Indexed OCR Text

Pages 141-160

وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ أَذْهَمُ يُسْمَى : ( اٌلْسَّكْبَ ) .
وَكَانَ لَهُ سَرْجٌ يُسْمَى: ( الْرَّاجَّ ) .
وَكَانَ لَهُ بَغْلَةٌ شَهْبَاءُ تُسْمَى: ( اٌلَدُّلْدُلَ ).
وَكَانَ لَهُ نَاقَةٌ تُسْمَى : ( الْقَصْوَاءَ ) .
وَكَانَ لَهُ حِمَارٌ يُسْمَى: ( يَعْفُوراً ) .
وَكَانَ لَهُ بِسَاطٌ يُسْمَى : ( الْكَزَّ ) .
وَكَانَ لَهُ عَنَزَةٌ تُسْمَى : ( اٌلْنَّمِرَ ) .
وَكَانَ لَهُ رَكْوَةٌ تُسْمَى : ( اٌلْصَّادِرَ ) .
وَكَانَ لَهُ مِرْآَةٌ تُسْمَى : ( الْمُدِلَّةَ ) .
وَكَانَ لَهُ مِقْراضٌ يُسْمَى : ( أَلْجَامِعَ ).
وَكَانَ لَهُ قَضِيبُ شَوْحَطٍ(١) يُسْمَى : ( الْمَمْشُوقَ ) .
وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبْعَةٌ (٢) يَجْعَلُ فِيهَا الْمِرْآةَ وَالْمُشْطَ
وَأَلْمِقْرَاضَيْنِ وَالْسِّوَاكَ .
وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسٌ يُقَالُ لَهُ: ( ◌ٌللَّحِيفُ)(٣).
(١) الشوحط : ضرب من شجر جبال السَّراة تتخذ منه القِسيُّ.
(٢) ربعة : حقيبة يجعل فيها الأمتعة المذكورة وهي جلد كجؤنة العطار التي يجعل فيها
الطيب .
(٣) وقيل: اللُّحَيْف ، وقيل : بالخاء ، وقيل : بالجيم ، وهو عند ابن الجوزي بالنون
بدل اللام من النحافة .
١٣٨

وَفَرَسٌ يُقَالُ لَهُ: ( الظَّرِبُ)(١).
وَفَرَسٌ يُقَالُ لَهُ: ( اللِّزَازُ)(٢).
وَكَانَ لَهُ قَصْعَةٌ يُقَالُ لَهَا: ( الْغَرَّاءُ ) ؛ يَحْمِلُهَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ .
وكَانَ لَهُ جَارِيَةٌ تُسْمَى : ( خَضْرَةَ )(٣)
(١) وقيل : الظُّرْب.
(٢) اللِّزَازُ: سمي به لشدة تلززه أو اجتماع خلقه، والملزَّز: المجتمع. ولزَّ به الشيءُ:
لزق به ، كأنه يلتزق بالمطلوب لسرعته .
(٣) وقال المناوي وتبعه الحفني : الخَضِرة ؛ بكسر الضاد .
١٣٩

البَّابُ الرَّابِعُ
فِي صِفَةِ أَكْلِ رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَشُرْبِهِ ، وَنَوْمِهِ
وَفِهِ سِتَهُ فُصُولٍ

الْفَضْكُ الأولُ
فى صفة بعيدث صفى الله عليه وسلم وجير
عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ [رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى] قَالَ: سَمِعْتُ اٌلْنُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ
رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُمَا يَقُولُ : أَلَسْتُمْ فِي طَعَام وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ
نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلَأُ بَطْنَهُ .
وَ( الْدَّقَلُ ): رَدِيءُ الْتَّمْرِ .
وَكَانَ أَكْثَرَ طَعَامِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : التَّمْرُ وَأَلْمَاءُ .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كُنَّا آلَ مُحَمَّدٍ نَمْكُثُ شَهْراً مَا
نَسْتَوْقِدُ بِنَارٍ ، إِنْ هُوَ إِلَّا الْتَّمْرُ وَأَلْمَاءُ .
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ : كَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا تَقُولُ
لِعُرْوَةَ: وَاَللهِ يَا أَبْنَ أُخْتِي؛ إِنْ كُنَّا لَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثُمَّ أَلْهِلَالِ ثُمَّ اَلْهِلَالِ ؛
ثَلَاثَةِ أَهِلَّةِ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أُوْقِدَ فِي أَنْيَاتِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ .
قَالَ: قُلْتُ يَا خَالَةُ؛ فَمَا كَانَ يُعَيِّشُكُمْ؟
قَالَتْ: الْأَسْوَدَانِ ؛ الثَّمْرُ وَأَلْمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِيرَانٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ(١) ، فَكَانُوا يُرْسِلُونَ إِلَى
(١) منائح - جمع منيحة - وهي: العطيّة لفظاً ومعنىً .. وأصلها عطية الناقة أو الشاة.
١٤٣

رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَلْبَانِهَا، فَيَسْقِينَاهُ .
وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُوعَ، وَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونِنَا عَنْ حَجَرِ حَجَرٍ ، فَرَفَعَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَطْنِهِ عَنْ حَجَرَيْنِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ الْتِّرْمِذِيُّ : وَمَعْنَى قَوْلِهِ ( وَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونِنَا عَنْ حَجَرٍ
حَجَرٍ ) : وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَشُدُّ فِي بَطْنِهِ الْحَجَرَ مِنَ الْجُهْدِ وَاُلْضُّعْفِ الَّذِي بِهِ
مِنَ الْجُوعِ .
وَفِي كِتَابِ ((الْمَوَاهِبِ)): عَنِ أَبْنِ بُجَيْرِ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] قَالَ:
أَصَابَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُوعٌ يَوْماً ، فَعَمَدَ إِلَى حَجَرٍ ، فَوَضَعَهُ
عَلَى بَطْنِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَلَا رُبَّ نَفْسٍ طَاعِمَةٍ نَاعِمَةٍ فِي الدُّنْيَا .. جَائِعَةٌ
عَارِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، أَلَا رُبَّ مُكْرِم لِنَفْسِهِ .. وَهُوَ لَهَا مُهِينٌ، أَلَا رُبَّ مُهِينٍ
لِنَفْسِهِ .. وَهُوَ لَهَا مُكْرِمٌ)) .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَاعَةٍ لَا يَخْرُجُ فِيهَا وَلَا يَلْقَاهُ فِيهَا أَحَدٌ ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ ،
فَقَالَ: (( مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ ))، قَالَ: خَرَجْتُ أَلْقَى رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْظُرَ فِي وَجْهِهِ ، وَاُلْتَّسْلِيمَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَلْبَتْ أَنْ جَاءَ
عُمَرُ فَقَالَ: (( مَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَرُ؟ ))، قَالَ: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذَلِكَ )).
فَأَنْطَلَقُوا إِلَى مَنْزِلِ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ النَّيِّهَانِ الْأَنْصَارِيِّ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهُ] - وَكَانَ رَجُلاً كَثِيرَ النَّخْلِ وَالشَّاءِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَدَمٌ - فَلَمْ يَجِدُوهُ ،
١٤٤

فَقَالُوا لِأَمْرَأَتِهِ : ((أَيْنَ صَاحِبُّكِ؟ ))، فَقَالَتْ: اِنْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاءَ .
فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَ أَبُو الْهَيْثَمِ بِقِرْبَةٍ يَزْعَبُهَا - أَيْ: يَمْلَؤُهَا - فَوَضَعَهَا، ثُمَّ
جَاءَ يَلْتَزِمُ الْنَبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُفَدِّيهِ بِأَبِيهِ وَأُمُّهِ .
ثُمَّ أَنْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى حَدِيقَتِهِ، فَبَسَطَ لَهُمْ بِسَاطاً، ثُمَّ أَنْطَلَقَ إِلَى نَخْلَةٍ
فَجَاءَ بِقِنْوٍ (١) فَوَضَعَهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَفَلَا تَنَقَّيْتَ لَنَا
مِنْ رُطَبِهِ؟! ))، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَخْتَارُوا مِنْ رُطَبِهِ
وَبُسْرِهِ .
فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((هَذَا - وَأَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - مِنَ
النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ ظِلٌّ بَارِدٌ، وَرُطَبٌ طَيِّبٌ، وَمَاءٌ
بَارِدٌ » .
فَأَنْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ لِيَصْنَعَ لَهُمْ طَعَاماً ، فَقَالَ النَِّيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ((لَا تَذْبَحَنَّ لَنَا ذَاتَ دَرِّ ))، فَذَبَحَ لَهُمْ عَنَاقاً (٢)؛ أَوْ جَدْياً(٣) ،
فَأَتَاهُمْ بِهَا فَأَكَلُوا .
فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((هَلْ لَكَ خَادِمٌ ؟))
قَالَ : لَا .
قَالَ: ((فَإِذَا أَتَانَا سَبْيٌّ .. فَأْتِنَا )).
(١) الغصن من النخلة المسمّى بالعرجون.
(٢) وهي : أنثى المعز لها أربعة أشهر .
(٣) وهو : ذكر المعز ما لم يبلغ سنة .
١٤٥

فَأُتِيَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَأْسَيْنِ (١) لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ، فَأَتَاهُ أَبُو
اُلْهَيْثَمِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِخْتَرْ مِنْهُمَا )).
قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إِخْتَرْلِي.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ، خُذْ هَذَا
فإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي ، وَأَسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفاً » .
فَأَنْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ إِلَى أَمْرَأَتِهِ فَأَخْبَرَهَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ؛ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: مَا أَنْتَ بِبَالِغِ حَقَّ مَا قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ .. إِلَّا أَنْ تُعْتِقَهُ .
قَالَ : فَهُوَ عَتِيقٌ .
فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً وَلَا خَلِيفَةً .. إِلَّا
وَلَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِأَلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوهُ
خَبَالاً(٢) ، وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ فَقَدْ وُقِيَ، وَأَلْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ اللهُ
تَعَالَىْ )) .
وَعَنْ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لَسَابِعُ
سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ ،
حَتَّى تَقَرَّحَتْ أَشْدَاقُنَا(٣) ، فَأَلْتَقَطْتُ بُرْدَةً فَقَسَمْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ
يعني : أسيرين اثنين .
(١)
(٢) خبالاً: فساداً . وفي هذا التعبير تنبيه على أن بطانة السوء يكفي فيها السكوت على
الشر ، وعدم النَّهي عن الفساد .
(٣) أي : ظهر في جوانب أفواهنا قروح من خشونة ذلك الورق وحرارته .
١٤٦

مَالِكِ؛ فَأْتَزَرْتُ بِنِصْفِهَا وَأَتَزَرَ سَعْدٌ بِنِصْفِهَا، فَمَا مِنَّا مِنْ أُولَئِكَ السَّبْعَةِ
أَحَدٌ .. إِلَّا وَهُوَ أَمِيرُ مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ، وَسَتُجَرِّبُونِ الْأُمَرَاءَ بَعْدَنَا .
وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ((لَقَدْ أُخِفْتُ فِ اللهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اْللهِ وَمَا
يُؤْذَى أَحَدٌ ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلاَثُونَ مِنَ بَيْنِ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ مَا لِيَ وَلِلَالٍ طَعَامٌ
يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّ شَيْءٌ يُوَارِيِهِ إِبْطُ بِلَالٍ )) .
قَالَ الْمُصَنَّفُ فِي ((جَامِعِهِ)) (١): مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ
مَعَ بِلَالٍ حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ هَارِباً؛ وَمَعَ بِلَالٍ
مِنَ الطَّعَامِ مَا يُوَارِيهِ تَحْتَ إِنْطِهِ .
وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضاً : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْتَمِعْ عِنْدَهُ غَدَاءٌ
وَلَا عَشَاءٌ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ إِلَّا عَلَى ضَفَفٍ .
و( اُلْضَّفَفُ ) : كَثْرَةُ أَيْدِي الْأَضْيَافِ .
فَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ فِي الْغَدَاءِ
وأَلْعَشَاءِ ؛ إِلَّا إِذَا كَانَ عِنْدَهُ الْأَضْيَافُ فَيَجْمَعُهُمَا لِأَجْلِهِمْ .
وَعَنْ نَوْفَلٍ بْنِ إِيَاسِ الْهُذَلِيِّ [رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَىُ] قَالَ: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ
أَبْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ لَنَا جَلِيساً ، وَكَانَ نِعْمَ الْجَلِيسُ، وَإِنَّهُ أَنْقَلَبَ
بِنَا ذَاتَ يَوْمٍ حَتَّى إِذَا دَخَلْنَا بَيْتَهُ .. دَخَلَ فَأَغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ وَأُتِينَا
بِصَحْفَةٍ(٢) فِيهَا خُبْزٌ وَلَحْمٌ ، فَلَمَّا وُضِعَتْ .. بَكَىْ عَبْدُ الرَّحْمَانِ.
(١) أي: الترمذي في ((الجامع الصحيح)).
(٢) هي إناء كالقصعةِ ، وقيل : إناء مبسوط كالصحيفة.
١٤٧

فَقُلْتُ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ؛ مَا يُبْكِيكَ؟ .
فَقَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَشْبَعْ هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ
مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ، فَلَا أُرَانَا أُخِّرْنَا لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَنَا.
وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّهُ أُتِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بِتَمْرٍ ؛ فَرَأَيْتُهُ يَأْكُلُ وَهُوَ مُفْعٍ مِنَ الْجُوعِ .
وَمَعْنى ( اُلْإِفْعَاءِ ) : اُلْتَّسَانُدُ إِلَى وَرَاءٍ .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْخُذُ مِمَّا آتَاهُ اللهُ تَعَالىٌ إِلَّا
قُوتَ عَامِهِ فَقَطْ، مِنْ أَيْسَرِ مَا يَجِدُ مِنَ الْتَّمْرِ وَالشَّعِيرِ ، وَيَضَعُ سَائِرَ ذَلِكَ
فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْزِلُ
نَفَقَةَ أَهْلِهِ سَنَةً .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: مَا رَفَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاءٌ لِعَشَاءٍ ، وَلَا عَشَاءَ لِغَدَاءِ .
وَرَوَى اٌلْتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسِ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ]: أَنَّ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَدَّخِرُ شَيْئاً لِغَدٍ .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَغَدَّى .. لَمْ يَتَعَشَّ، وَإِذَا
تَعَشَىْ .. لَمْ يَتَغَدَّ .
قَالَ الْقُسْطُلَّانِيُّ فِي (( الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ)) : (قَدِ أَسْتُشْكِلَ كَوْنُهُ عَلَيْهِ
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَأَصْحَابِهِ كَانُوا يَطْوُونَ الْأَيَّامَ جُوعاً ؛ مَعَ مَا ثَبَتَ :
١٤٨

أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَّةٍ .
وَأَنَّهُ قَسَمَ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَنْفُسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَلْفَ بَعِيرٍ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِ .
وَأَنَّهُ سَاقَ فِي عُمْرَتِهِ مِنَّةَ بَدَنَةٍ ؛ فَنَحَرَهَا وَأَطْعَمَهَا الْمَسَاكِينَ .
وَأَنَّهُ أَمَرَ لِأَعْرَابِيِّ بِقَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ .. وَغَيْرُ ذَلِكَ .
مَعَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَمْوَالِ ؛ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ
وَطَلْحَةَ وَغَيْرِهِمْ، مَعَ بَذْلِهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَّهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ .
وَقَدْ أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِجَمِيعٍ مَالِهِ ، وَعُمَرُ بِنِصْفِهِ .
وَحَثَّ عَلَى تَجْهِيزِ جَيْشِ الْعُسْرَةِ؛ فَجَهَّزَهُمْ عُثْمَانُ بِأَلْفٍ بَعِيرٍ ... إِلَى
غَيْرِ ذَلِكَ؟ .
وَأَجَابَ عَنْهُ اُلْطََّرِيُّ - كَمَا حَكَاهُ فِي ((فَتْحِ أَلْبَارِي)) -: بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ
مِنْهُمْ فِي حَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ ؛ لَا لِعَوَزٍ وَضِيقٍ ، بَلْ تَارَةً لِلْإِثَارِ ، وَتَارَةً لِكَرَاهَةِ
الشِّبَعِ وَكَثْرَةِ الْأَكْلِ .
قَالَ الْحَافِظُ أَبْنُ حَجَرٍ : وَالْحَقُّ أَنَّ الْكَثِيرَ مِنْهُمْ كَانُوا فِي حَالٍ ضِيقٍ قَبْلَ
اَلْهِجْرَةِ حَيْثُ كَانُوا بِمَكَّةَ، ثُمَّ لَمَّا هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَ أَكْثَرُهُمْ
كَذَلِكَ ، فَوَاسَاهُمُ الْأَنْصَارُ بِالْمَنَازِلِ وَالْمَنَائِحِ، فَلَمَّا فُتِحَتْ لَهُمُ النَّضِيرُ
وَمَا بَعْدَهَا .. رَدُّوا عَلَيْهِمْ مَنَائِحَهُمْ.
نَعَمْ .. كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْتَارُ ذَلِكَ مَعَ إِمْكَانِ حُصُولِ اٌلْتَّوَسُّعِ
وَالْتَّبَسُّطِ فِي الدُّنْيَا لَهُ ؛ كَمَا أَخْرَجَ اُلْتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ النَّيَّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ
١٤٩

ذَهَباً ، فَقُلْتُ: لَا يَارَبِّ، وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْماً وَأَجُوعُ يَوْماً ، فَإِذَا جُعْتُ ..
تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ، وَإِذَا شَبِعْتُ .. شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُكَ)).
وَعَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ وَجِبْرِيلُ عَلَى الصَّفَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: ((يَا جِبْرِيلُ؛ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَمْسَىْ لِآَلِ مُحَمَّدٍ سُفَّةٌ(١) مِنْ
دَقِيقٍ ، وَلَا كَفْتٍّ مِنْ سَوِيقٍ(٢))) .
فَلَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ سَمِعَ هَدَّةً مِنَ السَّمَاءِ أَفْزَعَتْهُ ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَمَرَ اللهُ الْقِيَامَةَ أَنْ تَقُومَ؟)).
قَالَ: لَا ، وَلَكِنْ أَمَرَ إِسْرَافِيلَ فَنَزَلَ إِلَيْكَ حِينَ سَمِعَ كَلَامَكَ .
فَأَتَاهُ إِسْرَافِيلُ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَىُ قَدْ سَمِعَ مَا ذَكَرْتَ فَبَعَثَنِي إِلَيْكَ
بِمَفَاتِيح خَزَائِنِ الْأَرْضِ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكَ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ أُسَيِّرَ
مَعَكَ جِبَالَ تِهَامَةَ زُمُرُّذاً ويَاقُوتاً ، وَذَهَباً وَفِضَةً . . فَعَلْتُ ، فَإِنْ شِئْتَ : نَبِيّاً
مَلِكاً ، وَإِنْ شْئتَ نَبِيَّ عَبْداً ؟
فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ أَنْ تَوَاضَعْ .
فَقَالَ: ((بَلْ نَبِيّاً عَبْداً)) ( ثَلَاثاً). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ .
وَلِلْهِ دَرُّ الْأَبُوصِيرِيِّ حَيْثُ قَالَ :
وَرَاوَدَتْهُ أُلْجِبَالُ الشُّمُّ مِنْ ذَهَبٍ
عَنْ نَفْسِهِ فَأَرَاهَا أَيَّمَا شَمَمٍ )
(١) قبضة .
(٢) دقيق الشعير المقلو ، ويكون من القمح ، والأكثر جعله من الشعير .
١٥٠

وَأَمَّا خُبْزُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
فَعَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَبِيتُ الْلَّيَالِيَ الْمُتَتَابِعَةَ طَاوِياً (١) هُوَ وَأَهْلُهُ ؛ لَا يَجِدُونَ عَشَاءً ،
وَكَانَ أَكْثَرَ خُبْزِهِمْ خُبْزُ الشَّعِيرِ .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: مَا شَبعَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَعَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ [رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى] قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةً
[الْبَاهِلِيَّ] رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يَقُولُ: مَا كَانَ يَفْضُلُ(٢) عَنْ أَهْلِ بَيْتِ
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُبْزُ الشَّعِيرِ .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: مَا رُفِعَ عَنْ مَائِدَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كِسْرَةُ خُيْزٍ حَتَّى قُبِضَ .
وَقَدْ وَرَدَ عَنْهَا أَيْضاً [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا] أَنَّهَا قَالَتْ: تُؤُفِّيَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى الّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَطْرُ
شَعِيرٍ فِي رَفِّ لِي - أَيْ: نِصْفُ وَسْقٍ - فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ فَكِلْتُّهُ فَفَنِيَ(٣).
(١) طاوياً : خالي البطن جائعاً .
(٢) أي : ما كان يزيد عن كفايتهم ، بل كان ما يجدونه لا يشبعهم في الأكثر .
(٣) زادت في رواية: (فياليتني لم أكِلْهُ). والبركة تكون في كيل الطعام عند البيع
والشراء ، أما عند الإنفاق فإن الكيل سبب لذهاب البركة ، وفي هذا الأمر أسرار
للبركة غفل عنها المسلمون اليوم .. والله المستعان .
١٥١

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيرِ غَيْرَ مَنْخُولٍ ،
وَرُبَّمَا وَقَفَ فِي حَلْقِهِ فَلَا يُسِيغُهُ إِلَّا بِجُرْعَةٍ مِنْ مَاءٍ .
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : أَكَلَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّقِيَّ(١) يَعْنِي: الْحُوَّارَىُ؟(٢)
فَقَالَ سَهْلٌ: مَا رَأَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّقِيَّ حَتَّى
لَقِيَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ .
فَقِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَتْ لَّكُمْ مَنَاخِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
قَالَ : مَا كَانَتْ لَنَا مَنَاخِلُ .
قِيلَ : كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِالشَّعِيرِ؟
قَالَ : كُنَّا نَنْفُجُهُ فَيَطِيرُ مِنْهُ مَا طَارَ، ثُمَّ نَعْجِنُهُ .
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : هَلْ كَانَتْ لَكُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مَنَاخِلُ؟
فَقَالَ : مَا رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْخُلاً مِنْ حِينٍ أَبْتَعَثَهُ اللهُ
تَعَالَى حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ تَعَالَى.
وَقَالَ أَنَسٌَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ رَأَىْ رَغِيفاً مُرَقَّقاً حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ ، وَلَا رَأَىُ شَاةً سَمِيطاً بِعَيْنِهِ حَتَّى
لَحِقَ بِاللهِ . رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
(١) الخبز المنقَى من النخالة ؛ أي : المنخول دقيقه.
(٢) هو ما حوِّرَ من الدقيق بنخله مراراً ، وهذه الزيادة التفسيرية من كلام الراوي .
١٥٢

وَ( الشَّاةُ السَّمِيطُ ) : هِيَ الَّتِي أُزِيلَ شَعْرُهَا بِأَلْمَاءِ الْمُسَخَّنِ ، وَشُوِيَتْ
بِجِلْدِهَا ، وَهُوَ مِنْ فِعْلِ الْمُتَرَفِّهِينَ .
وَعَنْ قَتَادَةَ [رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَىُ]، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: مَا
أَكَلَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خُوَانٍ ، وَلَا فِي سُكُرُجَةٍ ، وَلَا خُبِزَ
لَهُ مُرَقَّقٌ .
قَالَ قَتَادَةُ [رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى]: كَانُوا يَأْكُلُونَ عَلَى هَذِهِ اٌلْشُّفَرِ .
وَ( الْخُوَانُ ): هُوَ مُرْتَفَعٌ يُهَأُ لِيُؤْكَلَ اُلْطَّعَامُ عَلَيْهِ .
وَ(السُّكُرُّجَةُ ): إِنَاءٌ صَغِيرٌ يُوضَعُ فِيهِ الشَّيْءُ الْقَلِيلُ الْمُشَهِّي لِلْطَّعَام ؛
كَالسَّلَطَةِ .
وَ( اٌلْسُّفَرُ) - جَمْعُ سُفْرَةٍ - وَهِيَ: مَا يُتَّخَذُ مِنْ جِلْدٍ مُسْتَدِيرٍ لِيُؤْكَلَ عَلَيْهِ
اُلْطَّعَامُ .
وَعَنْ مَسْرُوقٍ [رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى] قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهَا، فَدَعَتْ لِي بِطَعَامٍ ، وَقَالَتْ: مَا أَشْبَعُ مِنْ طَعَامٍ فَأَشَاءُ أَنْ
أَبْكِيَ إِلَّا بَكَيْتُ .
قَالَ : قُلْتُ : لِمَ ؟
قَالَتْ: أَذْكُرُ الْحَالَ الَّتِي فَارَقَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الدُّنْيَا، وَاللهِ مَا شَبِعَ مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ مَرَتَيْنِ فِي يَوْمٍ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَعَامِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعاً حَتَّى قُبِضَ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
١٥٣

وَرَوَىْ مُسْلِمٌ: مَا شَبعَ آلُ مُحَمَّدٍ يَوْمَيْنِ مِنْ خُبْزِ الْبُرِّ إِلَّا وَأَحَدُهُمَا
تَمْرٌ .
وَرَوَىْ مُسْلِمٌ أَيْضاً: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ : لَقَدْ مَاتَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا شَبِعَ مِنْ خُبْزِ وَزَيْتٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ
مَرَّتَيْنِ .
وَعَنْهَا رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: مَا شَبعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا] أَيْضاً : مَا شَبِعَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ، وَلَوْ شَاءَ ..
لَأَعْطَاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا لَا يَخْطِرُ بِبَالٍ .
قَالَ الْفُسْطُلَّانِيُّ فِ (( أَلْمَوَاهِبِ)): (وَقَدْ تَتَبَّعْتُ هَلْ كَانَتْ أَقْرَاصُ
خُبْزِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِغَاراً أَمْ كِبَاراً؟ فَلَمْ أَجِدْ فِي ذَلِكَ شَيْئاً بَعْدَ
اٌلْتَّفْتِيشِ .
نَعَمْ .. رُوِيَ أَمْرُهُ بِتَصْغِيرِهَا فِي حَدِيثٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهَا، رَفَعَتْهُ بِلَفْظِ: ((صَغِّرُوا الْخُبْزَ، وَأَكْثِرُوا عَدَدَهُ .. يُبَارَكْ لَكُمْ
فِیهِ )) .
وَكَانَ شَيْخِي الْعَارِفُ الرَّبَّنِيُّ إِبْرَاهِيمُ الْمَنْبُولِيُّ يُصَغِّرُ أَرْغِفَةَ سِمَاطِهِ ،
كَالشَّيْخِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ الْبَدَوِيِّ وَاُلْسَّادَاتِ بَنِي أَلْوَفَاءِ . أَعَادَ اللهُ تَعَالَى
عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِمْ ) .
١٥٤

وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: خَرَجَ - تَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَمْلَأُ بَطْنَهُ فِي يَوْمٍ مِنْ طَعَامَيْنِ ، كَانَ إِذَا شَبِعَ مِنَ
الثَّمْرِ .. لَمْ يَشْبَعْ مِنَ الشَّعِيرِ ، وَإِذَا شَبِعَ مِنَ الشَّعِيرِ .. لَمْ يَشْبَعْ مِنَ الثَّمْرِ .
قَالَ الْقُسْطُلَانِيُّ: ( وَأَعْلَمْ أَنَّ الشِّبَعَ بِدْعَةٌ ظَهَرَتْ بَعْدَ أَلْقَرْنِ الْأَوَّلِ.
وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَخَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ اُلْمِقْدَامِ بْنِ
مَعْدِي كَرِبَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَا مَلَأَ أَبْنُ آدَمَ
وِعَاءَ شَرّاً مِنْ بَطْنِهِ ، حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ ، فَإِنْ غَلَبَتِ
أُلْآدَمِيَّ نَفْسُهُ .. فَتُلُثٌ لِلَطَّعَامِ، وَثُلُثٌ لِلَشَّرَابِ ، وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ ».
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَوْ سَمِعَ بُقْرَاطُ هَذِهِ اَلْقِسْمَةَ لَعَجِبَ مِنْ هَذِهِ
اُلْحِكْمَةِ ) .
وَعَنِ الْحَسَنِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ: ((وَاللهِ مَا أَمْسَى فِي آلِ مُحَمَّدٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامِ، وَإِنَّهَا
لَتِسْعَةُ أَبْيَاتٍ » .
وَاَللهِ مَا قَالَهَا أَسْتِقْلَالاً لِرِزْقِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىْ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ تَتَأَسَّى
بِهِ أُمَّتُهُ .
وَفِي (( الشِّفَا)) لِلْقَاضِي عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: لَمْ يَمْتَلِىْ جَوْفُ النَّبِيِّ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شِبَعاً قَطُ ،
وَلَمْ يَبُثَّ شَكْوَى إِلى أَحَدٍ ، وَكَانَتِ الْفَاقَةُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْغِنَى، وَإِنْ كَانَ
لَيَظَلُّ جَائِعاً يَلْتَوِي طُولَ لَيْلَتِهِ مِنَ الْجُوعِ فَلَا يَمْنَعُهُ صِيَامَ يَوْمِهِ، وَلَوْ شَاءَ ..
سَأَلَ رَبَّهُ جَمِيعَ كُنُوزِ الْأَرْضِ وَثِمَارَهَا، وَرَغَدَ عَيْشِهَا، وَلَقَدْ كُنْتُ
١٥٥

أَبْكِي رَحْمَةً لَهُ مِمَّا أَرَىْ بِهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِي عَلَى بَطْنِهِ مِمَّا بِهِ مِنَ أَلْجُوعِ،
وَأَقُولُ : نَفْسِي لَكَ أَلْفِدَاءُ؛ لَوْ تَبَلَّغْتَ مِنَ الدُّنْيَا بِمَا يَقُوتُكَ؟ فَيَقُولُ: (( يَا
عَائِشَةُ؛ مَا لِيْ وَلِّلَدُّنْيَا؟! إِخْوَانِي مِنْ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ صَبَرُوا عَلَى مَا
هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا، فَمَضَوْا عَلَى حَالِهِمْ، فَقَدِمُوا عَلَى رَبِّهِمْ، فَأَكْرَمَ
مَآبَهُمْ، وَأَجْزَلَ ثَوَابَهُمْ ، فَأَجِدُنِي أَسْتَحْيِي إِنْ تَرَفَّهْتُ فِي مَعِيشَتِي أَنْ يُقَصَّرَ
بِ غَداً دُونَهُمْ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ اللَّحُوقِ بِإِخْوَانِي
وَأَخِلَّائِي )) .
قَالَتْ: فَمَا أَقَامَ بَعْدُ شَهْراً حَتَى تُوُفِّيَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ .
ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى بَعْدَ ثَلاَثٍ وَرَقَاتٍ : كَانَ دَاوُودُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ يَلْبَسُ الصُّوفَ، وَيَفْتَرِشُ الشَّعْرَ، وَيَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيرِ بِالْمِلْحِ
وَالْرَّمَادِ ، وَيَمِزُجُ شَرَابَهُ بِالدُّمُوعِ .
وَقِيلَ لِعِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: لَوِ أَتَّخَذْتَ حِمَاراً؟
فَقَالَ : أَنَا أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْ أَنْ يَشْغَلَنِي بِحِمَارٍ .
وَكَانَ يَلْبَسُ الشَّعْرَ وَيَأْكُلُ الشَّجَرَ ؛ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْتُ ، أَيْنَمَا أَدْرَكَهُ
النَّوْمُ .. نَامَ. وَكَانَ أَحَبَّ الْأَسَامِي إِلَيْهِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: (يَا مِسْكِينُ ).
وَقِيلَ : إِنَّ مُوسَى [عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ]لَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ كَانَتْ تُرَى
خُضْرَةُ الْبَقْلِ فِي بَطْنِهِ مِنَ أَلْهُزَالِ .
وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((لَقَدْ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلِي يُبْتَلَى أَحَدُهُمْ
بِأَلْفَقْرِ وَالْقَمْلِ، وَكَانَ ذَلِكَ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ الْعَطَاءِ إِلَيْكُمْ )).
١٥٦

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ طَعَامُ يَحْيَى : أَلْعُشْبَ، وَكَانَ يَبْكِي مِنْ خَشْيَةِ اللهِ
تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ ، حَتَّى أَتَّخَذَ اٌلَدَّمْعُ مَجْرَىٌ فِي خَدِّهِ .
وَحَكَى اُلْطَّبَرِيُّ عَنْ وَهْبٍ: أَنَّ مُوسَىْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ
يَسْتَظِلُّ بِعَرِيشٍ، وَيَأْكُلُ فِي نُقْرَةٍ (١) مِنْ حَجَرٍ، وَيَكْرَعُ فِيهَا إِذَا أَرَادَ أَنْ
يَشْرَبَ كَمَا تَكْرَعُ الدَّابَّهُ؛ تَوَاضُعاً لِلّهِ تَعَالَى بِمَا أَكْرَمَهُ مِنْ كَلَامِهِ ) اهـ
(١) أي : حفرة .
١٥٧