Indexed OCR Text
Pages 421-440
اللَّهُمَّ؛ أَسْتُرْ عَوْرَتِي وَأَمِّنْ رَوْعَتِي ، وَأَحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي ، وَعَنْ يَمِينِي ، وَعَنْ شِمَالِي ، وَمِنْ فَوْقِي؛ وَأَعُوذُ بكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي )) . ولا يخفى أنّ الأنبياء دعوا الله بالعافية ، ولا شكَّ أنّ دعوتهم مجابة !! ومع هذا أشدُّ الناس بلاءً الأنبياءُ ، ثمَّ الأمثل .. فالأمثل ، فيتعيَّن أَنْ تقيَّد الأسقام بسيّها ؛ كالبرص، والجنون ، والجُذَام مما تنفر عنه طباع العوامّ . ولذا ورد التعوُّذ من سَيِّىءٍ الأسقام ، وكذا يُقيّد في الأمور الدينيّة أو الدنيويّة بالشاغلة عن الأحوال الأخرويَّة. وفي (( لطائف المنن)) لابن عطاء الله السَّكَنْدَري : أنّ بعض الناس دخل على الشَّيخ أبي العبّاس المُرْسِيْ وهو مريض ؛ فقال له : عافاك الله، فسكت عنه ، ثمَّ قال ذلك ثانياً وثالثاً ، فقال له : يا هذا ، وأنا سألت الله العافية قبلك ، وما أنا فيه هو العافية، لأنَّ العافية على ما يعلم الله. انتهى (( شرح الأذكار)). ( اللَّهُمَّ ؛ أَسْتُرْ عَوْرَتِيْ ) : عيوبي وخللي وتقصيري . قال الشيخ أبو الغيث بن جميل : عورةُ كلِّ مخلوق شهوةُ نفسه ، وخيرُ الملابس عندنا : ما ستر العورة ، ولا يسترها سوى الموت عن كلِّ مباح ومحظور بحكم الضرورة ، والله بكل شيء عليم خبير ، وخير ملابس التقوى : ما يستر العورة ، وشر ملابس التقوى : ما أشهر العورة . انتهى . والمعنى : استر عورتي التي يسؤني كشفها، (وأَمِّنْ ) - بتشديد الميم - ( رَوْعَتِيْ ) - بفتح الراء - أي : فزعتي التي تخيفني؛ أي: ارفع عنِّي كلَّ خوف يقلقني ويزعجني . ( وَأَحْفَظْنِيْ ) أي : ادفع عنِّي البلاء من جهاتي الستّ التي تضمَّنَها قوله : ( مِنْ بَيِّنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِيْ، وَعَنْ يَمِيْنِيْ، وَعَنْ شِمَالِيْ، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوْذُ بِكَ أَنْ أُغْتَالَ) - بضم الهمزة مبنيًّ للمفعول - أي: أوخذ غيلة ( مِنْ تَحْتِيْ))) أي: أُدهى ٤٢١ ( الْبَزَّارُ ؛ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) . من تحتي بالخسف أو غيره . واستوعب الجهات الستّ بحذافيرها لأنَّ ما يلحق الإنسان من نحو نكبة وفتنة إنَّما يصله من أحدها ، وبالغ في جهة السفل لرداءة آفتها . ( البَزَّارُ) في ((مسنده)) (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما. قال الحافظ الهيثمي : فيه يونس بن حبَّان ، وهو ضعيف . انتهى. قال الْمُنَاوي : وظاهر صنيع المصنُِّ(١) أنَّه لا يوجد في أحد دواوين السنَّة ، وإلاَّ! لما عدل عنه ، وهو تقصيرٌ أو قصور ، فقد خرَّجه أبو داود ، وابن ماجه وكذا الحاكم وصححه من حديث ابن عمر قال: ((لَمْ يَكُنْ رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ يَدَعُ هُؤُلاءِ الْكَلِماتِ حِيْنَ يُمْسِيْ؛ وَحِيْنَ يُصْبِحُ)). انتهى. فاقتصار المصنِّف(١) على البزَّارِ خلافُ اللائق . انتهى كلام المناوي . ومثله يقال في حقِّ المصنّف(٢) التابع لـ ((الجامع الصغير)). وقد ذكره النوويّ في ((الأذكار)) بمخالفة يسيرة في اللَّفظ ، وقال : رواه أبو داود ، والنَّسائي ، وابن ماجه ؛ عن ابن عُمر رضي الله عنهما . قال شارحه ابن عَلاَّن : ورواه الحاكم أيضاً في ((المُسْتَدْرَك))؛ وقال: صحيح الإسناد، وابن حبان في ((صحيحه)). وقال الحافظ ابن حجر بعد تخريجه : حديث حسن غريب لا نعرفه إلاَّ من حديث عبادة بن مسلم، ولا عنه ؛ إلاَّ بهذا السند !! ، أي : جبير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم: أَنَّه كَانَ جالِساً عِنْدَ ابنِ عُمَرَ؛ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ وَّةِ ... الخ. قال : وأخرجه أحمد ، والنسائيُّ ، والحاكم ؛ كلهم عن عبادة المذكور . قال : ووجدت له شاهداً من حديث ابن عباس ؛ أخرجه البخاريُّ في (( الأدب المفرد )) ، وفي سنده راوٍ ضعيف . انتهى . أي السيوطي في ((الجامع الصغير)). (١) أي النبهاني في (( وسائل الوصول)). (٢) ٤٢٢ ١٨ - ((اللَّهُمَّ؛ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. نَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ)). (طب، ك؛ عَنْ وَالِدِ أَبِي الْمَلِيحِ [َرَحِمَهُ الله] ) . وقد ذكره أيضاً الحافظ ابن حجر في ((بلوغ المرام)) ؛ عن ابن عمر مع زيادة ومخالفة يسيرة ؛ وقال : أخرجه النسائيُّ، وابن ماجه ، وصحَّحه الحاكم . انتهى . ١٨ - ((اللَّهُمَّ؛ رَبَّ) أَي: يا ربَّ (جِبْرِيْلَ وَمِيْكَائِيلَ وَإِسْرَافِيْلَ وَمُحَمَّدٍ إِلّهِ؛ نَعُوْذُ ) ؛ أي : نعتصم ( بِكَ مِنَ النَّارِ))) ؛ أَي : من عذابها . وخصّ الأملاك الثلاثة !! لأنَّها أشرف الملائكة ، وأنَّها الموكَّلة بالحياة ، وعليها مدار نظام هذا الوجود ؛ فجبريل موكَّل بالوحي ؛ الذي هو حياة القلوب ، وميكائيل بالقطر والنبات ؛ الذي هو حياة الأرض والحيوان ، وإسرافيل بالنَّفْخِ في الصور ؛ الذي هو سبب حياة العالم وعود الأرواح إلى الأشباح ، فالتوسُّل إليه سبحانه بربوبيّة هذه الأرواح الموكَّلة بالحياة له تأثير كبير في حصول المطلوب . وجبريل أفضل الملائكة مطلقاً - على المعتمد -. وقيل : إِسرافيل أفضلُ منه . والمعتمد : أنَّه بعده ، ثمَّ بعد إِسرافيلَ ميكائيلُ ، ثمَّ ملك الموت . ( طب، ك)؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في (( الكبير))، والحاكم في (المناقب )، وكذا ابن السُّنِّيّ في (( عمل اليوم والليلة))؛ (عَنْ وَالِدِ أَبِي الْمَلِيْحِ ) - بفتح الميم مكبراً - واسم أبي المليح : عامر بن أسامة بن عمير بن عامر بن الأقيشر ، الهذليّ ، البصريّ . وهو تابعيٌّ من أوساط التابعين ، مات سنة : ثمان وتسعين ، وقيل : ثمان ومائة ، وقيل بعد ذلك، خرّج عنه أصحابُ (( السنن الأربعة))، ووالده صحابيٌّ تفرَّد عنه ولده . وروى له أصحاب ((السنن الأربعة))؛ قال: صَلَّيْتُ مَعَ رسولِ اللهِ وَلَوَ رَكْعَتَي الْفَجْرِ؛ فَسمعتُهُ يقول: ((اللَّهُمَّ ... )) إلى آخِرِهِ ثلاثاً، أي: فيتأكَّد قول ذلك بعد ٤٢٣ ١٩ - («اللَّهُمَّ؛ إِنَّكَ لَسْتَ بِإِلَهِ اسْتَحْدَثْنَاهُ ، وَلاَ بِرَبِّ أَبْتَدَعْنَاهُ ، وَلاَ كَانَ لَنَا قَبْلَكَ مِنْ إِلَهِ نَلْجَأُ إِلَيْهِ وَنَذَرَكَ ، وَلاَ أَعَانَكَ عَلَى خَلْقِنَا أَحَدٌ فَنُشْرِكَهُ فِيكَ؛ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ)) . (طب؛ عَنْ صُهَيْبٍ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ]). ٢٠ - ((اَللَّهُمَّ؛ إِنََّكَ تَسْمَعُ كَلاَمِي، وَتَرَى مَكَانِي ، سنَّة الصبح وقبل الفرض ، وإن كان يطلب قولُ ذلك في أيٍّ وقت كان ، لكنَّ ذاك آكد . قال الحَفْنِي : قال الحافظ الهَيْئَمِيُّ: وفيه من لم أعرفه . انتهى . ذكره المناوي . ١٩ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنَّكَ لَسْتَ بِإِلهِ أُسْتَحْدَثْنَاهُ) أَي : طلبنا حدوثه ، أي: تجدُّده بعد أن لم يكن ، ( وَلاَ بِرَبِّ أَبْتَدَعْنَاهُ) أي : اخترعناه على غير مثال سبق ، فهو أخصُّ مما قبله ؛ لأن الحدوث : التجدد ؛ سواء كان على مثال سابق أو لا . (وَلاَ كَانَ لَنَا قَبْلَكَ مِنْ إِلهِ نَلْجَأُ إِلَيْهِ وَنَذَرَكَ ) أي: نتركك، ( وَلاَ أَعَانَكَ عَلَىْ خَلْقِنَا ) : إِيجادنا من العدم ( أَحَدٌ ) غيرُك ( فَنُشْرِكَهُ فِيْكَ ) أي : في عبادتك والالتجاء إليك ، فإنَّك المنفرد بالخلق والإيجاد والتقدير . ولما نزَّهه ◌َِّ عن صفاتِ النَّقص تعالى ناسب أَن يذكر صفات الكمال ؛ فقال : (تَبَارَكْتَ ) أي : تقدَّسْتَ ( وَتَعَالَيْتَ))): تنزَّهْتَ . قال المناوي : وكان نبيُّ الله داود يدعو به . ( طب) أي : أخرجه الطّبرانيّ في ((الكبير))؛ (عَنْ صُهَيْبٍ ) - بالتصغير -. قال الحافظ الهيثمي : وفيه عمرو بن الحصين العقيلي ؛ وهو متروك . وفي العزيزي : إنه حديث ضعيف . انتهى . ٢٠ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنَّكَ تَسْمَعُ) بغير جارحة ( كَلاَمِيْ) أي : لا يعزب عنك مسموعٌ ؛ وإن خفي ، ( وَتَرَى مَكَانِيْ) إِن كنتُ في ملاء أو خلاء . ٤٢٤ وَتَعْلَمُ سِرِّي وَعَلَاَنِّي ، لاَ يَخْفَى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِي ، وَأَنَا أَلْبَائِسُ اَلْفَقِيرُ، الْمُسْتَغِيثُ الْمُسْتَجِيرُ، أَلْوَجِلُ الْمُشْفِقُ، الْمُقِرُّ الْمُعْتَرِفُ بِذَنْبِهِ، أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ الْمِسْكِينِ، وَأَبْتَهِلُ إِلَيْكَ ابْتِهَالَ الْمُذْنِبِ الذَّلِيلِ ، وَأَدْعُوكَ دُعَاءَ الْخَائِفِ الضَّرِيرِ ؛ ( وَتَعْلَمُ سِرِّيْ) : ما أُخفي ( وَعَلَانِيَتِيْ ): ما أُظهر؛ (لاَ يَخْفَى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِيْ ) . تأكيدٌ لما قبله لدفع توهُّم المجاز والتخصيص . قال الحرّاني : الإخفاء : تغييب الشيءٍ ، وأن لا يُجعل علیه عَلَمٌ یهتدی إلیه من جهته ، والغرض من ذلك الإجابةُ والقبول . ( وَأَنَا الْبَائِسُ) الذي اشتدَّت ضرورته ، (الْفَقِيْرُ ) أي : المحتاج إليك في سائر أحواله وجميع أموره ؛ فهو أعمُّ من البائس . ( الْمُسْتَغِيْثُ) : المستعين المستنصر بك ، فاكشف كُرْبَتي وأَزِلْ شِدَّتي : يقال : أغاثه الله إذا أعانه ، واستغاث به فأغاثه ، وأغاثهم الله كَشَف شدَّتهم . (الْمُسْتَجِيْرُ) - بالجيم -: الطالب منك الأمان من عذابك، ( الوَجِلُ ): الخائف ، ( الْمُشْفِقُ) : الكثير الخوف ، فهو أخصُّ من الوجل ، ( الْمُقِرُّ الْمُعْتَرِفُ بِذَتْبِهِ ) عطفُ تفسيرٍ . ( أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ الْمِسْكِيْنِ ) - بكسر الميم وفتحها لغة قليلة - أي : الخاضع الضعيف . سُمّي مسكيناً !! لسكونه إلى الناس . ! ( وَأَبْتَهِلُ إِلَيْكَ أَبْتِهَالَ المُذْنِبِ ) أَي : أَتَضَرَّعُ إِلَيْكَ تضرّع من أخجلته مقارفة الذنوب . (الذَّلِيْلُ) : المستهان به، (وَأَدْعُوْكَ دُعَاءَ الْخَائِفِ الضَّرِيْرِ) المضْطَر . بيَّن بهذا أنّ العبد ؛ وإن علت منزلته فهو دائم الاضْطِرار ، لأن الاضطرار تُعْطِيه حقيقة العبد ؛ إذ هو ممكن ؛ وكل ممكن مضطر إلى مُمِدٍّ يمدُّه . وكما أنّ الحقّ هو الغنيُّ أيضاً، فالعبدُ مضْطَر إِليه أبداً، ولا يزايله هذا ٤٢٥ مَنْ خَضَعَتْ لَكَ رَقَبَتُهُ ، وَفَاضَتْ لَكَ عَبْرَتُهُ ، وَذَلَّ لَكَ جِسْمُهُ ، وَرَغِمَ لَكَ أَنْفُهُ . الاضطرار ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، حتى لو دخل الجنّة فهو محتاجٌ إليه فيها ، غير أنَّه غمس اضطراره في المنّة التي أفرغت عليه ملابسها ، وهذا هو حكم الحقائق : أن لا يختلف حكمها ؛ لا في الغيب ولا في الشهادة ، ولا في الدنيا ولا في الآخرة . ومن اتَّسعت أنواره لم يتوقَّف اضْطِراره . وقد عيَّب الله قوماً اضطروا إليه عند وجود أسبابٍ ألْجَأَّتْهُم إلى الاضطرار ، فلمّا زالت زال اضطرارهم . وَلَمّا لم تُقْبِل عقول العامة إلى ما تعطيه حقيقة وجودهم ؛ سلّط الله عليهم الأسباب المثيرة للاضْطِرار ؛ ليعرفوا قَهْرَ ربوبيَّته ، وعظمة إِلَهيَّته . ( مَنْ خَضَعَتْ ) أصل الخضوع التطامن والميل ، والمرادُ هنا : الذّلّة؛ أي : من ذلّت ( لَكَ ) أي : لأجلك، أي : لأجل الخوف منك. ( رَقَبَتُهُ) ؛ أي : ذاته ، وكذا الكلام في ذلك فيما يأتي للتعليل على تقدير الخوف منك. ( وَفَاضَتْ ) : سالت ( لَكَ) أي: لأجل الخوف منك (عَبْرَتُهُ) - بفتح العين المهملة وسكون الموحدة -: البكاء ؛ أي : سالت من شدّة بكائه لأجل الخوف منك دموعه. وفي ((القاموس)): العَبْرة - بالفتح -: الدمعة قبل أن تفيض، وَتَرَدُّد البكاء في الصدر . ( وَذَلَّ ) أي : انقاد ( لَكَ) أي: لأجلك، أي: لأجل الخوف منك (جِسْمُهُ) أي : جميع أركانه الظاهرة والباطنة . ( وَرَغِمَ لَكَ أَنْفُهُ) ؛ أي : التصق أنفه بالرغام ؛ أي : التراب ، والمراد لازم ذلك؛ وهو الخضوع، ورغَم - بفتح الغين - قال في ((المختار)): ورَغَم فلان - من باب قطع - رغماً - بالحركات الثلاث في راء المصدر - إذا لم يقدر على الانتصاف . انتهى . ٤٢٦ اَللَّهُمَّ؛ لاَ تَجْعَلْنِي بِدُعَائِكَ شَقِيّاً، وَكُنْ بِي رَؤُوفاً رَحِيماً؛ يَا خَيْرَ الْمَسْؤُولِينَ ، وَيَا خَيْرَ الْمُعْطِينَ)) . (طب؛ عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ) . ٢١ - (( اللَّهُمَّ؛ إِلَيْكَ أَشْكُوْ ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي ، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى عَدُوِّ يَتَجَهَّمُنِي؟! (( اللَّهُمَّ ؛ لا تَجْعَلْنِيْ بِدُعَائِكَ شَقِيّاً) ؛ أي : خائباً متعباً نفسه بسبب عدم الإِجابة ، ( وَكُنْ بِيْ رَؤُوْفاً رَحِيْماً) ؛ أي : عطوفاً شفوقاً. ( يَا خَيْرَ الْمَسْؤُوْلِيْنَ) في معنى التعليل لما قبله، ومثله قوله: ( وَيَا خَيْرَ الْمُعْطِيْنَ ))) ؛ أَي : يا خير من طُلب منه ، ويا خير من أعطى . ( طب)؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في ((الكبير))؛ ( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) رضي الله تعالى عنهما قال: كانَ فِيْمَا دَعَا بِهِ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ عَشِيَّةَ عَرَفَة : ((اللَّهُمَّ)) ... إلى آخر ما ذكر . قال ابن الجَوْزي : حديث لا يصحُّ . وقال الحافظ العراقيُّ : سنده ضعيف ، وبيَّنه تلميذه الحافظ الهيثميّ ؛ فقال : فيه يحيى بن صالح الآملي ، قال العقيلي : له مناكير. وبقيَّة رجاله رجال الصحيح. انتهى ((مناوي)). ٢١ - ((اللَّهُمَّ؛ إِلَيْكَ أَشْكُوْ ضَعْفَ قُوَّتِيْ) قدّم ((إليك)) !! ليفيد الاختصاص ، أي : أشكو إليك ؛ لا إلى غيرك ، فإنّ الشكوى إلى الغير لا تجدي ، والشكوى إليه تعالى لا تنافي الصبر . ( وَقِلَّةَ حِيْلَتِيْ ، وَهَوَانِيْ عَلَىُ النَّاسِ ) ؛ أي : احتقارهم إيَّاي واستهانتهم بي ، ( يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ ) ؛ يا موصوفاً بكمال الإِحسان ؛ ( إِلَى مَنْ تَكِلُنِيْ) : تفوِّض أمري؟! (إِلَى عَدُوّ) من كفّار قريش أو غيرهم ( يَتَجَهَّمُنِيْ ) - بالتحتيّة والفوقيّة ، المفتوحتين ، فالجيم فالهاء المفتوحتين ، ٤٢٧ أَمْ إِلَىْ قَرِيبٍ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟! إِنْ لَمْ تَكُنْ سَاخِطاً عَلَيَّ فَلاَ أُبَالِي، غَيْرَ أَنَّ عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي ، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الْكَرِيمِ الَّذِي أَضَاءَتْ لَهُ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ، وَأَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ .. أَنْ تُحِلَّ عَلَيَّ غَضَبَكَ ، أَوْ تُنْزِلَ عَلَيَّ سَخَطَكَ ، وتشديد الهاء - أي : يلقاني بالغِلْظة والوجه الكريه . ( أَمْ إِلَىْ قَرِيْبٍ مَلَّكْتَهُ أَمْرِيْ !! ) أي : جعلته متسلِّطاً على إيذائي ؛ ولا أستطيع دفعه. ( إِنْ لَمْ تَكُنْ سَاخِطاً عَلَيَّ) - في رواية: ((إِن لَمْ يَكُنْ بِكَ سَخَطْ عَلَيَّ)) . ( فَلاَ أُبَالِيْ ) بما يصنع بي أعدائي وأقاربي من الإيذاء ؛ طلباً لمرضاتك. ( غَيْرَ أَنَّ عافِيَتَكَ ) : التي هي السلامة من البلايا والمحن والمصائب ( أَوْسَعُ لِيْ) . فيه : أَنّ الدُّعاء بالعافية مطلوب محبوب ، وقد تقدّم !. ( أَعُؤْذُ بِتُوْرِ وَجْهِكَ ) ؛ أي: ذاتك ( الْكَرِيْم)؛ أي: الشَّريف ( الَّذِيْ أَضَاءَتْ لَهُ السَّمْوَاتُ وَالأَرْضُ ) !! جَمَع السموات وأفرد الأرض ؛ لأنَّها طبقات متفاصِلة بالذات ؛ مختلفة بالحقيقة . ( وَأَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُماتُ). قال المناوي: ببناء ((أُشْرِقَت)) للمفعول من أَشْرَقت بالضوء تُشْرق : إذا امتلأت به واغتصَّت ، وأشرقها الله ، كما تقول : ملأ الأرض عدلاً وطبّقها عدلاً ؛ ذكره كلّه الزَّمَخْشَرِيُّ. قال في ((الحِكَمِ الْعَطائِيَّةِ )): الكونُ كُلُّهُ ظُلْمَةٌ، وإِنَّما أناره ظهور الحقِّ فيه ، فمن رأى الكون ولم يشهده ؛ فيه ، أو قبله ، أو عنده ، أو بعده ؛ فقد أعوزه وجود الأنوار ، وحُجِبَتْ عنه شموس المعارف بسحب الآثار . ( وَصَلُحَ) - بفتح اللّم وتضمُّ - أي: استقام وانتظم (عَلَيْهِ أَمْرُ الذُّنْيَا وَالآخِرَةِ، أَنْ تُحِلَّ عَلَيَّ غَضَبَكَ ) ؛ أي: تنزله بي أو توجبه عليّ، ( أَو تُنْزِلَ عَلَيَّ سَخَطَكَ ) ؛ أي : غضبك ، فهو من عطف المرادف . ٤٢٨ وَلَكَ الْعُثْبَى حَتَّى تَرْضَىُ ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَقُوَّةَ إِلاَّ بِكَ)) . ( طب ؛ عن عَبْدِ اللهِ بْن جَعْفَرِ ) . ( وَلَكَ الْعُنُبىّ) - بضم المهملة آخره ألف مقصورة - أي: استرضیك ( حَتَّى تَرْضَى ) ، يقال : استَعتَبْتُه فأعتبني ، أي : استرضيته فأرضاني . ( وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِكَ))) ؛ أي: لا تحوُّل عن فعل المعاصي ، ولا قوَّة على فعل الطاعات إلّ بتوفيقك . واستعاذ بهذا بعد الاستعاذة بذاته تعالى !! إشارة إلى أنّه لا يوجد في الكون حركةٌ ولا سكون ؛ في خير أو شر ؛ إلّ بأمر الله ومشيئته. ﴿ إِنَّمَآ أَمْرُهُ: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (®﴾ [يس]. وهذا يسمّى ((دعاء الطائف))، وذلك لأنّ المصطفى ◌َّ لمّا مات عمُّه أبو طالب اشتدّ أذى قومه له ؛ فخرج إلى الطائف ، رجاء أن يؤوه وينصروه ، فآذوه أشدّ من قومه ، ورماه سفهاؤهم بالحجارة حتى دَمِيَت قدماه ، وزيدٌ مولاه يقيه بنفسه ، حتى انصرف راجعاً إلى مكة محزوناً ؛ فدعا بهذا ، فعند ذلك أرسل إليه ربُّه ملك الجبال ، فسأله أن يطبق على قومه الأخْشَبَيْن، فقال: ((بَلْ أَسْتَأْنِي؛ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُهُ » . ( طب) ؛ أي : أخرجه الطبراني في «الكبير))؛ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ ) بن أبي طالب ، أبي جعفر القُرَشيّ الهاشميّ ؛ الصحابيّ ابن الصحابيِّ ابن الصحابيّة ، والجواد بن الجواد . أمّه أسماء بنت عميس الخَثْعَمِيّة ، وكان أبوه جعفر هاجر بأمّه إلى أرض الحبشة ؛ فولدت عبد الله هناك ، وهو أوّل مولود ولد في الإسلام بأرض الحبشة باتّفاق العلماء . وقدم مع أبيه من الحبشة مهاجِرَيْن إلى المدينة ، وهو أخو محمد بن أبي بكر الصديق ، وأخو يحيى بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم ، أمُّهم أسماء بنت عميس ، تزوَّجها جعفر ، ثم أبو بكر ، ثم عليٌّ . ٤٢٩ ٢٢ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ؛ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ ، [وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ ؛ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ] . اللَّهُمَّ ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ بِهِ عَبْدُكَ وَنَبِّكَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ بِهِ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ . اللَّهُمَّ ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ وكان عبد الله بن جعفر كريماً ، جواداً ، حليماً، وكان يسمّى (( بحر الجود))، قيل : لم يكن في الإسلام أسخى منه . وأخبار أحواله في السخاء والجود والحلم مشهورة لا تحصى . روي له عن رَسُولِ اللهِ وَ له خمسة وعشرون حديثاً؛ اتّفق البخاريّ ومسلم منها على حديثين ، روى عنه بنوه الثلاثة : إسماعيل ، وإسحاق ، ومعاوية . وروى عنه القاسم بن محمد ، وعروةُ بن الزبير ، والشَّعْبِيّ وغيرهم ، وتوفي رسول الله وَ﴿ وعمره عشر سنين ، وكانت وفاة عبد الله بن جعفر بالمدينة سنة : ثمانين من الهجرة ؛ وهو ابن ثمانين سنة . هذا هو الصحيح وقولُ الجمهور رضي الله تعالى عنه ؛ ذكره النوويّ رحمه الله . آمين . ٢٢ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ)؛ بالجر على أَنَّ تأكيد للخير ، و(( مَنْ)) للبيان ؛ أي: أسألك مسؤولاً هو الخيرُ كلُّه ( عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ؛ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ ) منه. [وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ ؛ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ] . ( اللَّهُمَّ ؛ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ بِهِ عَبْدُكَ وَنَبِيِّكَ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ بِهِ عَبْدُكَ وَنَبِيِّكَ ) - يعني نفسه -. ( اللَّهُمَّ ؛ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ) - بتشديد الراء - أي: قربني ( إِلَيْهَا مِنْ ٤٣٠ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ لِي خَيْراً)) . (٥؛ عَنْ عَائِشَةَ). ٢٣ - (( اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَسْمِكَ الطَّاهِرِ الطَّيِّبِ، الْمُبَارَكِ اُلأَحَبِّ إِلَيْكَ، الَّذِي إِذَا دُعِيتَ بِهِ .. أَجَبْتَ، وَإِذَا سُئِلْتَ بِهِ .. أَعْطَيْتَ، قوْلٍ أَوْ عَمَلِ ) بيانٌ للموصول أي: سواء كان بالجوارح؛ أو بالقلب فـ (( أو )) للتنويع . (وَأَعُوْذُ بِكَ مِنَ النَّارِ ؛ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ لِي خَيْراً))) بأن ترضِّيَني به وتصبِّرني عليه . وهذا من جوامع الكلم وأحبُّ الدعاء إلى الله، وأعجلُه إِجابةً ، والقصدُ به طلبُ دوام شهود القلب: أَنَّ كُلَّ واقعٍ فهو خير ، وينشأ عن ذلك الرِّضا، ومن جعل الرضا غنيمَتَه في كلِّ كائن من أوقاته - وافَقَ النفس ؛ أو خالَفها - لم يزل غانماً بما هو فيه راضٍ بما أوقع الله له ، وأقامَ من حكمته . (٥) ؛ أي : أخرجه ابن ماجه؛ (عَنْ عَائِشَةَ) أُمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها، قالت: قَالَ لِيْ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((عَلَيْكِ يَا عَائِشَةُ؛ بِالْجَوَامِعِ الْكَوَامِلِ .... قُوْلَيْ: اللَّهُمَّ)) ... إلى آخره. ورواه عنها أيضاً البخاريُّ في ((الأدب))، والإمام أحمد في ((مسنده))، وابن حبّان، والحاكم وصحَّحه ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها . ٢٣ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ بِأَسْمِكَ الطَّاهِرِ) المنزَّه عن كلِّ نقص، (الطَّيِّبِ) النفيس ، ( الْمُبَارَكِ) الزائد خيرُه، العميم فضله، (الأَحَبِّ إِلَيْكَ ) من سائر الأسماء لقُرْبه من الإِجابة . وإن كانت أسماؤه تعالى كلُّها طاهرة طيَِّة محبوبة . وهذا الحديث ترجم له بعض المحدِّثين بـ (( باب: اسم الله الأعظم)) ( الَّذِيْ إِذَا دُعِيْتَ بِهِ أَجَبْتَ ) الداعي إلى ما سأله ، ( وَإِذَا سُئِلْتَ بِهِ أَعْطَيْتَ ) السائل سؤله ، ٤٣١ وَإِذَا أَسْتُرْحِمْتَ بِهِ .. رَحِمْتَ، وَإِذَا اسْتُفْرِجْتَ بِهِ .. فَرَّجْتَ)). (٥ ؛ عَنْ عَائِشَةَ). ٢٤ - (( اَللَّهُمَّ؛ لَكَ الْحَمْدُ كَأَلَّذِي نَقَوْلُ وَخَيْراً مِمَّا نَقُولُ ، اللَّهُمَّ؛ لَكَ صَلاَتِي وَنُسُكِي، وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي ، وَإِلَيْكَ مَآبِي ، وَلَكَ رَبِّ تُرَاثِي . ( وَإِذَا أَسْتُرْحِمْتَ بِهِ ) ؛ أي : طلب أحد منك أن ترحمه وأَقْسَمَ عَليك به ( رَحِمْتَ)؛ أي: رَحِمْتَهُ، (وَإِذَا أُسْتُفْرِجْتَ بِهِ) ؛ أي : طلب منك الفرج ( فَرَّجْتَ ) عمَّن استفرج به ، ولم تردّه خائباً . وهذا خرج جواباً لسائل سأله أن يعلِّمه دعاءً جامعاً يدعو به . (٥) ؛ أي: أخرجه ابن ماجه؛ (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها ، وبؤَّب عليه ( باب اسم الله الأعظم ) . ٢٤ - ((اللَّهُمَّ ؛ لَكَ الَحَمْدُ كَالَّذِيْ نَقُوْلُ ) - بالنّون - أي : کالذي نحمدك به من المحامد ، ( وَخَيْراً مِمَّا نَقُوْلُ) - بالنّون - أي: ممَّا حمدت به نفسك ، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك ، سبحانك لا نحصي ثناءً عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك . وذلك لأنّه تعالى متّصف بصفات كمال لا يحيط بها ما نحمده به . ( اللَّهُمَّ لَكَ)؛ لا لغيرك ( صَلاَئِيْ وَنُسُكِيْ) - بضمتين -: عبادتي ، فهو عطف عام ، أو المراد ذبائحي في الحج والعمرة ، فهو عطف مغاير . ( وَمَحْيَايَ ) ؛ أي : حياتي ، أي: لك لا لغيرك الأعمال الواقعة في حياتي . ( وَمَمَاتِيْ) : موتي ، أو المراد: لك، أي : منك إحيائي وإماتتي ، أي : بقدرتك ، أي : هما طوع إرادتك وقدرتك . والجمهور على فتح ياء (( محياي )) ؛ وسكون ياء ((مماتي))، ويجوز الفتح والسكون فيهما . ( وَإِلَيْكَ مَآنِيْ) ؛ أي: منقلبي ومرجعي، (وَلَكَ رَبِّ تُرَائِيْ) بمثنَّاة ومثلثة، ٤٣٢ اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَوَسْوَسَةِ الصَّدْرِ، وَشَتَاتِ الأَمْرِ . اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَجِيءُ بِهِ الرِّيَاحُ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَجِيءُ بِهِ الرِّيحُ)). (ت، هب؛ عَنْ عَلِيٍّ ) . أي : إرئي : وهو ما يخلفه الإنسان لورثته ، أي : إرئي ومالي كلُّه لك ، إذ ليس لأحد معك ملك . وفي شروح ((الجامع الصغير)): أي: مورثي لك لا لغيرك، لأنّه وَلَّلِ كبقيّة الأنبياء لا يورث، فهو صدقة لله تعالى. وفي الخبر: ((إنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لاَ نَوْرَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ )) . وقد تقدّم الكلام عليه . ( اللَّهُمَّ ؛ إِنِّيْ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ) . استعاذ منه !! لأنّه أوَّل منزل من منازل الآخرة ، فسأل الله تعالى أن لا يتلقّه في أوَّل قدم يضعه في الآخرة في قبره عذاب ربِّه . ( وَوَسْوَسَةِ الصَّدْرِ ) ؛ أَيْ : حديث النفس بما لا ينبغي ، وأضافها للصدر !! لأن الوسوسة في القلوب التي في الصدور . ( وَشَتَاتٍ ) - بفتح الشين المعجمة - ( الأَمْرِ ) ، أي : تفرقة الخواطر في أمر الدِّينِ ؛ بالاشتغال بأمور الدُّنيا ، لأنّ ذلك يتعب القلب . ( اللَّهُمَّ ؛ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ ما تَجِيْءُ بِهِ الرِّيَاحُ ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَجِيْءُ بِهِ الرِّيْحُ ))) سأل الله خير المجموعة !! لأَنَّها للرّحمة ، وتعوَّذ به من شرّ المُفْرَدَةِ !! لأَنَّها للعذاب ، على ما جاء به الأسلوب في كلام علّم الغيوب ؛ وهذا أغلبيٌّ ، والمستعاذ منه ؟! قيل : العذاب . وقيل : إِنَّ ذلك كناية عن سوء القضاء والقدر . ( ت، هب) ؛ أي: أخرجه التّرمِذي، والبيهقي في (( شعب الإيمان )) ؛ ( عَنْ عَلِيٍّ ) أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه قال : كانَ أَكْثَرَ ما دَعا بِهِ ٤٣٣ ٢٥ - (( اللَّهُمَّ .. إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَأَسْأَلُكَ عَزِيمَةَ الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ لِسَاناً صَادِقاً ، وَقَلْباً سَلِيماً، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ ، رسُوْلُ اللهِ وَه عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فِي المَوْقِفِ: ((اللَّهُمَّ .. )) إلى آخره . قال الترمذي : غريب ، وليس إسناده بالقويّ . وأخرجه ابن خُزَيْمَة ؛ وقال : خرّجتُه؛ وإن لم يكن ثابتاً من جهة النقل !! لأنَّه من الأمر المباح . ٢٥ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ النَّبَاتَ فِي الأَمْرِ)؛ أي: الدوام على الدين والاستقامة، بدليل خبر: أَنّ المُصْطَفَى وَهِ كَانَ كَثِيْراً مَا يَقُوْلُ « ثَبَّتْ قَلْبِيْ على دِيْنِكَ )) . أراد الثبات عند الاحتضار ؛ أو السؤال ، بدليل خبر : أَنَّهُ كانَ يَقُوْلُ إذا دُفِنَ المَيِّتُ قَالَ: ((سَلُوا لَهُ التَّقْبِيْتَ، فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ)) . ولا مانع من إرادة الكلِّ، ولهذا قال الوليّ : الثباتُ : التمكُّن في الموضع الذي شأنه الاستزلال . (وَأَسْأَلُكَ عَزِيْمَةَ الرُّشْدِ ) ؛ أي : حسن التصرف في أمر الدين والإقامة عليه . ( وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ ) ؛ أي : الثَّوفيق لشكر إِنعامك، ( وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ): إيقاعها على الوجه الحسن المرضيِّ شرعاً ، وذلك باستيفاء شروطها وأركانها ومستحبَّاتها . ( وَأَسْأَلُكَ لِساناً صَادِقاً) ؛ أي : محفوظاً من الكذب ؛ لأنّ تعوُّدَ اللسان للكذب سببٌ في الهلاك . ( وَقَلْباً سَلِيْماً) ؛ أي : خاليا من الحقد والحسد والكبر ، ومن العقائد الفاسدة ، والميل إلى اللَّذَّات والشَّهوات العاجلة ، ويتبع ذلك الأعمال الصالحة ؛ إذ من علامة سلامة القلب تأثيرُها في الجوارح ، كما أنّ صحة البدن عبارةٌ عن حصول ما ينبغي من استقامة المزاح والتركيب ، ومرضه عبارة عن زوال أحدها . ( وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ ) ؛ أي : ما تعلمه أنت ؛ ولا أعلمه أنا . ٤٣٤ وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ مِمَّا تَعْلَمُ ، إِنََّكَ أَنْتَ عَلَمُ اُلْغُيُوبِ)). (ت، ن؛ عَنْ شَدَّادِ أَبْنِ أَوْسٍ). ٢٦ - (( اَللَّهُمَّ؛ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْكَ أَنَبَّتُ ، وَبِكَ خَاصَمْتُ . اللَّهُمَّ ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَنْ . ( وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ ما تَعْلَمُ ) وهذا سؤال جامع للاستعاذة من كلِّ شرّ ، وطلبٍ كلِّ خیر . وخَتَمَ هذا الدعاء - الذي هو من جوامع الكلم - بالاستغفار الذي عليه المعوَّل والمدار فقال : ( وَأَسْتَغْفِرُكَ مِمَّا تَعْلَمُ)؛ أي : أطلب منك أن تغفر لي ما علمتَه منِّي من تقصير ؛ وإنْ لم أُحِطْ به علماً . ( إِنَّكَ أَنْتَ عَلَمُ الْغُيُوْبِ))) ؛ أي : الأشياء الخفيّة ، أي : عالم بواطن الأمور كما تعلم ظواهرها . ( ت، ن) ؛ أي : أخرجه الترمذيُّ، والنسائي؛ ( عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ) رضي الله تعالى عنه ، ورواه عنه أيضاً الحاكم وصحَّحه ، وقال الحافظ العراقيّ : قلت : بل هو منقطع ، وهو ضعيف . ٢٦ - ((اللَّهُمَّ؛ لَكَ أَسْلَمْتُ) ؛ أي : لك ؛ لا لغيرك انقدت . ( وَبِكَ آمَنْتُ ) ؛ أي : بك لا بغيرك صدَّقْتُ . قال النوويُّ : فيه إِشارة إلى الفرق بين الإسلام والإيمان . ( وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ) ؛ أي : عليك لا على غيرك اعتمدت في تفويض أموري . ( وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ) ؛ أَي : رجعت وأَقبلت بهمَّتي . ( وَبِكَ خَاصَمْتُ ) ؛ أَي : بك أحتجُّ وأدفع مَن يريد مخاصمتي . ( اللَّهُمَّ ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ)؛ أي: بقوّة سلطانك، ( لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ أَنْ ٤٣٥ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الْقَثُّومُ الَّذِي لاَ يَمُوتُ، وَأَلْجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ )) . (م ؛ عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ ) . ٢٧ - (( آللَّهُمَّ ؛ عَافِي فِي بَدَنِي . اللَّهُمَّ ؛ عَافِي فِي سَمْعِي . اللَّهُمَّ ؛ عَافِي فِي بَصَرِي . اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ . تُضِلَّنِيْ ) ؛ أي : أعتصم بك من أن تهلكني بعدم التوفيق للرشاد ، ( أَنْتَ الْحَيُّ القَيُّوْمُ) ؛ أي : الدائم القائم بتدبير الخلق ، ( الَّذِيْ لاَ يَمُوْتُ ) ؛ بلفظ الغائب للأكثر وفي بعض الروايات [تموت] بلفظ الخطاب ؛ أي : الحيّ الحياة الحقيقيّة التي لا يجامعها الموت بحال . (وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُؤْتُوْنَ))) عند انقضاء آجالهم . ( م) ؛ أي : أخرجه مسلم ؛ ( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) رضي الله تعالى عنهما . قال المناوي : وقضيّة كلام المصنِّف : أنّ هذا من مفردات مسلم عن صاحبه !! وليس كذلك ، فقد رواه البخاريّ في (( التوحيد )) ؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . انتهى . ٢٧ - ((اللَّهُمَّ؛ عَافِيْ فِي بَدَنِيْ) من الأسقام والآلام . ( اللَّهُمَّ ؛ عَافِيْ فِي سَمْعِيْ ) ؛ أي : القوّة المودعة في الجارحة . ( اللَّهُمَّ ؛ عَافِيْ فِيْ بَصَرِيْ) . خصَّهُما بالذكْرِ بعد ذِكْرِ البدن !! لأنّ العين هي التي تنظر آياتِ الله المنبثةَ في الآفاق ، والسمع يعي الآيات المنزلة ، فهما جامعان لدرك الآيات ؛ العقلية والنقلية. وإليه سرُّ قوله في حديث آخر: ((اللَّهُمَّ مَتِّعْنا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا ». ( اللَّهُمَّ؛ إِنِّيْ أَعُوْذُ بِكَ مِنَ الكُفْرِ وَالْفَقْرِ ) ذِكْرُه بعد الكفر !! ((إشارةٌ )) إلى أَنَّه قد يترتَّب عليه . ٤٣٦ اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ)). (د) ك ؛ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ) . ٢٨ - ((اللَّهُمَّ؛ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِينَ إِذَا أَحْسَنُوا .. أُسْتَبْشَرُوا، ( اللَّهُمَّ ؛ إِنِّيْ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ))) فلا يستعاذ من جميع المخاوف والشدائد إلّ بك أنت . والقصدُ باستعاذته من الكفر - مع استحالته من المعصوم - أَن يُقْتَدَى به في أصل الدعاء . (د، ك) ؛ أي : أخرجه أبو داود، والحاكم؛ ( عَنْ أَبِيْ بَكْرَةَ) : نُفَيْع بن الحارث بن كَلَدة - بكاف ولام مفتوحتين - الثقفيّ البصريّ . وأمّه سميّة أَمَةٌ للحارث بن كَلَدة ، وهي أيضاً أمّ زياد بن أبيه . وإِنّما كنّي ((أَبا بكرة))! لأنّه تدلّى من حصن الطائف إِلى النبيّ وَّ ، وكان أسلم وعجز عن الخروج من الطائف إلّ هكذا. ثمّ بعد رسول الله وَله انتقل إلى البصرة، وكان من أعيان البصرة ، ومن الفضلاء الصالحين ، ولم يزل على كثرة العبادة حتى توفي . وكان أولاده أشرافاً بالبصرة في كثرة العلم والمال والولايات . وتوفي بالبصرة سنة : إحدى وخمسين ، أو : اثنتين وخمسين هجرية ؛ رضي الله تعالى عنه . ورواه عنه أيضاً النسائي في ((عمل اليوم والليلة )) وقال - أعني النسائي - : فيه جعفر بن ميمون : ليس بقوي . ٢٨ - ((اللَّهُمَّ؛ أَجْعَلْنِيْ مِنَ الَّذِيْنَ إِذَا أَحْسَنُوْا أُسْتَبَشَرُوْا) ؛ أي : إذا أَتَوا بعمل حسن قرنوه بالإخلاص ؛ فيترتب عليه الجزاء ، فيستحقون عليه الجنّة ؛ فيستبشرون بها، كما قال تعالى ﴿وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [فصلت] . فهو كناية ٣٠ تَلْوِنْحِيَّة ؛ قاله المناوي . ٤٣٧ وَإِذَا أَسَاؤُوا .. أَسْتَغْفَرُوا)). (٥، هب؛ عَنْ عَائِشَةَ). ٢٩ - («اللَّهُمَّ؛ أَرْزُقْنِي حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ. اللَّهُمَّ ؛ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ. ( وَإِذَا أَسَاءُوْا) ؛ أي: فعلوا سيّئة ( أُسْتَغْفَرُؤا)؛ أي : طلبوا من الله تعالى مغفرةَ ما فَرَط منهم . ومن ثمّ قال بعضهم : خير الذنوب ذنب أعقب توبة . وشؤُ الطاعات طاعة أورثت عجباً . مَعْصِيَةٌ أَوْرَثَتِ أَفْتِقَارَا خَيْرٌ مِنَ الطَّاعَةِ وَأَسْتِكْبَارَا والمصطفى وَ﴿ معصوم عن الإساءة! وإنّما هذا تعليم للأمّة ؛ أرشدهم إلى أن يأتيَ الواحد منهم بهذا الدعاء الذي هو عبارةٌ عن أن لا يبتليه بالاستدراج ویری عمله حسنا فيهلك. ﴿ أَفَمَنْ زُيِنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، فَرَءَاهُ حَسَنٌَّ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [٨/ فاطر]. وقولُه ((من الذين)) أبلغُ من أن يقول: (( اجعلني أستبشر إذا أحسنتُ ، وأستغفر إذا أسأت)). كما تقول ((فلان من العلماء))، فيكون أبلغَ من قولك (( فلان عالم)) ؛ لأنّك تشهد له بكونه معدوداً في زمرتهم ومعرفة مساهمته لهم في العلم ؛ ذكره الزّمخشريّ . (٥، هب)؛ أي: أخرجه ابن ماجه، والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان))؛ (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها . وفيه عليُّ بن زيد بن جُدْعان !! مختلف فيه . ٢٩ - ((اللَّهُمَّ؛ أَرْزُقْنِيْ حُبَّكَ) بأن لا أَشتغل بشيء غيرِ طاعتك ومراقبتك . ولما كانت محبَّ المقرَّبين وسيلةً إلى حبِّ الله تعالى ، وأن محبَّتهم لا تنافي محبّة الله تعالى أشار إلى طلب التعلُّق بذلك بقوله: ( وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِيْ حُبُّهُ عِنْدَكَ ) ؛ كالملائكة، والأنبياء ، والأصفياء ؛ لأنَّ لا سعادة للقلب ولا لذّة ولا نعيم ؛ إلاّ بأن يكون الله أحبَّ إليه ممّا سواه . (اللَّهُمَّ ؛ مَا رَزَقْتَنِيْ مِمَّا أُحِبُّ) من المال والسمع والبصر ، والقوى الجسمانيّة ٤٣٨ فَأَجْعَلْهُ قُوَّةً لِ فِيمَا تُحِبُّ ، وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ .. فَاجْعَلْهُ فَرَاغاً لِي فِيمَا تُحِبُّ)). (ت؛ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] ) . ٣٠ - (« اللَّهُمَّ ؛ أَغْفِرْ لِي ذَنْبِي ، وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي ، والروحانيّة ؛ ( فَأَجْعَلْهُ قُوَّةً لِيْ) ؛ أي: وفِّقني لأصرفه ( فِيْمَا تُحِبُّ) من الطاعات . ( وَمَا زَوَيْتَ)؛ أي: صرفت ونخَّيت ( عَنِّيْ مِمَّا أُحِبُّ) من المال ونحوه؛ ( فَاجْعَلْهُ فَرَاغَاً لِي فِيْمَا تُحِبُّ) ؛ أي: اجعله سبباً لتفرُّغي لطاعتك ، ولا تشغل به قلبي فيشغلني عن عبادتك . وذلك لأنّ الفراغ خلاف الشغل ، فإذا زوي عنه الدنيا كان ذلك الفراغ ؛ عوناً له على الاشتغال بطاعة الله تعالى . وقد حرّر الله أسرارَ نبيّنا ؛ كالأنبياء من رِقِّ الأغيار ، وصانهم بوجود عنايته من الركون إلى الآثار ، لا يحبُّون إلا إيّاه ، ولا يشتغلون بسواه ؛ قاله المناوي . ( ت) ؛ أي : أخرجه الترمذيُّ في ((كتاب الدعاء))؛ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيْدَ ) - بمثنّاتين تَحْتِيَيْنِ: من الزيادة ( الخَطْمِي) - بفتح المعجمة وسكون المهملة : نسبة إلى بني خَطْمة : قبيلة معروفة ، صحابيٌّ صغير ، شهد الحديبية ابن سبع عشرة ، وولي الكوفة لابن الزبير . قال الترمذيُّ : حديث حسن غريب ، قال ابن القَطَّان: ولم يصحّحه !! لأنّ رواته ثقات إلاّ سفيان بن وكيع ؛ فمتّهم بالكذب ، وترك الرازباني حديثه بعد ما كتبناه ، وقيل لأبي زُرْعَةَ : أكان يكذب ؟ قال: نعم. انتهى ((مناوي)). ٣٠ - ((اللَّهُمَّ ؛ أَغْفِرْلِيْ ذَنْبِيْ) ، هذا من باب التشريع والتعليم للأمّة . ( وَوَسِّعْ لِيْ فِي دَارِيْ ) ؛ أي : محلَّ سَكَني في الدنيا ، لأنّ ضيق مرافق الدار يضيّق الصدر ، ويجلب الهمّ ، ويشغل البال . والمراد التوسعة بما يقتضيه الحال ؛ لا توسعة كثيرة مؤدِّية للترقُّه والتبسُّط في ٤٣٩ وَبَارِكْ لِي فِي رِزْقِي)). (ت؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ). ٣١ - « اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةٌ مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قَلْبِي ، الدنيا ، بل إنّما يسأل حصول قدر الكفاية ؛ لا زيادة ولا نقص ، وكذا يقال فيما بعده وهو قوله ( وَبَارِكْ لِيْ فِي رِزْقِيْ))) ؛ أي : اجعله مباركاً محفوفاً بالخير ، وفقني للرضا بالمقسوم منه ، وعدم الالتفات لغيره . وهذا كان يقوله بعد الوضوء عقب دعاء الوضوء . ( ت) ؛ أي : أخرجه الترمذيّ؛ (عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه . قال المناوي: ورمز السيوطيّ في (( الجامع)) لصحَّته ، ورواه الإمام أحمد ، والطبرانيّ عن رجل من الصحابة، وزاد: فَسُئِلَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ عَنْهُنَّ، فَقَالَ: (( وَهَلْ تَرَكَتْ مِنْ شَيْءٍ؟! )) . ورواه النسائيُّ، وابن السّنِّيّ في كتابيهما: (( عمل اليوم والليلة))؛ عن أبي موسى قال: ((أَتَيْتُ رَسُوْلَ الله وَّهِ بِوَضُوْءٍ؛ فَتَوَضَّأَ، فَسَمِعْتُهُ يَدْعُوْ يَقُوْلُ ... فذكره . وترجم عليه ابن السّنِّيّ بـ (( باب : ما يقوله بين ظهراني وضوئه)) ، وترجم عليه النسائيُّ بـ ((باب: ما يقول بعد فراغ وضوئه)). قال في ((الأذكار)): إِسناده صحیح . انتهى . ٣١ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ) ؛ أي: أطلب منك (رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ ) ؛ أي : ابتداء من غير سبب . وقال القاضي : نكّر الرحمة تعظيماً لها ؛ دلالةً على أنّ المطلوب رحمةٌ عظيمةٌ لا يُكْتَنَهُ كُنْهُها، ووصفها بقوله: (( من عندك)» مزيداً لذلك التعظيم ، لأنّ ما يكون من عنده لا يحيط به وصفه، لقوله تعالى ﴿ وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمَالـ (٦٥)﴾ [الكهف] . ( تَهْدِيْ ) : تُرْشِدُ (بِهَا قَلْبِيْ) إليك، وتُقَرِّبُهُ لديك. وخصّه !! لأنّه محلّ العقل ؛ فباستقامته تستقيم سائر الأعضاء . ٤٤٠