Indexed OCR Text

Pages 81-100

أرجو أن يؤذن لي، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: نعم.
فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق
السَّمُر(١) استعداداً لذلك.
دار الندوة
أما قريش فكانوا كأنهم أُصيبوا بمَسِّ الشيطان حينما طرق مسامعهم
مبايعة الأنصار له على الذَّوْد عنه حتى الموت، فاجتمع رؤساؤهم وقادتهم في
دار الندوة، وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لاتقضي امراً إلا فيها،
يتشاورون ما يصنعون في أمر رسول الله وَله حين خافوه، فقال قائل منهم:
نخرجه من أرضنا كي نستريح منه، فرفض هذا الرأي لأنهم قالوا إذا خرج
اجتمعت حوله الجموع لما يرونه من حلاوة منطقه وعذوبة لفظه، وقال آخر:
نوثقه ونحبسه حتى يدركه ما أدرك الشعراء قبله من الموت، فرفض هذا الرأي
كسابقه لأنهم قالوا إن الخبر لا يلبث أن يبلغ أنصاره ونحن أدرى الناس بمن
دخل في دينه، حيث يفضلونه على الآباء والأبناء، فإذا سمعوا ذلك جاؤوا
لتخليصه وربما جرَّ هذا من الحرب علينا ما نحن في غنى عنه. وقال لهم
طاغيتهم: بل نقتله، ولنمنع بني أبيه من الأخذ بثأره نأخذ من كل قبيلة شاباً
جلْداً يجتمعون أمام داره، فإذا خرج ضربوه ضربة رجل واحد فيفترق دمه في
القبائل فلا يقدر بنو عبد مناف على حرب قريش كلهم، بل يرضون بالدية،
فأقروا هذا الرأي، هذا مكرهم ولكن إرادة الله فوق كل إرادة ﴿ وَيُمْكُرُونَ
وَيَمُْ اَلَهُوَةُ خَيْرُ الْمَنْكِرِينَ﴾(٢) فأعلم نبيه بما دبره الأعداء في سرهم
وأمره باللحاق بدار هجرته، بدار فيها ينشر الإِسلام ويكون فيها لرسول الله الآثار
العزة والمنعة، وهذا من الحكمة بمكان عظيم، فإنه لو انتشر الإسلام بمكة
لقال المبغضون إن قريشاً أرادوا ملك العرب فعمدوا إلى شخص منهم وأوعزوا
إليه أن يدَّعي هذه الدعوى حتى تكون وسيلة لنيل مآربهم، ولكنهم كانوا له
أعداء ألداء آذوه شديد الأذى حتى اختار الله له مفارقة بلادهم والبعد عنهم.
(١) ورق الشجر.
(٢) سورة الأنفال: آية ٣٠.
٧٧

-- 1
....... . ..
. ------
-----...
. . . . ..... - ----- -----
.....
----
.....
..

هجرة المصطفى
صَلَى الله (١)
عافية
وسلم
فتوجه من ساعته إلى صديقه أبي بكر وأعلمه أن الله قد أذن له في
الهجرة، فسأله أبو بكر الصحبة، فقال: نعم. ثم عرض عليه إحدى راحلتيه.
اللتين كانتا معدَّتين لذلك، فجهزاهما أحسن الجهاز، وصُنعت لهما سفرة في
جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر نطاقها وربطت به على فم الجراب، واستأجر
عبد الله بن أريقط من بني الدّيل بن بكر، وكان هادياً ماهراً، وهو على دين
كفار قريش، فأمَّناه ودفعا اليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال. ثم
فارق الرسول # أبا بكر وواعده المقابلة ليلاً خارج مكة، وكانت هذه الليلة
هي ليلة استعداد قريش لتنفيذ ما أقروا عليه، فاجتمعوا حول باب الدار
ورسول الله داخله، فلما جاء ميعاد الخروج أمر ابن عمه علياً بالمبيت مكانه
كيلا يقع الشك في وجوده أثناء الليل، فإنهم كانوا يردِّدون النظر من شقوق
الباب ليعلموا وجوده، ثم سجّى علياً ببرده، وخرج على القوم وهو يقرأ:
وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيِهِمْ سَدًا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَأَ يُبْصِرُونَ﴾(٢)
فألقى الله النوم عليهم حتى لم يره أحد. ولم يزل عليه الصلاة والسلام سائراً
حتی تقابل مع الصدِّيق، وسارا حتى بلغا غار ثور فاختفيا فيه .
أما المشركون فلما علموا بفساد مكرهم، وأنهم إنما باتوا يحرسون
علي بن أبي طالب لا محمد بن عبد الله، هاجت عواطفهم، فأرسلوا الطلب
(١) كانت هجرته ** في مستهل ربيع الأول وحين أخذ الركب وجهته إلى المدينة نظر رسول
الله * إلى مكة نظرة وداع حارة وقال: ((والله إني لأخرج منك وإني لأعلم أنك أحب أرض الله
إلى الله وأكرمها على الله. ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت».
(٢) سورة يس: آية ٩.
٧٩

٠٠٠-٠٠٠٠٠ ٠ ٥٠ ٠٠٠١
-- - ----
-. ....-
من كل جهة، وجعلوا الجوائز لمن يأتي بمحمد أو يدل عليه، وقد وصلوا في
طلبهم إلى ذلك الغار الذي فيه طلبتهم، بحيث لو نظر أحدهم تحت قدميه
لنظرهما، حتى أبكى ذلك أبا بكر فقال له عليه الصلاة والسلام: ﴿لَا تَحْزَنْ
إنَّ الله مَعَنَا﴾ فأعمى الله أبصار المشركين، حتى لم تحن لأحد منهم التفاتة
إلى ذلك الغار، بل صار أعدى الأعداء أمية بن خلف يبعد لهم اختفاء
المطلوبين في مثل هذا الغار. فأقاما فيه ثلاث ليال حتى ينقطع الطلب، وكان
يبيت عندهم عبد الله بن أبي بكر وهو شاب ثَقِفٌ ولَقِنٌّ فيدلج(١) من عندهما
بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت بها، فلا يسمع أمراً يكتادان (٢) به إلا
وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، وكان عامر بن فهيرة يروح
، عليهما بقطعة من غنم يرعاها، حين تذهب ساعة من العشاء ويغدو بها عليهما ، فإذا
خرج من ندهما عبد الله، اتبع أثره عامر بالغنم كيلا يظهر لقدميه أثر. ولما
انقطع الطلب خرجا بعد أن جاءهما الدليل بالراحلتين صبح ثلاث، وسارا
متبعين طريق الساحل. وفي الطريق لحقهم طالباً سُراقةُ بن مالك المدْلجيّ،
وكان قد رأى رسل مشركي قريش يجعلون في رسول الله وأبي بكر دية كل
واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما هو في مجلس من مجالس قومه بني
مُذْلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام عليهم وهم جلوس فقال: يا سراقة إني
رأيت آنفاً أسودَةً (٣) بالساحل أراها (٤) محمداً وأصحابه، فعرف سراقة أنهم
هم، ولكنه أراد أن يثني عزم مخبره عن طلبهم، فقال: إنك رأيت فلاناً
وفلاناً، انطلقوا بأعيننا يبتغون ضالة لهم. ثم لبث في المجلس ساعة وقام
ورکب فرسه، ثم سار حتی دنا من الرسول ومن معه، فعثرت به فرسه فخرَّ
عنها، ثم ركبها ثانية وسار حتى صار يسمع قراءة المصطفى وهو لا يلتفت،
وأبو بكر يكثر الالتفات فساخت (٥) قائمتا فرس سراقة في الأرض حتى بلغتا
(١) الأدلاج وهو السير في الليل.
(٢) يدبران المكائد والشرور.
(٣) أشباحاً سوداً.
(٤) أظنها .
(٥) غاصت.
٨٠
٠٠.
..---
٠٠ ..... "

الركبتين، فخرَّ عنها ثم زجرها حتى نهضت فلم تكد تخرج يديها حتى سطع
لأثرهما غبار ساطع في السماء مثل الدخان، فعلم سراقة أن عمله ضائع
سدى، وداخله رعب عظيم فناداهما بالأمان، فوقف عليه الصلاة والسلام ومن
معه حتى جاءهم. ويقول سراقة: وقع في نفسي حين لقيت ما لقيت أن
سيظهر أمر رسول الله، فقلت: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرهما بما
يريد بهما الناس وعرض عليهما الزاد والمتاع، فلم يأخذا منه شيئاً بل قالا له:
أخْفٍ عنا، فسأله سراقة أن يكتب له كتاب أمن، فأمر أبا بكر فكتب. وبذلك
أنقضت هذه المشكلة التي أظهر الله فيها مزيد عنايته برسوله.
وكان أهل المدينة حينما سمعوا بخروج رسول الله وقدومه علیھم،
يخرجون إلى الحرة (١) حتى يردَّهم حرُّ الظهيرة، فانقلبوا يوماً بعد أن طال
انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أُطُمٍ (٢) من آطامهم
لأمر ينظر اليه، فبصر رسول الله وأصحابه يزول بهم السراب، يظهرهم تارة
ويخفيهم أخرى، فقال اليهودي بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدكم أي
حظكم الذي تنتظرون، فثاروا إلى السلاح فتلقّوا رسول الله بظهرة الحرة.
النزول بقُباء (٣)
فعدل بها ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف بقباء،
والذي حققه المرحوم محمود باشا الفلكي أن ذلك كان في اليوم الثاني من
ربيع الأول الذي يوافق ٢٠ سبتمبر (أيلول) سنة ٦٢٢ م، وهذا أول تاريخ
جديد (٤) لظهور الإسلام، بعد أن مضى عليه ثلاثة عشرة سنة وهو مضيق عليه
(١) هي الأرض ذات الحجارة السود، وكانت المدينة محاطة بجملة حرات.
(٢) تل.
(٣) بلغ النبي * قُباء يوم الاثنين من ربيع الأول ونزل عند كلثوم بن الهدم شيخ بني عمرو بن
عوف، ومكث عنده أربعة أيام. وكان أول عمل قام به رسول الله# أن أسس مسجداً، فكان
أول مسجد في الإسلام.
(٤) لما أراد المسلمون في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وضع التاريخ جعلوا مبدأه من هذه=
٨١

من مشركي قريش، ورسول الله ممنوع من الجهر بعبادة ربه. أما الآن فقد آواه
الله هو وصحابته رضوان الله عليهم، بعد أن كانوا قليلاً يتخطَّفهم الناس.
هجرة الأنبياء
وبهذه الهجرة تمت لرسولنا 188 سنة إخوانه من الأنبياء من قبله، فما من
نبي منهم إلا نَبَت به بلاد نشأته فهاجر عنها، من إبراهيم أبي الأنبياء وخليل
الله إلى عيسى كلمة الله وروحه، كلهم على عظيم درجاتهم ورفعة مقامهم
أُهينوا من عشائرهم، فصبروا ليكونوا مثالاً لمن يأتي بعدهم من متّبعيهم في
الثبات والصبر على المكاره، ما دام ذلك في طاعة الله. فسل مصر وتاريخها
تنبئْك عن إسرائيل (يعقوب) وبنيه أنهم هاجروا إليها حينما رأوا من بنيها ترحيباً
بهم، وتركهم وما يعبدون إكراماً ليوسف وحكمته، ولما مضت سنون نسي فيها
المصريون تدبير يوسف وفضله عليهم، فاضطهدوا بني إسرائيل وآذوهم،
فخرج بهم موسى وهارون، ليتمكنوا من إعطاء الله حقه في عبادته، وهرب
المسيح عليه السلام من اليهود، حينما كذبوه فأرادوا الفتك به حتى كان من
ضمن تعاليمه (طوبى للمطرودين من أجل البر لأن لهم ملكوت السموات) ثم
قال بعد: (افرحوا وتهللوا لأن أجركم عظيم في السموات فإنهم طردوا الأنبياء
قبلكم) وسل القرى التي حلت بها نقمة الله لكفر أهلها كديار لوط وعاد
وثمود، تنبئْك عن مهاجرة الأنبياء منها قبل حلول النقمة، فلا غرابة أن هاجر
عليه السلام من بلاد منعه أهلها من تتميم ما أراده الله: ﴿سُنَّةَ اللّهِ فِ الَّذِينَ خَلَوْأَ
مِن قَبْلٌ وَلَن ◌َِّدَ لِسُنَّةِ اللّهِ تَبْدِيلًا﴾(١).
أعمال مكة
هذا، ولنبين لك مجمل ما دعا إليه الرسول و 8* بمكة من أصول الدين
وذلك أمران :
■ الهجرة الشريفة، ولعدم المخالفة بين مبدأ الهجرة وبدء السنة الهلالية، قدموا ميعاد الهجرة
شهرين وجعلوا بدء الهجرة من محرم سنتها .
(١) سورة الأحزاب: آية ٦٢ .
٨٢
.... ..-
...........:

٠١٠ - *****
الأول: الاعتقاد بوحدانية الله وألا شرك معه في العبادة غيره، سواء كان
ذلك الغير صنماً كما يفعل مشركو مكة، أو أباً أو زوجة أو بنتاً كما كان عليه
بعض الطوائف الأخرى كالنصارى. ولولا الاعتقاد بوحدانية الله ما كلَّف أحد
نفسه تكاليف الحياة من آداب الأخلاق، بل كان يسير فيما تأمره به نفسه من
شهواتها وملذاتها مادام ذلك خافياً عن الناس.
الثاني : الاعتقاد بالبعث والنشور وأن هناك يوماً ثانياً للإِنسان، يجازى
فيه على ما صنعه في الدنيا إن خيراً فخير وإن شراً فشر. وعلى هذين الأمرين
جاء غالب الآي المكية، فقلما ترى سورة من سور مكة إلا مشحونة
بالاستدلال عليهما وتوبيخ من تركهما، وكل ذلك بأساليب تأخذ بالعقل،
وبراهين لا تحتاج لفلسفة الذين يشغلون أنفسهم بما لا طائل تحته مما يضيع
الوقت سدى. ونزل على رسول الله وقال* بمكة من القرآن معظمه، وهو ما عدا
ثلاثاً وعشرين سورة منه، وهي: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنفال،
التوبة، الحج، النور، الأحزاب، القتال، الفتح، الحجرات، الحديد،
المجادلة، الحشر، الممتحنة، الصف، الجمعة، المنافقون، التغابن،
الطلاق، التحريم، النصر. هذه كلها مدنية وباقي القرآن مكي .
ولما نزل عليه السلام بقباء، نزل على شيخ بني عمرو كلثوم بن الهدم،
وكان يجلس للناس ويتحدث لهم في بيت سعد بن خيثمة، لأنه كان عزباً.
ونزل أبو بكر بالسُّنْح (محلة بالمدينة) على خارجة بن زيد من بني الحارث من
الخزرج.
مسجد قُباء
وأقام رسول الله بقُباء ليالي أسس فيها مسجد قباء الذي وصفه بأنه
مسجد أسس على التقوى من أول يوم، وصلى فيه عليه الصلاة والسلام بمن
معه من الأنصار والمهاجرين وهم آمنون مطمئنون. وكانت المساجد على عهد
٨٣

رسول الله في غاية من البساطة، ليس فيها شيء مما اعتاده بناة المساجد في
القرون الأخيرة، لأن رسول الله وأصحابه لم يكن جل همهم إلا منصرفاً لتزيين
القلوب وتنظيفها من حظ الشيطان، فكان سور المسجد لا يتجاوز القامة وفوقه
مظلة يُتقى بها حر الشمس.
الوصول الى المدينة
ثم تحول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة والأنصار محيطون به متقلدي
سيوفهم، وهنا حدّث ولا حرج عن سرور أهل المدينة، فكان يوم تحوُّله اليهم
يوماً سعيداً لم يروا فرحين بشيء فرحهم برسول الله، وخرج النساء والصبيان
والولائد يقلن :
البدر
ثنيَّات الوداع(١)
من
علينا
طلع
وجب الشُّكر علينا
ما
دعا لله
داع
جئْتَ بالأمر المطاع
أيها المبعوث فينا
وكان الناس يسيرون وراء رسول الله ما بين ماش وراكب، يتنازعون ،
زمام ناقته، کلَّ یرید أن یکون نزیله.
أُول جمعة
وأدركته عليه الصلاة والسلام صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف،
فنزل وصلاها وهذه أول جمعة له عليه الصلاة والسلام. وأول خطبة خطبها
عليه الصلاة والسلام حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيها الناس فقدموا
لأنفسكم، تعلمُنَّ والله ليُصْعَقَنَّ (٢) أحدكم ثم ليدعَنَّ غنمه ليس لها راعٍ ثم
(١) منعطف قرب المدينة كانوا يودعون عنده المسافرين.
(٢) الصاعقة نار تسقط من السماء في رعد شديد، والصاعقة هنا صيحة العذاب وصعق الرجل
بالکسر صعقة غشي عليه أي مات.
٨٤

لیقولنَّ له ربه، ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي
فبلغك وآتيتك مالاً وأفضلت عليك فما قدمت لنفسك،؟ فلينظرن يميناً وشمالاً
فلا يرى شيئاً، ثم لينظرن قُدَّامه فلا يرى غير جهنم. فمن استطاع أن يقي
وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة فإنها تجزي
الحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته .
النزول على أبي أيوب
ثم ساروا، وكلما مروا على دار من دور الأنصار يتضرع إليه أهلها بأن
ينزل عندهم ويأخذون بزمام الناقة، فيقول: دعوها فإنها مأمورة، ولم تزل
سائرة حتى أتت بفناء بني عدي بن النجار ( وهم أخواله الذين تزوج منهم هاشم
جده) فبركت بمحلة من محلاتهم أمام دار أبي أيوب الأنصاري واسمه خالد بن
زيد(١) وذلك محل مسجده الشريف، فقال عليه الصلاة والسلام: ههنا المنزل
إن شاء الله ﴿وَقُل رَّبِّ أَنْزِلْنِى مُنزَلًا مُّبَارَ كًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾(٢) فاحتمل أبو
أيوب رحله ووضعه في منزله. وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام ناقته فكانت
عنده، وخرجت ولائد بني النجار يقلن:
نحن جوارٍ من بني النجار يا حبَّذا محمد من جار
i
فخرج إليهنَّ رسول الله وَّه فقال: أتحبينني؟ فقلن: نعم، فقال: الله
يعلم أن قلبي يحبكنَّ. واختار عليه الصلاة والسلام النزول في الدُّور الأسفل
من دار أبي أيوب، ليكون أريح لزائريه، ولكن لم يرض رضي الله عنه ذلك
كرامة لرسول الله، لما يمكن أن يصيبه من التراب الذي يحدثه وطء الأقدام أو
الماء الذي يُهراق(٣)، فقد اتفق أن انكسرت من زوجته جرة ماء بالليل، فقام
(١) توفي زمن معاوية في حصار القسطنطينية ودفن خارج المدينة.
(٢) سورة المؤمنين: آية ٢٩.
(٣) يسكب.
٨٥

هو وهي بقطيفتهما التي ليس لهما غيرها، يمسحان الماء خوفاً على
رسول الله، ولذلك لم يزل أبو أيوب يستعطفه حتى كان في العلوّ. وكانت تأتيه
الجفان(١) كل ليلة من سَراة الأنصار كسعد بن عبادة وأسعد بن زرارة وأم
زيد بن ثابت، فما من ليلة إلا وعلى بابه الثلاث أو الأربع من جفان الثريد.
نزول المهاجرين
ولما تحول مع رسول الله أغلب المهاجرين، تنافس فيهم الأنصار
فحكّموا القرعة بينهم، فما نزل مهاجر على أنصاري إلا بقرعة.
أخوة الإِسلام
ومن يتأمل إلى هذه المحبة التي يستحيل أن تكون بتأثير بشر، بل
بفضل من الله ورحمته، يفهم كيف انتصر هؤلاء القوم على معانديهم من
المشركين وأهل الكتاب مع قلة العدد والعدد.
وكان الأنصار يؤثرون إخوانهم المهاجرين على أنفسهم، قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ تَبَوُّوِ الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ بُحِبُّونَ مَنْ هَابَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى
صُدُورِهِمْ حَاجَةٌ ◌ِمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَّ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ مُحَّ نَفْسِهِ،
فَأُوْلَنْكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢). وهذا أعلى درجات الأخوة، وكل ذلك كانوا يرونه
قليلاً بالنسبة لما وجب عليهم لإِخوانهم، فإن رسول الله ( # ليمكّن بينهم
الإِخاء آخى بين المهاجرين والأنصار. فكان كل أنصاري ونزيله أخوين في
الله، ومن العبث أن نكلف القلم أن يوضح للقارىء أن هذه الأخوة كانت آرقى
بكثير من الأخوة العصبية، بل نكل ذلك للإحساس الإسلامي، فإنه أفصح
منطقاً من القلم. وعلى الإِجمال فتلك قلوب ألْف الله بينها حتى صارت شيئاً
(١) جمع جفنة وهي القصعة .
(٢) سورة الحشر: آية ٩.
٨٦
----- ri .. ..
1

واحداً في أجسام متفرقة، وعسى الله أن يوفق مسلمي عصرنا إلى هذا الإِخاء،
حتى يسودوا كما ساد المتحدون. وكان هذا الإخاء على المواساة والحق، وأن
يتوارثوا بعد الموت، دون ذوي الأرحام. وكان عليه الصلاة والسلام يقول
لكل اثنين (تآخيا في الله أخوين أخوين) ودام هذا الميراث الى أن أنزل الله
سبحانه قوله: ﴿وَأَوْلُواْالْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ أَوْلَ بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللهِ﴾(١).
هجرة أهل البيت
ولما استقر عليه الصلاة والسلام بالمدينة أرسل زيد بن حارثة وأبا رافع
إلى مكة، ليأتيا بمن خلف من أهله، وأرسل معهما عبد الله بن أُريقط يدلهما
على الطريق فقدما بفاطمة وأم كلثوم ابنتيْه عليه الصلاة والسلام، وسودة
زوجه، وأم أيمن زوج زيد وابنها أسامة. وأما زينب فمنعها زوجها أبو
العاص بن الربيع، وخرج مع الجميع عبد الله بن أبي بكر بأم رومان زوج
أبيه، وعائشة أخته، وأسماء زوج الزبير بن العوام، وكانت حاملاً بابنها
عبد الله، وهو أول مولود للمهاجرين بالمدينة.
حمى المدينة
ولم يكن هواء المدينة في البدء موافقاً للمهاجرين من أهل مكة،
فأصاب كثيراً منهم الحُمّى، وكان رسول الله يعُودهم، فلما شكوا إليه الأمر
قال: اللهم حبب إلينا المدينة كما حبيت إلينا مكة وأشد، وبارك لنا في مُدِّها
وفي صاعها، وانقل وباءها الى الجُخْفة(٢) فاستجاب الله جل وعلا دعوته،
وعاش المهاجرون في المدينة بسلام.
(١) سورة الأحزاب: آية ٦.
(٢) قرية على اثنين وثمانين ميلاً من مكة وهي ميقات أهل الشام.
٨٧
سعيـ

منع المستضعفين من الهجرة
ومنع مشركو مكة بعضاً من المسلمين من الهجرة، وحبسوهم وعذبوهم،
منهم الوليد بن الوليد، وعَّش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص، فكان عليه
الصلاة والسلام يدعو لهم في صلاته، وهذا أصل القنوت. وقد حصل في
أوقات مختلفة ومحالّ في الصلاة مختلفة، فكان في وتر العشاء وصلاة الصبح
بعد الركوع وقبله، فروى كل صحابي ما رآه. وهذا سبب اختلاف الأئمة في
مكان القنوت .
mi.
٨٨

السنة الأولى.
بناء المسجد
ثم شرع عليه الصلاة والسلام في بناء مسجده في مبرك ناقته أمام محلة
بني النجار، وكان محله مِرْبداً(١) للتمر يملكه غلامان يتيمان في حجر
أسعد بن زرارة، فدعا الغلامين وساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً، فقالا: بل
نهبه لك يا رسول الله، فأبى عليه الصلاة والسلام أن يقبله منهما هبة بل ابتاعه
منهما، وكان فيه قبور للمشركين وبعض حفر ونخل، فأمر بالقبور فنبشت
وبالحفر فسوِّيت وبالنخل فقطع. ثم أمر باتخاذ اللَّبِن فاتخذ وشرعوا في البناء
به، وجعلوا عضادتي الباب من الحجارة وسقفوه بالجريد، وجعلت عمده من
جذوع النخل، ولا يزيد ارتفاعه عن القامة إلا القليل، وقد عمل فيه
رسول الله ◌َّ بنفسه ليرغّب المسلمين في العمل، وصاروا يرتجزون وهو يقول
معهم :
والمهاجرة
الأنصار
اللهم لا خير إلا خير الآخرة
فارحم
وجعلت قبلة المسجد في شماله إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة
أبواب، ثم حصبت أرضه لأن المطر كان قد أثَّر فيه، فأمر عليه الصلاة
والسلام بحصبه، ولم يزين المسجد بفرش حتى ولا بالحصر، وبنى بجانبه
حجرتين إحداهما لسَوْدة بنت زمعة، والأخرى لعائشة، ولم يكن عليه الصلاة
والسلام متزوجاً غيرهما إذا ذاك، وكانت الحجرتان متجاورتين، وملاصقتين
للمسجد على شكل بنائه، وصارت الحجرات تُبْنى كلما جاءت زوج.
(١) فضاء خلف الدار يوضع فيه تمر أو حنطة .
٨٩

بدء الأذان
أوجب الله الصلاة على المسلمين ليكونوا دائماً متذكرين عظمة العلي
الأعلى، فيتبعون أوامره ويجتنبون نواهيه، ولذلك قال في محكم كتابه: ﴿إِنَّ
الصَّلَوَةَ تَنْهَىْ عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرَ ﴾(١) وجعل أفضل الصلاة ما كان جماعة،
ليذاكر المسلمون بعضهم بعضاً في شؤونهم واحتياجاتهم، ويقووا روابط الإلفة
والاتحاد بينهم. ومتى حان وقت الصلاة فلا بد من عمل ينبه الغافل ويذكر
الساهي، حتى يكون الاجتماع عاماً، فائتمر النبي عليه الصلاة والسلام مع
الصحابة فيما يفعل لذلك، فقال بعضهم: نرفع راية إذا حان وقت الصلاة
ليراها الناس، فلم يرضوا، ذلك لأنها لا تفيد النائم ولا الغافل. وقال
الآخرون: نشعل ناراً على مرتفع من الهضاب فلم يقبل أيضاً. وأشار آخرون
ببوق وهو ما كانت اليهود تستعمله لصلواتهم، فكرهه رسول الله، لأنه لم يكن
يحب تقليد اليهود في عمل ما، وأشار بعضهم بالناقوس، وهو ما يستعمله
النصارى، فكرهه الرسول أيضاً، وأشار بعضهم بالنداء فيقوم بعض الناس إذا
حانت الصلاة وينادي بها فقبل هذا الرأي. وكان أحد المنادين عبد الله بن زيد
الأنصاري، بينما هو بين النائم واليقظان إذ عرض له شخص وقال: ألا أعلمك
كلمات تقولها عند النداء بالصلاة؟ قال: بلى، فقال له: قل الله أكبر الله أكبر
مرتين، وتشهَّد مرتين، ثم قل حيَّ على الصلاة مرتين، ثم قل: حيَّ على
الفلاح مرتين، ثم كبِّر ربك مرتين، ثم قل لا إله إلا الله، فلما استيقظ توجه
إلى النبي 98 وأخبره رؤياه، فقال: إنها لرؤيا حق، ثم قال له لقِّن ذلك بلالاً
فإنه أندى صوتاً منك. وبينما بلال يؤذن إذ جاء عمر يجر رداءه، فقال: والله
لقد رأيت مثله يا رسول الله. وكان بلال أحد مؤذنيه بالمدينة والآخر عبد الله بن
أم مكتوم، وكان بلال يقول في أذان الصبح بعد حيَّ على الفلاح: ((الصلاة
خير من النوم)) مرتين وأقره الرسول على ذلك. وكان عليه الصلاة والسلام يأمر
في فجر رمضان بأذانين: أولهما يوقظ به الغافلون حتى ينتبهوا للسحور،
(١) سورة العنكبوت آية: ٤٥.
٩٠

والثاني للصلاة، أما الأذان للجمعة فكان أوله إذا جلس الإِمام على المنبر على
عهد رسول الله وَ لَه وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان وكثر الناس زاد نداء آخر
على الزوراء. رواه البخاري. ولما تولى هشام بن عبد الملك أخذ الأذان
الذي زاده عثمان بالزوراء وجعله على المنار، ثم نقل الأذان الذي كان على
المنار حين صعود الإِمام على المنبر في العهد الأول بين يديه.
فعلم بذلك أن الأذان في المسجد بين يدي الخطيب ((بدعة» أحدثها
هشام بن عبد الملك، ولا معنى لهذا الأذان لأنه هو نداء إلى الصلاة، ومن هو
في المسجد لا معنى لندائه، ومن هو خارج المسجد لا يسمع النداء إذا كان
النداء في المسجد. ذكر ذلك الشيخ محمد بن الحاج في المدخل.
قال الحافظ في فتح الباري: وأما ما أحدث الناس قبل الجمعة من
الدعاء إليها بالذكر والصلاة على النبي ◌َّر، فهو في بعض البلاد دون بعض،
واتباع السلف الصالح أولى. اهـ.
فعلم من ذلك كله أن سنة رسول الله وَ # في أذان الجمعة أنه كان إذا
جلس على المنبر أذَّن مؤذنه على المنار، فإذا انتهت الخطبة أُقيمت الصلاة
وما عدا ذلك فكله ابتداع .
أما الإقامة وهي الدعوة للصلاة في المسجد، فقد اختلفت الروايات في
نصها، فرواها محمد بن إدريس الشافعي مفردة إلا لفظ (قد قامت الصلاة)
فمثنى، ورواها مالك بن أنس مفردة كلها، ورواها أبو حنيفة النعمان مثنى
كلها .
يهود المدينة
هذا، وكما ابتلى الله المسلمين في مكة بمشركي قريش ابتلاهم في
المدينة بيهودها، وهم: بنو قَيْنُقاعٍ، وقُرَيْظة، والنَّضيرِ، فإنهم أظهروا العداوة
٩١
:ت.

والبغضاء حسداً من عند أنفسهم من بعدما تبيّن لهم أنه الحقُّ، وكانوا قبل
مجيء الرسول يستفتحون على المشركين من العرب، إذا شبت الحرب بين
الفريقين بنبي يبعث قد قرب زمانه، فلما جاءهم ما عرفوا، استعظم رؤساؤهم
أن تكون النبوة في ولد إسماعيل، فكفروا بما أنزل الله بغياً، مع أنهم يرون أن
رسول الله محمداً لم يأت إلا مصدقاً لما بين يديه من كتب الله التي أنزلها
على من سبقه من المرسلين، مبيناً ما أفسده التأويل منها، ولكنهم نبذوه وراء
ظهورهم كأنهم لا يعلمون. ومما عابوه على الإِسلام نسخ الأحكام، وما دروا
أن القادر العليم يعلم ما يحتاج إليه الإِنسان أكثر منهم، فإنه ميَّال بطبعه
للترقي، والرسول عليه الصلاة والسلام وجد بادىء بدء بين جماعة من العرب
أُميِّين ليسوا على شيء من الاعتقادات الإلهية، فكانت الحكمة داعية لأن
يكون التشريع لهم على التدريج، لأنه لو حرم الله عليهم شرب الخمر وأكل
الربا، وأمرهم بالصلاة والزكاة وهكذا إلى آخر الأوامر والمناهي التي جاء بها
الشرع الإسلامي، لما أجابه أحد من هؤلاء النافرة قلوبهم المختلفة أهواؤهم،
الذين كانوا منغمسين في كثير من الأضاليل، فجاءهم رسول الله وص له بالأمر شيئاً
فشيئاً، حتى روضت عقولهم وهذبت نفوسهم، وكانت الأحكام لا ينزلها الله
عليه إلا عقب الحوادث التي تقتضيها، ليكون التأثير في النفوس أشد، ولكن
اليهود أرادوا غَلَّ يد القدرة عن أن تفعل إلا ما يشتهون. وقد حاجهم القرآن
الشريف بما يدل على أنهم يعلمون من نفوسهم البعد عن الحق، فقال
تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُ الدَّارُ أَِّرَةُ عِنْدَ الهِ خَلِصَةٌ مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنُواْ أَلْمَوْتَ إِن
كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾(١). ثم ختم جل ذكره عدم إجابتهم بقوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدّاً
◌ِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْظَِّينَ﴾(٢).
-....... -
۔۔
فلو كانوا يعلمون من أنفسهم أنهم على الحق لما تأخروا عما طلب
منهم مع سهولته وحرصهم على تكذيب الصادق الأمين، ولم ينقل لنا عن أحد
(١) سورة البقرة آية : ٩٤.
(٢) سورة البقرة آية : ٩٥.
٩٢
بقية ق العبد
١

٠٠
منهم أنه تمنى ذلك ولو نطقاً باللسان، وقد تبين الهدى لأحد رؤساء بني
قَيْنُقاع، وهو عبد الله بن سلام(١)، فترك هواه وأسلم بعد أن سمع القرآن،
وبعد أن كان اليهود يعدُّونه من رؤسائهم عدُّوه من سفهائهم حينما بلغهم
إسلامه، فـ﴿ ◌ِئْسَمَا أَشْتَرَوْبَِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أَزَّلَ اللهُ بَغْيَا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِن فَضْلِهِ،
◌َلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ،﴾(٢) ولما استحكمت في قلوبهم عداوة الإِسلام صاروا
يجهدون أنفسهم في إطفاء نوره. ﴿وَ يَأْبَى اللهُ إِلَّ أَن يُِمِّ نُورَهُ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَّفِرُونَ﴾(٣).
المنافقون
وكان يساعدهم على مقاصدهم جماعة من عرب المدينة أعمى الله
بصائرهم، فأخفوا كفرهم خوفاً على حياتهم، وكان يرأس هذه الجماعة
عبد الله بن أبي بن سلول الخزرجي الذي كان مرشحاً لرياسة أهل المدينة
قبل هجرة رسول الله وَله، ولا شك أن ضرر المنافقين أشد على المسلمين من
ضرر الكفار، لأن أولئك يدخلون بين المسلمين فيعلمون أسرارهم، ويشيعونها
بين الأعداء من اليهود وغيرهم، كما حصل ذلك مراراً. والأساس الذي كان
عليه رسول الله أن يقبل ما ظهر ويترك لله ما بطن، ولكنه عليه الصلاة والسلام
مع ذلك كان لا يأمنهم في عمل ما. فكثيراً ما كان يتغيب عن المدينة ويولي
عليها بعض الأنصار، ولكن لم يعهد أنه ولى رجلاً ممن عُهِد عليه النفاق، لأنه
عليه السلام يعلم ما يكون منهم لو وُلُّوا عملًا، فإنهم بلا شك يتخذون ذلك
فرصة لإِضرار المسلمين، وهذا درس مهم لرؤساء الإِسلام يعلّمهم ألّ يثقوا
في الأعمال المهمة إلا بمن لم تظهر عليهم شبهة النفاق، أو إظهار ما يخالف
ما في الفؤاد.
(١) اسمه الحصين بن سلام حبر اليهود وعالمهم، أسلم وحسن إسلامه ودعا أهله فأسلموا.
(٢) سورة البقرة آية: ٩٠.
(٣)) سورة التوبة آية: ٣٢.
٩٣

معاهدة اليهود
هذا، وقد علمت أنه كان يضاد المسلمين فى المدينة فئتان: اليهود
والمنافقون، ولكن الرسول ◌َير قبل من هؤلاء ظواهرهم، وعقد مع أولئك
عهداً مقتضاه ترك الحرب والأذى فلا يحاربهم ولا يؤذيهم، ولا يعينون عليه
أحداً، وإن دهمه بالمدينة عدو ينصرونه، وأقرهم على دينهم.
مشروعية القتال
قد علم مما تقدم أن رسول الله وَالر لم يقاتل أحداً على الدخول في
الدين، بل كان الأمر قاصراً على التبشير والإِنذار، وكان الله سبحانه ينزل عليه
من الآي ما يقوِّيه على الصبر أمام ما كان يلاقيه من أذى قريش، ومن ذلك
قوله: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرَّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل ◌َهُمْ﴾(١). وكان كثيراً
ما يقص الله عليه أنباء إخوانه من المرسلين قبله، ليثبت به فؤاده. ولما
ازداد طغيان أهل مكة ألجؤوه إلى الخروج من داره بعد أن ائتمروا على قتله،
فكانوا هم البادئين العداء على المسلمين، حيث أخرجهم من ديارهم بغير
حق، فبعد الهجرة أذن الله للمهاجرين بقتال مشركي قريش بقوله تعالى:
﴿ أَذِنَ لِلِّنَ يُقَدْتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلُواْ وَ إِنَّ أَقَّهَ عَلَ نَعِْهِمْ لَقَدِيرُ (38) الَّذِينَ أَثْرِ جُواْ مِنْ
دِيَبِهِمْ بِغَيْرٍ حَقٍ إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبْنَا الله ﴾(٢). ثم أمرهم بذلك في قوله:
وَقَِّلُواْ فِى سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَدِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَاْ إِنَّ اللَّهَ لَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (3)
وَتُهُمْ حَيْثُ تَقِفْتُهُمْ وَأَثْرِ جُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَنْرَجُوكُزْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْفَتْلِ وَلَا
تُقَدِلُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْخَاِ خَّى يُقَدُِوكُْ فٍِّ ◌َإِنَ ◌َُوْكُرْ فَتْخُلُّ كَلِكَ بَآءُ
اَلْكُفِرِ ينَ (٤٢) فَإِ أَنْتَهَوْاْ فَّ ◌َلَهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (1) وَقَدِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فَِّةٌ
(١) سورة الأحقاف آية: ٣٥.
(٢) سورة الحج الآية ٣٩ أول آية نزلت بمشروعية القتال، وكانت في السنة الثانية للهجرة.
٩٤
بيبي --- ---------------------------------------------
٠ ٦٠ ٥ :٠.٠٠

ـهب٠٠
وَيَكُونَ الْدِينُ لِِّي ◌َإِنِ آَنْتَهَوْ فَلَ عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظّلِينَ﴾(١). وبذلك لم يكن
الرسول يتعرض إلا لقريش دون سائر العرب. فلما تمالأ على المسلمين غير
أهل مكة من مشركي العرب واتحدوا عليهم مع الأعداء، أمر الله بقتال
المشركين كافة بقوله: ﴿وَقِّلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً كَا يُقَتِلُونَْ كَفَّةٌ﴾ (٢)
وبذلك صار الجهاد عاماً لكل من ليس له كتاب من الوثنيين، وهذا
مصداق قوله عليه السلام: ((أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا
الله وأن محمداً رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق
الإِسلام وحسابهم على الله)). ولما وجد المسلمون من اليهود خيانة للعهود،
حيث إنهم ساعدوا المشركين في حروبهم، أمر الله بقتالهم بقوله: ﴿ وَإِنَّا
تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَنَةً فَأَنْبِذٍ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ إِنَّ الََّ لَا يُحِبُّ الْحَابِنِينَ﴾(٣). وقتالهم
واجب حتى يدينوا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ليأمن
المسلمون جانبهم. وصار قتال رسول الله للأعداء على هذه المبادىء الآتية :
١ - اعتبار مشركي قريش محاربين، لأنهم بدؤوا بالعدوان، فصار للمسلمين
قتالهم ومصادرة تجارتهم، حتى يأذن الله بفتح مكة أو تعقد هدنة وقتية بين
الطرفين .
٢ - متى رئي من اليهود خيانة وتحُّز للمشركين قوتلوا حتى يؤمن جانبهم بالنفي
أو القتل.
٣ - متى تعدَّت قبيلة من العرب على المسلمين أو ساعدت قريشاً، قوتلت
حتی تدین بالإِسلام.
٤ - كل من باداً بعداوة من أهل الكتاب كالنصارى قوتل، حتى يذعن بالإِسلام
أو يعطي الجزية عن يد وهو صاغر.
(١) سورة البقرة: ١٩٠ - ١٩٣.
(٢) سورة التوبة آية: ٣٦.
(٣) سورة الأنفال آية : ٥٨.
٩٥

٥ - كل من أسلم فقد عصم دمه وماله إلا بحقه، والإِسلام يقطع ما قبله.
وقد أنزل الله في القرآن الكريم كثيراً من الآي تحريضاً على الإقدام في
قتال الأعداء وتبعيداً عن الفرار من الزحف، فقال في الموضوع الأول:
﴿فَلْقَتِلْ فِى سَبِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَوَةَ الدُّنْيَا بِلَخِرَةِ وَمَن يُقَدِلْ فِى سَبِلِ الَّهِ فَيُقْتَلْ
أَوْ يَغْلِبْ قَوْفَ نُؤْتِهِ أَبْرًاً عَظِيمًا﴾(١). وقال في الموضوع الثاني: في: ﴿ يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَ امَنُواْ إِذَا لَفِيُمُ الَّذِينَ كَفَرُوْزَحْفًا فَلَا تُوَلَّهُمُ الْأَدْبَرّ ◌َ﴾ وَمَنْ يُوَلِمْ يَوْمَيِذٍ دَبرَهُ,
إِلَّا مُتَحَرِفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَِزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبِ مِنَ اللهِ وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمُ وَبِئْس
اَلْمَصِيرُ﴾(٢).
بدء القتال
كانت عادة قريش أن تذهب بتجارتها إلى الشام لتبيع وتبتاع، ويسمى
الركب السائر بهذه التجارة عيراً، وكان يسير معها لحراستها كثير من أشراف
القوم وسراتهم. ولا بد لوصولهم الى الشام من المرور على دار الهجرة، فرأى
رسول الله * أن يصادر تجارتهم ذاهبة وآيبة، ليكون في ذلك عقاب لمشركي
مكة حتى تضعف قوتهم المالية، فيكون ذلك أدعى لخذلانهم في ميدان القتال
الذي لا بد أن يكون، لأن قريشاً لم تكن لتسكت عمن سفَّه أحلامهم وعاب
عبادتهم، خصوصاً وهم قدوة العرب في الدين.
سرية (٣)
ففي شهر رمضان أرسل عمه حمزة بن عبد المطلب في ثلاثين رجلاً من
"المهاجرين، وعقد له لواءً أبيض حمله أبو مَرْثَد حليف حمزة، ليعترض عيراً
لقريش آيبة من الشام فيها أبو جهل وثلاثمائة من أصحابه المشركين، فسار
(١) سورة النساء آية: ٧٤.
(٢) سورة الأنفال آية ١٥، ١٦.
(٣) السرية قطعة من الجيش، ونريد بها كل غزاة لم يكن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم،
والتي كان فيها تسمى غزوة .
٩٦
٠٠٠.
.. .
٫٠٠٠٠
٠٫٠