ُ
فَرِجَتْ وكان يظنها لا تُفْرْج
ضاقَتْ فلما استحكمت حَلَقاتها
ومن شعره :
أَوْلى البرية طُرّاً أنْ تواسِيَهُ عندَ السرور الذي واساكَ في الحزنِ
إِنّ الكرامَ إِذا ما أُسْهَلُوا ذكرُوا من كانَ يَأَلَفُهُمْ في المنزلِ الخشِنِ
وله - ويقال : إنه كتبها إلى محمد بن عبد الملك الزيات ، وزير المعتصم - :
وكنتَ أخي بإخاءِ الزمانِ فلما نبا صِرْتَ حَرْباً عَوانا
وكنتُ أُذُمُّ إليكَ الزمانَ فَأَصْبَحتُ منكَ أُذُمُّ الزمانا
١ هذه القطعة وما يليها في ديوان الصولي : ١٥١، ١٧١، ١٧٧، ١٦٦، ١٦٩ (وينسبان
لغيره) ، ١٨٥ (وهما في شرح التبريزي ٣: ١١٥ دون عزو)؛ وانظر المرزوقي: ١٢٢٠.
٢ ب هـ والديوان : مخرج.
٤٦

وكنتُ أُعِدُّكَ النتائباتِ فها أنا أُطلُبُ منكَ الأمانا
وله أيضاً :
فبكى عليكَ الناظرُ
كنتَ السَّوَادَ لِمُقلقي
فعليكَ كنتُ أُحاذرُ
من شاءَ بعدَكَ فَليَمُتْ
وأورد له أبو تمام الطائي في كتاب ((الحماسة)) في باب النسيب:
ونُبِّئْتُ ليلِى أَرْسَلَتْ بشفاعةٍ إِليَّ، فهلاً نفسُ ليلى شفيعُها
أأكرَمُ منْ ليلى عليّ فتبتغي بهِ الجاهَ أمْ كنتُ امْرءاً لا أطيعها
وله كل مقطوع بديع ، والاختصار أولى بالمختصر .
وسيأتي ذكر ابن أخيه محمد بن يحيى الصولي في المحمدين ، إن شاء الله تعالى.
توفي إبراهيم الصولي المذكور منتصف شعبان سنة ثلاث وأربعين ومائتين
بسر من رأى ، رحمه الله تعالى .
١٢
نفطويه
أبو عبد الله١ إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلب
ابن أبي صُفرة الأزدي ، الملقب نِفْطويْهِ النحوي الواسطي ؛ له التصانيف
الحسان في الآداب ، وكان عالماً بارعاً، ولد سنة أربع وأربعين ومائتين، وقيل:
سنة خمسين ومائتين بواسط وسكن بغداد . وتوفي في صفر سنة ثلاث وعشرين
١٢ - ترجمة نفطويه في بغية الوعاة: ١٨٧ وتاريخ بغداد ٦: ١٥٩ والزبيدي: ١٧٢ ونور
القبس: ٣٤٤ وانباه الرواة ١ : ١٧٦ والفهرست: ٨١ ونزهة الألباء : ١٧٨.
١ هـ : أبو عبيد الله.
٤٧

وثلثمائة يوم الأربعاء ، لِسِتٍّ خلوْن منه ، بعد طلوع الشمس بساعة . وقيل :
توفي سنة أربع وعشرين هو وابن مجاهد المقرىء ببغداد ، والله أعلم ، ودفن ثاني
يوم بباب الكوفة ، رحمه الله تعالى .
قال ابن خالويه: ليس في العلماء من اسمه إبراهيم وكنيته أبو عبد الله سوى١
نِفِطَوَيْه .
ومن شعره ما ذكره أبو علي القالي في كتاب ((الأمالي))٢:
قَلِي عَليْك أُرَقُّ منْ خدَّيكا وقُوايَ أوهى منْ قُوى جَفنَيْكا
لِمْ لا تَرِقُِ لمنْ يعذِّبُ نفسه ظُلماً ويعطفهُ هَواهُ عَليكا
وفيه يقول أبو عبد الله محمد بن زيد٣ بن علي بن الحسين الواسطي المتكلم
المشهور، صاحب ((الإمامة)) وكتاب ((إِعجاز القرآن الكريم في نظمه)) وغيرهما :
مَنْ سَرَّهُ أَنْ لا يَرِى فاسقاً فليجتهد أنْ لا يَرَى نِفْطَوَيْهِ
أَحْرَقَهُ الله بنصفِ اسمهِ وَصِيَّرَ الباقي صُراخاً عَليه
وتوفي أبو عبد الله محمد٤ المذكور سنة ◌َسَبْع - وقيل: سنة ست - وثلثمائة،
رحمه الله تعالى .
حكى عبد العزيز بن الفضل قال : خرج القاضي أبو العباس أحمد بن عمر بن
سُرَيج ، وأبو بكر محمد بن داود الظاهري، وأبو عبد الله نِفطَوَيْه إلى وليمة
دُعوا لها، فأفضى بهم الطريق إلى مكان ضيِّق ، فأراد كل واحد منهم صاحبه
أن يتقدم عليه ، فقال ابن سريج : ضيق الطريق يورث سوء الأدب ، وقال
ابن داود : لكنه يُعرِّف مقادير الرجال، فقال نفطويه : إذا استحكمت المودّة
بطلت التكاليف .
ونفطويه - بكسر النون وفتحها والكسر أفصح والفاء ساكنة - قال أبو
١ د : إلا .
٢ الأمالي ١ : ٢٠٧.
٣ أ : يزيد .
٤ ب هـ : أبو عبيد الله إبراهيم بن محمد .
٤٨

منصور الثعالبي في أوائل كتاب ((لطائف المعارف))١: إنه لقِّب نفطويه لدمامته
وأدمته تشبيهاً له بالنّفْطِ ، وهذا اللقب على مثال سيبويه ، لأنه كان ينسب في
النحو إليه ، ويجري على طريقته ، ويدرس كتابه ، والكلام في ضبط نفطويه
ونظائره كالكلام على سيبويه ، وهو مذكور في ترجمته ، واسمه عَمْرو ،
فليكشف منه .
١٣
أبو اسحاق الزجاج
أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن السري بن سهل الزَّجّاج النحوي؛ كان من
أهل العلم بالأدب والدين المتين ، وصنف كتاباً في معاني القرآن وله كتاب
((الأمالي))، وكتاب ((ما فُسِّرَ من جامع المنطق))، وكتاب ((الاشتقاق))،
وكتاب ((العروض))، وكتاب ((القوافي))، وكتاب ((الفرق)»، وكتاب « خلق
الإنسان))، وكتاب ((خلق الفرس))، وكتاب ((مختصر في النحو))، وكتاب
((فَعَلْتُ وأفعَلْت))، وكتاب ((ما ينصرف وما لا ينصرف))، وكتاب
((شرح أبيات سيبويه))، وكتاب ((النوادر))، وكتاب (( الأنواء))، وغير ذلك.
وأخذ الأدب عن المبرد وثعلب، رحمهما الله تعالى، وكان يخرط الزُّجَاج ،
ثم تركه واشتغل بالأدب ، فنسب إليه . [روى أبو سليمان الخطابي عن أحمد بن
الحسين الفرائضي قال : كان أصحاب المبرد إذا اجتمعوا واستأذنوا يخرج الآذن
فيقول : إِن كان فيكم أبو إسحاق الزجاج وإلا انصرفوا ، فحضروا مرة ولم
يكن الزجاج معهم ؛ فقال لهم ذلك فانصرفوا ، وثبت رجل منهم يقال له
عثمان ، فقال للآذن : قل لأبي العباس : انصرف القوم كلهم إلا عثمان فإنه لم
١ لطائف : ٤٨ .
١٩٤
١٣ - ترجمة الزجاج في انباه الرواة ١: ١٥٩ وبغية الوعاة: ١٧٩ وتاريخ بغداد ٦ : ٨٩
والزبيدي: ٨١ والفهرست: ٦٠ ومراتب النحويين: ١٣٦ ومعجم الأدباء ١: ١٣٠ ونزهة
الالباء : ١٦٧ ونور القبس : ٣٤٢.
٤ - ١
٤٩

ينصرف ، فعاد إليه الآذن وأخبره ، فقال : قل له إن عثمان إذا كان نكرة
انصرف، ونحن لا نعرفك فانصرف راشداً ] . واختص بصحبة الوزير عبيد الله
ابن سليمان بن وهب ، وعلم ولده القاسم الأدب، ولما استوزر القاسمُ بن عبيد الله
أفاد بطريقه مالاً جزيلاً .
وحكى الشيخ أبو علي الفارسي النحوي قال١: دخلت مع شيخنا أبي
إِسحاق الزَّجَاج على القاسم بن عبيد الله الوزير فورد إليه الخادم فسارّه بِسرّ
استبشر له ، ثم نهض ، فلم يكن بأسرع من أن عاد وفي وجهه أثر الوُجوم،
فسأله شيخنا عن ذلك لأنسٍ كان بينهما ، فقال له : كانت تختلف إلينا جارية
لإحدى القَيْنات فسُمْتُها أن تبيعني إياها ، فامتنعت من ذلك ، ثم أشار عليها
أحد من ينصحها بأن تهديها إليَّ رجاء أن أُضاعف لها ثمنها ، فلما جاءت أعلمني
الخادم بذلك ، فنهضت مستبشراً لافتضاضها فوجدتها قد حاضت ، فكان مني
ما ترى ، فأخذ شيخنا الدواة من بين يديه ، وكتب :
حاذقٌ بالطعن في الظُّلَمِ
فارسٌ ماضٍ بحَرْبْتهِ
رامَ أن يُدْمي فريسَتَهُ فاتَّقَتْه من دمٍ بِدَمٍ
قلت : وسيأتي في ترجمة بُورانَ بنت الحسن بن سَهْل ذكر هذين البيتين
على صورة أخرى ، فيما جرى لها مع المأمون ، والله أعلم بالصواب ، ويحتمل أن
تكون قضية المأمون مع بُورانَ هي الأصل ، وأن الزجاج تمثل بالبيتين لمّا
جرى للوزير هذه القضية ، والله أعلم .
توفي يوم الجمعة تاسعَ عَشَرَ جمادى الآخرة سنة عشر - وقيل: سنة إحدى
عشرة ، وقيل : سنة ست عشرة - وثلثمائة ، ببغداد ، رحمه الله تعالى ، وقد
أناف على ثمانين سنة .
وإليه ينسب أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجيُّ صاحب كتاب ((الجُمَل في
النحو))، لأنه كان تلميذه ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمته ، رحمه الله؛
وعنه أخذ أبو علي الفارسي أيضاً .
١ قارن بما في انباه الرواة : ١٦٢.
٥٠

١٤
الافليلي
أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن زكرياء١ بن مُفَرِّج بن يحيى بن زياد بن عبد الله
ابن خالد بن سَعد بن أبي وَقَّاص القُرَشي الزُّهْري المعروف بالإفليلي من أهل
قُرْطُبة؛ كان من أئمة النحو واللغة، وله معرفة تامة بالكلام على معاني الشعر،
وشرَحَ ((ديوان المتنبي)) شرحاً جيداً، وهو مشهور، وروى عن أبي بكر
محمد بن الحسن الزبيدي كتاب ((الأمالي)) لأبي علي القالي ، وكان متصدراً
بالأندلس لإقراء الأدب ، وولي الوزارة للمكتفي بالله بالأندلس ، وكان حافظاً
للأشعار ذاكراً للأخبار وأيام الناس ، وكان عنده من أشعار أهل بلاده قطعة
صالحة ، وكان أشد الناس انتقاداً للكلام ، صادق اللهجة ، حسن الغَيْبِ،
صافي الضمير، عُني بكتب جَمَّة كـ ((الغريب المصنف))، و((الألفاظ))، وغيرهما.
وكانت ولادته في شوال سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة، وتوفي في آخر الساعة
الحادية عشرة من يوم السبت ثالث عشر ذي القعدة سنة إحدى وأربعين
وأربعمائة ودفن يوم الأحد بعد العصر في صَحن مسجد خرب عند باب عامر
بقُرْطبة ، رحمه الله تعالى .
والإفليلي - بكسر الهمزة وسكون الفاء وكسر اللام وسكون الياء المثناة
من تحتها وبعدها لام ثانية - هذه النسبة إلى الإفليل٢ ، وهي قرية بالشام كان
أصله منها .
١٤ - ترجمة الافليلي في الذخيرة ١/١: ٢٤٠ والصلة: ٩٤ وانباه الرواة ١ : ١٨٣ وبغية
الملتمس : ١٩٩ ومعجم الأدباء ٢ : ٤.
١ تكرر في نسبه ذكر «زكريا» في الصلة.
٢ ياقوت: افليلاء - بفتح الهمزة - .
م
٥١

١٥
الصابىء صاحب الرسائل
أبو إسحاق إبراهيم بن هلال بن إبراهيم بن زَهْرُون بن حَبُّون الحَرانيّ
الصابىء، صاحب الرسائل المشهورة والنظم البديع ؛ كان كاتب الإنشاء ببغداد
عن الخليفة وعن عز الدولة بَخْتيار بن معز الدولة بن بُوَيهِ الديلمي الآتي ذكره
إن شاء الله تعالى ، وتقلد ديوان الرسائل سنة تسع وأربعين وثلثمائة ، وكانت
تصدر عنه مكاتبات إلى عضد الدولة بن بويه بما يؤلمه ، فحقد عليه ، فلما قتل
عز الدولة وملك عضُدُ الدولة بغداد اعتقله في سنة سبع وستين وثلثمائة ،
وعزم على إلقائه تحت أيدي١ الفيلة، فشفعوا فيه، ثم أطلقَه في سنة إحدى
وسبعين ، وكان قد أمره أن يصنع له كتاباً في أخبار الدولة الديلمية ، فعمل
الكتاب (( التاجي)) فقيل لعضد الدولة: إن صديقاً للصابىء دخل عليه فرآه
في شغل شاغل من التعليق والتسويد والتبييض فسأله عما يعمل٢ ، فقال :
أباطيل أنمقها ، وأكاذيب٣ أُلفقها، فحركت ساكنه وهيجت٤ حقده ، ولم يزل
مبعداً في أيامه . وكان متشدداً في دينه ، وجهد عليه عز الدولة أن يُسْلم فلم
يفعل . وكان يصوم شهر رمضان مع المسلمين ، ويحفظ القرآن الكريم أحسن
حفظ ، وكان يستعمله في رسائله (٥)* ، وكان له عبد أسود اسمه يمن ، وكان
◌َهْواه ، وله فيه المعاني البديعة ، فمن جملة ما ذكره له الثعالبي في كتاب
((الغلمان))، قوله :
قد قال ثمْنٌ وَهْوَ أَسْوَدُ للذي ببياضه اسْتَعْلِى عِلُوّ الخاتنِ
١٥ - ترجمة الصابىء في معجم الأدباء ٢: ٢٠ واليقيمة ٢: ٢٤٣ - ٠٣١٢
١ أ : أرجل .
٢ د : عما يعمله من ذلك.
٣ أ: وأحاديث .
٤ ج : وأماجت .
:
٥٢

ما فخرُ وجهِكَ بالبياض؟ وهل ترى أن قد أفَدْت به مزيد محاسن ؟
ولوَ أَن مني فيه خالاً زانه ولوَ أن منه فيَّ خالاً شانَني
قلت : ومعنى البيت الثالث ينظر إلى قول ابن الرومي من جملة أبيات في
جاريته السوداء ، وهو قوله :
وبَعضُ ما فُضَّلَ السّوادُ به والحقُّ ذو سُلْمٌٍ وذو نَفَقِ
أن لا يعيبَ السواد حُلْكته١ُ وقد يعابُ البياض بالبَهقِ
وهي أبيات مشهورة أحسن فيها كل الإحسان .
وذكر له الثعالبي فيه أيضاً :
لك وَجْهُ كأن يمْناي خطّة ◌ُ بلفظ تُملّه آمالي
نفضت صبْغَها عليه اللَّيالي
فيه مَعْنَى من البدور ولكن
لم يَشِنْكَ السواد بل زدت حسناً إنما يلبس السوادَ المَوالي
فيما لي أفديك إن لم تكن لي وبروحي أفديك إن كنت مالي
وله كل شيء حسن ، من المنظوم والمنشور (٦) *.
وتوفي يوم الاثنين - وقيل: يوم الخميس - لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال
سنة أربع وثمانين وثلثمائة ، ببغداد ، وعمره إحدى وسبعون سنة .
وذكر أبو الفرج محمد بن إسحاق الوراق المعروف بابن أبي يعقوب النديم
البغدادي في كتابه (الفهرست))٢ أن الصابىء المذكور ولد سنة نيِّفٍ وعشرين
وثلثمائة وتوفي قبل سنة ثمانين وثلثمائة ودفن بالشونيزي .
ورثاه الشريف الرضي بقصيدته الدالية المشهورة التي أولها٣ :
أُرَأيْتَ، مَن حَمَلوا على الأعوادِ ؟ أرأيت كيفَ خبا ضِياء النادي ؟
١ أ : حلته .
٢ الفهرست : ١٣٤.
٣ انظر ديوان الرضي ١ : ٣٨١.
٤ د : أعلمت .
٥٣

وعاتبه الناس في ذلك لكونه شريفاً يرني صابئاً، فقال: إِنما رَثَيَتُ فضله.
وزَهرون : بفتح الزاي المعجمة وسكون الهاء وضم الراء المهملة وبعد
الواو نون .
وحَبُّون : بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة وبعد الواو نون .
والصابىء : بهمزة آخره . وقد اختلفوا في هذه النسبة ، فقيل : إنها إِلى
صابىء بن متوشلح١ بن إدريس عليه السلام، وكان على الحنيفية الأولى . وقيل:
إلى صابىء بن ماري، وكان في عصر الخليل عليه السلام ، وقيل : الصابىء عند
العرب من خرج عن دين قومه ، ولذلك كانت قريش تسمي رسول الله ، صلى
الله عليه وسلم ، صابئاً لخروجه عن دين قومه ، والله أعلم .
١٦
الحصري صاحب زهر الآداب
أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن تميم ، المعروف بالحُصْري ، القَيْرَ واني الشاعر
المشهور، وله ديوان شعر، وكتاب ((زَهْر الآداب وثمر الألباب)) جمع فيه كل
غريبة في ثلاثة أجزاء، وكتاب ((المصون في سر الهوى المكنون)) في مجلد
واحد فيه مُلَحٌ وآداب (٧) *. ذكره ابن رشيقٍ في كتابه ((الأنموذج))،
وحكى شيئاً من أخباره وأحواله ، وأنشد جملة من أشعاره ، وقال : كان
شبان القيروان يجتمعون عنده ، ويأخذون عنه ، ورأس عندهم ، وشَرُفَ
لديهم ، وسارت تأليفاته وانثالت عليه الصلات من الجهات ، وأورد من شعره :
إني أحبّكَ حُبّاً ليس يَبْلُغُهُ فَهْمٌ، ولا ينتهي وصفي إلى صِفَتِهِ
١ د : متوشلخ .
١٦ - ترجمة الحصري في مسالك الأبصار (الورقة ٣٠٩) وفيه نقل عن الانموذج لابن رشيق؛ وفي
معجم الأدباء ٢ : ٩٤ والذخيرة (الجزء الرابع ، ولم يطبع بعد).
٥٤

أقصى نهايةِ علمي فيه مَعْرفتي بالعَجزِ مِنسّيَ عن إِذْراكِ مَعرفته
وأورد له أبو الحسن علي بن بسّام صاحب كتاب (( الذخيرة في محاسن أهل
الجزيرة)) بيتين في ضمن حكاية ، وهما :
أُورَدَ قلبي الرَّدى لامُ عِذَارٍ بَدَا
أَسْوَدُ كالكفْرِ في أبيضَ مثل الهُدى
وهو ابن خالة أبي الحسن علي الحُصْري الشاعر، وستأتي ترجمته في حرف العين.
توفي أبو إسحاق المذكور بالقيروان سنة ثلاثَ عَشْرَةَ وأربعمائة ، وقال
ابن بسام في ((الذخيرة)): بلغني أنه توفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة ، والأول
أصح ، رحمه الله تعالى .
وذكر القاضي الرشيد بن الزبير في كتاب ((الجنان)) في الجزء الأول في ترجمة
أبي الحسن علي بن عبد العزيز المعروف بالفكيك أن الحصري المذكور ألف
كتاب ((زهر الآداب)) في سنة خمسين وأربعمائة، وهذا يدل على صحة ما قاله
ابن بَسّام ، والله أعلم .
والحُضري - بضم الحاء المهملة وسكون الصاد المهملة وبعدها راء مهملة -
نسبة إلى عمل الحُصْر أو بيعها .
والقيروان - بفتح القاف وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء المهملة وبعد
الواو ألف ونون - مدينة بإفريقية، بناها عُقْبة بن عامر الصحابي ١، رضي الله عنه.
وإِفريقية سميت باسم إفريقين بن قَيْس بن صيْفيّ الحميري ، وهو الذي
افتتح إِفريقية ، وسميت به ، وقتل ملكها جرجير ، ويومئذ سميت البربر، قال
لهم : ما أكثر برْبَرَتكم ، ويقال: إِفريقس ، والله أعلم .
والقيروان في اللغة : القافلة ، وهو فارسي معرب ، يقال : إن قافلة نزلت
بذلك المكان ، ثم بنيت المدينة في موضعها فسميت باسمها ، وهو اسم للجيش
أيضاً ، وقال ابن القطاع اللغوي: القَيْرَوان بفتح الراء الجيش ، وبضمها
القافلة ، نقله عن بعضهم ، والله أعلم .
١ كذا والصواب : عقبة بن نافع الفهري .
٥٥

١٧
ابن خفاجة الأندلسي
٠٥٠
أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الفتح بن عبد الله بن خفاجة الأندلسي الشاعر ؛
ذكره ابن بَسّام في ((الذخيرة)) وأثنى عليه، وقال: كان مقيماً بشرق
الأندلس ولم يتعرض لاستماحة ملوك طوائفها مع تهافتهم على أهل الأدب ، وله
ديوان شعر أحسن فيه كل الإحسان، ومن شعره في عَشِيَّة أنسٍ ، وقد أبدع فيه ١:
وعَشِيِّ أنسٍ أَضْجَعَتْنِي نَشْوَةٌ فيه تُمَهِّدُ مَضْجَعي وتُدَمِّثُ
والغصْنُ يُصْغي والحمامُ يَحَدِّث
خلعت عليَّ بهِ الأراكةُ ظِلَّها
والرعد يَرْقِي والغمامةُ تَنْفُث
والشمس تَجْفَحُ للغروب مريضةًّ
وله أيضاً ، وهو معنى حسن :
ما للعِذَار وكان وَجهك قِبلة
وأرى الشبابَ وكانَ ليس بخاشِعٍ
ولقَدْ علمت بكَوْنِ ثَفْركَ بارقاً
(٨)* وله أيضاً :
قد خَطَّ فيه من الدُّجَى محرابا
قد خَرَّ فيه راكعاً وأنابا
أن سَوْقَ يُزْجي للعِذَار سحابا
أقوَى محلّ من شبابك آهِلٌ فوَقَفْتُ أُندُبُ منه رَسماً عافيا
مثلَ العِذار هناك نؤياً دائراً واسْوَدَّتِ الخِيلانُ فيه أثافيا
وقد أخذ بعض المتأخرين - وهو العماد أبو علي٢ بن عبد النور اللّزْني نزيل
١٧ - ترجمة ابن خفاجة في الذخيرة: ٣ الورقة: ١٧٣ (نسخة بغداد) والقلائد: ٢٣١ والمطمح:
٨٦ وبغية الملتمس: ٢٠٢ وله أشعار وأخبار في نفح الطيب.
١ وردت هذه القطعة والقطعتان التاليان في ديوانه: ٢٨٥، ١٢٦، ٠٦١
٢ أ: العماد بن علي.
٥٦

الموصل ، وهو المذكور في ترجمة الشيخ كمال الدين موسى بن يونس - هذا
المعنى فقال :
ومُعَقْرَبِ الصُّدْغينِ خلتُ عِذَارهُ نُؤْياً أتافي رَسِهِ الخِيلانُ
فَوَقَفْتُ أَبكيه بعَيْنَيْ عُرْوَةٍ أسفاً عليهِ كأنني غَيْلانُ
ولد أبو إسحاق المذكور بجزيرة شُقْر من أعمال بَلَنْسية من بلاد الأندلس
في سنة خمسين وأربعمائة ، وتوفي بها سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة ، لأربع بقين
من شوال يوم الأحد .
وشُقْر - بضم الشين المثلثة وسكون القاف والراء المهملة - وهي بُليدة
بين شاطبة وبلنسية ، وإنما قيل لها جزيرة لأن الماء محيط بها .
وبَلَفْسِية - بفتح الباء الموحدة وفتح اللام وسكون النون وكسر السين
المهملة وفتح الياء المثناة من تحتها .
والأندلس - بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الدال المهملة وضم السلام
والسين المهملة - وهي جزيرة متصلة بالبر الطويل ، والبر الطويل متصل
بالقسطنطينية العظمى، وإنما قيل للأندلس جزيرة لأن البحر يحيط بها من جهاتها
إلا الجهة الشمالية ، وهي مثلثة الشكل، فالركن الشرقي منها متصل يجبل يسلك
منه إِلى افرنجة، ولولاه لاختلط البحران . وحكي أن أول من عمرها بعد
الطوفان أندلس بن يافث بن نوح عليه السلام ، فسميت باسمه .
١٨
إبراهيم الغزي الشاعر
أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى بن عثمان بن محمد الكلبي الأشهبي ،
وقال ابن النجار في ((تاريخ بغداد)): هو إبراهيم بن عثمان بن عباس بن محمد
١٨ - ترجمة الغزي في الخريدة (قسم الشام) ١ : ٤ - ٧٥.
٥٧

ابن عمر بن عبد الله الأشهبي، الكلي، الغَزِّيّ الشاعر المشهور .
شاعر محسن، ذكره الحافظ ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ، فقال : دخل
دمشق وسمع بها من الفقيه نصر المقدسي، سنة إحدى وثمانين وأربعمائة ، ورحل
إلى بغداد وأقام بالمدرسة النظامية سنين كثيرة ، ومدح ورثى غير واحد من
"المدرسين بها وغيرهم، ثم رحل١ إِلى خُراسان وامتدح بها جماعة من رؤسائها،
وانتشر شعره هناك، وذكر له عدة مقاطيع من الشعر، وأثنى عليه . انتهى
كلام الحافظ .
وله ديوان شعر اختاره لنفسه ، وذكر في خطبته أنه ألف بيت .
وذكره العماد الكاتب في (( الخريدة))، وأثنى عليه، وقال : إنه جاب البلاد
وتَغَرَّب ، وأكثر النُّقَل والحركات ، وتغلغل في أقطار خراسان وكرمان ،
ولقي الناس ، ومدح ناصر الدين مكرم بن العلاء وزير كرمان بقصيدته البائية
التي يقول فيها ، ولقد أبدع فيه٢ :
حَمَلْنا مِنَ الْأيّامِ ما لا نطيقُهُ كما حملَ العظمُ الكسيرُ العَصائبا
ومنها في قصر الليل ، وهو معنى لطيف :
ولَيَلِ رَجَوْنا أنْ يَدِبّ عِذَارُهُ فما اختطَّ حتى صارَ بالفجر٣ شائبًا
وهي قصيدة طويلة .
ومن جيد شعره المشهور :
قالوا هَجَرْتَ الشعر، قلت ضرُورةٌ باب الدّواعي والبواعثِ مُغْلَقُ
خَلَتِ الديار فلا؛ كريمٌ يُرْتَجی مِنْهُ النوَالُ ولا مليحٌ يُعْشَق
ومنَ العَجائبِ أنهُ لا يُشْتَرىُ ويُخان فيه معَ الكساد ويُسْرَق
١ أهـ : دخل .
٢ الخريدة : ١١ .
٣ هـ : بالصبح؛ وما أثبتناه مطابق لما في الخريدة.
؛ د : لم يبق في الدنيا .
ه أ : ومن العجائب أن تراه كاسداً.
٥٨

(٩)* ومن شعره ، وفيه صناعة مليحة :
وَخْزُ الأسنةِ والخضُوعُ لِنَاقِصٍ أَمْرَانِ فِي ذَوْقِ النتُهى مُرّانٍ
مُرّانِ وخْزُ أَسنة المرّان
والرّأيُ أنْ يُختار فيا دُونهُ الـ
ومن شعره أيضا١ً :
مِنْ آلةِ الدَّستِ لم يُعْطَ الوزيرُ سِوى
تحريكِ لِحيتهِ في حال إيماءٍ
إِنّ الوزيرَ وَلا أزر٢ٌ يشدّ بهِ مثلُ العَرُوضِ لهُ بحرٌ بلا ماء
وله أيضاً :
وجفَ الناسُ حتى لوْ بَكَيْنا تعذَّرَ ما تُبَلّ بِهِ الجفُونُ
فَمَا يَندَى لِمَمْدُوحٍ بَنانٌ ولا يَندَى لِمَهْجُوّ جَبَين
وله في القصائد المطولات كلُّ بديع .
ومن شعره أيضاً وهو مما تستملحه الأدباء وتستظرفه قوله من جملة قصيدة:
ردّ السلام غداةَ البَيْنِ بالعَنَمِ
إشارةٌ منك تُفْنيني وأحسن ما
وانحلّ بالضَّمّ سلك العقد في الظُّلم
حتى إذا طاحَ عنها المرْطُ منَ دَهَشٍ
حَبّاتٍ مُنتثرٍ فِي ضَوْءُ منتظم
تبسمَتْ فأضاءَ الليلُ فالتقطتْ
والبيت الأخير منها ينظر إلى قول الشريف الرضي ، من جملة قصيدة :
وَبَاتَ بارقُ ذلكَ الثغر يُوضحُ لي مَواقع اللَّثُمِ فِي دَاجٍ مِنَ الظُّمِ
وقد ألمّ به بعض البغاددة في مواليا على اصطلاحهم ، فإنهم ما يتقيدون
بالإعراب فيه ، بل يأتون به كيفما اتفق ، وهو :
١ د : وله في الشهاب الوزير .
٢ د : تدعى الوزير بلا أزر .
٥٩

ظفرتْ ليلهْ بليلى ظفرة المجنون وقلتُ وافى لحظِّي طالعٌ ميمون
تبسَّمَتْ فأضاء اللؤلؤ المكنون صار الدُّجى كالضحى فاستيقظ الواشون
والأصل في هذا المعنى بيت أبي الطَّمَحان القَيْني، وهو قوله١ :
أضاءتْ لهمْ أحسابُهُمْ وَوُجُوهُهمْ دُجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبُهْ
وهذا البيت من جملة أبيات ، وهي :
وَإِنِي مِنَ القَوْمِ الذينِ هُمُ هُمُ إِذا مات منهمْ سيدٌ قَامَ صاحبُهْ
نجومُ سماء كلما غابَ كوكبٌ بدا كوكبٌ تأوي إليه كواكبُه
أضاءتْ لهمْ أحسابُهُم ووُجُوههمْ دُجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
ويقال : إن هذا البيت أمدح بيت قيل في الجاهلية ، وقيل : هو أكذب
بیتٍ قِيلَ .
وما زالَ منهمْ حيثُ كانوا مُسَوَّدٌ تسيرُ المِنَايا حيثُ سارت كتائبُهْ
وهذا أبو الطمحان هو : حنظلة بن الشَّرْفي ، من شعراء الجاهلية .
ولد الغَزِّي المذكور بغزة، وبها قبر هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم ،
سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وتوفي سنة أربع وعشرين وخمسمائة ما بين مرو
وبلغ ، من بلاد خُرَاسان ، ونقل إلى بَلْخ ودفن بها ، ونقل عنه أنه كان
يقول لما حضرته الوفاة : أرجو أن يغفر الله لي لثلاثة أشياء: كَوْني من
بلد الإمام الشافعي ، وأني شيخ كبير ، وأني غريب ، رحمه الله تعالى وحقق
رجاءه .
وغزة - بفتح الغين وتشديد الزاء المعجمتين وبعدها هاء - وهي البليدة
المعروفة في الساحل الشامي ، وقد يقع هذا الكتاب في يد مَنْ يكون بعيداً
عن بلادنا، ولا يعرف أين تقع هذه البليدة، ويتشوق إلى معرفة ذلك ، فأقول:
١ اسمه حنظلة بن الشرقي وقيل ربيعة بن كنانة بن جسر وله ترجمة في الشعر والشعراء : ٣٠٤
والمؤتلف: ١٤٩ والأغاني ١٣: ٣ والسمط: ٣٢٢ والاصابة ٢: ٦٦ والخزانة ٣: ٤٢٦
وأبياته هذه في الأغاني : ٩ .
٦٠