Indexed OCR Text
Pages 241-260
على هذه النعمة الكبرى، ثم إنه عليه الصلاة والسلام أدى مناسك الحج من
رمي الجمار والنحر والحلق والطواف. وبعد أن أقام بمكة عشرة أيام قفل راجعاً
إلى المدينة، ولما رآها كبَّر ثلاثاً وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك
وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربِّنا
حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده.
الوفود
في هذه السنة والتي قبلها، كان وفود العرب يأتون إلى رسول الله ليبايعوه
على الإِسلام، وكانوا يقدمون أفواجاً، ولما في أخبار هذه الوفود من التعاليم
الحميدة التي يحتاج ذو الأدب أن يعرفها، رأينا أن نذكر لك منها ما يزيدك يقيناً
وينير بصيرتك فنقول:
وفود نَجْران
ومن الوفود وفد نصارى نَجْران، وكانوا ستين راكباً دخلوا المسجد
وعليهم ثياب الحِبَرَة(١) وأردية الحرير، مختّمين بالذهب، ومعهم بسط فيها
تماثيل ومُسوح جاءوا بها هدية للنبي وَّر، فلم يقبل البسط وقبل المسوح.
ولما جاء وقت صلاتهم صلّوا في المسجد مستقبلين بيت المقدس، ولما أتموا
صلاتهم دعاهم عليه الصلاة والسلام للإِسلام فأبوا وقالوا: كنا مسلمين
قبلكم، فقال عليه الصلاة والسلام: يمنعكم من الإِسلام ثلاث: عبادتكم
الصليب، وأكلكم لحم الخنزير، وزعمِكم أن الله ولداً، قالوا: فمن مثل عيسى
من غير أب؟ فأنزل الله في ذلك: ﴿ إِنَّ ◌َثَلَ عِبَنِى عِندَ الَّهِ كَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ.
مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُوكُنْ فَيَكُونُ﴾(٢) وليظهر اللّه لهم أنهم في شك من أمرهم
(١) الحِبَرَة: ضرب من بُرود اليمن.
(٢) سورة آل عمران آية ٥٩.
٢٣٧
٠٠,١٧ ..
F IL
أنزل. ﴿ أَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَكٌ مِنَ آلْعِلِّ فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَآَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ
وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَ كُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبَيِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ الَّهِ عَلَ اَلْكَذِبِينَ﴾(١).
فدعاهم وَّر لذلك، فامتنعوا ورضوا بإعطاء الجزية، وهي ألف حلة في
صفر وألف حلة في رجب، مع كل حلة أوقية من ذهب، ثم قالوا: أرسل
معنا أميناً فأرسل لهم أبا عبيدة عامر بن الجراح، وكان لذلك يسمى أمين هذه
الأمة .
وفود ضِمَام بن ثعلبة
ومن الوفود ضِمَام بن ثعلبة، بينا رسول الله بين أصحابه متكئاً جاء رجل
من أهل البادية ثائر الرأس يُسمع دويُّ صوته ولا يُفْقَه ما يقول، فأناخ جمله في
المسجد ثم قال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فدلوه عليه، فدنا منه وقال: إني
سائلك فمشدِّد عليك في المسألة فلا تجد(٢) عليّ في نفسك. فقال: سل ما
بدا لك، فقال: أنشدك بالله! آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: نعم،
فقال: أنشدك بالله! الله أمرك أن نصلي خمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال:
اللهم نعم، فقال: أنشدك بالله : آلله أمرك أن تأخذ من أموال أغنيائنا فترّده على
فقرائنا؟ قال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله: آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر
من اثني عشر شهراً؟ قال: اللهم نعم. قال: أنشدك بالله: آلله أمرك أن يحج
هذا البيت من استطاع إليه سبيلاً؟ قال: اللهم نعم، قال: فإني قد آمنتُ
وصدّقت وأنا ضِمَام بن ثعلبة. ولما ولّى قال عليه الصلاة والسلام: فقُه
الرجل. ثم ذهب ضمام إلى قومه ودعاهم إلى الإسلام وترك عبادة الأوثان
فأسلموا كلهم .
وفود عبد القَیْس
ومن الوفود عبد القَّيْس، وكان من خبرهم أن الرسول كان جالساً بين
(١) سورة آل عمران آية ٦١.
(٢) أي لا تغضب.
٢٣٨
..--
----
.
أصحابه يوماً، فقال لهم: سيطلع عليكم من هنا ركب هم خير أهل المشرق،
لم يُكرهوا على الإِسلام قد أنضَوا الركائب وأفنَوا الزاد، اللهم اغفر لعبد
القيس. فلما أتوا ورأوا النبي ◌َّ هُ رمَوا بأنفسهم عن الركائب بباب المسجد،
وتبادروا إلى رسول الله يسلمون عليه، وكان فيهم عبد الله بن عوف الأشج،
وكان أصغرهم سنّاً، فتخلّف عند الركائب حتى أناخها وجمع المتاع، وأخرج
ثوبين أبيضين فلبسهما، ثم جاء يمشي هَوْناً حتى سلَّم على رسول الله، وكان
رجلًا دميماً ففطِن لنظر الرسول إلى دمامته، فقال: يا رسول الله! إنه لا يستقى
في مُسوك جلود الرجال، وإنما الرجل بأصغريه: قلبه ولسانه، فقال { 1 *: إن
فيك خصلتين يحبُّهما الله ورسوله: الحلم والأناة. وقد قال ◌َ ﴿ لهذا الوفد:
مرحباً بالقوم غير خَزّايا ولا ندامى، فقالوا: يا رسول الله إنا نأتيك من شّقّة
بعيدة(١)، وإنه يحول بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك
إلا في شهر حرام فمرنا بأمر فصْلٍ، فقال: ((آمركم بالإِيمان بالله. أتدرون ما
الإِيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة،
وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تُعطوا من المغنم الخمس، وأنهاكم عن
الدُّباء(٢) والحَنْتم(٣) والنقير(٤) والمزفت(٥)) والمراد بذلك ما ينبذ في هذه
الأواني. فقال الأشج: يا رسول الله إن أرضنا ثقيلة وخمة وإنّا إذا لم نشرب
هذه الأشربة عظمت بطوننا، فرخِّص لنا في مثل هذه وأشار إلى يده، فأومأ
عليه الصلاة والسلام بكفِّيه وقال: يا أشج إن رخصتُ لك في مثل هذه شربته
في مثل هذه - وفرج بين يديه وبسطها - حتى إذا ثمل أحدكم في شرابه قام إلى
ابن عمه فضرب ساقه بالسيف. وإنما خص عليه الصلاة والسلام نهيهم بما
ذكر لكثرة الأشربة بينهم.
(١) لأن ديارهم كانت بساحل الخليج الفارسي، وهي ديار ربيعة بينهم وبين الحجاز أرض نجد.
(٢) القرع.
(٣) هو جرار مدهونة بدهان أخضر.
(٤) هو أصل النخلة ينقر.
(٥) ماطلي بالزفت.
٢٣٩
=
وفود بني حنيفة
ومن الوفود بنو حنيفة وكان معهم مُسَيْلِمَةُ الكذاب، وكان مُسَيلمة يقول:
إن جعل لي الأمر من بعده اتبعته، فأقبل عليه الصلاة والسلام ومعه قيس بن
شمّاس، وفي يد رسول الله قطعة من جريد، حتى وقف على مسيلمة في
أصحابه فقال: إن سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، وإني لأراك الذي منه
رأيت. وكان عليه الصلاة والسلام رأى في منامه أن في يده سوارين من
ذهب، فأهمَّه شأنهما، فأوحى الله إليه أن انفخْهما فطارا، فأولَّهما وَله كذابَيْن
يخرجان من بعده، فكان مسيلمة أحدهما، والثاني الأسود العَنْسي صاحب
صنعاء. وقد أسلم بنو حنيفة.
وفود طيء
ومن الوفود وفد طيء وفيهم زيد الخيل رئيسهم، وقد قال ◌َّ﴾ في حقه:
((ما ذكر لي رجل من العرب إلا رأيته دون ما قيل فيه إلا زيد الخيل))
وسماه +* زيد الخير.
وفود كِنْدَة
ومنهم وفد كِنْدَة وفيهم الأشعث بن قيس، وكان وجيهاً مطاعاً في قومه،
ولما دخلوا على رسول الله خبؤوا له شيئاً، وقالوا: أخبرنا عما خبأناه لك.
فقال: سبحان الله إنما يفعل ذلك بالكاهن، وإن الكاهن والمتكّهّن في النار.
ثم قال: إن الله بعثني بالحق وأنزل عليَّ كتاباً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا
من خلفه، فقالوا:أسمعنا منه فتلا عليه الصلاة والسلام: ﴿وَالصَّنَّفَتِ صَفَّارٌ
فَالَِّرَتِ زَبْرًا فَالتَّلِيَتِ ذِكْرَارٍ إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (* رَّبُّ الَّمَنَتِ وَالْأَرْضِ
وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَرِقِ ﴾(١) ثم سكت وسكن ودموعه تجري على لحيته فقالوا:
(١) سورة الصافات آية ١ - ٥.
٢٤٠
٠٠٠٫٠٠
إنّا نراك تبكي؟ أفمن مخافة من أرسلك تبكي؟ قال: إن خشيتي منه أبكتني.
بعثني على صراط مستقيم في مثل حد السيف إن زغت هلكت، ثم تلا:
وَلَيْنِ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِىّ أَوْ حَيْنَآ إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِءَ عَلَيْنَا وَكِيلًا (ه إِلَّ رَحْمَةً
مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ، كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ﴾ (١) ثم قال لهم عليه الصلاة والسلام:
الم تسلموا؟ قالوا: بلى. قال: ما بال هذا الحرير في أعناقكم؟ فعند ذلك
شقّوه وألقوه .
وفود أزْ دشَنُوءة
ومنهم وفد أزْدشَنُوءَة ورئيسهم صُرَد بن عبد الله الأزْدي، فأسلموا وأمَّره
عليهم، وأمره أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك.
وفود رسول ملوك حمیر
ومنهم وفد رسول ملوك حمير وهم: الحارث بن عبد كُلال، ونُعيم بن
عبد كُلال والنعمان قَيْلُ ذي رُعين، ومعافر، وهمدان. وكانوا قد أسلموا،
وأرسلوا رسولهم بذلك، فكتب إليهم النبي ◌َين :
کتاب ملوك حمیر
((بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى الحارث بن
عبد كُلال وإلى نُعيم بن عبد كُلال، وإلى النعمان قَيْل ذي رُعَين ومعافر
وهمدان. أما بعد فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنه قد
وقع بنا رسولكم مقفلَنا من أرض الروم، فلقيناه بالمدينة فبلَّغ ما أرسلتم به،
وخبِّر ما قبلكم، وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين، وأن الله قد هداكم
بهداه، إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة،
(١) سورة الاسراء آية ٨٦ - ٨٧.
٢٤١
٠ ٠ ٫
..--
٠٠
........ .-
وأعطيتم من الغنائم خمس الله وسهم النبي وصفِيّه، وما كُتب على المؤمنين
من الصدقة. أما بعد، فإِن محمداً النبي أرسل إلى زُرْعة بن ذي يَزّن إذا أتاكم
رسُلي فأوصيكم بهم خيراً: معاذ بن جبل، وعبد الله بن زيد، ومالك بن
عبادة، وعقبة بن نمر ومالك بن مرَّة وأصحابهم، وأن اجمعوا ما عندكم من
الصدقة والجزية من مخالفيكم، وأبلغوها رسُلي، وإن أميرهم معاذ بن جبل
فلا ينقلبنَّ إلا راضياً. أما بعد، فإن محمداً يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده
ورسوله، ثم إن مالك بن مرَّة الرَّهاوي قد حدثني أنك قد أسلمت من أول
حِمْيَر، وقتلت من المشركين، فأبشر بخير وآمرك بحِمْيَر خيراً، ولا تخونوا ولا
تخاذلوا، فإن رسول الله هو مولى غنيكم وفقيركم، وإن الصدقة لا تحل
لمحمد ولا لأهل بيته، إنما هي زكاة يزكّي بها على فقراء المسلمين وابن
السبيل، وأن مالكاً قد بلَّغ الخبر وحفظ الغيب، وآمركم به خيراً. والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته)).
وفود همْدان
ومنها وفد هَمْدان وفيهم مالك بن نمط، وكان شاعراً مجيداً، فلقوا
رسول الله مرجعَه من تبوك عليهم مقطّعات من الحِبرات اليمنية، والعمائم
العدنية، وقد أنشد مالك لرسول الله ويتطاير :
صوادرَ بالركبان من هِضْب قَرْدَدِ
حلفتُ بربّ الراقصات إلى منى
رسولُ أتى من عند ذي العرش مهْتدِ
بأن رسولَ الله فينا مصدَّق
أشدِّ على أعدائه من محمَّدٍ
فما حملتْ من ناقة فوقَ رحلها
وقد أمَّره وَّيِ على من أسلم من قومه، وقد قال الرسول في حق
هَمْدان: نعم الحي هَمْدان ما أسرعها إلى النصر وأصبرها على الجهد وفيهم
أبدال وفيهم أوتاد.
وفود تُچِیب
ومنها وفد تَجِيب - قبيلة من كِنْدَة - وفد على رسول الله ثلاثة عشر رجلاً
٢٤٢
٠٠٠٠
منهم، ومعهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم، فسرَّ بهم عليه الصلاة
والسلام وأكرم مثواهم، وقالوا: يا رسول الله إنا سقنا إليك حق الله في أموالنا،
فقال عليه الصلاة والسلام: ((ردُّوها فاقسموها على فقرائكم)) فقالوا: يا رسول
الله ما قدمنا عليك إلا بما فضل عن فقرائنا، قال أبو بكر: يا رسول الله ما قدم
علينا وفد من العرب مثل هذا. فقال عليه الصلاة والسلام: إن الهدى بيد الله،
فمن أراد به خيراً شرح صدره للإيمان. وجعلوا يسألونه عن القرآن، فازداد والخل
رغبة فيهم، ثم أرادوا الرجوع إلى أهليهم فقيل لهم: ما يعجلكم؟ قالوا نرجع
· إلى من وراءنا فنخبرهم برؤية رسول الله ولقائنا إياه وما ردّ علينا، ثم جاءوا إلى
رسول الله فودَّعوه فأجازهم بأفضل ما كان يجيز به الوفود. ثم قال لهم: هل
بقي منكم أحد؟ قالوا: غلام خلَّفناه في رحالنا وهو أحدثنا سنّاً، قال: فأرسلوه
إلينا فأرسلوه، فأقبل الغلام وقال: يا رسول الله أنا من الرهط الذين أتوك آنفاً
فقضيت حاجتهم فاقض حاجتي. قال: وما حاجتك؟ قال: تسأل الله أن يغفر
لي ويرحمني ويجعل غنايَ في قلبي. فقال عليه الصلاة والسلام: اللهم اغفر
له واجعل غناه في قلبه، ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه.
وفود ثَعْلَبة
ومنها وفد ثَعْلَبة وفد على رسول الله أربعة منهم مقرين بالإِسلام،
فسلموا عليه وقالوا: يا رسول الله إنا رسُل من خلفنا من قومنا ونحن مقرُّون
بالإِسلام، وقد قيل لنا إنك تقول: لا إِسلام لمن لا هجرة له، فقال عليه
الصلاة والسلام: ((حيثما كنتم واتقيتم الله فلا يضركم))، ثم قال لهم: كيف
بلادكم؟ فقالوا: مخصبون، فقال: الحمد لله. ثم، أقاموا في ضيافته أياماً،
وحين إرادتهم الإِنصراف أجاز كل واحد منهم بخمس أواقٍ من فضة.
وفود بني سعد بن هُذَيم(١)
ومنها وفد بني سعد بن هُذَيم من قضاعة، قال النعمان منهم: قدمت
(١) الصواب: وفود بني سعد هذيم.
٢٤٣
....
- ---
.. .-*-
على رسول الله وافداً في نفر من قومي، وقد أوطأ رسول الله البلاد وأزاح
العرب، والناس صنفان: إما داخل في الإِسلام راغب فيه، وإما خائف
السيف، فنزلنا ناحية من المدينة، ثم خرجنا نؤمُّ المسجد حتى انتهينا إلى
بابه، فوجدنا رسول الله يصلي على جنازة في المسجد، فقمنا خلفه ناحية ولم
ندخل مع الناس في صلاتهم، وقلنا حتى يصلي رسول الله ونبايعه، ثم
انصرف رسول الله فنظر إلينا فدعا بنا فقال: ممن أنتم؟ فقلنا: من بني سعد
هُذَيم فقال: أمسلمون أنتم؟ قلنا: نعم، فقال: هلّ. صليتم على أخيكم؟
قلنا: يا رسول الله ظننا أن ذلك لا يجوز حتى نبايعك، فقال عليه الصلاة
والسلام: أينما أسلمتم فأنتم مسلمون، قال: فأسلمنا وبايعنا رسول الله
بأيدينا، ثم انصرفنا إلى رحالنا، وقد كنا خلَّفنا عليها أصغرنا، فبعث عليه
الصلاة والسلام في طلبنا، فأتى بنا إليه فتقدم صاحبنا فبايعه وَلاّ على الإِسلام
فقلنا: يا رسول الله إنه أصغرنا وإنه خادمنا فقال: سيد القوم خادمهم بارك الله
عليه. قال النعمان: فكان خيرنا وأقرأنا للقرآن لدعاء النبي وَلّر له. ثم أجازهم
وانصرفوا .
وفود بني فَزَارة
ومنها وفد بني فزارة، وفد على رسول الله جماعة منهم مقرين بالإِسلام
وهم مُسْنِتُون(١)، فسألهم عليه الصلاة والسلام عن بلادهم، فقال رجل منهم:
يا رسول الله أسنَتَتْ بلادنا، وهلكت مواشينا، وأجدب جنابنا، وجاعت عيالنا.
فادع لنا ربك يغثْنا، واشفع لنا إلى ربك، وليشفع لنا ربك إليك. فقال عليه
الصلاة والسلام: سبحان الله، ويلك هذا! أنا أشفع إلى ربي فمن ذا الذي
يشفع ربنا إليه! لا إله هو العلي العظيم وسع كرسيُّه السموات والأرض فهي
تئِطُّ (٢) من عظمته وجلاله كما يئِطُ الرحل الحديث، أي من ثقل الحمل، ثم
(١) أي نزل بهم الجذب.
(٢) أي تصوت.
٢٤٤
صعد عليه الصلاة والسلام المنبر ودعا الله عز وجل حتى أغاث بلاد هذا الوفد
بالمطر الغزير والرحمة التامة .
وفود بني أَسّد
ومنها وفد بني أسد وفيهم: ضرار بن الأزْوَر وطُليحة بن عبد الله(١) الذي
ادّعى النبوة بعد ذلك فأسلموا، وقالوا: يا رسول الله أتيناك نذّرع الليل البهيم
في سنة شهْباء ولم تبعث إلينا بعثاً فأنزل الله في ذلك: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ
أَسْلَمُواْ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَىّ إِسْلَدَمَكُمْ بَلِ اللهُ يَهُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنْكُمْ لِلْإِيَمَنِ إِن
كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢) وسألوا رسول الله وهي﴿ عما كانوا يفعلون في الجاهلية من
العيافة(٣) والكهانة (٤)، وضرب الحصباء، فنهاهم عن ذلك كله، ثم سألوه عن
ضرب الرمل، فقال: عُلَّمَه نبي فمن صادف مثل علمه فذاك وإلا فلا، ثم
أقاموا أياماً يتعلمون الفرائض، وبعد ذلك ودَّعوا وانصرفوا بعد أن أجيزوا.
وفود بني عُذْرَة
ومنها وفد بني عُذْرَة، ووفد بني بليّ، ووفد بني مُرَّة، ووفد خولان -
وهي قبائل باليمن - وقد أمرهم عليه الصلاة والسلام بالوفاء بالعهد وأداء
الأمانة، وحسن الجوار لمن جاوروا، وألا يظلموا أحداً فإِن الظلم ظلمات يوم
القيامة .
وفود بني مُحارب
ومنها وفد بني مُحارب، وكانوا من الذين ردوا الرد القبيح حينما كان
(١) الصواب: طليحة بن خويلد.
سورة الحجرات آية ١٧ .
هي زجر الطير والتخرف على الغيب.
هى الإخبار عن الكائنات .
٢٤٥
-... "
٢ ٥٠٠٠
ـــت
رسول الله بعكاظ يدعو القبائل إلى الله. فما أعظم منة الله الذي أتى بهؤلاء،
وكانوا ألد الأعداء، مسلمين منقادين.
وفود غَسَّان
ومنها وفد غسان، ووفد بني عبس، ووفد النَّخَع. وكان عليه الصلاة
والسلام يقابل هذه الوفود بما جبله الله عليه من البشاشة وكرم الأخلاق،
ويجيزهم بما يرضيهم، ويعلّمهم الإِيمان والشرائع ليعلّموا من وراءهم، وكانت
هذه الوفود أعظم وصلة لإظهار الدين بين الأعراب في البوادي.
وفاة إبراهيم بن النبي عليه الصلاة والسلام
وفي هذه السنة توفي إبراهيم بن رسول الله إليه .
٢٤٦
س _ .NOL.E .---
FfI
19-07-1 1m
السنة الحادية عشرة
سرية
ولأربع بقين من صفر جهز عليه الصلاة والسلام جيشاً برياسة أسامة بن
زيد إلى أُبْنى(١) حيث قتل زيد بن حارثة والد أسامة وقال له: ((سر إلى موضع
قتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش فأغِرْ صباحاً على أهل
أُبْنى وحرّق عليهم، وأسرع السير لتسبق الأخبار، فإِن أظفرك الله فأقلَّ اللبث
فيهم وخذ الأدلاء، وقدّم العيون والطلائع معك)). وكان مع أسامة في هذا
الجيش كبار المهاجرين والأنصار، منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسعد. ثم
عقد عليه الصلاة والسلام لأسامة اللواء وقال له: اغْز باسم الله في سبيل الله
قاتل من كفر بالله. وقد انتقد جماعة على تأمير أسامة، وهو شاب لم يتجاوز
السابعة عشرة من عمره على جيش فيه كبار المهاجرين، فأبلغ الرسول هذه
المقالة فغضب غضباً شديداً، وخرج فقال: أما بعد أيها الناس فما مقالة
بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة. ولئن طعنتم في تأمير أسامة لقد طعنتم
في تأميري أباه من قبله؟ وأيم الله إنه كان لخليقاً بالإمارة وإن ابنه من بعده
لخليق بها، وإنه كان لمن أحب الناس إليَّ، وإنهما لمظنّة لكل خير،
فاستوصوا به خيراً فإنه من خياركم. ولم يتم لهذا الجيش الخروج في عهد
المصطفى * ، لأن المرض بدأه فاختاره الله للرفيق الأعلى. وسيرى القارىء
إن شاء الله خروج هذا الجيش متمماً في كتابنا (إتمام الوفا بسيرة الخلفاء).
مرض الرسول وَلا
لما تمَّم عليه الصلاة والسلام ما كلّف به، وأدّى ما اؤتمن عليه وهدى.
(١) محل قريب من مؤته.
٢٤٧
الله به أمته، اختاره الله للرفيق الأعلى، فجلس على المنبر مرة وكان فيما قال:
((إن عبداً خيَّره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده)) فبكى
أبو بكر وقال: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فقال عليه الصلاة والسلام:
((إن أمنَّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر، فلو كنت متخذاً خليلاً
لأَّخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإِسلام. لا يبقى في المسجد خَوخة إلا سُدَّت
إِلا خوخة أبي بكر)). وقد بدأه عليه الصلاة والسلام مرضه في أواخر صفر من
السنة الحادية عشرة من الهجرة في بيت ميمونة، واستمر مريضاً ثلاثة عشر
يوماً، كان في خلالها ينتقل إلى بيوت أزواجه، ولما اشتد عليه المرض استأذن
منهنّ أن يمرَّض في بيت عائشة الصديقة فأَذِنَّ له. ولما دخل بيتها واشتد عليه
وجعه قال: هريقوا عليٍّ من سبع قِرَب لم تَحْلل أُوْكيتهنَّ لعلي أعهد إلى
الناس، فأجلس في مِخْضَب وصبَّ عليه الماء حتى أشار بيده أن قد فعلتنّ،
وكان هذا الماء لتخفيف حرارة الحمَّى التي كانت تصيب من يضع يده فوق
ثوبه .
صلاة أبي بكر بالناس
ولما تعذر عليه الخروج إلى الصلاة قال: مُروا أبا بكر فليصلّ بالناس،
فرضيه عليه الصلاة والسلام خليفة له في حياته. ولما رأت الأنصار اشتداد
وجع الرسول اطافوا بالمسجد، فدخل العباس وأعلمه بمكانهم وإشفاقهم،
فخرج* متوكثاً على عليّ والفضل، وتقدم العباس أمامهم والنبي معصوب
الرأس يخط برجليه، حتى جلس في أسفل مرقاة المنبر، وثار الناس إليه
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((يا أيها الناس بلغني أنكم تخافون من موت
نبيكم، هل خلد نبي قبلي فيمن بعث الله فأخلد فيكم؟ ألا إني لاحق بربي
وإنكم لاحقون بي، فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيراً، وأوصي المهاجرين
فيما بينهم، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَاَلْعَصْرِ ﴿ إِنَّالْإِنسَانَ لَفيِ خُسْرٍ ﴾﴾ إلَّا
الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّدِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصُّبْ﴾(١) وإن الأمور
(١) سورة العصر آية ١ - ٣.
٢٤٨
-......
p h .. .... .--.....
. . -
٠٠
٦
------------------------ ---- ----- -------
٠-٠٤ --
تجري بإذن الله ولا يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله، فإن الله عز وجل لا
يعجل بعجلة أحد، ومن غالب الله غلبه، ومن خادع الله خدعه: ﴿فَهَلْ عَسَبْتُمْ
إِن تَوََّّيْتُمْ أَنْ تُفِدُوا فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِعُواْ أَرْحَمَكٌ﴾(١) وأوصيكم بالأنصار
خيراً، فإِنهم الذين تبُؤُوا الدار والإِيمان من قبلكم أن تحسنوا إليهم، ألم
يشاطروكم في الثمار؟ ألم يوسعوا لكم في الديار؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم
وبهم الخَصاصة؟ ألا فمن ولِّي أن يحكم بين رجلين، فليقبلْ من محسنهم
وليتجاوز عن مسيئهم، ألا ولا تستأثروا عليهم: ألا وإني فَرَطْ (٢) لكم وأنتمٍ
لاحقون بي. ألا فإِن موعدكم الحوض، ألا فمن أحب أن يرده عليَّ غداً
فليكفف يده ولسانه إلا فيما ينبغي)).
وبينما المسلمون في صلاة الفجر من يوم الإثنين ثالثَ عشرَ ربيع
الأول، وأبو بكر يصلي بهم، وإذا برسول الله وَلاير قد كشف سجف (٣) حجرة
عائشة، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر
رضي الله عنه على عقبه ليصل الصف، وظن أن رسول الله يريد أن يخرج إلى
الصلاة، وهمَّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحاً برسول الله، فأشار إليهم
بيده أن أتمُّوا صلاتكم ثم دخل وأرخى الستر.
وفاة رسول الله وَالـ
ولم تأت ضحوة هذا اليوم حتى فارق رسول الله و # دنياه ولحق بمولاه،
وكان ذلك في يوم الإثنين ١٣ ربيع أول سنة ١١ (٨ يونيو سنة ٦٣٣) فيكون
عمره عليه الصلاة والسلام ٦٣ سنة قمرية كاملة وثلاثة أيام، وإحدى وستين
شمسية وأربعة وثمانين يوماً، وكان أبو بكر غائباً بالسُّنْح وهيٍ منازل بني
الحارث بن الخزرج عند زوجه حبيبة بنت خارجة بن زيد، فسل عمر سيفه
.*...
(١) سورة محمد آية ٢٢ .
(٢) سابقكم .
(٣) ستار الحجرة.
٢٤٩
V
وتوعَّد من يقول مات رسول اللهِ، وقال: إنما أرسل إليه كما أرسل موسى
فلبث عن قومه أربعين ليلة. والله إني لأرجو أن يقطع أيدي رجال وأرجلهم،
فلما أقبل أبو بكر وأخبر الخبر دخل بيت عائشة، وكشف عن وجه رسول الله،
فجشا يقبله ويبكي ويقول: توفي والذي نفسي بيده، صلوات الله عليك يا
رسول الله ما أطيبك حيّاً وميتاً! بأبي أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين،
ثم خرج فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((ألا من كان يعبد محمداً فإن محمداً
قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت)) وتلا قوله تعالى:
﴿إِنَّكَ مَّتْ وَإِنَّهُم ◌َِّنُونَ﴾(١) وقوله: ﴿ وَمَا نُّدُّ إِلَّ رَسُولُ قَدْ خَلَتْ
مِن قَبْلِهِ الرَّسُلُ أَفَلِن ◌َّتَ أَوْ قُثِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْفَكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَى عَقِيَّةٍ
فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّلَكِينَ﴾(٢) قال عمر: والله لكأني لم أتل هذه
الآية قط، ثم مكث عليه الصلاة والسلام في بيته بقية يوم الإثنين وليلة الثلاثاء
ويومه وليلة الأربعاء، حتى انتهى المسلمون من إقامة خليفة عليهم فغسِّل
ودفن، وكان الذي يغسله علي بن أبي طالب، ويساعده العباس وابناه الفضل
وقُّم وأسامة بن زيد وشُقْران مولى رسول الله، وكفّن في ثلاثة أثواب ليس فيها
قميص ولا عمامة. ولما فرغوا من تجهيزه وضع على سريره في بيته، ودخل
الناس عليه أرسالاً متتابعين يصلون عليه ولم يؤمّهم أحد، ثم حفر له لحد في
حجرة عائشة حيث توفي وأنزله القبر علي والعباس وولداه الفضل وقُثَم، ورشَّ
قبره بلال بالماء، ورُفع عن الأرض قدر شبر.
توفي رسول الله # وترك للمسلمين ما إن اتبعوه لم يضرهم شيء:
كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم
حميد، وترك أصحابه البررَة الكرام يوضحون الدين، ويتممون فتح البلاد،
ويظهرون في الدنيا شمس الدين الإسلامي القويم، حتى يتم اللّه كلمته ويحق
وعده، وقد فعل. فنسأل الله أن يقدرنا على أداء شكره على هذه المنة العظمى
والنعمة الكبرى.
1
(١) سورة الزمر آية ٣٠.
(٢) سورة آل عمران آية ١٤٤.
٢٥٠
F
شمائله عليه الصلاة والسلام
منح الله سبحانه نبيّنا وَّر من كمالات الدنيا والآخرة ما لم يمنحه غيره
ممن قبله أو بعده. ولا بد أن نأتي لك في هذا الباب(١) بنبذة يسيرة من
محاسن صفاته وأحاسن آدابه، لتكون لك أنموذجاً تسير عليه، حتى تكون
على قدم نبيك وَّة، فتستحق الحمد في الدنيا والذخر في الأخرى، فاعلم
أرشدني الله وإياك وهدانا للصراط السوي، أن خصال الجلال والكمال في
البشر نوعان: ضروري دنيوي اقتضته الجِبِلَّة وضرورة الحياة، ومكتسب ديني،
وهو ما يحمد فاعله ويقرب إلى الله زلفى. فأما الضروري: فما ليس للمرء فيه
اختيار ولا اكتساب مثل ما كان في جِبِلَّته عليه الصلاة والسلام من كمال
الخلقة، وجمال الصورة، وقوة العقل، وصحة الفهم، وفصاحة اللسان، وقوة
الحواس والأعضاء، واعتدال الحركات، وشرف النسب، وعزة القوم، وكرم
الأرض، ويلحق به ما تدعو ضرورة الحياة إليه من الغذاء والنوم والملبس
والمسكن والمال والجاه. أما المكتسبة الأخروية: فسائر الأخلاق العليّة
والآداب الشرعية من: الدين، والعلم، والحلم، والصبر، والشكر، والعدل،
والزهد، والتواضع، والعفو، والعفة، والجود، والشجاعة، والحياء،
والمروءة، والصمت، والتؤدة، والوقار، والرحمة، وحسن الأدب، والمعاشرة،
وأخواتها. وهي التي يجمعها حسن الخلق.
فإذا نظرت رعاك الله إلى خصال الكمال التي هي غير مكتسبة وفي جبلَّة
الخلقة، وجدته عليه الصلاة والسلام حائزاً لجميعها، محيطاً بشتات
(١) جل ما ذكر في الشمائل والمعجزات مختصر من كتاب (الشفاء) للقاضي عياض رحمه الله .
٢٥١
. .. .
----- -
....
٠٠٠٠
.--- %
----. .
----
..- " .
----------------- 77 *:
٠ ---- ------ """""
محاسنها. فأما الصورة وجمالها وتناسب أعضائه في حسنها، فقد جاءت الآثار
الصحيحة والمشهورة الكثيرة بذلك، من أنه ﴿ ﴿ كان أزهر اللون(١) أدْعج (٢)
أَنْجَل (٣) أشْكل (٤) أهدب الأشْفار (٥) أبلج (٦) أزجّ (٧) أقنى (٨) أفلح (٩) مدوّر
الوجه، واسع الجبين، كثّ اللحية تملأ صدره، سواء البطن، عظيم الصدر،
عظيم المنكبين(١٠) ضخم العظام عَبْل(١١) العضدين والذراعين والأسافل، رحب
الكفين والقدمين، سائل الأطراف، أنور المتجرد، دقيق المسرُبَةِ (١٢) ربْعة
القد، ليس بالطويل البائن(١٣) ولا القصير المتردد(٤!). ومع ذلك فلم يكن
يماشيه أحد ينسب إلى الطول إلا طاله وَلهو، رَجل الشعر، إذا افتر ضاحكاً افتر
عن مثل سنا البرق وعن مثل حب الغمام، وإذا تكلم رُئِي كالنور يخرج من
بين ثناياه، أحسن الناس عنقاً ليس بمُطهَّم (١٥) ولا مكلْثَم (١٦)، متماسك
البدن، ضرب اللحم. قال البراء بن عازب: ما رأيت من ذي لمة سوداء في
حلة حمراء أحسن من رسول الله وَله، وقال أبو هريرة: ما رأيت شيئاً أحسن
من رسول الله ◌َيُ كأن الشمس تجري في وجهه، وإذا ضحك يتلألأ في
(١) نیر اللون آو حسنه .
(٢) شديد سواد الحدقة مع سعة فيها .
(٣) واسع العين مع حسن.
(٤) في بياض عينيه حمرة.
(٥) كثير شعر حروف الأجفان.
(٦) مضيء الوجه مشرقه.
(٧) دقيق الحاجبين في طول.
(٨) مرتفع قصبة الأنف مع احديداب يسير فيها.
(٩) مفرج بين الثنايا والرباعيات.
(١٠) المنكب مجمع رأس العضد والكتف.
(١١) ضخم.
(١٢) المسربة من شعر دقيق من الصدر إلى البطن.
(١٣) مفرط الطول.
(١٤) المتناهي في القصر.
(١٥) المطهم البائن الكثير اللحم
(١٦) المكلتم صغير الذقن.
٢٥٢
ك ....
الجُدُر. وفي حديث ابن أبي هالة: يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر. وقال
علي كرم الله وجهه في آخر وصفه له: من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة
أحبه، يقول ناعته لم أرقبله ولا بعده مثله اله .
وأما نظافة جسمه وطيب ريحهه وعرقه ونزاهته عن الأقذار، وعورات
الجسد، فكان قد خصه الله تعالى في ذلك بخصائص لم توجد في غيره، ثم
أتمها بنظافة الشرع. قال عليه الصلاة والسلام: بُني الدين على النظافة، وقال
أنس: ما شممت عنبراً قطّ ولا مسكاً ولا شيئاً أطيب من ريح رسول الله وَّر .
وعن جابر بن سمرة أنه عليه الصلاة والسلام مسح خدَّه، قال: فوجدت ليده
برداً وريحاً كأنما أخرجها من جُؤنة عطار. قال غيره: مسَّها بطيب أو لم
يمسَّها، يصافح المصافح فيظل يومه يجد ريحها، يضع يده على رأس
الصبي، فُيُعرف من بين الصبيان بريحها. وروى البخاري في تاريخه الكبير
عن جابر: لم يكن النبي و 18 يمر في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من
طيبه .
وأما وفور عقله ◌َ# وذكاء لبه، وقوة حواسه، وفصاحة لسانه، واعتدال
حركاته، وحسن شمائله، فلا مرية أنه كان أعقل الناس وأذكاهم. ومن تأمل
تدبيره أمْر بواطن الخلق وظواهرهم وسياسته للعامة والخاصة، مع عجيب
شمائله وبديع سيره، فضلاً عما أفاده من العلم وقرّره من الشرع، دون تعلم
سابق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب، لم يمتر في رجحان عقله
وتُقوب فهمه لأول بديهة. وكان عليه الصلاة والسلام إذا قام في الصلاة يرى
من خلفه كما يرى من أمامه، وبذلك فسر قوله تعالى: ﴿ وَتَقَلُّبَكَ فِ
السنجدين﴾(١) وقالت عائشة: كان عليه الصلاة والسلام يرى في الظلمة كما
يرى في الضوء، وكان يعد في الثريا أحد عشر نجماً، وجاءت الأخبار أنه
صرع رُكانة أشد أهل وقته، وكان دعاه إلى الإِسلام. وقال أبو هريرة: ما رأيت
(١) الشعراء ٢١٩.
٢٥٣
--------- ---- 777 -- ------
أحداً أسرع من رسول الله و لفر في مشيه، كأنما الأرض تطوى له. إنا لنجهد
أنفسنا وهو غير مكترث. وفي صفته عليه الصلاة والسلام أن ضحكه كان.
تبسُّماً، إذا التفت التفت معاً، وإذا مشى مشى تقلعاً، كأنما ينحط من صَبَب.
وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول، فقد كان يسير من ذلك بالمحل
الأفضل والموضع الذي لا يُجهل، سلاسة طبع، وبراعة منزع، وإيجاز
مقطع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف، أوتي جوامع
الكلم، وخُص ببدائع الحِكَم، وعُلِّم ألسنة العرب، فكان يخاطب كل أمة منها
بلسانها، ويحاورها بلغتها، ويباريها في منزع بلاغتها، حتى كان كثير من
أصحابه يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه وتفسير قوله. من تأمل حديثه
وسبره علم ذلك وتحققه، وليس كلامه مع قريش ككلامه مع أقْيال
حضر موت، وملوك اليمن، وعظماء نجد، بل يستعمل لكل قبيلة ما استحسنته
من الألفاظ، وما انتهجته من طرق البلاغة ليبيّن للناس ما نُزِّل إليهم وليحدّث
الناس بما يعلمون .
وأما كلامه المعتاد، وفصاحته المعلومة، وجوامع كلمه، فقد ألف الناس
فيها الدواوين، وجمعت في ألفاظها ومعانيها الكتب، ومنها ما لا يُوازى
فصاحة وبلاغة كقوله: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم،
وهم يد على من سواهم)). وقوله: ((الناس كأسنان المشط))، ((والمرء مع من
أحب))، ((ولا خير في صحبة من لا يرى لك ما ترى له))، ((والناس معادن))،
((وما هلك امرؤ عرف قدره))، ((والمستشار مؤتمن))، ((ورحم الله عبداً قال خيراً
فغنم، أو سكت فسلم)). وقوله: ((أسلم تسلم. وأسلم يؤتك الله أجرك
مرتين))، ((وإن أحبُّكم إليَّ وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً
الموطؤون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون)). وقوله: ((لعله كان يتكلم بما لا يعنيه
أو يبخل بما لا يغنيه)) وقوله: ((ذو الوجهین لا یکون عند الله وجیها)). ونهيه عن
(قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، ومنع وهات، وعقوق الأمهات،
ووأد البنات))، وقوله: ((اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق
٢٥٤
٠٠٠٠
الناس بخلق حسن))، ((وخير الأمور أوساطها)). وقوله: ((أحببْ حبيبك هوناً ما
عسى أن يكون بغيضك يوماً ما))، وقوله: ((الظلم ظلمات يوم القيامة))، وقوله
في بعض دعائه: ((اللهم إني أسألك رحمة تهدي بها قلبي وتجمع بها أمري،
وتلمّ بها شعئي، وتُصلح بها غائبي وتزكي بها عملي، وتلهمني بها رشدي،
وترد بها ألفتي، وتعصمني بها من كل سوء، اللهم إني أسألك الفوز في
القضاء، ونُزل الشهداء، وعيش السعداء، والنصر على الأعداء)) إلى غير ذلك
مما روته الكافّة عن الكافَّة عن مقاماته ومحاضراته، وخطبه وأدعيته، ومخاطباته
وعهوده، مما لا خلاف أنه نزل من ذلك مرتبة لا يقاس بها غيره، وحاز سبقاً لا
يقدر قدره. وقد قال أصحابه: ما رأينا الذي هو أفصح منك، فقال: ((وما
يمنعني وإنما أُنزل القرآن بلساني، لسانٍ عربي مبين))، وقال مرة أخرى: أنا
أفصح العرب بيْدَ أني من قريش، ونشأت في بني سعد)». جمع بذلك قوة
عارضة البادية وجزالتها، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها، إلى التأييد
الإلهي الذي مددُه الوحي الذي لا يُحيط بعلمه بشر.
وأما شرف نسبه، وكرم بلده ومنشئه، فمما لا يحتاج إلى إقامة دليل
عليه، ولا بيان مُشكل، ولا خفي منه، فإنه نخبة بني هاشم ونخبة قريش
وصميمها، وأشرف العرب، وأعزهم نفراً من قبل أبيه وأمه، ومن أهل مكة من
أكرم بلاد الله على الله وعلى عباده. وقد قدمنا لك في أول الكتاب ما فيه
الكفاية في هذا المقام.
أما ما تدعو إليه ضرورة الحياة، فمنه ما الفضل في قلته، ومنه ما
الفضل في كثرته، ومنه ما تختلف الأحوال فيه. فالأول كالغذاء والنوم، ولم
تزل العرب والحكماء قديماً تتمادح بقلتهما وتذم بكثرتهما، لأن كثرة الأكل
والشرب دليل على النَّهم والحرص والشّره وغلبة الشهوة، مسبّب لمضار الدنيا
والآخرة، جالب لأدواء الجسد وخُثارة النفس وامتلاء الدماغ، وقلته دليل على
القناعة، وملك النفس وقمع الشهوة، مسبِّب للصحة، وصفاء الخاطر، وحدة
٢٥٥
٠٠
ـدعاء
٠٣٠٠٠٠
٠٫٠٠٠
الذهن، كما أن النوم دليل على الفُسولة(١) والضعف، وعدم الذكاء والفطنة،
مسبِّب للكسل وعادة العجز وتضييع العمر في غير نفع، وقساوة القلب وغفلته
وموته. وكان عليه الصلاة والسلام قد أخذ من الأكل والنوم بالأقل وحض
عليه. قال عليه الصلاة والسلام: ((ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه! حسب
ابن آدم لقيمات يقمن صُلبه، فإن كان لا محالة، فثلثٌ لطعامه، وثلث
لشرابه، وثلث لنفسه)). ولأن كثرة النوم من كثرة الأكل والشرب. وقالت عائشة
رضي الله عنها: لم يمتلىء جوف النبي والتر شبعاً قط، وإنه كان في أهله لا
يسألهم طعاماً ولا يتشهّاه، إن أطعموه أكل، وما أطعموه قبل، وما سقوه
شرب. وفي صحيح الحديث: ((أما أنا فلا آكل متكئاً)) والاتكاء: هو التمكن
للأكل والتقعدد في الجلوس له كالمتربع وشبهه من تمكن الجلسات التي
يعتمد فيها الجالس على ما تحته، والجالس على هذه الهيئة يستدعي الأكل
ويستكثر منه والنبي عليه الصلاة والسلام إنما كان جلوسه للأكل جلوس
المستوفز (٢) مُقْعياً ويقول: ((إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد)). وكذلك نومه
كان قليلاً ومع ذلك فقد قال: ((إن عينيّ تنامان. ولا ينام قلبي)).
وأما ما الفضل في كثرته فكالجاه، وهو محمود عند العقلاء عادة، وبقدر
جاهه عِظَمه في القلوب، وقد قال تعالى في صفة عيسى عليه السلام :
وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَاَِّْرَةِ﴾ (٣) وكان النبي ◌َّر قد رُزق الحشمة والمكانة في
القلوب، والعظمة قبل النبوة عند الجاهلية وبعدها، وهم يكذبونه ويؤذون
أصحابه ويقصدون أذاه في أنفسهم خفية، حتى إذا واجههم أعظموا أمره
وقضوا حاجته كما ذكرنا ذلك مراراً، وقد كان يُبْهت ويَفْرق لرؤيته من لم يره،
كما روي عن قيلة أنها لما رأته أرعدت من الفرق فقال: ((يا مسكينة عليك
(١) الردى المسترذل.
(٢) هيئة جلوس النبي # للطعام أن يفترش رجله اليسرى وينصب اليمنى وهذه هيئة المستوفز
المقعي. والوفز بسكون الفاء وفتحها العجلة.
(٣) سورة آل عمران آية ٤٥ .
٢٥٦