Indexed OCR Text

Pages 381-400

وَأَجْعَل ◌ِ مِن لَّدُنْكَ سُلْطَانًّا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠].
﴿ رَبَّنَآ ءَائِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠].
قَالَ رَبّ أَشْرَحْ لِ صَدْرِىٍ﴾ وَبَسِرْ لِيِ أَمْرِى﴾ [طه: ٢٥-٢٦].
والمُرسى، ومعنى إضافة ((المدخل)) و((المخرج)) إلى الصدق مدحُهما ؛
كأَنَّه سأل الله تعالى إدخالاً حسناً ، وإخراجاً حسناً لا يرى فيهما ما يكره .
﴿﴿ وَأَجْعَل لِ مِن لَّدُنْكَ﴾)؛ أي: عندك، (﴿سُلْطَنَّا نَصِيرًا﴾) : حجَّة ظاهرةً
تنصرني بها على جميع من خالف الحقَّ .
قال الألوسي : المرادُ من السُّلطان كلُّ ما يفيد الغَلَبة على أعداء اللهِ تعالى ،
ويفيد ظهور دينه جلَّ شَأْنه ، هذا هو الحقُّ ووصف السُّلطان بـ((نصيراً)) للمبالغة .
انتهى .
وقال تعالى في سورة الكهف (﴿ رَبَّاَ ءَائِنَا مِن ◌َّدُنِكَ﴾) من عندك (﴿رَحْمَةً))
٠
توجب لنا المغفرة والرزقَ والأَمن من العدُو ، وفي ذلك ﴿مِن لَّدُنكَ﴾ إيماءٌ إلى أنَّ
ذلك من باب التَّفَضُّلِ ؛ لا الوجوب ، فكأَنَّهم قالوا ربنا تفضّل علينا برحمة ؛
(﴿وَهِّئْ﴾): أصلح أو يَسِّرْ (﴿لَنَا مِنْ أَمْرِنَا﴾) الَّذي نحن عليه. (﴿ رَشَدًا))
هدايةً وتثبيتاً على الإيمان ، وتوفيقاً للأعمال الصَّالحةِ ، وانقطاعاً عن الاشتغال
بالدُّنيا ، وزهداً فيها .
وقال تعالى في سورة طه (﴿رَبِّ أَشْرَح ◌ِ صَدْرِى﴾ ) ؛ أي: وسِّعه للحقِّ وتحمُّل
المشاقِّ ؛ بأَن تجعله بحيث لا أضجر ولا أقلق ممَّا يقتضي بحسب البَشَرِيَّة ؛ الضُّرّ
والقلق من الشَّدائد . وفي الرَّاغب : إنَّ شرح الصَّدرِ بَسْطُه بنور إلهيٍّ ، وسكينة من
جهة الله تعالى ، وروح منه عزَّ وجلَّ .
(﴿ وَسِّرْ لِيِّ أَمْرِى﴾ ) : ما أمرتني به ، والتَّعبير بذلك آكد من : اشرح صدري
ويَسِّر أمري . لأَنَّه تكرير للمعنى من طريقي الإجمال والتَّفصيل ؛ لأَنَّ يقول : اشرح
لي ويسر لي، عَلِم أنَّ (ثمَّ)) مشروحاً وميسّراً. ثمَّ رفع الإبهام بذكر الصَّدر والأمر.
٣٨١

رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
﴿ أَنِ مَسَنِىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣].
﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنـ
٨٧] .
وقال تعالى في سورة طه أيضاً (﴿رَّبٍّ﴾) أيُّها المحسنُ إلَيَّ بِإِفاضَةِ العلوم
عَلَيَّ؛ (﴿زِدْنِ عِلْمًا) ) ، فإنَّه الموصل إلى المطلوب.
أخرج التّرمذي وابن ماجه ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : كان
رسول الله وَّه يقول: ((اللَّهُمَّ؛ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي ، وَزِدْنِي
عِلْمَاً، وَالحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ )).
وأخرج سعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ؛ عن ابن مسعود أنَّه كان يدعو :
((اللَّهُمَّ؛ زِدْنِي إِيمَاناً وَفِقْهاً وَيَقِيناً وَعِلْماً)). وما هذا إلاَّ لزيادة فضلِ العلم.
وفضلُه أظهر من أن يُذْكَرَ ؛ نسألُ الله تعالى أن يرزقنا الزِّيادة فيه ، ويوفِّقَنا للعمل
بما يقتضيه . آمين .
وقال تعالى في سورة الأنبياء ( ﴿ أَنِّ مَسَّنِىَ الضُّرُّ﴾): الشِّدَّة (﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ
الزَّحِينَ﴾ ) ؛ أي : أنْتَ أعظم رحمة من كلِّ من يَّصف بالرَّحمة في الجملةِ ، وإلاّ
فلا راحم في الحقيقة سواه ؛ جلَّ شأنه وعلاه .
ولا يخفى ما في وصفه تعالى بغاية الرّحمة بعد ما ذكر الدَّاعي نفسه بما يوجبها؛
مكتفياً بذلك عن التَّضرع بالمطلوبِ من استمطار سحائِب الرَّحمة على ألطف وجه ،
وكونه سبحانه ((ضارّاً)) لا ينافي كونه ((نافعاً))، بل هو الضَّارِ النَّافع ، فإضرارُه ليسَ
لِدَفع مشقَّةٍ، ونَفْعُهُ ليسَ لجلبٍ منفعةٍ ، بل لا يُسْأل عمَّا يفعلُ .
وقال تعالى في سورة الأنبياء أيضاً (﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ﴾) ؛ أي :
تنزَّهت عن كلِّ نقصٍ (﴿ إِنِّ كُنتُ مِنَ الظَِّينَ﴾) أنفسهم بتعريضها للهَلَكَة
٣٨٢

﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩].
﴿رَبِّ أَحْكُم بِالْحَقُّ.
فاعف عنِي ؛ كما هي سيرة القادرين ، وهو اعتراف بالذَّنب ، وإظهار للتَّوبة .
وهذا دعاء عظيم جدّاً لاشتماله على الثَّهليل أوَّلاً، ثمَّ التَّسبيح ثانياً ، ثمَّ الإقرار
بالذَّنْبِ ثالثاً، ولذا ورد في فضل ذلك ما أخرجه الإمام أحمد ، والتّرمذي ،
والنِّسائي، والحكيم التِّرمذي؛ في ((نوادر الأصول))، والحاكم وصحَّحه ، وابن
جرير، والبيهقي في ((الشُّعب))، وجماعة ؛ عن سعد بن أبي وَقَّاص؛ عن
النَّبِيِّر، قال :
((دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ هُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ : لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ
الظَّالِمِينَ؛ لَمْ يَدْعُ بِهَا مُسْلِمٌ رَبَّهُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إلَّ اسْتَجَابَ لَهُ )) .
وأخرج ابن أبي حاتم ؛ عن الحسن : أنّ ذلك اسم الله تعالىُ الأَعظم .
وأخرج ذلك الحاكم ؛ عن سعد مرفوعاً .
وقد شاهدت أَثَرَ الدُّعاءِ به - والله تعالى الحمد - حين أمرني بذلك مَنْ أَظُنُّ وِلايَتَه
من الغُرباء المجاورين في حضرة الباز الأَشْهبِ ، وكان قد أصابني من البَلاء ما الله
تعالى أعلم به ؛ قاله الألوسي في ((روح المعاني)).
وقال تعالى في سورة الأنبياء أيضاً (﴿ رَبِّ لَا تَذَرْبِ فَرْدًا﴾ ) : وحيداً بلا ولد
يرثني (﴿ وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِينَ﴾ ) ، أي : وأنْتَ خيرُ حيٍّ يبقى بعد ميِّتٍ ، وفيه مدحٌ
له تعالى بالبقاء ، وإشارَةٌ إلىٌ فَنَاءِ مَنْ سِواهُ من الأَحْيَاءِ ؛ وفي ذلك استمطارٌ
لسحائِب لُطْفِهِ عزَّ وجلَّ .
وقال تعالى في آخر سورة الأنبياء (﴿رَبِّ﴾) أيُّها المحسن إليَّ ؛
(﴿أَحْكُ﴾): اقضٍ بيني وبين أعدائي ( ﴿يِلَلَقِّ﴾ ) : بالعدل ، والله سبحانه
وتعالى يحكم بالحقِّ طُلِب أو لم يُطْلَب، ومعنىُ الطَّلب: ظهور الرَّغبة من الطَّالب
في حكمه الحقّ .
٣٨٣

وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢].
رَّبِّ أَنْزِلْنِ مُنْزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩].
رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِى فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٤].
﴿ وَقُل رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ*
(﴿ وَرَبُنَا﴾)؛ أي: المحسنُ إلَيْنَا أجمعين (﴿الرَّحْمَنُ﴾) العامّ الرَّحمة لنا
وللأعداء ، ولولا عمومُ رحمته لأَهلكنا جميعاً ؛ وإن كنّا طائعينَ، لأَنَّا لا نقدِّره حقَّ
قدره، ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ﴾ [٤٥/ فاطر]
﴿﴿الْمُسْتَعَانُ﴾) : المطلوب منه العون (﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾): تقولون أيُّها الأَعداء
من الكذب والبَاطل .
وقال تعالى في سورة المؤمنين ( ﴿رَّبِّ أَنْزِلْنِ﴾) في كلِّ منزل تنزلني به (﴿مُنزَلًا
مُبَارَكًا﴾ ): يبارك لي فيه، وأُعطى الزِّيادةَ في خير الدَّارين، ﴿وَأَنْتَّ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾)؛
لأَنَّك تكفي نزيلك كل ملمٌّ ، وتعطيه كلَّ حاجةٍ .
وإنما أشفع الدُّعاء بالثَّناء عليه المطابق للمسألة ؛ توسُّلاً به إلى الإجابةِ ، فإنَّ
الثَّناء على المُحْسِنِ يكون مستدعياً لإِحسانِهِ ، وقد قالوا : الثَّنَاءُ على الكريم يغني عَنْ
سُؤاله .
وقال تعالى في سورة المؤمنين ( ﴿رَبِّ﴾) يا رب (﴿فَلَا تَجْعَلْنِى فِي الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ﴾ ) ، أي : قريناً لهم فيما هم فيه من العذاب ، فأهلك بهلاكهم ؛ لأن
شؤم الظَّالم قد يعمُّ غيره، كقوله تعالى ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةٌ لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ
خَاصَّةَ﴾ [٢٥/ الأنفال].
(﴿رَّبِّ﴾) ؛ أيُّها المحسنُ إليَّ (﴿أَعُوذُ﴾): أَعتصم (﴿ِكَ مِنْ هَمَزَتِ
الشَّيَاطِينِ﴾) ؛ أي: وَسَاوِسِهِمُ المُغْرِيَة، على خلاف ما أَمَرْتَ به ؛ جمع هَمْزة ،
والهَمْزُ: النَّخْسُ وَالدَّفْعُ بِيَدٍ أو غيرها، ومنه: ((مِهْمَاز الرَّائض))؛ لحديدة تربط
٣٨٤

وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٧ -٩٨].
رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩].
﴿رَبِّ اغْفِرْ.
على مؤخّر رحله يَنْخَسُ بِهَا الدَّابَّة لتسرع ، أو لتثبت .
وإطلاق ذلك على الوسوسة لِمَا بينهما من الشَّبه الظَّاهر، فإنَّ الشَّياطين يَحُثُّون
النَّاس على المعاصي ، كما تهمز الرَّاضة الذَّواب ؛ حثّاً لها على المشي ، وجمع
الهَمَزات !! لتنوُّع الوساوس ، أو لتعدُّد الشَّياطين .
والمعنى: أَتَحَصَّنُ بِكَ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيَاطِينِ .
(﴿ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ ) ، في شيء من أموري ؛ خصوصاً حالَ الصَّلاة
والقِراءة وحُلُولِ الأَجل ؛ لأَنَّها أحرى الأحوال ، وهم إنَّما يحضرون بسوء .
وفي التعُّذ من الحضور بعد التعوُّذ من همزاتهم مبالغةٌ في التَّحذير من
ملابستهم ، فإِنَّ بُعدَهم بركةٌ وخيرٌ ؛ وإعادة الفِعْلِ والنِّداءِ لإِظهار كمال الاعتناء بهذه
الاستعاذة وعرض نهاية الابتهال في الاستدعاء ، ويسنُّ التعُّذ من همزاتِ الشَّياطينِ
وحضورهم عند إرادة النَّومِ .
فقد أخرج الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنَّسائي ، والتِّرمذي وحسَّنه ؛ عن
عمرو بن شعيب؛ عن أبيه، عن جدِّه؛ قال: كان رسول الله وَ﴿ يُعَلمنا كلماتٍ
نقولهنَّ عند النَّومِ من الفزع: (( بِأَسْمِ اللهِ؛ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ
وَعِقَابِهِ، وَشَرِّ عِبَادِهِ ، وَمَنْ هَّمَزَاتِ الشَّيَاطِيْنِ ، وَأَنْ يَحْضُرُونِ )).
وقال تعالى في سورة المؤمنون أيضاً (﴿رَبَّنَا﴾) يا ربَّنا (﴿ءَامَنَّا﴾) بك
وبكتابك وبرسولك وجميع ما جاءتنا به الرُّسل، ( ﴿ فَأَغْفِرْ لَنَا﴾ ) ذُنُوبَنَا
(﴿﴿وَأَرْحَنَا﴾): افعل بنا فعل الرَّاحم؛ (﴿ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّحِينَ﴾ ) ؛ لأنَّك تخلص
برحمتك من كل شَقَاءٍ وهوانٍ .
وقال تعالى في آخر سورة المؤمنين (﴿رَّبِّ﴾) ؛ أي: يا رب (﴿أَغْفِرْ﴾)
٣٨٥

وَأَرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّحِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨].
﴿رَبَّنَا أَصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَآءَتْ
مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥-٦٦].
الذُّنوب، (﴿وَأَرْحَمْ﴾) عبادَكَ المؤمنينَ . وفي الرَّحمة زيادة ؛ وهي إيصال
الإِحسان زيادةً على غفران الذَّنب ، فذِكْرِ الرَّحمة بعد المغفرة تحليةٌ بعد تخلية ، ففي
الغُفْران محوُ السَّيَّاتِ ، وفي الرَّحمة رفعُ الدَّرجات ، وأيضاً الغفران قد يكون من
غير إِحسان ، الَّذي هو معنى الرَّحمة .
(﴿وَأَنْتَ خَيْرُ اَلْزَّحِينَ﴾ ) : أفضل راحم .
وطلبُ كلٍّ من المغفرة والرَّحمة أعمُّ من طلب أصل الفعل والمداومة عليه .
وفي تخصيص هذا الدُّعاء بالذكر ما يدلُّ على أهمِّيَّة ما فيه .
وقد عَلَّمَ النَّبِي وَ أَبا بكر الصِّدِّيق رضي الله تعالى عنه أنْ يقول نحوه في
صلاته ، فقد أخرج البخاريُّ ، ومسلم ، والتِّرمذي ، والنَّسائي ، وابن ماجه ، وابن
حبان ، وجماعةٌ ؛ عن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله تعالى عنه أنَّه قال : يا رسول الله ؛
علِّمني دُعاءً أدعو به في صلاتي. قال: ((قُل: اللَّهُمَّ؛ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْماً
كَثِيراً ، وَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ
أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ » .
وقال تعالى في سورة الفرقان ( ﴿ رَبَّنَا أَصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَتَّمَ إِنَ عَذَابَهَا كَانَ
غَرَامًا﴾ ): هلاكاً لازماً لزوماً كلِّيّاً في حقِّ الكفَّار، ولزوماً بعدَه إطلاقٌ إلى الجنَّةَ
في حقِّ عصاةِ المُؤْمِنين .
( ﴿ إِنَّهَا﴾)؛ أي: جهنم (﴿سَآءَتْ﴾) في حكم ((بئستْ))، وفيها ضميرٌ
مبهمٌ يفسِّرُهُ ﴿ مُسْتَقَرًا﴾، والمخصوص بالذَّمِّ محذوف، معناهُ: ساءت (﴿ مُسْتَقَرًّا
وَمُقَامًا﴾ ) هي ، أي : موضع استقرار وإقامة، وهذا الضَّمير هو العائدُ على اسم
((إِنَّ)) فهو الرَّابط للجملة .
٣٨٦

﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَِّنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ
إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] .
﴿رَبِّ هَبْ لِ حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصََّلِحِينَ * وَأَجْعَل ◌ِلِی لِسَانَ صِدْقٍ فِ
آلْأَخِرِينَ﴾ [الشعراء: "
وقال تعالى في سورة الفرقان أيضاً (﴿رَبَّنَاهَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا﴾) الَّلاتي قرنتهنَّ
بنا (﴿ وَذُرِيَِّنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾) بتوفيقهم للطّاعة وحيازة الفضائِل، فإِنَّ المؤمنَ إذا
شاركه أَهْلُه في طاعة الله سُرَّ بهم قلبُهُ ، وقرَّت بهم عينُهُ ، لما يرى من مساعدتهم له
في الدّين ، وتوقّع لحوقهم به في الجنَّةُ ، فقُرَّة العين هو سرورها ، والمراد :
ما يحصل به الشُّرور ؛ والمعنى: أجعل أَزْوَاجنا وذرِّيَّاتنا صالحين؛ لكي نُسَرَّ بهم .
(﴿وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا﴾) في الخير ، أي : اجعلنا أئِمَّة يُقْتَدى بنا في أَمْرٍ
الدِّين بإِفاضة العلم عَلَيْنَاَ، والتَّوفيق للعملِ الصَّالحِ؛ ولفظ ((إمام)) يستوي فيه
الجَمْعُ وغيره، والمراد هنا: الجمع، ليُطَابق المفعول الأَوّل ((اجعل)).
واختير لفظ ((إِمام)) على ((أئِمَّة)) !! لأَنَّه أوفق بالفَواصل السَّابقة واللأَّحقة.
وقال تعالى في سورة الشُّعراء (﴿رَبِّ هَبْ لِ حُْكُمًا﴾ ) : كمالاً في العلمِ
والفهم .
(﴿ وَأَلْحِقِ بِالصَّلِينَ﴾ ): وفُّقني للكمال في العمل لأنتظم به في عداد
الكَاملين في الصَّلاح ، الَّذين لا يشوب صلاحَهم كبيرُ ذنب ولا صغيرُه .
(﴿وَأَجْعَل ◌ِّيِ لِسَانَ صِدْقٍ﴾) - من إضافة الموصوف للصِّفة ، أي : ثناءً حسناً من
باب تسميةِ الشَّيءِ باسم آلته - (﴿فِ آلْأَخِرِينَ﴾ ) الَّذين يأتون بعدي إلى يوم القيامة ،
﴿ ﴿﴿ وَلَجْعَلْنِ مِنْ وَرَةٍ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾) ، أي: ممن يعطاها بلا تعب ومشقَّة، كالإرث
الحاصل للإنسان من غير تعبٍ ؛ وإضافةُ الجنَّةَ إلى النَّعيمِ !! من إضافة المحلِّ
للحالِّ فيه ؛ و(( من)) تبعيضيّة ، أي : اجعلني بعض الَّذِين يرثون جَنَّةَ النَّعيم ، أي :
اجعلني مُنْدرجاً فيهم ، ومن جملتهم .
٣٨٧

﴿وَلَا تُخْرِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ * ثَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ* إِلَّ مَنْ أَنَى اللَّهَ بِقَلْبٍ
سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩٨٧].
﴿رَبِّ نَجِى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩].
﴿رَبِّ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَِّىَ أَنْعَمْتَ عَلَّ وَعَلَى وَلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ
صَلِحًا تَرْضَنُهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِ عِبَادِكَ الصَّلِحِينَ﴾ [النمل: ١٩].
( ﴿ وَلَا تُخْرِنِ﴾ ) ؛ من الخزي، بمعنى: الهون، أَو مِن الخَزَاية - بفتح الخاء -
بمعنى : الحياء ، أي : لا تَفْضَحني بأَنْ تكشف عيوبي بين خلقك .
﴿﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ ) ؛ أي : النَّاس، أي : يومَ القيامة . قال تعالى في شأنه
﴿ ﴿ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ﴾) يَكُن (﴿أَ اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾) مِنَ الشِّرْكِ
والنِّفَاق؛ وهو قلب المُؤْمِن ، فإنَّه ينفعه ذلك .
وقال تعالى في سورة الشُّعراء (﴿رَبِّ﴾)؛ أي: يا رب ( ﴿نَجِى وَأَهْلِى مِمَّا
يَعْمَلُونَ﴾ ) ؛ أي : من عذاب ما يعملون.
وقال تعالى في سورة النَّمل (﴿رَبِّ أَوْزِعْنِىّ﴾): ألهمني (﴿ أَنْ أَشْكُرَ
نِعْمَتَكَ﴾): أُؤَدِّي شكر نعمتك (﴿ اَلَِّ أَنْعَمْتَ﴾) بها (﴿عَّ وَعَ وَالِدَنَّ﴾) أدرج
ذكر والديه !! تكثيراً للنِّعمة ليزداد في الشُّكر عليها ، فإنَّ النّعمة عليهما نعمةٌ عليه ،
والنِّعمة عليه يرجع نفعها إليهما ، لا سيَّما الدِّينيّة، (﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا﴾) خالصاً ،
وقيَّده بقوله ( تَرْضَنهُ ) ؛ أي : تقبله؛ لأنَّ العمل الصالح قد لا يرضاهُ المُنعِم لنقص
في العامل ، كما قيل :
إِذَا كَانَ المُحِبُّ قَلِيلَ حَظٌّ فَمَا حَسَنَاتُهُ إِلاَّ ذُنُوبُ
(﴿ وَأَدْخِظْنِىِ﴾) الجنَّة (﴿بِرَحْمَتِكَ)) ؛ لا بصالح عملي ، إذ لا يدخل الجنَّة
أحدٌ إلَّ برحمته ؛ كما جاء في الحديث ، ( ﴿فِ﴾) جملةِ (﴿عِبَادِكَ﴾) ، فهو على
حذف مضافٍ، أو ((في)) بمعنى ((مع)) عبادك، (﴿اُلصََّلِحِينَ﴾) : القائمين
٣٨٨

رَبِّ إِنِّ ظَلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْ ليِ﴾ [القصص: ١٦].
﴿رَبِّ إِنِّ لِمَآ أَنْزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤].
رَبِّ أَنصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٠].
﴿ رَبِّ هَبْ لِى مِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠].
﴿ رَبّ أَوْزِعْنِىّ.
بحقوقِ الله تعالى وحقوق العباد ؛ والمراد : الكاملون في الصَّلاح؛ لأنَّ الصَّلاح
مقول بالتَّشكيك ، فما من مقام إلاَّ وفوقه أَعلى منه ، والكامل يقبل الكمال .
وقال تعالى في سورة القصص: (﴿رَبِّ﴾)؛ يا رب، (﴿إِنِّ ظَلَمْتُ نَفْسِى
فَأَغْفِرْ ليِ﴾ [١٦]) زلتي.
وقال تعالى في سورة القصص أيضاً ( ﴿رَبِّ﴾) ؛ أي: يا رب ، ( ﴿ إِنِی
لِمَا﴾ ): لأَيِّ شيءٍ، (﴿أَنْزَلْتَ إِلَّ مِنْ خَيْرٍ﴾)؛ قليل أو كثير، (﴿فَقِيرٌ﴾):
محتاج ؛ فقوله ﴿لِمَّا أَنزَلْتَ﴾ متعلِّق ب﴿فَقِيْرٌ﴾، وهو خبر ((إِنَّ)) و((أنْزَلْتَ))
بمعنى : تنزل ؛ والمعنى : إنِّي فقير ومحتاج لِمَا تنزله إِليَّ من أيِّ شيء كان ؛ قليلاً
أو كثيراً .
* وقال تعالى في سورة العنكبوت (﴿رَبِّ أَنصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾):
العاصين .
وقال تعالى في سورة الصَّافات (﴿رَبِّ هَبْ لِى﴾) ولداً (﴿مِنَ الصَّلِحِينَ﴾) ) ؛
٠
بعض الصالحين ليعينني على الدَّعوة والطّاعة ، ويؤنسني في الغربة ؛ ويرثني . ولفظ
الهبة غالب في الولد ؛ وإن كان قد جاء في الأخ في قوله تعالى ﴿وَوَهَنَا لَهُ مِن رَّحْمَيِنَا أَخَاهُ
هَرُونَ بِيًّا﴾ [مريم] !! .
وقال تعالى في سورة الأحقاف ( ﴿رَبِّ﴾)؛ يا رب (﴿أَوْزِعْنِيّ﴾ ): ألهمني ؛
من أوزعته بكذا ؛ أي : جعلته مولَعاً به ؛ راغباً في تحصيله . فالمعنى: رغِّبني
٣٨٩

أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَِّىّ أَنْعَمْتَ عَلَّ وَعَلَى وَلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَلُهُ وَأَصْلِحْ لِى
فِى ذُرِّيَّتِىٌّ إِنَّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥].
﴿ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُوْنَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا
غِلَّاً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ .
ووفقني ( ﴿ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَّتِّ أَنْعَمْتَ﴾) بها (﴿عَلَّ وَعَلَى وَلِدَىَّ﴾ ) وهي نعمةُ
التَّوحيد والهداية، (﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَلُهُ﴾ ) ؛ بأنْ يكون سالماً من غوائل عدم
القَبولِ ؛ كالرِّياء والعجب وغيرهما ، أي : اجعل عملي على وفق رِضَاكَ .
(﴿وَأَصْلِحْ لِ فِ ذُرِّيَّنٌِّ﴾ ) ؛ أي : اجعل الصَّلاحِ سارياً في ذرّيَّتِي ؛ راسخاً
فيهم .
وَنَزَّل الإِصلاح منزلةَ اللَّزم؛ فعُدِّي بـ(( في)) ليفيد ما أشرنا إليه من سَرَيان
الصَّلاح فيهم، وكونهم كالظَّرفِ له؛ لتمُّنه فيهم، وإلاَّ فكان الظَّاهر: ((وَأَصْلِحْ
لِي ذُرِّيَّتِي)) ، كما في قوله تعالى ﴿ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ,﴾ [٩٠/ الأنبياء].
وقيل : عُدِّي بـ ((في )) لِتَضَمُّنه معنى اللُّطف؛ أي: الطف بي في ذرِّيَتي،
والأَوَّل أحسن .
(﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾) عمَّا لا ترضاه، وعن كلِّ ما يقدح في الإقبال عليك، (﴿ وَإِنِ
مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾) ؛ أي: الَّذين أَسلموا بظواهرهم وبواطنهم ؛ فانقادوا أتمَّ انقياد.
وقال تعالى في سورة الحشر (﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَنِنَا﴾ ) في الدِّين؛
﴿﴿ الَّذِينَ سَبَقُونَا بِآلْإِيمَنِ﴾ ) ؛ كلُّ واحد من قائلي هذا القول يقصد بمن سبقه من
انتقل قبله من غير فاصلٍ ، وَيَنْتُهِي إلى عصر النَِّيِّ وَلِ فِيدخل في إِخْوَانِهِ الَّذِينَ سَبَقُوهُ
بالإِيمانِ جميعُ من تقدَّمه من المُسْلمين ، ولا يقصد بالّذين سبقوه خصوص
المهاجرين والأنصار لقصوره ؛ وإِن كان أصل سبب النزول .
﴿﴿ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلََّ﴾): حقداً (﴿لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾) ؛ أي : مطلق
المؤمنين أيّاً كانوا في أدنى درجاته .
٣٩٠

رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبََّا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ
وَأَغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الممتحنة: ٤-٥].
رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا
وقيَّدوا بالقلب !! لأَنَّ رذائل النَّفَس قلَّ أنْ تنفكَ، وأنَّها إنْ كانت مع صحّة
القلب . أوشَكَ أنْ لا تؤثر .
(﴿رَبَّنَآَ إِنَّكَ رَءُوفٌ﴾): راحِمٌ أشدَّ الرَّحمة لمن كانت له بك وُصْلةٌ بفعلٍ من
أفعال الخير، (﴿ رَّحِيمُ﴾)؛ مُكرِمٌ غاية الإِكرام لِمَنْ أردتَ ، ولو لم يكن له بك
وصلة ، فأنت جدير بأن تجيبنا لأنَّا بين أن تكون لنا وصلة ؛ فنكون من أهل الرَّأفة ،
أوْ لا ، فَنَكُون من أهل الرَّحمة .
وقال تعالى في سورة الممتحنة (﴿رَبَّا))؛ أي: يا ربنا (﴿عَلَيْكَ﴾) ؛
لا على غيرك (﴿تَوَكَّنَا﴾): اعتمدنا، (﴿وَإِلَيْكَ﴾) وحدك (﴿أَنَبْنَا﴾): رجعنا
بالاعتراف من ذُنوبنا، ( ﴿ وَإِلَيْكَ﴾) وحدك (﴿اَلْمَصِيرُ﴾): المرجع في الآخرة .
﴿﴿رَبَّنَلَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾) ؛ أي: لمَّا تظهرهم علينا؛ فيظنُّوا أنَّهم على
الحقِّ ؛ فيفتتنوا . أي : لا تذهب عقولهم بنا ، ومعنى ذهابها : ميلُها عن الحقِّ
وخطؤُها .
(﴿ وَأَغْفِرْ لَنَا﴾)؛ أي: استر ما وقع منَّاً من الذُّنوب، (﴿رَّاً ﴾) يا ربنا؛
(﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾): الَّذِي يَغْلبُ كلَّ شيءٍ ولا يَغْلِبُه شيءٌ. (﴿اَلْحَكِيمُ﴾ ):
الَّذي يضع الأشياء في أوفق محالُّها ؛ فلا يستطاع نقضها ، ومن كان كذلك فهو
حقيقٌ بأن يُعطيَ مَن أَمَّله ما طلب .
وقال تعالى في سورة التَّحريم (﴿رَبَّنَآَ أَتْمِمْ لَنَا﴾) على الصِّراط (﴿ نُورَنَا﴾)
الَّذي مَنَنْتَ به علينا؛ حتّى يكون في غاية الثَّمام ، وهذا النُّور من صور أعمالهم في
٣٩١

وَأَغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ﴾ [التحريم: ٨].
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِى مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾
[نوح : ٢٨] .
الدُّنيا ، لأنَّ الآخرة تظهر فيها حقائق الأشياءِ ، وتتبع الصُّور معانيها ، وهو شرع الله
الَّذي شرعه ؛ وهو الصِّراط الَّذي يضرب بين ظهراني جهنّم ، لأَنَّ الفضائِل في الدُّنيا
متوسّطة بين الرَّذائِل ؛ فكلُّ فضيلة يكتنفها رذيلتان : إفراط وتفريطٌ ؛ فالفضيلة :
هي الصِّراط المُسْتقيم ؛ والرذيلتان : ما كان من جهنّم على يمينه وشماله ؛ فمن كان
يمشي في الدّنيا على ما أُمر به سواء ؛ من غير إفراط ولا تفريط ؛ كان نوره تامّاً ،
ومن أمالته الشَّهوات طُفىء نوره في بعض الأوقات ، واختطفته كلاليب ، هي صورةُ
الشَّهواتِ ، فَتَمِيلُ به في النَّار بقدر مَيْله إليها ؛ والمُنَفِقِ يظهر له نُورُ إقرارِه بكلمة
التَّوحيد ؛ فإذا مشى طفئ ، لأنَّ إِقراره لا حقيقة له .
(﴿وَأَغْفِرْ لَنَاً﴾) ذُنُوبَنَا (﴿إِنَّكَ﴾) وحدك (﴿عَلَى كُلِّ شَىْءٍ﴾) يمكن
دخول المشيئة فيه ( ﴿قَدِيرٌ﴾﴾﴾): بالغ القدرة.
وقال تعالى في سورة نوح ( ﴿رَّبِّ اغْفِرْ لِ وَلِوَ لِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِى﴾):
منزلي ، وقيل : مسجدي ، والمتبادر : المنزل (﴿مُؤْمِنًا﴾) ؛ أي : مصدِّقاً بالله
تعالى وهو حال، (﴿ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾﴾ [٢٨] من كلِّ أُمَّة إلى يوم القيامة ؛ فهو
دعاءٌ عام في كلِّ مؤمن آمن بالله وصدَّق الرّسل .
وإنَّما بدأ بنفسه !! لأَنَّها أولى بالتَّخصيص والتَّقديم ، ثمَّ ثنَّى بالمتَّصلين به ؛
لأنَّهم أَحَقُّ بدعائه من غيرهم ، ثمَّ عمَّمَ جميع المؤمنين والمؤمناتِ ؛ ليكون ذلك
أبلغ في الدُّعاء .
٣٩٢

١- («اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ وَاسْمِكَ الْعَظِيمِ ؛ مِنَ
الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ )) ( طب؛ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي بَكْ ) .
٢ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ
١ - ((اللَّهُمَّ) - الميم عوضٌ من ((يا))، ولذا لا يجتمعان ، وهو من خَصَائِصٍ
هذا الاسمِ ؛ لِدُخُولِهَا عليه مع لام التَّعريف ، كما خصَّ بالباء في القسم ، وقطع
همزته في (( يا ألله))، وقيل: أصل (( يا ألله )) آمنا بخير ، فَخفِّفَ بحذف حرف
النِّداء ؛ ذكره القاضي البيضاوي .
وقد كثر استعمال كلمة ((اللَّهمَّ)) في الدُّعاء .
وجاء عن الحسن البصري: ((اللَّهُمَّ)) مجتمعُ الدُّعاء .
وعن النَّضْرِ بن شميل: من قال ((اللَّهُمَّ))؛ فقد سَأَلَ الله بجميع أسمائه -.
( إِنِّي أَعُوْذُ) : أعتصم ( بِوَجْهِكَ أَلكَرِيْم ) قال البيضاوي : وجه الله مَجازٌ عن
ذاته عزَّ وجلَّ، تقولُ العرب (( أكرمَ اللهُ وجْهَكَ)) ، بمعنى : أكرمك ؛ والكريم :
الشَّريف النَّافع الَّذي لا ينفد عطاؤه .
( وَأَسْمِكَ العَظِيْم) ؛ أي: الأعظم من كلِّ شيءٍ ؛ (مِنَ الكُفْرِ) بجميع
أنواعه ، ( وَالفَقْرِ)))؛ أي: فقر المال، أو فقر النَّفس. وذا تعليمٌ لأمَّته .
قيل: وهذا يعارض ((لاَ يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللهِ إِلاَّ أَلجَنَّهُ )) !!
وأجيبَ بأنَّ الاستعاذة من الكُفْرِ سؤالُ الجنة .
( طَب)؛ أي: أخرجه الطَّراني في كتاب ((السُّنَّة)) له؛ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
أَبِي بَكْرٍ ) الصِّدِّيق (( شقيق عائشة رضي الله تعالى عنهما))، حضر بدراً مع الكُفَّارِ ،
ثمَّ أسلم ، وكان من أشجع قريش وأرماهم بسهم ، تأخّر إسلامه إلى قبيل الفتح ؛
قال الحافظ الهيثمي : وفیه مَن لم أعرفهم ؛
٢ - («اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ) - بسكون الجيم -: عدم القدرة على
الخير ، وقيل : ترك ما يجب فعله ؛ والتَّسويفُ به . وقال المُناوي : سلب القوَّة؛
وتخلُّف الثَّوفيق ، إذ صفة العبد العجز، وإنَّما يقوى بقوَّة يحدثها اللهُ، فكأَنَّه استعاذ
به أن يَكِلَهُ إلى أوصافه ، فإنَّ كل مَن رد إليه فقد خذل .
٣٩٣

وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ، وَاَلْقَسْوَةِ وَالْغَفْلَةِ وَالْعَيْلَةِ،
وَالذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ ،
( وَالكَسَلِ ) : التَّناقل والتَّراخي عَمَّا لا ينبغي التَّثاقل عنه، ويكون ذلك لعدم
انبعاث النَّفْسِ للخَيْرِ وقلَّةِ الرّغبة فيه مع إِمكانه ؛ والعاجزُ معذورٌ، والكَسْلانُ غيرُ
معذورٍ .
( وَالجُبْنِ ) - بضمٌّ فسكون -: الضَّعف عن تعاطي القتال ؛ خوفاً على المهجة.
( وَالبُخْلِ ) ؛ وهو - في الشَّرع - : منعُ الواجب، و- في اللُّغَةِ -: منعُ السَّائِل
المحتاجِ عَمَّا يفضل عن الحَاجةِ .
( وَالَهَرَمِ ) - كِبَر السِّنِّ المؤدِّي إلى تساقُطِ القوى، وذهاب العقل، وتخبُّط
الرَّأي - وقال العلقمي: قال شيخنا: هو الردُّ إلى أَرْذَلِ العُمُرِ؛ لما فيه اختلال
العقل والحواسِّ والضَّبط والفَهْمِ ، وتشويه بعض المنظر ، والعجز عن كثير من
الطَّاعات ، والتَّساهل في بعضها . قال الموفَّق البغداديُّ: هو اضمحلالٌ طبيعيٍّ
وطريقٌ للفَنَاءِ ضروريٌّ ، فَلا شفاءَ لَهُ .
( وَالقَسْوَةِ ) : غِلَظ القَلْبِ وصلابته، (وَالغَفْلَةِ ): غيبة الشَّيء المهمِّ عن
البَال ، وعدم تَذَكُّره ، واستعمل في تاركه إِهمالاً وإعراضاً ؛ كما في قوله تعالى
﴿وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ [الأنبياء].
(وَالعَيْلَةِ ) - بالفتح -: الفقرُ، وهو مصدر ((عَالَ؛ يَعِيلُ؛ عَيْلَةٌ)): إذَا
افتقرَ ، من بابِ بَاعَ ، فهو عائِلٌ والجمع عالةٌ؛ وهي على تقدير فَعَلَه ، مثل : كافر
وكَفَره ، وفي نسخة شرح عليها العزيزي : والقِلَّةُ بدل العيلة ؛ وهي بكسر القاف :
قلَّة المالِ بحيث لا يجد كفافاً .
( وَالذِّلَّةِ) - بالكسر -: الهوان على النَّاسِ بِحيث يستحقُّون به ؛ وينظرون إليه
بعين الاحتقار . ( وَالمَسْكَنَةِ ) ؛ أي: قلَّة المالِ مع سوءِ الحالِ، وأما قلَّة المال مع
الصَّبر ؛ فممدوحٌ .
٣٩٤

وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ وَالْكُفْرِ، وَالْفُسُوقِ وَالشِّقَاقِ، وَالنَّفَاقِ وَالسُّمْعَةِ
وَالرِّيَاءِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الصَّمَمِ وَالْبَكَمِ وَالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ ،
(وَأَعُوْذُ بِكَ مِنَ الفَقْرِ ) ؛ أي : فقرِ النَّفْسِ، لا ماهو المتبادر من معناه من
إطلاقه على الحاجة الضَّروريَّة، فَإِنَّ ذلك يعمُّ كلَّ موجودٍ ﴿﴿يَّأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ
اَلْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ®ٍ﴾ [فاطر] .
( وَالْكُفْرِ ) عناداً؛ أو جحوداً؛ أو نفاقاً، وأورده عَقِبَ الفَقر !! لأَنَّ الفقر قد
يُفضي إليه .
( وَالفُسُوْقٍ ) : الخروج عن الاستقامة والجور ، ومنه قيل للعاصي : فاسقٌ .
( وَالشِّقَاقِ ) ؛ أي : التَّخاصم المؤذِّي إلى أَن يصير كلٌّ من المتخاصمين في
شِقِّ ؛ أي : جهةٍ ، كأنَّ كلَّ فريق يحرص على ما يشقُّ الآخر ، فيؤدِّي إلى عدم
لأُلفَةِ .
( وَالنِّفَاقِ ) الحقيقي؛ أو المجازي، (وَالسُّمْعَةِ) - بضمِّ السِّين وسكون
الميم -: إعلامٌ بالعبادةِ بعد فِعْلِها ليقال بصلاحه .
(وَالرِّيَاءِ) - بكسر الرَّاء، وتخفيف التَّحتيّة، والمد -: فعل العبادة؛ والنَّاس
يَطَّعون ليقولوا بصلاحه . فالسُّمعة: أن يعمل للهِ خفية، ثمَّ يتحدَّث بها تنويهاً.
والرِّياءُ : أَنْ يُظهِرَ العبادَةَ بقصد رُؤْيةِ النَّاسِ لها ليحمدوه .
وقال ابن عبد السَّلام : الرِّياءُ أن يعمل لغير الله تعالى .
وذكر هذه الخصال !! لِكونِها أقبحَ خصال النَّاسِ ، فاستعاذته منها إِبانَةً عن
قُبْحِها، وزجرُ النَّاس عنها بأَلطفِ وجهٍ ، وأمَرَ بتجنُّبُها بالالتجاءِ إلى الله .
( وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الصَّمَم ): بطلان السَّمع أو ضعفه، ( وَالبَكَم ) - بالتَّحريك -:
الخرس ، أَو : أن يُولد لا ينطقُ ولا يسمع، والخَرَسُ : أن يُخلق بلا نطق .
( وَالجُنُونِ ) : زوال العَقْل.
( وَالجُذَامِ ) : هو علَّ يَحْمَرُّ منها العُضْو ، ثمَّ يسودُ، ثمَّ يتقطَّع ويتناثر .
٣٩٥

وَاَلْبَرَصِ وَسَيِّءٍ الأَسْقَامِ )) . (ك، هق ؛ عَنْ أَنَسٍٍ ).
٣- (« اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ ،
قال المُناوي : عِلَّةٌ تُسْقِطُ الشَّعْرَ وَتُفَتَّتُ اللَّحم، وتجري الصَّديد منه .
( وَالبَرَصِ ) : هو بياض شديدٌ يبقِّعُ الجِلْد ويُذهب دمويَّته .
(وَسَيِّهِ الأَسْقَام))): الأمراض الفاحشةِ الرَّديئَةِ المؤذِّية إلى فِرار الحميم(١)،
وقلَّة الأنيس أو فقده ؛ كالاستسقاء والسّل والمرض المزمن ؛ وهذا من إضافة الصِّفةِ
للموصوف ، أي : الأسقام السَّيِّئة .
قال التوربشتي : ولم يستعذ من سَائِرِ الأسقام !! لأنَّ منها ما إذا تحامل الإنسان
فيه على نفسه بالصَّبر خفَّت مؤنته ؛ کحمَّی وصداع ورمد .
وإنَّما استعاذ من السَّقم المُزمِنِ ؛ فينتهي صاحبه إلى حال يفرُّ مِنْهُ الحميم ،
ويقلُّ دونَه المؤانس والمداوي مع ما يورث من الشَّين .
وهذه الأمراض لا تجوز على الأنبياء ، بل يشترط في النَّبي سلامتُه من كل
منفِّر ؛ وإنَّما ذكرها تعليماً لِلأُمَّة كيف تدعو .
( ك مَق)؛ أي: أخرجه الحاكم، والبيهقي في ((السُّنن)) في (( كتاب
الدُّعاء))؛ (عَنْ أَنْسِ)؛ قال: قال رسول اللهِوَ له في دعائه: ((اللَّهُمَّ ... )) إلى
آخره . قال الحاكم : صحيح . وأَقَرَّه الذَّهبي .
٣ - («اللَّهُمَّ ؛ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ ) : هو ١ - ما لم يأذن في تعلُّمه
شرعاً ؛ كَعِلْمِ الفلسفة ، أو ٢ - ما لا يصحبه عمل، أو ٣ - ما لا يهذِّبُ الأخلاقَ
الباطنة فيسري منها إلى الأَفعال الظّاهرة ؛ ويفوز بها إلى الثَّواب الآجل ، وأنشد :
لَيْسَ التَّفَاخُرُ بِالعُلُومِ الزَّاخِرَةْ
يَا مَنْ تَقَاعَدَ عنْ مَكَارِمِ خُلْقِهِ
لَمْ يَنْتَفِعْ بِعُلُومِهِ فِي الآخِرَةْ
مَنْ لَمْ يُهَذِّبْ عِلْمُهُ أَخَلاَقَهُ
(١) الصَّديق، لا المصاب بالحمى المسمَّى ((المحموم)). (عبد الجليل).
٣٩٦

وَقَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ ، وَدُعَاءٍ لاَ يُسْمَعُ ، وَنَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ، ومِنَ الْجُوعِ فَإِنَّهُ
بِْسَ الضَّحِيعُ ، وَمِنَ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ ،
( وَقَلْبٍ لاَ يَخْشَعْ ) لذكر الله سبحانه ، ولا لاستماع كلامه ، وهو القلب القاسي
الَّذي هو أبعد القلوبِ من حضرة علام الغيوبِ .
وَإِنَّ أَبْعَدَ قُلُوبِ النَّاسِ مِنْ رَبِّنَا الرَّحِيمِ قَلبٌ قَاسِيْ
( وَدُعَاءٍ لاَ يُسْمَعُ ) سماعَ قبول ؛ أي: لا يستجاب ولا يعتدُّ بِه، فكأَنَّه غير
مسموع .
( وَنَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ) من جمع المالِ ، أو من كثرة الأَكْلِ ؛ الجالبة لكثرة
الأَبخرَةِ ؛ الموجبة لكثرةِ النَّومِ ، المُؤَدِّيَةِ إلى فقر الدُّنيا والآخرة .
ويؤخذ من الحديث جواز السَّجع في الأدعية ؛ ومحلُّه إذا لم يكن بتكلُّف
واستعمال فكره ، وإلَّ كره ؛ لما فاته في مقام الدُّعاء من الخضوع والذِّلَّة
والخشوع .
( وَمِنَ الجُوْعِ ) ؛ حقيقته: أنَّه الألمُ الحاصلُ من خلوِّ المَعِدَةِ من المأكولِ ؛
ولا ينافي ذلك قول أهل الطَّريق: إنَّ الجوعَ مطلوبٌ لِرياضة النَّفْسِ ، لأنَّ المستجار
منه هو الّذي ليس فيه مصلحةٌ شرعيَّةٌ ، أو يضرُّ بالجسد .
( فَإِنَّهُ بِشْسَ الضَّحِيْعُ ) : المضاجِعُ لي في فراشِي . استعاذ منه، لأنَّه يمنع
استراحة البدن ، ويحلِّل الموادَ المحمودة بلا بَدَل، ويشوِّشُ الدِّماغَ ، ويورث
الوَسْوَاس ، ويضعف البَدَنَ عن القِيامِ بوظائِف العبادات ؛ لاسيَّما قيام التَّهُّد .
( وَمِنَ الخِيَانَةِ ) : مخالفة الحقِّ بنقض العهد في السِّرِّ، سواء كانت خيانةً
للغير ؛ كالخيانة في الوديعة ، أو خيانة للنَّفْس ؛ كأنْ لاَ يَمْتَئِلَ المأموراتِ
والمنْهِيَّاتِ ، فمن ضيَّع شيئاً مِمَّا أَمر الله به ؛ أو ارتَكَبَ شيئاً ممَّا نهى الله عنه فقد خانَ
نفسه ، إذ جلب إليها الذَّمَ في الدُّنيا والعقابَ في الآخرة .
( فَإِنَّهَا بِشْسَتِ البِطَانَةُ ) - بكسر الباء ؛ ضد الظهارة - وهي في الأصل: الثَّوب
٣٩٧

وَمِنَ الْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَمِنَ الْهَرَمِ، وَأَنْ أُرََّّ إِلَىْ أَرْذَلٍ
الْعُمُرِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ ،
الملاصق للجَسد، والجهة الَّتي لا تلاصقه تسمَّى ((ظهارة ))، فاستعيرت لكلِّ شيء
ملازم ، يقال : بطانةُ الرَّجل : أهله وعيالُه؛ والمراد هنا : الصِّفة المُلازمة
للشَّخص ؛ أي : بئست الخصلة الَّتي يحرص عليها الشّخص ويخفيها ؛ فَشَبَّهها
بِطَانة الثَّوب المُلاصِق للجسد الَّتي لها ظهارة ؛ بجامع الخفاء .
( وَمِنَ الكَسَلِ ) : عدم انبعاث النَّفس لفعل الخير، ( وَالبُخْلِ ): منع السَّائل
المحتاج عمَّا يفضل عن الحاجة . ( وَالجُبْنِ ) - بضم فسكون -: الخَوَرُ عن تعاطي
الحرب ؛ خوفاً على المهجة (١) .
( وَمِنَ الهَرَمِ ) : الكِبَر المؤدِّي إلى ترك الأعمال الصَّالحة والتَّخَبُّط في العقل.
(وَأَنْ أُرَدَّ إِلَىْ أَرْذَلِ العُمُرِ ) أي : العُمُر الأرذل ؛ أي : الرَّدي بأنْ يسلب صفة
الثَّمييز ، فيعود كالطّفل .
قال الطَّيِيُّ : المطلوب عند المحققين من العمر التفكّر في آلاء الله تعالى
ونَعْمَائِهِ تعالى من خَلْقِ الموجودات ؛ قياماً بواجِبِ الشُّكْرِ بالقلبِ والجوارِحِ ؛
والفَاقِدُ لِذَلِكَ كالشَّيْءِ الَّذِي لا ينتفع به ، فينبغي أن يستعاذ منه .
( وَمِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ ) : محنته، وهي أعظم فتن الدُّنيا. والدَّجال: فَعَّال
- بالتَّشديد - وهو من الدَّجل ؛ بمعنى التَّغطية، لأَنَّه يغطّي الحقَّ بباطله ، ولهذا
سُمِّي الكذَّابُ (( دَجَّالاً )).
( وَهَذَابِ القَبْرِ ) : عقوبته . ومصدره التَّعذيبُ، فهو مضافٌ لِلْفاعل مَجازاً،
أو هو من إضافة المَظْروفِ لظرفه، فهو على تقدير (( في))؛ أي : من عذابٍ في
القبر .
(١) القلب. أو النفس أو الروح. وكلها بمعنىّ. ( عبد الجليل).
٣٩٨

وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَأَلْمَمَاتِ .
اَللَّهُمَّ ؛ إِنَّا نَسْأَلُكَ قُلُوباً أَوَّاهَةً مُخْبِتَةً مُنِبَةً فِي سَبِيلِكَ .
اللَّهُمَّ ؛ إِنَّا نَسْأَلُكَ عَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ وَمُنْجِيَاتِ أَمْرِكَ ،
وفيه إِثباتُ عذابِ القَبر ، والإِيمانُ بِهِ واجبٌ ؛ وأضيف العذابُ إلى القَبْرِ !!
لأَنَّه الغالبُ ، وإلاَّ! فَكُلُّ مَيِّتٍ أراد الله تعذيبه أَنَالَهُ ما أراد به قُبِر أو لم يقبر ، ولو
صلب أو غرق في البحر ، أو أَكلته السِّباع ، أو حرق حتَّى صار رماداً ، أو ذرِّي في
الرِّيح .
وهو - أي : عذابُ القبر - على الرُّوح والبدنِ جميعاً باتِّفاقِ أهل السُّنَّةِ ، وكذا
القول في النَّعیم ؛ قال ابن القيم :
ثُمَّ عذاب القبرِ قِسمَانِ: دائمٌ؛ وهو عذابُ الكُفَّارِ وبعض العصاة . ومنقطعٌ ؛
وهو عذاب من خَفَّتْ جرائمهم من العُصَاةِ ، فَإِنَّهُ يعذب بحسب جريمته ، ثمَّ يرفع
عنه، وقد يُرفَع بدعاء أو صدقة أو نحو ذلك . انتهى .
( وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا) - بفتح الميم - أي: ما يعرض للإنسان مدَّة حياته من
الافتتان بالدُّنيا والشَّهوات والجهالات ؛ وأعظمها - والعياذ بالله تعالى - أمر الخاتمة
عند الموت .
( وَ) من فتنة (المَمَاتِ ) ؛ أي : الفتنة الواقعة قرب الموت ؛ أضيفت إليه
لقربها منه ، فهي في الحياة ، فعطفها من عطف الخاصِّ اهتماماً بها .
(اللَّهُمَّ؛ إِنَّا نَسْأَلُكَ)؛ أي: نطلب منك (قُلُوْباً أَوَّاهَةً): كثيرة الدُّعاء
والتضرّع ؛ ليترتَّب عليها إِظهار الاحتياج .
( مُخْبِتَةً ) : خاشعةً مطيعةً منقادةً، ( مُنِيبَةً) : راجعةً إليك بالتّوبة ، مقبلة
عليك ( فِي سَبِيلِكَ ) ؛ أي : الطَّريق إليك .
( اللَّهُمَّ؛ إِنَّا نَسْأَلُكَ عَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ ) ؛ أي : أسباب مغفرتك المؤكِّدة ؛ لأنَّ
العزم: التَّصميم، (وَمُنْجِيَاتِ أَمْرِكَ)؛ أي: ما يُنَجِّي من عقابك ويصون عن عذابك .
٣٩٩

وَالسَّلاَمَةَ مِنْ كُلِّ ◌ِثْمٍ، والْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِّ ، وَأَلْفَوْزَ بِالْجَنَّةِ، وَالنَّجَاةَ
مِنَ النَّارِ )) . (ك ؛ عَنْ أَبْنِ مَسعُودٍ ) .
٤ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَأَلْهَرَمِ، وَأَلْمَأْثَمِ
وَالْمَغْرَمِ ،
( وَالسَّلاَمَةَ مِنْ كُلِّ إِثْم ) مَعْصِيَةٍ، (وَالغَنِمَةَ مِنْ كُلِّ بِرِّ) - بكسر الموحّدة -:
خير وطاعة، ( وَالفَوْزَ بِالجَّنَّةِ، والنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ ))) : عذابها ، وهذا ذكره للتَّشريع
والتّعليم .
وفيه دليل على ندب الاستعاذة من الفِتَن ، ولو علم المرء أنَّه يتمسّك فيه
بالحقِّ ، لأَنَّها قد تُفضي إلى وقوع ما لا يحترز من وقوعه .
قال ابن بطَّال: وفيه ردّ للحديث الشَّائِعِ: ((لاَ تَسْتَعِيْذُوا بِاللهِ مِنَ الفِتَنِ ، فَإِنَّ
فِيْهَا حَصَادَ أَلْمُنَافِقِيْنَ ))؛ أي : هلاكهم.
قال ابن حجر : قد سئل عنه قديماً ابن وهب فقال : إنَّه باطل ؛ وقال الحفني
على (( الجامع )) : إنَّه حديث موضوع لا أصل له .
(ك)؛ أي: أخرجه الحاكم في ((الدُّعاء))؛ (عَنْ) عبد الله ( بْنِ مَسْعُوْدٍ)
رضي الله تعالى عنه ، وقال : صحيح الإسناد ؛ قال الحافظ العراقي : وليس كما
قال ، إلاَّ أنَّه ورد في أحاديث جيدة الإسناد ، ذكره المُناوي رحمه الله تعالى .
٤ - ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ وَالهَرَمِ، وَالمَأْثَمِ ) - بفتح الميم ،
وإسكان الهمزة ، وفتح المثلَّة -: الإثم كبيراً أو صغيراً .
( وَالمَغْرَمِ ) - بفتح الميم وإسكان الغين وفتح الراء ـ: كلّ ما فيه خسارة دِينٍ ؛
أو دُنْيا . وفي حديث صحيح: قال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المَغْرَم يا رسول
الله !! قال: ((الرَّجُلُ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ)) . أي: وهذا من
الخسارة في الدِّين .
٤٠٠