Indexed OCR Text

Pages 101-120

حمزة حتى وصل ساحل البحر من ناحية العيص(١)، فصادف العير هناك. فلما
تصافّوا للقتال حجز بين الفريقين مجدي بن عمرو الجهني فأطاعوه وانصرفوا،
وشكر عليه السلام مجدياً على عمله، لما كان من قلة عدد المسلمين وكثرة
عدوهم .
وفي شوال أرسل عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، في
ثمانين راكباً من المهاجرين، وعقد له لواء أبيض حمله مِسْطح بن أثاثة
ليعترض عيراً لقريش، فيها مائتا رجل، فوافوا العير ببطن رابغ (٢) فكان بينهم
الرمي بالنبل، ثم خاف المشركون أن يكون للمسلمين كمين فانهزموا، ولم
يتبعهم المسلمون، وفرَّ من المشركين إلى المسلمين المقداد بن الأسود
وعتبة بن غزوان وكانا قد أسلما وخرجا ليلحقا بالمسلمين.
وفيات
وفي هذه السنة توفي من المهاجرين عثمان بن مظعون أخو
رسول الله وَله من الرضاع، أسلم قديماً وهاجر الهجرتين. ولما دفن أمر عليه
الصلاة والسلام بأن يرش قبره بالماء، ووضع على قبره حجراً وقال: أتعلم به
قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي. وهذا كان القصد من وضع الأحجار
على المقابر، لا ما يقصده أهل العصور الأخيرة من تشييد الهياكل على
القبور، وتصويرها بصور ترى في عين الناظر كالأصنام، ليأتي أقارب الميت
ويصنعوا عندها احتفالات كثيرة تشبه ما كان يفعله مشركو مكة عند معابدهم.
ومن العبث فعل شيء لم يفعله رسول الله ويظهر مما يتعلق بأمور الآخرة.
ومات من الأنصار أسعد بن زرارة أحد النقباء الأثني عشر. كان رضي
الله عنه نقيب بني النجار، ولما مات اختار رسول الله نفسه للنقابة عليهم لأن
ابن أخت القوم منهم. ومات أيضاً البراء بن معرور أحد النقباء وهو الذي كان
(١) عرض من أعراض المدينة أي ناحية منها. (٢) واد بين الحرمين قرب البحر.
٩٧

يتكلم عن القوم في العقبة الثانية، ومات من مشركي مكة في هذه السنة
الوليد بن المغيرة، ولما احتضر جزع، فقال له أبو جهل: ما جزعك يا عم؟
فقال: والله ما بي من جزع من الموت ولكن أخاف أن يظهر، وفيها أيضاً مات
العاص بن وائل السهمي. وقد كفى الله المسلمين شر هذين الشقيّين.
٩٨

السنة الثانية.
غزوة وَدَّان
ولاثنتي عشرة ليلة خلت من السنة الثانية خرج رسول الله وير من
المدينة، بعد أن استخلف عليها سعد بن عبادة ليعترض عيراً لقريش. فسار
حتى بلغ ودّان(١) وكان يحمل لواءه عمه حمزة ولم يلق هناك حرباً، لأن العير
كانت قد سبقته. وفي هذه الغزوة صالح بني ضمرة على أنهم آمنون على
أنفسهم ولهم النصر على من رامهم، وأن عليهم نصرة المسلمين إذا دعوا. ثم
رجع المسلمون إلى المدينة بعد مضي خمس عشرة ليلة .
غزوة بُواط
ولم يمض على رجوعه غير قليل حتى بلغه أن عيراً لقريش آيبة من
الشام، فيها أمية بن خلف ومائة من قريش وألفان وخمسمائة بعير، فسار إليها
في مائتين من المهاجرين، وذلك في ربيع الأول، وكان يحمل لواءه سعد بن
أبي وقاص، فسار حتى بلغ بُواط (٢) فوجد العير قد فاتته فرجع ولم يلق
كيداً. وذلك كله لما كان يأخذه المشركون من الحذر على أنفسهم والاجتهاد
في تعمية أخبارهم عن أهل المدينة.
غزوة العُشَيرة (٣)
وأعقب رجوعه عليه الصلاة والسلام خروج قريش بأعظم عير لها، فقد
(١) قرية بين مكة والمدينة بينها وبين الأبواء ستة أميال.
(٢) جبال جهينة على أبراد من المدينة جهة ينبع.
(٣)) قرية من ناحية ينبع .
٩٩

جمعوا فيها أموالهم حتى لم يبق بمكة قرشي أو قرشية لها مثقال فصاعداً إلا
بعث به في تلك العير، وكان يرأسها أبو سفيان بن حرب ومعه بضعة وعشرون
رجلاً. فخرج لها رسول الله في جمادى الأولى ومعه مائة وخمسون من
المهاجرين، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسود، وحمل لواءه
عمه حمزة. ولم يزل سائراً حتى بلغ العُشَيرة فوجد العير قد مضت.
وحالف (١) عليه الصلاة والسلام في هذه الغزوة بني مُدلج وحلفاءهم، ثم رجع
عليه الصلاة والسلام إلى المدينة ينتظر هذه العير حينما ترجع.
٠٠٠
غزوة بدر الأولى
وبعد رجوعه عليه الصلاة والسلام بقليل جاء كُرْزُ بن جابر الفِهْري،
وأغار على سرح المدينة وهرب، فخرج الرسول في طلبه، واستخلف على
المدينة زيد بن حارثة الأنصاري، وحمل لواءه علي بن أبي طالب، فسار حتى
بلغ سَفَوان(٢) وفاته كُرز فلم يلق حرباً. وتسمى هذه الغزوة بدراً الأولى.
سرية (٣)
وفي رجب من هذه السنة أرسل سرية عدتها ثمانية رجال يرأسها
عبد الله بن جحش، وأعطاه كتاباً مختوماً لا يفضُّه إلا بعد أن يسير يومين ثم
ينظر فيه، فسار عبد الله يومين ثم فتح الكتاب، فإذا فيه: ((إذا نظرت كتابي
هذا فامض حتى تنزل نخلة، فترصد بها قريشاً وتعلم لنا من أخبارهم)). وإنما
لم يخبرهم عليه الصلاة والسلام بمقصدهم وهم بالمدينة، حذراً من شيوع
الخبر، فيدل عليهم أحد الأعداء من المنافقين أو اليهود، فتترصد لهم قريش.
(١) لعل الأصوب أن يقال وَادَعَ كما ورد في السِّير، حيث لم يحالفهم عليه الصلاة والسلام.
(٢) واد من ناحية بدر.
(٣) اصطلح الرواة على أن الكتيبة التي لا يكون فيها رسول الله تسمى سرية، والتي يكون فيها
تسمى غزوة إن وقع فيها قتال أو لم يقع.
١٠٠
٠٠.

ولا يخفى أن عدد السرية قليل لا يمكنه المقاومة. ثم سار عبد الله رضي الله
عنه، وفي أثناء السير تخلف سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان، لأنهما
أضلّاً بعيرهما الذي كانا يعتقبانه، وسار الباقون حتى وصلوا نخلة، فمرت بهم
عير قرشية تريد مكة فيها عمروبن الحضرمي وعثمان بن عبد الله بن المغيرة
وأخوه نوفل والحكم بن كيسان، فأجمع المسلمون أمرهم على أن يحملوا
عليهم ويأخذوا ما معهم، فحملوا عليهم في
آخر يوم من رجب فقتلوا عمرو بن الحضرمي، وأسروا عثمان والحكم، وهرب
نوفل، واستاقوا العير، وهي أول غنيمة غنمها المسلمون من أعدائهم قريش،
ثم رجعوا ولم يتمكن المشركون من اللحاق بهم. فلما قدموا المدينة وشاع
أنهم قاتلوا في الأشهر الحرم وعابتهم قريش واليهود بذلك، عنّهم المسلمون
وقال لهم عليه الصلاة والسلام: ما أمرتكم بقتال في الأشهر الحرم فندموا،
فأنزل الله تعالى: ﴿ يَسْعَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ اَلْحَرَِّ قِتَالٍ فِهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرَّ وَصَدُّ عَن
سَبِيلِ الهِ وَكُفْرُبِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنْوَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ الهِّ وَالْفِتْنَةُ أَكْبرُ
مِنَ الْقَتْلِ﴾(١) فسُرِّي عنهم(٢). وقد طلب المشركون فداء أسيريهما،
فقال عليه الصلاة والسلام: حتى يرجع سعد وعتبة ، فلما رجع قبل عليه
الصلاة والسلام الفدية في الأسيرين. فأما الحكم بن كيسان فأسلم
وحسن إسلامه مع المسلمين، وأما عثمان فلحق بمكة كافراً.
تحويل القبلة
مكث عليه الصلاة والسلام بالمدينة ستة عشر شهراً يستقبل بيت
المقدس في صلاته، وكان يحب أن تكون قبلته الكعبة، ويقلب وجهه في
السماء داعياً الله بذلك. فبينما هو في صلاته إذ أوحى الله إليه بتحويل القبلة
(١) سورة البقرة آية ٢١٧.
(٢) ذهب همهم وندمهم.
١٠١

م.
إلى الكعبة، فتحول وتحوَّل مَن وراءه. وكانت هذه الحادثة سبباً لافتتان بعض
الذين ضعفت قلوبهم فارتدوا على أعقابهم. وقد أكثر اليهود من التنديد على
الإِسلام بهذا التحويل، وما دروا أن الله المشرق والمغرب يهدي من يشاء
إلى صراط مستقيم.
صوم رمضان
وفي شعبان من هذه السنة أوجب الله صوم شهر رمضان على الأمة
الإِسلامية، وكان عليه الصلاة والسلام قبل ذلك يصوم ثلاثة أيام من كل شهر.
والصيام من دعائم هذا الدين والفرائض التي بها يتم النظام، فإن الإِنسان
مجبول على حب نفسه والسعي فيما يعود عليها بالنفع الخاص، تاركاً ما وراء
ذلك من حاجات الضعفاء والمساكين، فلا بد من وازع يزعه لحاجات قوم
أقعدتهم قواهم عن إدراك حاجاتهم ، ولا أقوى من ذوق قوارص الجوع
والعطش، إذ بهما تلين نفسه ويتهذب خلقه، فيسهل عليه بذل الصدقات.
صدقة الفطر
ولذلك أوجب الشارع الحكيم عقب الصوم زكاة الفطر، فترى الإِنسان
يبذلها بسخاء نفس ومحبة خالصة .
زكاة المال(١)
وفي هذا العام فرضت زكاة الأموال. وهذه هي النظام الوحيد الذي به
يأكل الفقراء والمساكين من إخوانهم الأغنياء بلا ضرر على هؤلاء، فإذا بلغت
الدنانير عشرين أو الدراهم مائتين، وحال عليها الحول، وجب عليك أن تؤدي
(١) هي ركن من أركان الإسلام يعاقب تاركها، وهي لغة التطهير والنماء.
١٠٢
------
- -- -
١
١-
ويز "بلا سيعام٠ ٢٠١ رزب" ..

ربع عشرها (أي اثنين ونصفاً في كل مائة) وما زاد فبحسابه. وإذا بلغت الشياه
أربعين والبقر ثلاثين والإِبل خمساً، وحال عليها الحول، وجب عليه كذلك أن
تؤدي منها جزءاً مخصوصاً حدده الشارع، ومثلها عروض التجارة ومحصولات
الزراعة. كل هذا يقبضه الإِمام ويوزّعه على مستحقيه من الفقراء والمساكين
وبقية المذكورين في آية الصدقة ﴿ ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسِّكِيْنِ وَالْعَمِنَ
◌َلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُوُهُمْ وَفِ الرِّقَلْبِ وَالْغَزِمِنَ وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ
اللَّهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾(١). واللبيب العاقل البعيد عن التعصب يحكم لأول
نظرة أن هذا النظام، مع عدم إضراره بالأغنياء، مقلِّل لمصائب الفقر التي
ألجأت كثيراً من فقراء الأمم أن يخالفوا نظام دولهم ، ويؤسسوا مبادىء
تقويض العمران وتداعي الأمن، كما يفعله الاشتراكيون وغيرهم.
غزوة بدر الكبرى(٢)
لم يطل العهد بتلك العير العظيمة التي خرج لها عليه الصلاة والسلام
وهي متوجهة إلى الشام، فلم يدركها ولم يزل مترقباً رجوعها، فلما سمع
برجوعها ندب إليها أصحابه وقال: هذه عير قريش فأخرجوا إليها لعل الله أن
يُنْفِلكُموها، فأجاب قوم وثقل آخرون لظنهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام
لم يرد حرباً، فإنه لم يحتفل بها بل قال: من كان ظهره حاضراً فليركب معنا.
ولم ينتظر من كان ظهره غائباً. فخرج لثلاث ليالٍ خلون من رمضان، بعد أن
ولى على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، وكان معه ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً:
مائتان ونّيِّف وأربعون من الأنصار، والباقون من المهاجرين، ومعهم فَرَسان
وسبعون بعيراً يعتقبونها، والحامل للواء مصعب بن عمير العبدري. ولما علم
أبو سفيان بخروج الرسول و # استأجر راكباً ليأتي قريشاً ويخبرهم الخبر، فلما
(١) سورة التوبة آية ٦٠.
(٢) بدأت موقعة بدر في صباح السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة، وانتهت في اليوم
نفسه .
١٠٣

------
علموا بذلك أدركتهم حميتهم وخافوا على تجارتهم، فنفروا سراعاً ولم يتخلف
من أشرافهم إلا أبو لهب بن عبد المطلب، فإنه أرسل بدله العاص بن
هشام بن المغيرة، وأراد أمية بن خلف أن يتخلف لحديث حدثه إياه سعد بن
معاذ حينما كان معتمراً بعد الهجرة بقليل، حيث قال - كما رواه البخاري -
سمعت من رسول الله يقول: إنهم قاتلوك، قال: بمكة؟ قال: لا أدري. ففزع
لذلك وحلف ألا يخرج، فعابه أبو جهل ولم يزل به حتى خرج، قاصداً
الرجوع بعد قليل، ولكن إرادة الله فوق كل إرادة، فإن منيته ساقته إلى حتفه
رغم أنفه. وكذلك عزم جماعة من الأشراف على القعود فعيب عليهم ذلك،
وبهذا أجمعت رجال قريش على الخروج فخرجوا على الصعب والذلول أمام
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَّهُمْ وَقَالَ
القينات(١) يغنين بهجاء المسلمين
لَا غَلِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّى جَارٌ لَّكُمْ﴾(٢) وقد ضرب الله عمل الشيطان
هذا مثلاً يعتبر به ذوو الرأي من بعدهم، فقال: ﴿كَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ
لِلْإِنسَانِ آَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِىِ بَرِىُّ مِّنْكَ إِنَّ أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ ﴾(٣)
وهكذا كان عمله في هذه الواقعة. ﴿فَلَّاتَزَآءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ
إِنِى بَرِىٌّ مِنْكُمْ إِّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنَّ أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾(٤)
وكان عدّة من خرج من المشركين تسعمائة وخمسين رجلاً معهم مائة فرس
وسبعمائة بعير. أما رسول الله ﴿ ﴿ فلم يكن يعرف شيئاً مما فعله
المشركون، ولم يكن خروجه إلا للعير، فعسكر ببيوت السقيا خارج المدينة،
واستعرض الجيش فرد من ليس له قدرة على الحرب، ثم أرسل
اثنين يتجسسان الأخبار عن العير: ولما بلغ الروحاء(٥) جاءه الخبر
بمسير قريش لمنع غيرهم، وجاءه مخبراه بأن العير ستصل بدراً غداً أو بعد
بـ
(١) المغنيات.
(٢) سورة الأنفال الآية ٤٧ .
(٣) سورة الحشر الآية ١٦ .
(٤) سورة الأنفال آية ٤٨ .
(٥) موضع على ثلاثين أو أربعين ميلاً جنوب المدينة الغربي.
١٠٤
."

غد، فجمع عليه الصلاة والسلام كبراء الجيش وقال لهم: ((أيها الناس إن الله
قد وعدني إحدى الطائفتين أنها لكم العِير أو النفير)) (١) فتبين له عليه الصلاة
والسلام أن بعضهم يريدون غير ذات الشوكة، وهي العير، ليستعينوا بما فيها
من الأموال، فقد قالوا: هلا ذكرت لنا القتال فنستعد؟ وجاء مصداق ذلك قوله
تعالى: ﴿وَإِذْ يَسِدُكُرُ اللهُ إِحْدَى الَّآ ◌ِفَتَيْنِ أَنَّهَ لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ
لگمْ﴾(٢).
ثم قام المقداد بن الأسود رضي الله عنه فقال: يا رسول الله امض لما
أمرك الله، فوالله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَأَذْهَبُ أَنْتَ
وَرَبِّكَ فَقَدْتِلَا إِنَّا هَنْهُنَا قَعِدُونَ﴾(٣). ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما
مقاتلون، والله لو سرت بنا إلى بَرْك الغِماد لجالدْنا معك من دونه حتى تبلغه،
فدعا له بخير، ثم قال عليه الصلاة والسلام: أشيروا عليَّ أيها الناس - وهو
يريد الأنصار - لأن بيعة العقبة ربما يفهم منها أنه لا تجب عليهم نصرته إلا ما
دام بين أظهرهم، فإن فيها: ((يا رسول الله إنا برآء من ذمتك حتى تصل إلى
دارنا، فإذا وصلت إليها فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا)).
فقال سعد بن معاذ سيد الأوس: كأنك تريدنا يا رسول الله؟ فقال: أجل، فقال
سعد: قد آمنا بك وصدقناك وأعطيناك على ذلك عهودنا، فامض لما أمرك
الله، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لنخوضنه
معك، وما نكره أن تكون تلقى العدو بنا غداً، إنا لصُبُرٌ عند الحرب صُدُقٌ
عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقُّ به عينك فسرْ على بركة الله. فأشرق
وجهه عليه الصلاة والسلام وسر بذلك وقال كما في رواية البخاري: ((أبشروا
والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم)). فعلم القوم من هذه الجملة أن الحرب لا
بد حاصلة، وحقيقة حصلت، فإن أبا سفيان لما علم بخروج المسلمين له ترك
الطريق المسلوكة وسار متبعاً ساحل البحر فنجا، وأرسل إلى قريش يعلمهم
(١) العير: القافلة. والنفير: القتال.
(٢) سورة الأنفال آية ٧.
(٣) سورة المائدة آية ٢٤.
١٠٥

ـعد يعبـ
بذلك ويشير عليهم بالرجوع، فقال أبو جهل: لا نرجع حتى نحضر بدراً(١)
فنقيم فيه ثلاثاً ننحر الجزور(٢) ونطعم الطعام ونُسقي الخمر، وتسمع بنا
العرب فلا يزالون يهابوننا أبداً. فقال الأخنس بن شريق الثقفي لبني زهرة،
وكان حليفاً لهم: ارجعوا يا قوم فقد نجّى الله أموالكم. فرجعوا ولم يشهدوا
بدراً زهري ولا عدوي ثم سار الجيش حتى وصلوا وادي بدر فنزلوا عُدْوَته
القصوى(٣) عن المدينة في أرض سهلة لينة.
أما جيش المسلمين فإنه لما قارب بدراً أرسل عليه الصلاة والسلام
علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ليعرفا الأخبار، فصادفا سقاة لقريش فيهم
غلام لبني الحجاج وغلام لبني العاص السهميين فأتيا بهما، والرسول عليه
الصلاة والسلام قائم يصلي، ثم سألاهما عن أنفسهما فقال: نحن سقاة
لقريش بعثونا نسقيهم الماء، فضرباهما لأنهما ظنا أن الغلامين لأبي سفيان،
فقال الغلامان: نحن لأبي سفيان فتركاهما. ولما أتم الرسول عليه الصلاة
والسلام صلاته قال: إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما؟ صدقا.
والله إنهما لقريش. ثم قال لهما: أخبراني عن قريش؟ قالا: هم وراء هذا
الكثيب، فقال لهما: كم هم؟ فقالا: لا ندري. قال: کم ینحرون كل يوم؟
قالا: يوماً تسعاً ويوماً عشراً، قال: القوم ما بين التسمائة والألف. ثم سألهما
عمن في النفير من أشراف قريش فذكرا له عدداً عظيماً، فقال عليه الصلاة
والسلام لأصحابه: هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها (٤) ثم ساروا حتى نزلوا
بُعدوة الوادي الدنيا من المدينة بعيداً عن الماء في أرض سبخة، فأصبح
المسلمون عطاشاً بعضهم جنب وبعضهم محدث، فحدثهم الشيطان
(١) محل بين مكة والمدينة وهو إلى المدينة أقرب في الجنوب الغربي منها على الطريق السلطاني،
وکان به سوق تعقد كل سنة ثمانية أيام.
(٢) الجزور من الإبل والشاة الذكر وانثى والجمع منها الجزر بضمتين وجزر الجزور إذا نحرها
وجلدها.
(٣) عدوة الوادي: شاطئه.
(٤) قطع كبدها .
----- ---..<<<-
١٠٦
، ،،،،،،

بوسوسته، ولولا فضل الله عليهم ورحمته لثنيت عزائمهم، فإنه قال لهم: ما
ينتظر المشركون منكم إلا أن يقطع العطش رقابكم ويذهب قواكم فيتحكموا
فیکم کیف شاؤوا .
فأرسل الله لهم الغيث حتى سال الوادي، فشربوا واتخذوا الحياض على
عُدوة الوادي، واغتسلوا وتوضؤوا وملأوا الأسقية، ولبدت الأرض حتى ثبتت
عليها الأقدام، على حين أن كان هذا المطر مصيبة على المشركين، فإنه وخَّل
الأرض حتى لم يعودوا يقدرون على الارتحال. ومصداق هذا قوله تعالى :
﴿وَيُغَزِّلُ عَيْكُ مِنَ اَلَّمَآءِ مَآءَ لِبِطَهِرَكْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَكُمْ رِبْزَ لْشَيْطَانِ
وَلِيَرْبِطَ عَى قُلُوبِكُمْ وَيُنَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾(١) وقد أرى الله رسوله في منامه
الأعداء، كما أراهموه وقت اللقاء قليلي العدة كيلا يفشل المسلمونٍ، وليقضي
الله أمرا كان مفعولاً، قال تعالى: ﴿إِذْ يُرِكَهُمُ اللهُ فِى مَنَامِكَ قَلِلًا وَلَوْ أَرَنَكُهُمْ
كَثِيرًا لَّفَئِلْتُمْ وَلَتَزَعْتُمْ فِ آلْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلّ ◌ِنّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ وَإِذْ
يُرِيُّكُمُوهُمْ إِذِالَقَبْتُمْ فِى أَعُْسِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِلُكُمْ فِيَ أَعْنِهِمْ لِيَقْضِىَ اللهُ أَمْرًا كَانَ
مَفْعُولًاً وَ إِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٢) ثم سار جيش المسلمين حتى
نزل أدنى ماء من بدر، فقال له الحُباب بن المنذر الأنصاري، وكان مشهوراً
بجودة الرأي؛ يا رسول الله أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم عنه أو
نتأخر، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: بل هو الرأي والحرب
والمكيدة، فقال: يا رسول الله ليس لك هذا بمنزل فانهض بالناس حتى تأتي
أدنى ماء من القوم، فإني أعرف غزارة مائه وكثرته، فننزله ونغوّر ما عداه من
الآبار، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماءً فنشرب ولا يشربون. فقال الرسول عليه
الصلاة والسلام: لقد أشرت بالرأي. ونهض حتى أتى أدنى ماء من القوم، ثم
أمر بالآبار التي خلفهم فغُوَّرتِ لينقطع أمل المشركين في الشرب من وراء
المسلمين، وبنى حوضاً على القَلِيب الذي نزل عليه. ثم قال له سعد بن معاذ
(١) سورة الأنفال آية ١١.
(٢) سورة الأنفال آية ٤٣، ٤٤.
١٠٧

سيد الآوس: يا نبي الله ألا نبني لك عريشاً تكون فيه ونعد ندك ركائبك ثم
نلقى عدونا، فإن أعزنا الله تعالى وأظهرنا على عدونا كان ذل ما أحببنا، وإن
كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلف عنك
أقوام يا نبي الله ما نحن أشد لك حباً منهم ولا أطوع لك منهم، لهم رغبة في
الجهاد ونية، ولو ظنوا أنك تلقى حرباً ما تخلفوا عنك، إنما ظنوا أنها العير،
يمنعك الله بهم ويناصحونك ويجاهدون معك، فقال عليه الصلاة والسلام: أو
يقضي الله خيراً من ذلك. ثم بُنى للرسول عريش فوق تل مشرف على ميدان
الحرب. ولما اجتمعوا عدَّل عليه الصلاة والسلام صفوفهم: مناكبهم
متلاصقة، فصاروا كأنهم بنيان مرصوص، ثم نظر لقريش فقال: ((اللهم هذه
قريش قد أقبلت بخيلائها (١) وفخرها تُحادّك (٢) وتكذب رسولك، اللهم
فنصرك الذي وعدتني به). وفي هذا الوقت وقع خُلْف بين رؤساء عسكر
المشركين، فإن عتبة بن ربيعة أراد أن يمنع الناس من الحرب ويحمل دم
حليفه عمروبن الحضرمي الذي قتل في سرية عبد الله بن جحش، ويحمل ما
أصيب من غيره، ودعا الناس إلى ذلك. فلما بلغ أبا جهل الخبر وسَمَه
بالجبن (٣) وقال: والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد. وقبل أن
تقوم الحرب على ساقها خرج من صفوف المشركين الأسود بن عبد الأسد
المخزومي وقال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأموتن دونه، فخرج إليه
حمزة بن عبد المطلب وضربه ضربة قطع بها قدمه بنصف ساقه فوقع على
ظهره فزحف على الحوض حتى اقتحم فيه ليبرَّ قسمه فأتبعه حمزة فقتله، ثم
وقف عليه الصلاة والسلام يحرض الناس على الثبات والصبر، وكان فيما
قال: ((وإنّ الصبر في مواطن البأس مما يفرج الله به الهم وينجي به من
الغم)). ثم ابتدأ القتال بالمبارزة، فخرج من صفوف المشركين ثلاثة نفر:
عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة وابنه الوليد فطلبوا أكفاءهم، فخرج إليهم ثلاثة
(١) بكبريائها.
(٢) تعاديك.
(٣) وصفه بالجبن.
١٠٨
-..
٠٫٫٫٠٠
..... ۔۔
-- --- - ----- -.

من الأنصار فقالوا: لا حاجة بكم إنما نريد أكفاءنا من بني عمنا. فأخرج لهم
عليه الصلاة والسلام عبيدة بن الحارث بن المطلب (١) للأول. وحمزة بن عبد
المطلب الثاني، وعليّ بن أبي طالب للثالث. فأما حمزة وعلي فقتلا
صاحبيهما وأما عبيدة فاختلفا بضربتين كلاهما جرح صاحبه، فحمل رفيقا
عبيدة على عتبة فأجهزا عليه، وحمل عبيدة بين الصفوف جريحاً يسيل مخُّ
ساقه وأضجعوه الى جانب موقفه صلى الله عليه وآله وسلم فأفرشه رسول الله
قدمه الشريفة فوضع خده عليها، وبشَّره عليه الصلاة والسلام بالشهادة، فقال:
وددت والله أن أبا طالب كان حياً ليعلم أننا أحق منه بقوله:
ونُسْلمه حتى نُصوَّع حولَه ونَذْهل عن أبنائنا والحلائل
وبعد انقضاء هذه المبارزة وقف عليه الصلاة والسلام بين الصفوف يعدّ
لها بقضيب في يده، فمرَّ بسواد بن غزية حليف بني النجار وهو خارج من
الصف، فضربه بالقضيب في بطنه وقال: استقمْ يا سواد، فقال: أوجعتني يا
رسول الله وقد بعثت بالحق والعدل فأَقِدْني (٢) من نفسك، فكشف الرسول
عليه الصلاة والسلام، عن بطنه وقال: استقد يا سواد، فاعتنقه سواد وقبّل
بطنه، فقال عليه الصلاة والسلام: ما حملك على ذلك؟ فقال: يا رسول الله
قد حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد أن يمس جلدي جلدك، فدعا له
بخير. ثم ابتدأ عليه الصلاة والسلام يوصي الجيش فقال: ((لا تحملوا حتى
آمركم وإن اكتنفكم القوم فانضحوهم بالنبل ولا تسلُّوا السيوف حتى يغشَوكم»
ثم حضهم على الصبر والثبات، ثم رجع إلى عريشه ومعه رفيقه أبو بكر،
وحارسه سعد بن معاذ واقف على باب العريش متوشح سيفه. وكان من دعاء
الرسول عليه الصلاة والسلام ذاك الوقت - كما جاء في صحيح البخاري -
(اللهم أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تُعبد)). فقال أبو بكر: حسبك
فإن الله سينجز لك وعده، فخرج عليه الصلاة والسلام من العريش وهو يقول:
(١) ورد في الأصل (عبد المطلب). والصواب ما ذكرنا.
(٢) دعني آخذ حقي منك.
١٠٩
م ت

﴿َسَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلَّنَ الدُّبُرَ﴾ ثم قال عليه الصلاة والسلام يحرّض الجيش:
((والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلا غير
مدبر إلا أدخله الله الجنة. ومن قتل قتيلاً فله سلَّبُه)) فقال عمير بن الحُمام
وبيده تمرات يأكلها: بخ بخ! ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني
هؤلاء ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه وقاتل حتى قتل.
واشتد القتال وحمي الوطيس وأيد الله المسلمين بالملائكة بشرى لهم
ولتطمئن به قلوبهم، فلم تكن إلا ساعة حتى هزم الجمع وولّوا
الدبر، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، فقتل من المشركين نحو
السبعين، منهم من قريش: عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة،
قتلوا مبارزة أول القتال، وأبو البختري بن هشام، والجرّاح والد أبي
عبيدة، قتله ابنه بعد أن ابتعد عنه فلم يزدجر، وقتل أمية بن خلف وابنه، وقد
اشترك في قتلهما جماعة من الأنصار مع بلال بن رباح وعمار بن ياسر، وقد
سعيا في ذلك لما كان يفعله بهما أمية في مكة. ومن القتلى حنظلة بن أبي
سفيان وأبو جهل بن هشام أثخنه(١) فتيان صغيران من الأنصار، لما كانا
يسمعانه من أنه كان شديد الإيذاء لرسول الله، وأجهز عليه عبد الله بن
مسعود. وقتل نوفل بن خويلد قتله علي بن أبي طالب، وقتل عبيدة والعاص
والد أبي احيحة سعيد بن العاص بن أمية، وقتل كثيرون غيرهم. أما الأسرى
فكانوا سبعين أيضاً قتل منهم عليه الصلاة والسلام، وهو راجع عقبةً بن أبي
مُعَيط، والنضر بن الحارث اللذين كانا بمكة من أشد المستهزئين. وكانت هذه
الواقعة في ١٧ رمضان وهو اليوم الذي ابتدأ فيه نزول القرآن. وبين التاريخين
١٤ سنة قمرية كاملة .
وقد أمر عليه الصلاة والسلام بالقتلى فُقلوا من مصارعهم التي كان
الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر بها قبل حصول الموقعة إلى قَلِيب بدر، لأنه
عليه الصلاة والسلام كان من سننه في مغازيه إذا مر بجيفة إنسان أمر بها
(١) جرحه جراحاً بالغة.
١١٠
-------- ------- -
٠۵٠،٠
.--------- ---.-

فدفنت، لا يسأل عنه مؤمناً أو كافراً. ولما أُلقي عتبة والد أبي حذيفة أحد
السابقين إلى الإِسلام تغيَّر وجه ابنه، ففطن الرسول عليه الصلاة والسلام
لذلك فقال لعلك دخلك من شأن أبيك شيء؟ فقال: لا والله، ولكني كنت
أعرف من أبي رأياً وحلماً وفضلاً، فكنت أرجو أن يهديه الله للإِسلام، فلما
رأيت ما مات عليه أحزنني ذلك. فدعا له الرسول عليه الصلاة والسلام بخير.
ثم أمر عليه الصلاة والسلام براحلته فشد عليها حتى قام على شفة القليب
الذي رمي فيه المشركون، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان
ابن فلان! أيسركم أنكم كنتم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً،
فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً، فقال عمر: يا رسول الله: ما تكلم من أجساد
لا أرواح فيها !! فقال: والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم.
وتقول عائشة رضي الله عنها: إنما قال إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول
لهم حق، ثم قرأت: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوَّى﴾(١)، ﴿ وَمَآ أَنْتَ نُسِْعُ مَّنْ فِى
الْقُبُورِ﴾(٢)، تقول يعلمون ذلك حينما تبورا مقاعدهم من النار (رواه
البخاري). ثم أرسل عليه الصلاة والسلام المبشرين: فأرسل عبد الله بن أبي
رواحة لأهل العالية(٣)، وأرسل زيد بن حارثة لأهل السافلة راكباً على ناقة
رسول الله. وكان المنافقون والكفار من اليهود قد أرجفوا (٤) بالرسول والدهم
والمسلمين، عادة الأعداء في إذاعة الضّراء، يقصدون بذلك فتنة المسلمين،
فجاء أولئك المبشرون بما سر أهل المدينة، وكان ذلك وقت انصرافهم من
دفن رقية بنت رسول الله وزوج عثمان، ثم قفل رسول الله راجعاً، وهنا وقع خُلف
بين بعض المسلمين في قسمة الغنائم: فالشبان يقولون كنا رِدْءاً (٥) لكم
فنشارككم. ولما كان هذا الاختلاف مما يدعو إلى الضعف، ويزرع في
(١) سورة الروم الآية ٥٢.
(٢) سورة فاطر الآية ٢٢ .
(٣) قرى بظاهر المدينة وهي العوالي .
(٤) شيعوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين السوء.
(٥) مساوين لكم.
١١١

وشي جة الباغطة الساحرة ٢٦٦-٢٣.
القلوب العداوة والبغضاء المؤديين إلى تشتت الشمل، أنزل الله حسماً لهذا
الخلاف: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِِّ وَالرَّسُولِ فَأَتَّقُواْ الهَ
وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ : إِن كُنتُ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) فسطع على
أفئدتهم نور القرآن، فتآلفت بعد أن كادت تفترق، وتركوا أمر الغنائم
لرسول الله يضعها كيف شاء - كما حكم القرآن - فقسمها عليه الصلاة والسلام
على السواء الراجل مع الراجل، والفارس مع الفارس، وأدخل في الأسهام
بعض من لم يحضر لأمر كُلّف به وهم: أبو لُبانة الأنصاري، لأنه كان مخلفاً
على أهل المدينة، والحارث بن حاطب لأن الرسول عليه الصلاة والسلام
خلفه على بني عمرو بن عوف ليحقق أمراً بلغه، والحارث بن الصِّمَّة،
وخَوَّات بن جبير، لأنهما كُسِرا بالروحاء فلم يتمكنا من السير، وطلحة بن
عبيد الله، وسعيد بن زيد، لأنهما أرسلا يتجسسان الأخبار فلم يرجعا إلا بعد
انتهاء الحرب، وعثمان بن عفان، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام خلفه على
ابنته رقية يمرضها، وعاصم بن عدي، لأنه خلفه على أهل قُباء والعاليةً.
وكذلك أسهم لمن قتل ببدر وهم أربعة عشر منهم عبيدة بن الحارث بن
المطلب بن هاشم الذي جرح في المبارزة الأولى، فإنه رضي الله عنه مات
عند رجوع المسلمين من بدر ودفن بالصفراء. ولما قارب عليه الصلاة والسلام
المدينة، تلقته الولائد بالدفوف يقلن:
البدر علينا
طلع
الوداع
المطاع
بالأمر
ثنيّات
من
ما
وجب الشكر علينا
داع
لله
دعا
جئت
أيُّها المبعوث فينا
أُسری بدر
ولما دخلوا المدينة استشار عليه الصلاة والسلام أصحابه فيما يفعل
بالأسرى، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله قد كذبوك وقاتلوك وأخرجوك،
(١) سورة الأنفال آية ١ .
١١٢
٢ ١ ١٥ ٠ ٠٢ ٢

فأرى ان تمكنني من فلان لقريب له فأضرب عنقه. وتمكن حمزة من أخيه
العباس، وعلياً من أخيه عقيل. وهكذا حتى يعلم الناس أنه ليس في قلوبنا
مودة للمشركين. ما أرى أن تكون لك أسرى فاضرب أعناقهم، هؤلاء
صناديدهم وأئمتهم وقادتهم، ووافقه على ذلك سعد بن معاذ وعبد الله بن
رواحة. وقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء أهلك وقومك قد أعطاك الله الظفر
والنصر عليهم، أرى أن تستبقيهم وتأخذ الفداء منهم فيكون ما أخذنا منهم قوة
لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله بك فيكونوا لك عضداً. فقال عليه
الصلاة والسلام: إن الله ليُلينُ قُلوب أقوام حتى تكون ألين من اللبن، وإن
مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال: ﴿فَمَنْ تَّبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّى وَمَنْ عَصَنِي فَإِنَّكَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾(١ فإن مثلك يا عمر مثل نوح قال: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى ◌ْأَرْضِ مِنَ
الْكَفِرِ ينَ دَيَّارًا﴾ (٢) ورأى عليه الصلاة والسلام رأي أبي بكر بعد أن مدح كلًّا
من الصاحبين لأن الوجهة واحدة وهي إعزاز الدين، وخذلان المشركين، ثم
قال لأصحابه: أنتم اليوم عالة فلا يفلتن أحد من أسراكم إلا بفداء. وقد بلغ
قريشاً ما عزم عليه الرسول في أمر الأسرى فناحت على القتلى شهراً، ثم أشير
علیھم من کبارهم ألا يفعلوا، کیلا يبلغ محمد وأصحابه جزعهم فیشمتوا بهم،
فسكتوا وصمموا على ألا يبكوا قتلاهم حتى يأخذوا بثأرهم، وتواصَّوْا فيما
بينهم ألّ يعجلوا في طلب الفداء لئلا يتغالى المسلمون فيه .
الفداء
فلم يلتفت إلى ذلك المطلب بن أبي وداعة السهمي، وكان أبوه من
الأسرى، فخرج خفية حتى أتى المدينة وفدى أباه بأربعة آلاف درهم، وعند
ذلك بعثت قريش في فداء أسراها وكان أربعة آلاف درهم، ومن لم يكن معه
(١) سورة إبراهيم آية ٣٦.
(٢) سورة نوح آية ٢٦.
١١٣

.--- ---.
- --. .-- --
فداء وهو يحسن القراءة والكتابة، أعطوه عشرة من غلمان المدينة يعلمهم
وكان ذلك فداءه .
(ومن) الأسرى عمرو بن أبي سفيان، ولما طُلب من أبيه فداؤه قال:
والله لا يجمع محمد بين ابني ومالي، دعوه يمسكوه في أيديهم ما بدا لهم.
فبينما أبو سفيان بمكة إذ وجد سعد بن النعمان الأنصاري معتمراً فعدا عليه
فحبسه بابنه عمرو، فمضى قوم سعد إلى رسول الله وأخبروه فأعطاهم عَمْراً
ففكوا به سعداً.
(ومن) الأسرى أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت الرسول، وكان عليه
الصلاة والسلام قد أثنى عليه خيراً في مصاهرته، فإنه لما استحكمت العداوة
بين قريش ورسول الله بمكة طلبوا من أبي العاص أن يطلق زينب كما فعل ابنا
أبي لهب بابنتي الرسول، فامتنع وقال: والله لا أفارق صاحبتي وأحب أن لي
بها امرأة من قريش. ولما أُسر ارسلت زينب في فدائه قلادة لها كانت حلَّتها
بها أمها خديجة ليلة عرسها، فلما رأى عليه الصلاة والسلام تلك القلادة رقَّ
لها رقَّة شديدة، وقال لأصحابه: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا لها
قلادتها فافعلوا، فرضي الأصحاب بذلك، فأطلقه عليه الصلاة والسلام بشرط
أن يترك زينب تهاجر إلى المدينة. فلما وصل إلى مكة أمرها باللحاق بأبيها،
وكان الرسول أرسل لها من يأتي بها فاحتملوها. (هذا) ولما أسلم أبو
العاص بن الربيع قبيل الفتح رد عليه امرأته بالنكاح الأول.
(ومن) الأسرى سهيل بن عمرو وكان من خطباء قريش وفصحائها وطالما
آذى المسلمين بلسانه، فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أنزع ثنيتي
سهيل يدلع(١) لسانه فلا يقوم عليك خطيباً في موطن أبداً، فقال عليه الصلاة
والسلام: ((لا أُمثِّل(٢) فيمثِّل الله بي وإن كنت نبياً، وعسى أن يقوم مقاماً لا
تذمه)) وقدم بفدائه مُكْرز بن حفص. ولما ارتضى معهم على مقدار حبس نفسه
(١) يخرج.
(٢) لا أشوه، والتشويه مثلًا نزع الأذن أو الأنف أو العين في الإنسان، وهذا لا يجوز.
١١٤
ود تيار طاطس

بدله حتى جاء بالفداء. هذا، وقد حقق الله خبر الرسول في سهيل، فإنه لما
مات عليه الصلاة والسلام أراد أهل مكة الارتداد، كما فعل غيرهم من
الأعراب، فقام سهيل هذا خطيباً وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على
رسوله: أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد
الله فإن الله حي لا يموت، ألم تعلموا أن الله قال: ﴿ إِنَّكَ مَبِتٌ وَإِنَّهُمْ
◌َِّئُونَ ﴾(١) وقال: ﴿وَمَا مَُّدُ إِلَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الَّسُلُ أَفَلْ مَّاتَ
أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَّ أَعْقَدِكُمْ ﴾ (٢) ثم قال: والله إني أعلم أن هذا الدين سيمتد
امتداد الشمس في طلوعها فلا يغرنكم هذا (يريد أبا سفيان) من أنفسكم فإنه
يعلم من هذا الأمر ما أعلم، لكنه قد ختم على صدره حسد بني هاشم وتوكلوا
على ربكم، فإن دين الله قائم وكلمته تامة، وإن الله ناصر من نصره ومقوِّ
دينه، وقد جمعكم الله على خيركم (يريد أبا بكر) وإن ذلك لم يرد الإِسلام إلا
قوة، فمن رأيناه ارتدّ ضربنا عنقه. فتراجع الناس عما كانوا عزموا عليه، وكان
هذا الخبر من معجزات نبينا وَله .
(ومن) الأسرى الوليد بن الوليد أفتكه (٣) أخواه خالد وهشام، فلما افتُدي
ورجع إلى مكة أسلم فقيل له: هلا أسلمت قبل الفداء؟ فقال: خفت أن
يعدّوا إسلامي خوفاً. ولما أراد الهجرة منعه أخواه ففر إلى النبي في عمرة
القضاء .
(ومن) الأسرى السائب بن يزيد، وكان صاحب الراية في تلك الحرب،
فدى نفسه وهو الجد الخامس للإِمام محمد بن إدريس الشافعي .
(ومنهم) وهب بن عمير الجُمحي، كان أبوه عمير شيطاناً من شياطين
قريش كثير الإيذاء لرسول الله، جلس يوماً بعد انتهاء هذه الحرب مع
صفوان بن أمية يتذاكران مصاب بدر، فقال عمير: والله لولا دين عليَّ ليس
(١) سورة الزمر آية ٣٠.
(٢) سورة آل عمران آية ١٤٤
(٣) افتداه فدفع ثمن فکاکه من الأسر.
١١٥
ا

عندي قضاؤه وعيال أخشى عليهم الفقر بعدي، كنت آتي محمداً فأقتله، فإن
ابني أسير في أيديهم، فقال صفوان: دينك عليَّ وعيالك مع عيالي، فأخذ
عمير سيفه وشحذه وسمَّه، وانطلق حتى قدم المدينة، فبينا عمر مع نفر من
المسلمين إذا نظر إلى عمير متوشحاً سيفه، فقال: هذا الكلب عدو الله ما جاء
إلا بشرّ، ثم قال للنبي ◌َّ ر هذا عدو الله عمير قد جاء متوشحاً سيفه، فقال:
أدخله عليَّ. فأخذ عمر بحمائل سيفه وأدخله، فلما رآه عليه الصلاة والسلام
قال: أطلقه يا عمر، ادن يا عمير فدنا، وقال: انعموا صباحاً، فقال ◌َله قد
أبدلنا الله تحية خيراً من تحيتك وهي السلام، ثم قال: ما جاء بك يا عمير؟
قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه، قال: فما بال السيف؟
قال: قَّحها الله من سيوف وهل أغنت عنا شيئاً؟ قال عليه الصلاة والسلام:
اصدُقْني ما الذي جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك. قال عليه الصلاة
والسلام: كلا بل قعدت أنت وصفوان في الحِجْر وقلتما كَيْتَ وَكَيْتَ فأسلم
عُمير وقال: كنا نكذبك بما تأتي به من خبر السماء وما ينزل عليك من
الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان !! فقال عليه الصلاة والسلام
فقهوا أخاكم في دينه وأقرئوه القرآن وأطلقوا أسيره. فعاد عمير إلى مكة وأظهر
إسلامه .
(ومن) الأسرى أبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير، مرَّ به أخوه
فقال للذي أسره: شدّ يدك به، فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه. فقال له: يا
أخي هذه وصایتك بي ! ثم بعثت أمه بفدائه أربعة آلاف درهم.
(ومن) الأسرى العباس بن عبد المطلب عم رسول الله وَ﴾ كان قد خرج
لهذه الحرب مكرهاً، ولما وقع في الأسر طلب منه فداء نفسه وابن أخيه
عقيل بن أبي طالب فقال: علام ندفع وقد استكرهنا على الخروج؟ فقال عليه
الصلاة والسلام: لقد كنت في الظاهر علينا فأخذت منه فدية نفسه وابن أخيه،
ثم قال للرسول: لقد تركتني فقير قريش ما بقيت، قال: كيف وقد تركت لأم
الفضل أموالاً، وقلت لها: إن متُّ فقد تركتك غنية. فقال العباس: والله ما
١١٦
..