Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢٠
قال سعيد بن المسيب : كان اسم جدي حَزْناً ، من الطلقاء . روى عنه ابنه أبو سعيد المسيَّب ، قتل يوم
اليمامة في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة ، وعبدالرحمن الذي وُلد له هو عم سعيد بن المسيب ، قتل
باليمامة ، وله أخوة .
قال الإمام السهيلي مانصه : (( وذَكر المرأة التي سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلمة،
وهي بنت أم قرفة ، وفي (( مصنف أبي داود))، وأخرجه مسلم أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
السَّلَمة: ((هَبْ لِي المرأةَ يَاسلمةَ - لِلّه أبوك-))(١)، فقال: هي لك يارسول الله ، فقدى بها أسيراً كان في
قريش من المسلمين ، وهذه الرواية أحسن وأصح من رواية ابن إسحاق ، فإنه ذكر أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم وهبها لخاله بمكة ، وهو : حَزْن بن أبي وَهْب بن عائذ بن عمران بن مَخْزوم،
وفاطمة جدة النبي صلى الله عليه وسلم أم أبيه ، هي : بنت عمرو بن عائذ ، فهذه الخؤولة التي ذكر .
وقُتل عبدالرحمن بن حزن يوم اليمامة شهيداً، وحَزْن هذا هو : جدّ سعيد بن المسيب بن حزن ... إلى أن
قال : وسلمة الذي كانت عنده الجارية ، هو: سلمة بن الأكوع، وقيل: سلمة بن سَلاَمة بن وَقْش، قاله
الزبير »(٢). انتهى . ببعض تلخيص .
قوله : (( وقد روينا في صحيح مسلم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبابكر إلى
بني فزارة)) ، هذا الحديث قدمت أعلاه أنه رواه مسلم ، وأبوداود ، وابن ماجة . والله أعلم .
(١) ((صحيح مسلم)) ٣: ١٣٧٥ (١٧٥٥)، كتاب الجهاد والسير ، باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى .
(٢) (( الروض)) ٤ : ٤٠٩ .

٣٢١
سرية عبدالرحمن بن عوف
[قال ابن سعد : ثم سرية عبدالرحمن بن عوف إلى دومة الجندل في شعبان سنة ست. قالوا : دعا رسول الله
صلى الله عليه وسلم عبدالرحمن بن عوف ، فأقعده بين يديه ، وعممه بيده ، وقال : اغز بسم الله ، وفي سبيل الله ،
فقاتل من كفر بالله ، ولا تغل ، ولا تغدر ، ولا تقتل وليداً . وبعثه إلى كلب بدومة الجندل ، فقال : إن استجابوا لك
فتزوج ابنة ملكهم ، فسار عبدالرحمن بن عوف حتى قدم دومة الجندل ، فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام ،
فأسلم الأصبغ بن عمروبن الكلبي ، وكان نصرانياً ، وكان رأسهم ، وأسلم معه ناس كثير من قومه ، وأقام من أقام على
إعطاء الجزية ، وتزوج عبدالرحمن بن عوف تماضر بنت الأصبغ ، وقدم بها إلى المدينة ، وهي أم أبي سلمة بن
عبدالرحمن .
وذكر ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح لدومة الجندل في سرية] (١).
قوله : (( إلى دومة الجندل)) ، تقدم الكلام على دومة أنها بضم الدال المهملة ، وفتحها ، وأين
هي ، فراجعه إن أردته ، وقد أنكر ابن دريد الفتح ، ونسبه إلى المحدثين خطأ(٢) ، وهو موضعٌ من بلاد
الشام قرب تبوك ، وقد جاء في حديث الواقدي : دوما الجندل .
قوله : ((ولا تغُلّ))، يقال غلّ فلان من المغنم غلولاً، أي: خان ، وأغله مثله، كذا في ((الصحاح))
بمعناه(٣). وفي غيره: الغلول : الخيانة ، وكل خيانة غلول، لكنه صار في عرف الشرع: لخيانة المغانم
خاصة، يقال: غلّ وأغلّ. انتهى. وفي (( النهاية)) قريب منه(٤). [٢١٨٦/أ]
قوله : « ولا تَغدُر))، هو ثلاثي، والغَدْرِ: ترك الوفاءِ(٥) .
قوله : (( وليداً)) ، تقدم أن الوليد : الصبي .
قوله : ((فتزوج ابنة ملكهم))، ابنة ملكهم هي: تُماضِر بنت الأَصْبَغ(٦)، وملكهم هو :
الأصبغ (٧)، وسيأتي بُعيد هذا أنه تزوج تُماضِر بنت الأَصْبَغ مسماة منسوبة في هذه السيرة .
أما تُمَاضِر فهي بضم المثناة فوق ، وتخفيف الميم ، وبعد الألف ضاد معجمة مكسورة ، ثم راء ،
وأبوها الأَصْبَغ - بفتح الهمزة ، ثم صاد مهملة ساكنة ، ثم موحدة مفتوحة ، ثم غين معجمة- ، والأصبغ
سيجيء هنا أنه أسلم ، ولم أر أحداً ترجمه ، فالظاهر أنه ماوفد ، فهو تابعي . والله أعلم .
واسم أبيه : عمرو بن ثعلبة بن حصن ، من كلب ، وأمها جويرية بنت وبرة بن رومان ، من
بني كنانة .
قال الواقدي : وهي أول كلبية نكحها قرشي ، وهي أم أبي سلمة ابن عبدالرحمن بن عوف ، ولم
تلد لعبدالرحمن غير أبي سلمة ، وكان عبدالرحمن طلقها في مرضه ، وهي آخر طلاقها ، يعني : تمام
الثلاث ، وفي رواية أنه طلقها ثلاثاً فورثها عثمان بعد انقضاء العدة ، وكان عبدالرحمن متعها جارية
(١) (( عيون الأثر)) ٢: ١٥٥.
(٢) انظر ((الجمهرة في اللغة)) ٢ : ٣٠١ مادة (د م و).
(٣) انظر (( الصحاح)) ٥ : ٥٦، باب اللام ، فصل الغين ، مادة (غلل) .
(٤) انظر (( النهاية)) ٣: ٣٨٠ مادة (غلل) .
(٥) انظر (( القاموس)) ٥٧٦ ، باب الراء ، فصل الغين ، مادة (غدر) .
(٦) انظر (( الإصابة)) ٧ : ٥٤٣ (١٠٩٥١).
(٧) هو : الأصبغ بن عمرو بن ثعلبة بن حصن بن ضمضم القضاعي .

٣٢٢
سوداء لما طلقها ، وجاء في رواية مالك أن عثمان ورثها بعد انقضاء العدة(١)، وجاء في رواية الشافعي،
عن مالك ، أن عبدالرحمن مات وهي في العدة ، فورثها عثمان(٢)، وعن ابن الأثير أنه ذكر الروايتين في
شرح مسند الشافعي .
وهذه مسألة اختلف فيها ، وليس هذا موضعها ، إنما موضعها كتب الخلاف والفقه ، ويسمى
طلاق العاد .
وتُماضِر لاينصرف ؛ للعلمية والتأنيث ، وهي صحابية .
وذكر الذهبي تماضر أخرى(٣)، سماها ( تماضر بنت زياد(٤) بن الأصبغ حين طلقها الزبير بن
العوام ، وكان قد أقام عندها سبع ليال، ثم لم يلبث حتى طلقها))(٥). انتهى لفظه ، وهي الأولى إن
شاء الله تعالى .
وقد قال الواقدي بعد أن ذكر قصة طلاقها مع عبدالرحمن ، ثم تزوج الزبير بن العوام تماضر بنت
الأصبغ ، بعد عبدالرحمن بن عوف ، فلم تلبث عنده إلا يسيراً حتى طلقها. فليحرر هل هما
واحدة أو اثنتان .
ولهم في الصحابيات تماضر أخرى ، وهي بنت عمرو بن الشريد السلمية ، وهي الخنساء
الشاعرة ، وقد ذكرها غير واحد ، وذكر ابن عبدالبر في تماضر ، وقال : سنذكرها في باب الخاء ، فإنه
أغلب عليها ، والشاعرة وفدت وأسلمت ، ولها مراث وأشعار معروفة مع أخيها صخر لما قُتل ، وكان
حليماً جوادً شريفاً، طعنه أبوثور الأسدي، فمرض أشهراً ، وفي (( الاستيعاب)) قريباً من حولٍ ،
ومات(٦) ، فمن قولها :
أعينيّ جواد ولاتجمدا
ألا تبكيان صخر الندا
ألاتبكيان الجريء الجميل
ألاتبكيان الفتى السيدا
ساد عشيرته أمردا
طويل العماد عظيم الرماد
وفيه أيضاً من قصيد :
أشم أبيض تأتم الهداة به
كأنه علم في رأسه نار
وأن صخراً إذا نشتُوا لنحّار
وإن صخراً لمولانا وسيدنا
واتفقوا على أنه لم تكن امرأة أشعر منها ، وفي (( الاستيعاب)): وأجمع أهل العلم بالشعر أنه لم
يكن امرأة قطَّ قبلها ولابعدها أشعر منها ، وروي أنها شهدت القادسية ومعها أربعة بنين ، فلم تزل
تحضهم على القتال ، وتذكر الجنة بكلام فصيح ، فأبلوا يومئذ بلاء حسناً ، واستشهدوا ، وكان عمر
(١) انظر ((الموطأ)) للإمام مالك ٢: ٥٧١ (١١٨٣)، كتاب الطلاق ، باب طلاق المريض .
(٢) انظر ((الأم)) ٥ : ١٣٨، ٥ : ٢٥٤.
(٣) لايوجد ما يشير إلى أنها أُخرى ، والذهبي بعد أن ذكر تماضر بنت الأصبغ ساق رواية عن عمر ابن أبي سلمة ،
عن أبيه، عن جده، أن تماضر بنت زياد بن الأصبغ حين طلقها الزبير ... الخ. انظر ((التجريد)) ٢: ٢٥٣ (٣٠٦٤).
(٤) في (( الإصابة)) ٧: ٥٤٣ (١٠٩٥١) : زبان .
(٥) (( تجريد أسماء الصحابة)) ٢ : ٢٥٣ (٣٠٦٤).
(٦) انظر ((الاستيعاب)) ٤: ١٧٩٨ (٣٢٦١)، ٤: ١٨٢٧ (٣٣١٧)، ((الإصابة)) ٧: ٦١٣ (١١١٠٦).

٣٢٣
رضي الله عنه يعطيها أرزاقهم رضي الله عنها، وقد ذكر أبوعمر في الخاء المعجمة ترجمتها ، وذكر
أشعاراً لبنيها الأربعة، وأن كل واحد أنشد شعراً، وقاتل حتى قُتل ، فانظرذلك، فإنها ترجمة لطيفة (١) .
(١) انظر ((الاستيعاب)) ٤: ١٧٩٨ (٣٢٦١)، ٤: ١٨٢٧ (٣٣١٧).

٣٢٤
سریة زید بن حارثة إلی مدین
[وذكر ابن إسحاق سرية لزيد بن حارثة إلى مدين ، قال: فأصاب سبياً من أهل مينا ، وهي السواحل ، وفيها
جُمَّاع من الناس ، فبيعوا ، ففُرِّق بينهم - يعني بين الأمهات والأولاد- فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم
بيكون ، فقال : ما لهم؟ فقيل : يارسول الله فرق بينهم . قال: لا تبيعوهم إلا جميعاً. وكان مع سرية زيد بن حارثة
ضميرة مولى علي بن أبي طالب وأخ له](١) .
قوله : (( مَدْيَن)» ، هي قرية شعيب النبي صلى الله عليه وسلم(٢).
قوله : (( من أهل مِينا»، وهي السواحل .
قوله : (( وفيها جُمَّاع من الناس)) ، الجُمَّاع - بضم الجيم، وتشديد الميم- ، وجماع الناس :
أخلاطهم ، وهم الأشابة من قبائل شتی(٣) .
قوله : (( فُرِّق بينهم)) ، هو بضم الفاء، وكسر الراء المشددة ، مبني لما لم يسم فاعله .
قوله : (( ضُميرة مولى علي بن أبي طالب، وأخٌ له))، أَما ضُمَيرة فلا أعرف له ترجمة ، ولم أر له
ذكراً في الصحابة ولافي ثقات ابن حبان ، ولافي ((تذهيب)) الذهبي، ولافي (( الجرح والتعديل)) لابن
أبي حاتم ، ولافي رجال مسند أحمد . والله أعلم . وكذا أخوه لاأعرفه أيضاً .
(١) ((عيون الأثر)) ٢: ١٥٥.
(٢) منطقة بين المدينة والشام قريبة من تبوك. انظر (( معجم البلدان)) ٥ : ٧٧ .
(٣) انظر (( النهاية)) ١ : ٢٩٥.

٣٢٥
سرية علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفَدَك
[قال ابن سعد عطفاً على سرية عبدالرحمن بن عوف : ثم سرية علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفدك ،
في شعبان سنة ست . قالوا : بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لهم جمعاً، يريدون أن يُمِدُّوا يهود خيبر، فبعث
إليهم علياً في مائة رجل ، فسار الليلٍ وكمن النهار حتى انتهى إلى الغمِج ، وهوماء بين خيبر وفدك ، وبين فدك
والمدينة ست ليال ، فوجدوا به رجلاً ، فسألوه عن القوم ، فقال أخبرٍ كم على أنكم تؤمنوني ، فأمنوه ، فدلهم ،
فأغاروا عليهم ، وأخذوا خمسمائة بعير وألفي شاة ، وهربت بنوسعد بالظّعن ، ورأسهم وَبْر بن عُليم ، فعزل عليٍّ رضي
الله عنه صفيَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوحاً تدعى الحَفِدة، ثم عزل الخمس، وقسم سائر الغنائم على
أصحابه . وذكر الحاكم بسنده في هذا الخبر من طريق الواقدي ، وقال : فأصاب عيناً ، فأقر لهم أنه بُعِث إلى خيبر
يعرض عليهم نصرهم ، على أن يجعلوا لهم تمر خيبر] (١).
قوله : ((بفَدَك)»، هو بفتح الفاء والدال المهملة وبالكاف. قال في ((المطالع)): هي (( مدينة بينها
وبين المدينة يومان ، وقيل : ثلاثة مراحل»(٢). انتهى. وسيأتي في هذه السيرة ، وبين فدك والمدينة ست
ليال . انتهى . وأنا أستبعد صحة ذلك ، وقد سألت عنه بعض أهل المدينة المشرفة ، فقال لي : بينهما
يومان، وأنها خراب الآن. وفي (( الصحاح)): فَدَك: قرية بخيبر(٣).
قوله : (( أن يُمِدُّوا يهود))، يمدوا بضم أوله، وكسر الميم ، رباعي، وهذا ظاهر ، وكذا معناه .
قوله : (( إلى الغَمِج))، وهو ماءٌ بين خيبر وفدك. انتهى. الغمج -بفتح الغين المعجمة، وكسر
الميم -. قال الصغاني في ((ذيله)) - ومن نسخة عليها تخاريج غالبها بخط الصغاني- قلت: ((الغَمِج،
والمُغَمَّج من المياه: مالم يكن عَذْباً))(٤). انتهى. وقال شيخنا مجدالدين في (( قاموسه)) :
(( وكَكَتِفٍ ... كذا، ومن المياه مالم يكن عذباً كالمُغمَّج))(٥). انتهى .
قوله : (( وبين فدك والمدينة ست ليال))، تقدم الكلام عليه أعلاه . والله أعلم .
قوله : ((فوجدوا رجلاً ، فسألوه عن القوم)»، هذا الرجل لاأعرف اسمه .
قوله : (( فَآمَنوه(٦))) ، هو بمد الهمزة ، وفتح الميم ، من الأمان ، وقد تقدم .
قوله : (( بالظُّعُن)) ، تقدم أنه بضم الظاء المعجمة ، والعين المهملة ، وتسكن ، وتقدم ماهي ،
وهو : النساء .
قوله: (( ورأسهم وَبْرُ بن عُلَيم))، وَبْر هذا لاأعلم له إسلاماً. والله أعلم . وَوَبْر بإسكان
(١) (( عيون الأثر)) ٢: ١٥٥، ١٥٦.
(٢) انظر ((مشارق الأنوار)) ٢: ٢٠٦، حرف الفاء ، فصل مشكل أسماء المواضع في هذا الحرف.
(٣) ((الصحاح)) ٤: ٣٨٤، باب الكاف، فصل الفاء، مادة (فدك). وجاء في (( معجم البلدان)) ٤: ٢٣٨: (( فدك
قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان ، وقيل: ثلاثة)، وفي (( المعالم الأثيرة)) ٢١٥: « فدك : قرية أفاءها الله
على رسوله سنة سبع صلحاً ، وهي اليوم بلدة عامرة كثيرة النخل والزرع والسكان في شرق خيبر ، وتسمى
اليوم : الحائط ) .
(٤) (( التكملة والذيل والصلة)) ١: ٤٧٤، باب الجيم، فصل الغين، مادة (غ م ج). قال المحقق: في ((تاج
العروس» : الصواب المسموع من الثقات والثابت في الأمهات: ماء غمّلج: مُرٌّ غليظ .
(٥) ((القاموس)) ٢٥٦، مادة (غمج)، وعبارته: (( وككتِف: الفَصيل يتغامج بين أَرْفاغ أمه ، ومن المياه ... ) .
(٦) في (( عيون الأثر) ٢: ١٥٦: « فأمَّنوه)).

٣٢٦
الموحدة ، وعُلَيم بضم العين المهملة ، وفتح اللام .
قوله : (( صَفِيَّ النبي صلى الله عليه وسلم))، تقدم الكلام على الصفيّ مطولاً، فانظره. [١٨٦ ب/أ]
قوله : «لَقُوحاً)»، هي بفتح اللام ، وضم القاف المخففة ، وبالحاء واحدة اللقاح بكسرها ،
وهي : الحَلوب(١) ، مثل: قلوص وقلاص. قال أبوعمرو : إذا نتجت فهي لقوح شهرين أو ثلاثة ، ثم هي
لبون بعد ذلك .
قوله : ((الحَفِدَة))، هي بفتح الحاء ، وكسر الفاء، وفتح الدال المهملتين ، ثم تاء التأنيث ، وهي
السريعة، يقال: (( حَفَد البعير والظَّليم حَفْداً وحَفَداناً، وهو تدارك السير. وبعير حَفَادٌ . وفي الدعاء:
وإليك نسعى ونَحْفِد(٢)))(٣).
قوله : ((وذكر الحاكم بسنده))، تقدم مرات أنه أبوعبدالله الحاكم ابن البيع ، صاحب
المستدرك وغيره ، وتقدم بعض ترجمته .
قوله : « فأصاب عَيْناً))، تقدم أن العين : الجاسوس .
قوله : (( يَعرِض)) ، هو بفتح أوله ، وكسر الراء ثلاثي ، وهذا ظاهر .
(١) انظر ((النهاية)) ٤: ٢٦٢، (( القاموس)) ٣٠٦، باب الحاء، فصل اللام، مادة (لقح).
(٢) هذا الدعاء جزء من حديث أخرجه أبوداود في ((المراسيل)) ١: ١١٨ (٨٩)، والبيهقي في (( سننه الكبرى))
٢ : ٢١٠ (٢٩٦١)، عن خالد بن أبي عمران قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ... الحديث.
(٣) (( الصحاح)) ٢: ٤٥، باب الدال ، فصل الحاء ، مادة (حفد).

٣٢٧
سرية زيد بن حارثة إلى أم قِرْفة
[ذكر ابن سعد أنها في شهر رمضان سنة ست . قال : قالوا : خرج زيد بن حارثة في تجارة إلى الشام ومعه بضائع
لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما كان وادي القرى ، لقيه ناس من فزارة من بني بدر ، فضربوه ، وضربوا
أصحابه ، وأخذوا ما كان معهم ، ثم استبل زيد . وذكر ابن سعد نحو ماسبق عن ابن إسحاق من طريق ابن بكير في
خبر أم قرفة السابق وقال في آخره : وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك فقرع باب النبي صلى الله عليه وسلم فقام إليه
عريانا يجر ثوبه حتى اعتنقه وقبله وساءله فأخبره بما ظفره الله به . كذا ثبت عند ابن سعد لزيد سريتان بوادي القرى ،
إحداهما في رجب ، والثانية في رمضان . وإنما قالوا : أعز من أم قرفة ؛ لأنها كانت يعلق في بيتها خمسون سيفا ،
كلهِم لها ذومحرم . و الواقدي يذكر أنها قتلت يوم بُزاخة ، وإنما المقتول يوم بزاخة بنوها التسعة . وذكر الدولابي أن
زيداً إنما قتلها كذلك لسَبِّها رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعند مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فدا
بابنتها أسيراً كان في قريش من المسلمين ، وهو مخالف لما حكيناه عن ابن إسحاق من أنها صارت لحزن بن أبي
وهب . وقيس بن المسحر بتقديم السين عند الطبري ، وبتقديم الحاء عند غيره وفتح السين ، ومن الناس من يكسرها .
ووَرْد بن عمرو بن خداش . وفي الأصل عمرو بن مِرْداس، وكأنه تصحيف ، وهو أحد بني سعد بن هذيم ،
وهو سعد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة . حضنه عبداسمه هذيم ، فغلب عليه . قاله ابن
الكلبي](١).
قوله : ((إلى أم قِرْفَة))، تقدم قريباً أن اسمها فاطمة بنت ربيعة ، كذا في كلام مغلطاي(٢)، وفي
هذه السيرة زمعة ، فيحرر ابن بدر ، وتقدم ضبط أم قِرْفة ، فانظر ذلك كنيت بابنها قرفة ، قتله النبي
صلى الله عليه وسلم ، فيما ذكره الواقدي ، وذكر أن سائر بنيها قتلوا مع طليحة يوم بُزَاخة في الردة ،
وهم : حكمة ، وخرشة ، وجلبة ، وشريك ، ووالان ، ورمل، وحصن، وذكر مافيهم، وذكر أن أم قرفة
قتلت يوم بزاخة أيضاً ، وذكر أن عبدالله بن جعفر أنكر هذا ، وهو الصحيح ، وسيجيء كلام الواقدي في
هذه السيرة .
قوله : (( بوادي القرى))، تقدم قريباً أن وادي القرى من أعمال المدينة .
قوله : (( ثم استبل زيد)) ، استبلّ هو بالسين المهملة الساكنة ، ثم مثناة فوق مفتوحة ، ثم موحدة
كذلك ، ثم لام مشددة كذلك ، أي : صح من مرضه ، وقد تقدم قريباً .
قوله : (( من طريق ابن بكير))(٢) ، هو يونس بن بكير ، وقد تقدم قريباً شيء من ترجمته .
قوله : (( سريتين)) ، كذا في النسخ ، والصواب سريتان . والله أعلم .
قوله : (( يوم بُزاخة)» ، هي بضم الموحدة ، وتخفيف الزاي ، وبعد الألف خاء معجمة مفتوحة ، ثم
تاء التأنيث ، وهو موضع بالبحرين ، وقال الأصمعي : ماء لطيء ، وقال الشيباني : ماء لبني أسد ، كانت
وقعة بين المسلمين والمرتدين مع طليحة في خلافة الصديق رضي الله عنه .
قوله : (( بنوها التسعة)) . انتهى . قد تقدم أعلاه تسمية بعضهم في أول هذه السرية ، فانظره إن
أردته .
قوله : (( وذكر الدولابي»، تقدم مراراً أنه محمد بن أحمد بن حماد الدولابي ، الحافظ ، وذكرتُ
بعض ترجمته ، وكنيته : أبوبشر .
(١) ((عيون الأثر)) ٢: ١٥٦، ١٥٧.
(٢) انظر (( سيرة مغلطاي الصغرى)) ٦٠ .
(٣) من هنا إلى آخر الفقرة ساقط من ل.
٠

٣٢٨
قوله : (( وعند مسلم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فدى بابنتها أسيراً كان في قريش من
المسلمين)»، كذا قال ، والذي في مسلم قد قدمته ، فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل
مكة ، فقدي لها بها ناساً من المسلمين ، كانوا أُسروا بمكة ، كذا في نسخة صحيحة عندي مسموعة ،
لكنها من طريق أهل الغرب ، وكذا ذكره المؤلف فيما يأتي في سرية أبي بكر الصديق إلى بني كلاب
بنجد من عند ابن سعد ، وفيه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبابكر إلى بني فزارة . الحديث ، وهو
عند مسلم ، والنسائي ، وابن ماجة كما تقدم ، وهو عند ابن سعد(١) كما هو عند مسلم ، ومن ذكر معه
من طريق عكرمة ابن عمار ، عن إياس بن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه .
قوله : (( ابن أسلُم بن الحاف))، أسلُم بضم اللام ، قاله الأمير(٢) وغيره . والله أعلم .
قوله : (( قال ابن الكلبي)»، تقدم مراراً أن ابن الكلبي : هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، وتقدم
بعض ترجمته .
(١) انظر ((الطبقات الكبرى)) ٢: ١١٧.
(٢) انظر ((الإكمال)) ١: ٧٤ ، باب أسلُم وأسلَم .

٣٢٩
سرية عبدالله بن رواحة إلى أُسير بن رِزَام
[سرية عبدالله بن رواحة إلى أُسير بن رِزَام . وغير ابن سعد يقول : اليسير بن رِزام اليهودي بخيبر في شوال سنة
ست . قالوا : لما قُتل أبورافع سلام بن أبيَ الحُقيق ، أمَّرَت يهودُ عليهم أسيرَ بن رزام ، فسار في غطفان وغيرهم ،
فجمعهم لحرب رسول الله صلی الله عليه وسلم ، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجه عبدالله بن رواحة
في ثلاثة ، في شهر رمضان سراً ، فسأل عن خبره وغيرته ، فأخبر بذلك . فقدمٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأخبره ، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ، فانتدب له ثلاثون رجلاً ، فبعث عليهم عبدالله بن رواحة ،
فقدموا على أسير ، فقالوا : نحن آمنون حتى نعرض عليك ما جئنا له ، قال : نعم ولي منكم مثل ذلك . فقالوا : نعم ،
فقلنا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا إليك لتخرج إليه فيستعملك على خيبر ويحسن إليك ، فطمع في ذلك ،
فخرج، وخرج معه ثلاثون رجلاً من اليهود ، مع كل رجل رديف من المسلمين ، حتى إذا كنا بقرقرة نبار ندم أسير ؛
فقال عبدالله بن أنيس الجهني ، وكان في السرية : وأهوى بيده إلى سيفي ، ففطنت له ، ودفعت بعيري ، قلت : غدراً
أي عدوالله . فعل ذلك مرتين ، فنزلت ، فسقت بالقوم حتى انفرد لي أسير ، فضربته بالسيف فأندرت عامة فخذه
وساقه ، وسقط عن بعيره وبيده مخرش من شوحط ، فضربني فشجني مأمومة ، وملنا على أصحابه ، فقتلناهم كما
هم ، غير رجل واحد أعجزنا شداً . ولم يصب من المسلمين أحد ، ثم أقبلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فحدثناه الحديث ، فقال : قد نجاكم الله من القوم الظالمين . وقال ابن عائذ : أخبرنا الوليد ، عن عبدالله بن لهيعة ،
عن أبي الأسود ، عن عروة ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن عتيك في ثلاثين راكباً، فيهم
عبدالله بن أنيس . وقال غير الوليد : بعث عبدالله بن رواحة . وفيما ذكره ابن عائذ: وقدموا على رسول الله صلى الله
عليه وسلم فبصق في شجته فلم تقح ولم تؤذه حتى مات .
وقال ابن إسحاق : إن رواحة غزا خيبر مرتين ، إحداهما التي أصاب فيها ابن رزام](١).
تنبيه : هذه السرية جعلها ابن قيم الجوزية بعد خيبر ، فقال مانصه : وأقام رسول الله
صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد مقدمه من خيبر إلى شوال ، وبعث في خلال ذلك سرايا ، فمنها سرية
أبي بكر الصديق ، إلى أن قال: ومنها : سرية عبدالله بن رواحة إلى اليُسير بن رزام اليهودي(٢)،
فذکرها . انتهى .
وهذا الذي يظهر أنها بعد خيبر ، فإنهم قالوا له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليك
لتخرج إلينا ، فنستعملك على خيبر ، وهذا الكلام لايناسب أن يقال له : قبل الفتح فتحها . والله أعلم .
قوله : (( إلى أُسير بن رِزام))، أُسير بضم الهمزة ، وفتح السين المهملة . قال المؤلف : وغير ابن
سعد يقول : اليسير بن رِزام ، وهو بضم المثناة تحت ، وفتح السين المهملة ، ورزام بكسر الراء ، ثم زاي
مخففة في آخره ميم ، كذا رأيته في النسخ .
ورأيت في (( الرصف)) لشيخنا الإمام غياث الدين ابن العاقولي الشافعي رئيس العراق: (( أَسير بن
رزام»(٣)، ثم رأيته بعد هذا المكان كذلك مثل ماذكرته عنه ، فينبغي أن يحرر هذا الاسم ، هل هو كما
هو في هذه السيرة(٤) أو كما في ((الرصف))، أو أنه يقال: كذا وكذا . والله أعلم.
قوله : (( قُتل أبورافع)» ، قتل مبني لما لم يسم فاعله ، وأبورافع نائب مناب الفاعل .
قوله : (( سلام بن أبي الحقيق))، تقدم من عندالبخاري أنه عبدالله بن أبي الحُقيق ، قال : ويقال :
سلام بن أبي الحقيق ، وسلام بتخفيف اللام ، وقال بعضهم : واختلف في سلام بن أبي الحقيق ، وفلان .
(١) (( عيون الأثر)) في هذه السرية ٢ : ١٥٧، ١٥٨.
(٢) انظر ((زاد المعاد)) ٣: ٣٥٩، ٣٦٠.
(٣) ((الرصف)) ٢ : ١٣٨.
(٤) من خلال تتبعي في كتب التراجم والسير لم أجده إلا باسم : أسير بن رزام .
۔۔

٣٣٠
قوله : (( وغِرَّته))، هي بكسر الغين المعجمة ، وتشديد الراء، وهي الغفلة.
قوله(١): ((فأُخبر بذلك)) ، أُخبر مبني لما لم يسم فاعله .
قوله : « فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس))، أي : دعاهم .
قوله : (( فانتدب له)) ، أي : أجابه .
قوله : (( بقَرْقَرَة تبار (٢)))، قَرْقَرَة(٣) بفتح القافين ، وبعد كل قاف راء ، الأولى ساكنة ، والثانية
متحر کة ، وبعدها تاء التأنيث ، وتبار .
قوله : ((فقطَنت له))، فَطَن بفتح الطاء ، قاله الجوهري(٤).
قوله : ((غدراً)»، هو منصوب بفعل محذوف ، أي : أتريد غدراً ، أو أتغدر غدراً .
قوله : (( فأندرتُ عامّة فخذه))، أندر بالنون والدال المهملة، أي: أسقطت ، وندر : سقط(٥).
قوله : (( وساقه منصوب)) ، أي: أندرتُ ساقَه ، ولا يجوز جره ؛ لأنه لايصح المعنى .
قوله : (( وبيده مِخْرَش)) ، المِخْرَش - بكسر الميم ، وإسكان الخاء المعجمة ، ثم راء مفتوحة ، ثم
شين معجمة ، وكذلك المخراش -: وهي عصا معوجة الرأس كالصولجان، وفي (( الصحاح): (( خرشتُ
البعيرَ : إذا اجتذبته إليك بالمِخْراش، وهو المِحْجَن، وربما جاء بالحاء)»(٦) . انتهى . يعني المهملة .
قوله : ((من شَوْحَط))، هو بفتح الشين المعجمة ، وإسكان الواو ، ثم حاء مفتوحة ، ثم طاء
مهملتين ، وهو ضرب من شجر الجبال تتخذ منه القِسيُّ(٧).
قوله: ((مأمومة)) ، المأمومة هي الشجة التي بلغت أُمَّ الرأس، وهي الجلدة التي تجمع الدماغ،
يقال رجل أميم ، ومأموم، ويقال لها: آمَّةٌ(٨). [١/٢١٨٧]
قوله : (( أعجَزَنا)) ، هو بفتح الجيم ، والزاي ، وهذا ظاهر ، والضمير مفعول .
قوله : (( شَدّاً)) ، أي: عَدْواً وجرياً(٩)
قوله : (( ولم يُصَب من المسلمين أحد»، يُصَب مبني لما لم يسم فاعله، وأَحدٌ مرفوع نائب
مناب الفاعل .
قوله : (( فحدثنا)) ، هو بإسكان الثاء المثلثة ، والضمير فاعل .
قوله : (( وقال ابن عائذ))، تقدم مراراً أنه محمد بن عائذ ، وأنه بالمثناة تحت ، وبالذال المعجمة ،
(١) من هنا إلى قوله : أجابه ساقط من ل .
(٢) في ((عيون الأثر)) ٢ : ١٥٧ : نِبار.
(٣) القرقرة: الأرض الملساء ليست ببعيدة. انظر (( معجم البلدان)) ٤ : ٣٢٦.
(٤) انظر (( الصحاح)) ٦: ٤٩، باب النون ، فصل الفاء ، مادة (فطن) .
(٥) انظر (( النهاية)) ٥ : ٣٤.
(٦) ((الصحاح)) ٣ : ١٩١، باب الشين، فصل الخاء ، مادة (خرش).
(٧) انظر ((النهاية)) ٢: ٥٠٨ .
(٨) انظر ((الصحاح)) ٥ : ١٧٢، باب الميم، فصل الهمزة ، مادة (أمم).
(٩) انظر ((النهاية)) ٢: ٤٥٢.

٣٣١
وتقدم بعض ترجمته .
قوله: ((ثنا الوليد)»، تقدم مراراً أنه الوليد بن مسلم ، عالم أهل دمشق ، أحد الأعلام ، لا الوليد بن
مسلم العنبري .
قوله : ((عن عَبدالله بن لَهِيعة))، تقدم مراراً أن هذا رجل عالم قاضي مصر ، مختلف في توثيقه ،
وأن العمل على تضعيف حديثه .
قوله : ((عن أبي الأسود))، تقدم مراراً أنه محمد بن عبدالرحمن بن نوفل أبو الأسود ، يتيم
عروة بن الزبير بن العوام ، وتقدم بعض ترجمته .
قوله : (( عن عروة قال: بعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عروة))، هذا هو ابن الزبير بن
العوام ، وهو أحد الفقهاء السبعة ، أحد الأعلام ، تابعي ، فحديثه هذا مرسل ، وهذا ظاهر عند أهله . والله
أعلم .
قوله : (( فلم تَقِحْ))، هو بسكر القاف، وبالحاء المهملة ، يقال: قاح الجرح، يقيح ، وقيح
بالتضعيف يقيح ، والقيح : المِدَّةُ التي لا يخالطها دم(١) .
(١) انظر ((النهاية)) ٤: ١٣٠.

٣٣٢
سرية عمرو بن الضَّمْرى(١)
[وعند ابن إسحاق : جبار بن صخر ، بدل سلمة بن حريس .
قال ابن سعد : ثم سرية عمروبن أمية الضمري وسلمة بن أسلم بن حريس إلى أبي سفيان بن حرب بمكة ، وذلك
أن أبا سفيان بن حرب ، قال لنفر من قريش : ألا أحدٍ يغتر محمداً؟ فإنه يمشي في الأسواق ، فأتاه رجل من الأعراب ،
فقال : قد وجدت أجمع الرجال قلباً ، وأشدهم بطشاً ، وأسرعهم شداً ، فإن أنت قويتني خرجت إليه حتى أغتاله ،
ومعي خنجر مثل خافية النسر ، فأُسوِّرَه ، ثم آخذه في عير، وأسبق القوم عدواً فإني هاد بالطريق خِرِّيت . قال: أنت
صاحبنا ، فأعطاه بعيراً ، ونفقة ، وقال: اطوِ أمرك، فخرج ليلاً، فسار على راحلته خمساً ، وصبح ظهر الحرة صبح
سادسة . ثم أقبل يسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دُل عليه، فعقل راحلته ، ثم أقبل إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وهوفي مسجد بني عبدالأشهل، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال إن هذا ليريد
غدراً ، فذهب ليُجنئ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجذبه أسيد بن الحضير بداخلة إزاره ، فإذا بالخنجر ،
فأُسقط في يديه ، وقال : دمي دمي . فأخذ أسيد بلبته فذَعته . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اصدقني ما
أنت؟ قال : وأنا آمن؟ قال : نعم . فأخبره بأمره ، وما جعل له أبوسفيان ، فخلى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأسْلم ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري وسلمة بن أسلم إلى أبي سفيان بن حرب ،
وقال : إن أصبتما منه غِرَّة فاقتلاه ، فدخلا مكة ، ومضى عمروبن أمية يطوف بالبيت ليلاً ، فرآه معاوية بن أبي
سفيان ، فعرفه ، فأخبر قريشاً بمكانه ، فخافوه وطلبوه ، وكان فاتكاً في الجاهلية ، وقالوا : لم يأت عمرو لخير ،
فحشد له أهل مكة ، وتجمعوا ، وهرب عمرو وسلمة ، فلقي عمروٌ عبيدالله بن مالك بن عبيدالله التيمي ، فقتله ، وقتل
آخر من بني الديل سمعه يتغنى ويقول :
ولست بمسلم ما دمت حياً ولست أدين دين المسلمينا
ولقي رسولين لقريش بعثتهما يتجسسان الخبر ، فقتل أحدهما وأسر الآخر ، فقدم به المدينة ، فجعل عمرو يخبر
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك](٢).
قوله : (( وسلمة بن حريس))، هو بالحاء ، وكسر الراء، ثم مثناة تحت ساكنة ، ثم سين
مهملتين، وقد تقدم غير مرة أن ابن ماكولا قال: (( قال الزبيرُ : ليس في نسب الأنصار حرِيش ، يعني
بمعجمة غير الحريش بن جحجبى ، وماسوى ذلك فهو حريس بالسين»(٣)، يعني المهملة .
وقال الزمخشري في (( مشتبه الأسامي)) ماهو أصرح من كلام الأمير حين ذكر حَرِيشاً، فقال:
حريش فلان ، وفلان ، ثم قال : كل مافي الأنصار حريس بالسين المهملة ، إلا الحريش بن جحجبى .
انتهى لفظه . والله أعلم .
وهو سلمة بن أسلم بن حريس ، كما سيأتي ، وقد ذكرت ذلك وترجمته فيما مضى رضي الله
عنه .
قوله : (( وعند ابن إسحاق: جَبّار بن صخر))، هو بفتح الجيم ، وتشديد الموحدة ، وهذا صحابي
مشهور رضي الله عنه .
قوله : (( بدل سلمة بن حريس)) ، تقدم أعلاه أنه بالسين المهملة .
قوله : (( إلى أبي سفيان بن حرب))، تقدم مراراً أنه أبوسفيان صخر بن حرب بن أمية بن
عبدشمس بن عبدمناف ، والد معاوية ، وأنه أسلم ليلة الفتح ، وكان من المؤلفة ، ثم حسُن إسلامه ،
وذكرت تاريخ وفاته ، وأنه توفي بالمدينة المشرفة ، وصلى عليه عثمان رضي الله عنهما . وظاهر قوله :
(١) في ل و (( عيون الأثر)) ٢: ١٥٨ بزيادة وسلمة بن حَرِيس
(٢) (( عيون الأثر)) ٢: ١٥٨)).
(٣) ((الإكمال)) ٢: ٤٢٠، وانظر (( تهذيب مستمر الأوهام)) ١ : ١٩٣.

٣٣٣
فلما جاء نعيُ أبي سفيان -وهذا في (( الصحيح))- أنه توفي بغيرها، فقيل: بدمشق(١)، وصلى عليه
معاوية .
قوله : (( قال لنفر من قريش))، هؤلاء النفر لاأعرفهم ، والنفر : مادون العشرة من الرجال.
قوله : (( فأتاه رجل من الأعراب)) ، سيجئ في آخر هذه القصة أنه أسلم ، ولكن أنا لاأعرف
اسمه . والله أعلم .
قوله : (( شَدّاً)»، هو بفتح الشين المعجمة ، وتشديد الدال المهملة ، أي : عَدْواً وجَرْياً، وتقدم
أعلاه .
قوله : (( حتى اغتاله))، أي: أخذه من حيث لايدري، وكذلك غالَه(٢) .
قوله : (( ومعي خِنْجَر)) ، هو بفتح الخاء المعجمة وكسرها ، ثم نون ، والجيم فيهما مفتوحة ،
والباقي معروف .
قوله : (( مثلُ خَافيةِ النَّسر)) ، الخَافية بالخاء المعجمة ، وبعد الألف فاء مكسورة ، ثم مثناة تحت
مفتوحة ، ثم تاء التأنيث ، وجمعها خَوَافٍ ، والخوافي مادون الريشات العشر من مقدم الجناح ، قاله
الأصمعي(٣).
والنسر : طائر معروف - بفتح النون- وهو حرام؛ لأنه ذو مخلب ، وليس في سباع الطير أكبر
جثة منه. وقال في (( الصحاح)): (( ويقال: النسر لامخلب له ، وإنما له ظَفْر كظفر الدَّجَاجة والغراب
والرَّحَمَةِ(٤)))(٥) .
قوله : (( ثم أُسوِّره(٦)))، هو بضم الهمزة ، وفتح السين المهملة ، ثم واو مكسورة مشددة ، ثم
راء، ثم هاء الضمير ، وقد نظرت في هذه المادة ، فلم أر شيئاً أليق بها من قوله لم يبق إلا أن أسوِّرَهُ،
أي : ارتفع إليه وآخذه . والله أعلم .
قوله : (( في غَيْرِ))، عَيْر - بفتح العين المهملة ، وإسكان المثناة تحت ، ثم راء - : جبل بمدينة
النبي صلى الله عليه وسلم، قاله الزبير وغيره ، وقال عمه مصعب : لا يعرف بالمدينة جبل يقال له
عیر(٧) . انتهى .
والصحيح أن هناك جبلاً يقال له : عَيْر ، وقد جاء ذكره في حدّ الحرم(٨). والله أعلم .
قوله : (( خِرِّيت))، تقدم ضبطه في حديث الهجرة ، وأنه الماهر بالهداية ، وتقدم مما أُخذ(٩).
(١) انظر (صحيح البخاري)) ٢: ٩٨ (١٢٨٠)، كتاب الجنائز، باب حد المرأة على غير زوجها .
(٢) انظر (( الصحاح)) ٥ : ٥٨، باب اللام ، فصل الغين ، مادة (غول).
(٣) انظر ( لسان العرب)) ١٤ : ٢٣٦.
(٤) الرَّحَمَة : طائر أبقع يُشبه النّسْر في الخلقة يقال له: الأُنُوق، والجمع: رَخَم. انظر (الصحاح)) مادة (رخم) .
(٥) (( الصحاح)) ٢ : ٥٦١، باب الراء ، فصل النون ، مادة (نسر) .
(٦) في ( عيون الأثر»١: ١٥٩: فأُسوِّره.
(٧) انظر (( معجم البلدان)) ٤ : ١٧٢ .
(٨) جاء في (( صحيح مسلم)) ٢: ٩٩٥ (١٣٧٠) (( أن النبي صلى الله عليه وسلم حرَّم مابين عَيْر إلى ثور)).

٣٣٤
والله أعلم .
قوله : (( اطوِ أمرَك» ، هو بهمزة وصل ، وكسر الواو ، فعل أمر ، معناه معروف .
قوله : (( الحَرَّة))، تقدم مرات أن الحَرّة أرض تركبها حجارة سود ، والمدينة المشرفة بين حرتين
شرقية وغربية .
قوله : (( حتى دُل))، هو بضم الدال المهملة ، وتشديد اللام، مبني لما لم يسم فاعله ، وهذا ظاهر
جداً .
قوله : (( أُسيد بن الحضير))، تقدم مرات أن أسيداً - بضم الهمزة وفتح السين- ، وأن حضيراً -
بضم الحاء المهملة ، وفتح الضاد المعجمة - .
قوله : (( بداخلة إزاره)»، الداخلة : طرف الإزار وحاشيته من داخل ، والإزار معروف.
قوله : (( فإذا بالخَنْجر)» ، تقدم ضبطه أعلاه .
قوله : (( فأُسقط في يديه))، هو بضم الهمزة ، وكسر القاف ، أي : ندم ، ومنه قوله تعالى :
﴿ وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾(١)، قال الأخفش: وقرأ بعضهم: سقط، كأنه أضمر الندم ، وجوز أُسقط في
يديه . قال أبو عمر : ولايقال أسقط بالألف على مالم يسم فاعله ، وأحمد بن يحيى مثله ، وقد قدمت
ذلك .
قوله : (( دمي دمي)) ، أي: أتركوا إليّ دمي ، أو خلّوا .
قوله : (( فأخذ أُسَيد)) ، تقدم أنه بضم الهمزة وفتح السين ، وهو ابن الحضير.
قوله : (( بلَبَّته))، كذا في النسخ بموحدتين بعد اللام الأولى مفتوحة، واللّبَب: المنحَر،
كاللَّبَّةَ(٢). [١٨٧ ب/أ]
قوله : ((فَذَعَتَه» ، هو بفتح الذال المعجمة ، والعين المهملة ، ثم مثناة فوق مفتوحة ، ثم هاء
الضمير ، ((قال أبوزيد: ذعَته ذَعْتاً مثل ذَأَتَه وذَأَطَهُ وذَعَطَه: إذا خنقه أشد الخنق))(٣) .
قوله : ((اصدُقني)»، هو بهمزة وصل، وضم الدال ، وهذا ظاهر جداً .
قوله : (( ما أنت))، أي : ماصفتك؟ أو خاطبه خطاب من لا يعقل ؛ لأن هذا فعل من لا يعقِلُ.
قوله : (( آمِن» ، هو بمد الهمزة ، وكسر الميم ، وهذا ظاهر .
قوله : ((غِرَّة)» ، تقدم ضبطها غير مرة ، وأنها بكسر الغين المعجمة ، وتشديد الراء، ثم تاء
التأنيث ، أي : غفلة .
قوله : ((فاتِكاً))، هو بالفاء، وبالمثناة فوق المكسورة بعد الألف ، الفتك : أن يأتي الرجلُ صاحبه
وهو غارٌّ غافل ، حتى يشُدَّ عليه فيقتله ، وفيه ثلاث لغات: وهو بثليث الفاء، وقد فَتّك يفتُِك بكسر
=
(٩) مأخوذ من الخُرْت وهو المنفذ. انظر ( لسان العرب)) ٢ : ٣٠.
(١) سورة الأعراف : ١٤٩.
(٢) انظر ((الصحاح)) ١: ٣٢٦، مادة (لبب)، (( النهاية)) ٣: ٣٢٤ .
(٣) (( الصحاح)) ١: ٣٧٢ ، باب التاء ، فصل الذال ، مادة (ذعت).

٣٣٥
التاء وضمها(١) ، وفي الحديث: ((قَّدَ الإيمانُ الفتكَ، لايفتك مؤمن))(٢).
قوله : (( فحشد له أهل مكة)) ، أي : جمع ، وأهلُ مرفوع فاعل حشد .
قوله : (( وقتل آخر من بني الديل))، هذا الآخر لاأعرف اسمه .
قوله : (( ولقي رسولين لقريش))، هذان الرسولان لاأعرفهما، لا المقتول ، ولا الأسير . والله أعلم.
(١) انظر (( النهاية)) ٣ : ٤٠٩ .
(٢) الحديث لفظه: « الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ، لاَيَفْتِك مُؤمن)، أخرجه أبوداود في « سننه» ٣: ٨٧ (٢٧٦٩)، كتاب
الجهاد ، باب في العدوّ يؤتى على غرة ويتشبه بهم، وأحمد في ((مسنده)) ١ : ١٦٦ (١٤٢٦)،
٤ : ٩٢ (١٦٨٧٨)، والحاكم في ((المستدرك)) ٤: ٣٩٢ (٨٠٣٧)، ٣٩٣ (٨٠٣٨)، والطبراني في (( المعجم
الكبير)) ١٩: ٣١٩(٧٢٣)، والمزي في (( تهذيب الكمال)) ١٧: ٣٦٨ (٣٩٤٠).
قال الهيثمي في ((المجمع)) ١: ٩٦: (( رواه أحمد ، وفيه مبارك بن فضالة وهو ثقة ، لكنه مدلس ،
ولكنه قال : حدثنا الحسن . وعن سعيد بن المسيب أن معاوية دخل على عائشة رضي الله
عنها .... رواه أحمد والطبراني في الكبير إلا أن الطبراني قال : عن سعيد بن المسيب ، عن مروان
قال ... وفيه علي بن زيد وهو ضعيف)). والحديث صححه الألباني في (( صحيح الجامع))
١ : ٥٤١ (٢٨٠٢)، وضبطه هكذا: الإيمان قيدُ الفتكِ. ولكن سبط ابن العجمي ضبطه بتشديد ياء
(قيد) ، وتبعه محقق (( سنن أبي داود)) .
ومعنى الحديث : أن الإيمان يمنع صاحبه من الفتك بأخيه المؤمن . انظر ((عون المعبود))
٧ : ٣٢٤، ((فيض القدير)) ٣ : ١٨٦.

٣٣٦
غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديبية
[قال ابن إسحاق : ... وخرج [رسول الله صلى الله عليه وسلم] في ذي القعدة معتمراً لايريد حرباً. وعند ابن
سعد : يوم الاثنين لهلال ذي القعدة . قال ابن هشام: واستعمل على المدينة نميلة بن عبدالله الليثي .. واستنفر العرب
ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ، وهويخشى من قريش الذي صنعوا ، أن يَعرِضوا له بحرب ، أويصدوه عن
البيت ، فأبطأ عليه كثير من الأعراب ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والأنصار، ومن
لحق به من العرب ، وساق الهدي معه ، وأحرم بالعمرة ، ليأمن الناس من حربه ... عن مسور بن مخرمة ، ومروان بِن
الحكم ، أنهما حدثاه قالا : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية ، يريد زيارة البيت، لايريد قتالا،
وساق معه الهدي سبعين بدنة ، وكان الناس سبعمائة رجل ، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر .
وقال ابن عقبة : عن جابر ، عن كل سبعة بدنة . وذكر ابن عائذ عن الوليد بن مسلم ، عن الزهري : كانوا أربعٍ
عشرة مائة . وذكر ابن عقبة عن جابر : كانوا ستة عشر مائة . وروينا عن البراء من طريق ابن سعد وغيره : كانوا ألفاً
وأربعمائة . وروينا عن جابر كانوا خمس عشرة مائة ، أخبرنا الشيخ نظام الدين أبوعبدالله بن محمد بن الحسن بن
الحسين بن الخليلي قراءة عليه وأنا أسمع بمصر ، أخبرنا أبو نصر بن الدجاجي إجازة من بغداد ... حدثنا أبو جعفر
محمد بن رباح الأشجعي ، حدثنا أبوالحسن علي بن منذر الطريقي ... حدثنا حصين بن عبدالرحمن .. عن جابر بن
عبدالله ، قال : عطش الناس يوم الحديبية ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة يتوضأ منها ، فأقبل الناس
نحوه .. قالوا : يارسول الله ليس عندنا ماء نشرب .. فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في الركوة، فجعل الماء
يفور من بين أصابعه أمثال العيون . قال : فشربنا وتوضأنا ... وأحرم معه صلى الله عليه وسلم زوجه أم سلمة . وروينا
عن عبدالله بن أبي أوفى من طريق ابن سعد : كانوا ألفاً وثلاثمائة .
قال ابن إسحاق : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بعسفان ، لقيه بشر بن سفيان الكعبي ، وابن
هشام يقول : بسر . فقال : يارسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك ، فخرجوا معهم العموذ المطافيل، قد لبسوا
جلود النمور ، وقد نزلوا بذي طوى ، يعاهدون الله أن لاتدخلها عليهم عنوة أبداً ، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم ،
وقد قدموها إلى كراع الغميم ... ودنا خالد [بن الوليد] في خيله حتى نظر إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عباد بن بشر ، فتقدم في خيله ، فقام بإزائه ، وصف أصحابه ، وحانت
صلاة الظهر ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الخوف ... وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ياويح قريش ، أكلتهم الحرب ... فوالله لاأزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أوتنفرد هذه السالفة ، ثم
قال : من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها . فحدثني عبدالله بن أبي بكر ، أن رجلاً من أسلم ،
قال : أنا يارسول الله . قال: فسلك بهم طريقاً وعراً أجرل بين شعاب، فلما خرجوا منه وقد شق ذلك على
المسلمين ، وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس قولوا: نستغفر الله
ونتوب إليه . فقالوا ذلك . فقال : والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها . قال ابن شهاب : فأمر
رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحَمْض ، في طريق يخرجه على ثنية
المرار ، مهبط الحديبية من أسفل مكة . قال فسلك الجيش ذلك الطريق ، فلما رأت قريش قترة الجيش قد خالفوا عن
طريقهم ، ركضوا راجعين إلى قريش . وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت
ناقته . فقال الناس : خلأت القصواء فقال : ما خلات ، وما هو لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة ،
لاتدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألون فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها . ثم قال للناس : انزلوا . قيل له :
يارسول الله ما بالوادي ماء ننزل عليه . فأخرج سهماً من كنانته ، فأعطاه رجلاً من أصحابه ، فنزل في قليب من تلك
القلب ، فغرزه في جوفه ، فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن . قال : حدثني بعض أهل العلم ، عن رجال من
أسلم ، أن الذي نزل في القليب : ناجية بن جندب ، سائق بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد زعم لي بعض
أهل العلم أن البراء بن عازب كان يقول : أنا الذي نزلت بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالله أعلم . قال
الزهري في حديثه : فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة ، فكلموه ،
وسألوه ما الذي جاء به؟ .. فقال لهم نحواً مما قال لبشر بن سفيان ، فرجعوا إلى قريش ، فقالوا ... إن محمداً لم يأت
لقتال ، إنما جاء زائراً لهذا البيت ، فاتهموهم وجبَّهوهم، وقالوا :... والله لا يدخلها علينا عنوة أبداً ... وكانت خزاعة
عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مسلمها ومشركها ، لا يخفون عليه شيئاً كان بمكة . ثم بعثوا إليه مكرز بن
حفص بن الأخيف ، أخا بني عامر ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً ، قال: هذا الرجل غادر . فلما
انتھی إلی رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه ، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نحواً مما قال لبديل
وأصحابه ، فرجع إلى قريش وأخبرهم بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم بعثوا إليه الحُلَيس بن علقمة بن
ريان ، وكان يومئذ سيد الأحابيش ، ... فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : إن هذا من قوم يتألهون ،
فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه ، فلما رأى الهدي يسير إليه من عرض الوادي بقلائده ، قد أكل أوباره من طول
الحبس عن محله ، رجع إلى قريش ... فقال لهم ذلك . فقالوا له : اجلس فإنما أنت أعرابي لاعلم لك . فحدثني
عبدالله بن أبي بكر ، أن الحليس غضب عند ذلك ، وقال : يامعشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ، ولا على هذا

٣٣٧
عاقدناكم ، أنَصُد عن بيت الله من جاءه معظماً ، والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وما جاء له ، أولأنفرن
بالأحابيش نفرة رجل واحد . قال : فقالوا : مه ، كف عنا ياحليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به .
قال الزهري في حديثه : ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عروة بن مسعود الثقفي ، فقال: يا معشر
قريش ... وقد عرفتم أنكم والد وأني والد، وكان عروة لسبيعة بنت عبدشمس وقد سمعت بالذي نابكم ، فجمعت من
أطاعني من قومي ، ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسي ، قالوا : صدقت ، ما أنت عندنا بمهتم ، فخرج حتى أتى
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس بين يديه ، ثم قال: يا محمد أجمعت أوشاب الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك
لنقضها بهم؟ إنها قريش قد خرجت معها العُوذ المطافيل ، قد لبسوا جلود النمور ، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة
أبداً ، وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غداً . قال : وأبوبكر الصديق خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم
قاعد ، فقال : امصُصْ بظَر اللات، أنحن ننكشف عنه؟ قال : من هذا يامحمد؟ قال : هذا ابن أبي قحافة ، قال : أما
والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها ، ولكن هذه بها . قال : ثم جعل يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه
وسلم وهو يكلمه . قال : والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديد . قال : فجعل
يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول : اكفف يدك عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم
قبل أن لاتصل إليك ، قال : فيقول عروة : ويحك ما أفظك! وما أغلظك! قال : فتبسم رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فقال له عروة : من هذا يامحمد؟ قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة ، قال : أي غدر وهل غسلت سوأتك
إلا بالأمس؟ !... قال الزهري: فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحواً مما كلم به أصحابه ... فقام من عند
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد رأى ما يصنع به أصحابه ، لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه ... فقال : يامعشر قريشٍ
إني جئت كسرى .. وقيصر .. والنجاشي .. وإني والله ما رأيت ملكاً في قوم قط مثل محمد في أصحابه ، ولقد رأيت قوماً
لا يسلمونه لشيء أبداً .. قال ابن إسحاق : فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعا خراش بن
أمية الخزاعي ، فبعثه إلى قريش بمكة ، وحمله على بعير له يقال له الثعلب ، ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له ، فعقروا به
جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرادوا قتله، فمنعه الأحابيش ، فخلوا سبيله ، حتى أتى رسول الله صلى الله
عليه وسلم . وحدثني بعض من لاأتهم ، عن عكرمة مولى ابن عباس ، أن قريشاً كانوا بعثوا أربعين رجلاً منهم وأمروهم
أن يطيفوا بعسكر رسول الله، ليصيبوا لهم من أصحابه أحداً ، فأخذوا أخذاً ، فأُتي بهم رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فعفا عنهم وخلى سبيلهم
... فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان، فبعثه إلى ... قريش .... فاحتبسته قريش عندها ، فبلغ
رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان قد قُتل. قال ابن إسحاق: فحدثني عبدالله بن أبي بكر أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين بلغه أن عثمان قد قتل : لانبرح حتى نناجز القوم ، ودعا رسول الله صلى الله
عليه وسلم الناس إلى البيعة ، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة ، فكان الناس يقولون : بايعهم رسول الله صلى الله
عليه وسلم على الموت ، وكان جابر بن عبدالله يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبايعنا على الموت،
ولكن بايعنا على أن لانفر ... ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها ، إلا الجد بن قيس ، أحد بني سلمة ، فكان
جابر يقول : والله لكأني أنظر إليه لاصقاً بإبط ناقته ، قد ضبأ إليها ، يستتر بها من الناس . ثم أتى رسول الله صلى الله
عليه وسلم أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل . ... عن الشعبي ، أن أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة
الرضوان أبوسنان الأسدي .
قال ابن إسحاق : قال الزهري : ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو- أخا بني عامر بن لؤي إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم . قالوا : انت محمداً فصالحه ، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا ، فوالله لا تحدث العرب أنه
دخلها علينا عنوة أبداً . فأتاه سهيل بن عمرو ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً، قال: قد أراد القوم
الصلح حين بعثوا هذا الرجل ... ثم جرى بينهما الصلح ، فلما التأم الأمر ، ولم يبق إلا الكتاب ، وثب عمر بن
الخطاب ... قال : فعلام نعطي في الدنيئة في ديننا؟ قال أبوبكر : ياعمر الزم غرزه فإني أشهد أنه رسول الله صلى الله
عليه وسلم . قال عمر : وأنا أشهد أنه رسول الله . ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: يارسول الله ألست
برسول الله؟ قال: بلى. قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى ... قال: أنا عبدالله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن
يضيعني .
ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، فقال اكتب : ... هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله
سهيل بن عمرو ، واصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين ، يأمن فيهن الناس ، ويكف بعضهم عن
بعض ، ... وأن بيننا عيبة مكفوفة ، وأن لا إسلال ولا إغلال ... فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب الكتاب
هووسهيل بن عمرو ، إذ جاء أبوجندل بن سهيل بن عمرو ، يرسف في الحديد ، قد انفلت إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم لايشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع ... دخل الناس من ذلك عليهم أمر عظيم ، حتى كادوا
يهلكون . فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه ، وأخذ بتلبيبه ، ثم قال : يامحمد قد لجت القضية بيني
وبينك قبل أن يأتيك هذا ، قال : صدقت . فجعل ينتره بتلبيبه ، ويجره ليرده إلى قريش ، وجعل أبوجندل يصرخ بأعلى
صوته : يامعشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ .. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ... وإنا
لانغدر بهم . قال : فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ، ويقول :... وددت أن يأخذ السيف

٣٣٨
فيضرب به أباه . قال فضن الرجل بأبيه ، ونفذت القضية ، فلما فرغ الكتاب ، أشهد على الصلح رجالاً من المسلمين
ورجالاً من المشركين ... ومكرز بن حفص وهو مشرك ...
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطرباً في الحل، وكان يصلي في الحرم ، فلما فرغ من الصلح قام إلى
هديه فنحره ، ثم جلس فحلق رأسه ... فلما رأى الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نحر وحلق تواثبوا ينحرون
ويحلقون . وذكر ابن إسحاقٍ عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : : دعا رسول الله صلى الله عليه
وسلم بالرحمة للمحلقين ثلاثاً ، وللمقصرين مرة . وذكر ابن سعد بسنده ، أن عثمان وأبا قتادة الأنصاري ممن لم
يحلق . وقال ابن أبي نجيح : حدثني مجاهد ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى عام الحديبية
في هداياه جملاً لأبي جهل في رأسه بُرَّة من فضة، ليغيظ بذلك المشركين . قال الزهري في حديثه : ثم انصرف
رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجهه ذلك قافلاً، حتى إذا كان بين مكة والمدينة ، نزلت سورة الفتح : إنا فتحنا
لك فتحا مبينا . ثم كانت القصة فيه وفي أصحابه .... وما عرض عليهم من جهاد القوم أولي البأس الشديد ، فذكر آيات
من سورة الفتح . وذكر ابن عائذ : فيما رواه عن محمد بن شعيب ، عن عثمان بن عطاء الخراساني ، عن أبيه ، عن
عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : ووعده ربه أنه فاتحها ، وبين له فتحها ، ولم يجعل لمن تخلف عنه بالمدينة من غير
معذرة نصيباً في مغانم خيبر ، فقال: ﴿سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها﴾ حتى بلغ
﴿ إلا قليلا﴾ [الفتح: ١٥]. وقال ابن عقبة في تفسير قوله ﴿فتحا قريبا﴾[الفتح: ١٨]: رجوعهم من العام المقبل إلى مكة
معتمرين ، وقيل خيبر . وهاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط في تلك
المدة ، فخرج أخواها عمارة والوليد في ردها بالعهد ، فلم يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. ونزلت: ﴿ إذا
جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن﴾[الممتحنة: ١٠] ... الآيات. وكان ممن طلق عند نزول قوله
تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾[الممتحنة: ١٠] عمر بن الخطاب ، طلق امرأته: قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة ،
فتزوجها معاوية بن أبي سفيان وهما على شركهما ، وأم كلثوم بنت جرول ، فتزوجها أبوجهم بن حذيفة بن حذيفة بن
غانم رجل من قومه ، وهما على شركهما . وروي أن بعض من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم قال له لما قدم
المدينة : ألم تقل يارسول الله إنك تدخل مكة آمناً؟ قال: بلى، أفقلت لكم من عامي هذا؟ قالوا : لا. قال: فهو كما
قال جبريل . وذكر ابن عقبة : عن ابن شهاب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار الناس حين بلغه أن قريشاً
تجمع له ، فقال : أترون أن نغير على مما جمعوا لنا ، وعلى جل أموالهم ، فنصيبهم ، فإن قعدوا قعدوا مغيظين
موتورين ، وإن تبق منهم عنق نقطعها؟ أم ترون أن نؤم البيت الحرام ، فمن صدنا عنه قاتلناه؟ قال أبوبكر الصديق : الله
ورسوله أعلم ، جئنا لأمر ، فنرى أن نؤمه ، فمن صدنا عنه قاتلنا . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فنعم.
ويقال : سار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بعسفان ، لقيه بشر بن سفيان الكعبي ، فقال: إن قريشاً قد
نزلت بذي طوى ، وذكر نحوما تقدم . وفيه : بعد كتابة الصحيفة بالصلح ، فهم ينتظرون نفاذ ذلك وإمضاءه ، رمى
رجل من أحد الفريقين رجلاً من الفريق الآخر ، فكان بينهم شيء من قتال ، يترامون بالنبل والحجارة ، فصاح الفريقان
كلاهما ، وارتهن كل واحد من الفريقين من كان عنده من الآخرين ، فارتهن المشركون عثمان بن عفان ومن كان
معه ، وارتهن المسلمون سهيل بن عمروومن كان معه من المشركين ، يقولون : فعند ذلك دعا رسول الله صلى الله
عليه وسلم المسلمين إلى البيعة ، وأراد القتال ، فبايعوه على الموت . وقال جابر : على أن لايفروا ، وعمر آخذ بيده .
والشجرة : سمرة . والخيل مائة فرس ، فبايعناه ، غير الجد بن قيس ، فلما رأت قريش ذلك رعبهم الله ، وأرسلوا من
كان في أيديهم من المسلمين ، فدعوا إلى الموادعة والصلح ، والمسلمون لهم عالون ، وصالحهم رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وكره عمر الصلح ، ثم رجع عن ذلك . ولما رجع عليه الصلاة والسلام من الحديبية ، كلمه بعض
أصحابه ، فقالوا : جهدنا وفي الناس ظهر فانحره لنأكل من لحمه ، ولندهن من شحومه ، ولنحتذي من جلوده . فقال
عمر بن الخطاب : لا تفعل يارسول الله ، فإن الناس إن يكن فيهم بقية ظهر أمثل ، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : ابسطوا أنطاعكم وعباءكم ، ففعلوا ، ثم قال : من كان عنده بقية من زاد أوطعام فلينثره ، ودعا لهم ، فقال :
قربوا أوعیتکم ، فأخذوا ما شاء الله .
وقد روينا نحوه : من حديث إياس بن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه من طريق مسلم ، وفي آخره : فقال النبي
صلى الله عليه وسلم : فهل من وضوء؟ فجاء رجل بإداوة ، فيها نطفة من ماء ، فأفرغا في قدح ، فتوضأنا
كلنا ... الحديث . قال ابن عقبة : وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعاً، فقال رجل من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا بفتح ، لقد صدونا عن البيت ، وصد هدينا، ورد رسول الله صلى الله عليه
وسلم رجلين من المؤمنين ، كانا خرجا إليه . فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قول أؤلئك، فقال: بئس الكلام بل
هو أعظم الفتح ، قد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ، ويسألوكم القضية ، ويرغبون إليكم في الأمان ،
وقد رأوا منكم ما كرهوا ، وأظفركم الله عليهم، وردكم الله سالمين مأجورين، فهو أعظم الفتوح. وفيه : "أنسيتم
يوم أحد ﴿ إذا تصعدون ولا تلوون على أحد﴾[آل عمران: ١٥٣]، وأنا أدعوكم في أخراكم؟ أنسيتم يوم الأحزاب ﴿ إذا
جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا ﴾ [الأحزاب: ١٠]؟
فقال المسلمون : صدق الله ورسوله ، فهوأعظم الفتوح ، والله يانبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيهٍ ، ولأنت أعلم بالله
وأمره منا . وذكر ابن عائذ : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام في غزوته هذه شهراً ونصفاً .
وقال ابن سعد : أقام بالحديبية بضعة عشر يوماً ، ويقال : عشرين ليلة ، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه

٣٣٩
وسلم ، فلما كانوا بضجنان نزلت عليه ﴿ إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾[الفتح: ١] فقال جبريل: نهنئك يارسول الله. وهنأه
المسلمون . وروينا عن ابن سعد ، قال : أخبرنا إسماعيل بن عبدالله بن قيس بن أبي أويس ، عن مجمع بن يعقوب ،
عن أبيه ، أنه قال : لما صد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وحلقوا بالحديبية، ونحروا، بعث الله ريحاً
عاصفاً ، فاحتملت أشعارهم فألقتها في الحرم .
وعن طارق بن عبدالرحمن ، قال : كنت عند سعيد بن المسيب ، فتذكروا الشجرة ، فضحك ، ثم قال : حدثني
أبي ، أنه كان ذلك العام معهم ، وأنه قد شهدها فنسوها من العام المقبل . وروينا عن ابن سعد ، قال : أخبرنا
عبدالوهاب بن عطاء ، أخبرنا عبدالله بن عوف ، عن نافع ، قال : كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها شجرة
الرضوان ، فيصلون عندها ، قال : فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ، فأوعدهم فيها ، وأمر بها فقطعت .
وروينا عن ابن عمر ، قال : كانت رحمة من الله . وروينا عن ابن سعد ، أخبرنا عبدالوهاب بن عطاء العجلي ،
قال : أخبرنا خالد الحذاء ، قال : أخبرني أبو المليح ، عن أبيه ، قال : أصابنا يوم الحديبية مطر لم يبل أسافل نعالنا ،
فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن صلوا في رحالكم](١).
قوله : (( الحديبية»، منصوب ؛ لأنها مفعول غزوة .
والحديبية -قال المؤلف عقب هذه الغزوة -: (( بئر سُمي المكان بها (٢)، ولاأعرف فيها التخفيف .
ورأيت بخط جدي قال الأستاذ -يعني عن أبي علي الشَّلوبين- هي بتخفيف الياء لاغير، كأنه تصغير
حُدَباءِ مقصور)) (٣) . انتهى . والكلام على الحديبية معروف ، فلانطول به .
وقوله : (( قال الأستاذ)) ، يعني به : أباعليّ الشلوبين ، كذا ظهر لي ، والشلوبين تقدم الكلام عليه .
قوله : ((عن ابن إسحاق، وخرج في ذي القعدة معتمراً))، إلى أن قال: (( وقال ابن سعد : يوم
الاثنين هلال ذي القعدة)) انتهى . فقوله في ذي القعدة هو الصحيح .
قال ابن إمام الجوزية : (( وهو قول الزهري ، وقتادة ، وموسى بن عقبة ، ومحمد بن إسحاق
وغيرهم .
وقال هشام بن عروة ، عن أبيه : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ، وكانت في
شوال ، وهذا وَهْمٌ ، وإنما كانت غزاة الفتح في رمضان ، وقد قال أبو الأسود عن عروة : إنها كانت في
ذي القعدة على الصواب .
وفي الصحيحين (( عن أنس ، أن النبي الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عُمَر، كلهن في
ذي القعدة))(٤)، فذكر منها عمرة الحديبية)»(٥) . انتهى .
فائدة : لم يذكر من أين أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة الحديبية ، وفي
((صحيح البخاري)(٦) أنه أحرم من ذي الحليفة ، وذكر ذلك في غزوة الحديبية . والله أعلم .
قوله : (( على المدينة ثُمَيلة))، هي تصغير نملة ، وهي الذَّرَّة ، وقد قدمت بعض ترجمته رضي الله
تعالى عنه .
(١) ((عيون الأثر)) ٢: ١٦٠ - ١٧٣.
(٢) انظر (( معجم البلدان)) ٢: ٢٢٩ ، وفيه قول : سميت الحديبية بشجرة حدباء.
(٣) ((عيون الأثر)) ٢: ١٧٣. ورسم لفظ ((حدباه)) هكذا (( حدبى)) .
(٤) ((صحيح البخاري)) ٢: ٢٤١ (١٧٧٦)، كتاب العمرة، باب كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم، (( صحيح
مسلم)) ٢ : ٩١٦ (١٢٥٣)، كتاب الحج، باب بيان عدد عُمَر النبي صلى الله عليه وسلم وزمانهن.
(٥) (( زاد المعاد)) ٣ : ٢٨٧ .
(٦) (( صحيح البخاري)) ٢: ٢٢١ (١٦٩٤، ١٦٩٥)، كتاب الحج ، باب من أشعر وقلّد بذي الحليفة ثم أحرم .