Indexed OCR Text

Pages 361-380

وأنَّه يتصرَّف ويسير حيث شاءَ في أقطار الأَرضِ في الملكوت ، وهو بهيئته الَّتي كان
عليها قبل وفاته ؛ لم يتبدَّل منه شيء ، وأنَّ مغيَّب عن الأبصار ؛ كما غيّيت
الملائكة ، مع كونهم أَحياء بأجسادهم ، فإذا أراد الله رفع الحجاب عمَّن أراد إكرامَه
برؤيته رآه على هيئته الَّتي هو عليها ؛ لا مانع من ذلك ، ولا داعي إلى التَّخصيص
برؤية المثال. انتهى كلام السُّيوطي في كتاب ((تنوير الحلك)) ملخّصاً .
قال المصنّ الشَّيخ يوسف النَّبهاني رحمه الله تعالى : وقد رأيتُ رسالة في
حجم كرَّاسة منسوبةٍ للشّيخ نور الدِّين علي الحلبي ؛ سمَّاها (( تعريف أهل الإسلام
والإيمان بأنَّ محمَّداً وٍَّ لا يخلو منه مَكَانٌ وَلا زَمَانٌ)).
فمِمَّا قاله فيها ؛ بعد نقل كثيرٍ من كلام الشُّيوطي :
قلت : وأمَّا كلامُنا والَّذي نَقولُهُ - إنْ شاء الله تعالى -: إنَّ الأمر كما قاله الجلال
السُّيوطي ، وأخَصُّ من ذلك أنَّ الَّذي أراه أنَّ جسده الشَّريف لا يخلو منه زمان ؛
ولا مكان ، ولا محل ، ولا إِمكان ، ولا عرش ؛ ولا لوح ، ولا كرسي ؛
ولا قلم ، ولا بحر ؛ ولا بر ، ولا سَهْلٌ ؛ ولا وعر ، ولا برزخ ؛ ولا قبر ، كما
أشرنا إليه أيضا . وأنَّ امتلأ الكون الأعلىُ به كامتلاء الكون الأَسْفَلِ به ، وكامتلاء
قبره به ، فتجدُه مقيماً في قبره ؛ طائفاً حول البيت ؛ قائماً بين يدي ربه لأداء
الخدمة ؛ تامّ الانْبِسَاطِ بإقامته في درجة الوسيلة .
ألا ترى أنَّ الرَّائين له يَقَظَّةً؛ أَو مناماً في أقصى المغرب يوافقون في ذلك الرَّائين
له كذلك في تلك السّاعة بعينها في أقصى المَشْرِقِ !! ؟ فمتى كان كذلك مناماً كان في
عالم الخيال والمثال ، ومتى كان يقظةً كان بصفتي الجمال والإِجلال ، وعلى غاية
الكمال ، كما قال القائل :
لَيْسَ عَلَى اللهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَجْمَعَ العَالَمَ فِي وَاحِدٍ
وأَطالَ في ذلك بذكر الأَدِلَّة . فراجعه في تلك الرِّسالة ، فهي بكمالها قد تضمنَّها
كتاب ((جواهر البحار في فضائل النَّبيِّ المختار)) للمُصَنَّفَ الشَّيخ يوسف النَّبْهانِي
٣٦١

... إِنْتھَى.
وَقَدْ بَسَطْتُ أَلْكَلاَمَ عَلَى رُؤْيَةِ النَّيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كِتَابِي
((أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى سَيِّدِ السَّادَاتِ )) فَمَنْ شَاءَ الزِّيَادَةَ فَلْيَرْجِعْ
إِلَيْهِ .
رحمه الله تعالى آمين . ( إِنْتَهَىْ ) . أي : كلام الباجوريِّ رحمه الله تعالى ملخّصاً.
(وَقَدْ بَسَطْتُ الكَلَمَ عَلَى رُؤْيَةِ النَّبِيِّ وَهَ) يقظةً ومَنَماً ( فِي كِتَابِيْ): (( سعادة
الدَّارَيْنِ في الصلاة على سَيِّدِ الكونَيَّن))، وفي كتابي ( ((أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى سَيِّدِ
السَّادَاتِ )) ) في موضعين منه :
الأَوَّل: قبيل الفصل الخامس . والثَّاني: في الكلام على الصَّلاة السَّادسة
والأَربعين ؛ في ترجمة الشَّيخ أبي المواهب الشَّاذليِّ رحمه الله تعالى .
( فَمَنْ شَاءَ الزِّيَادَةَ) على ما هنا؛ (فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ ) ، أي: إِلى كتاب (( أَفضل
الصَّلوات))، وكذلك ((سعادة الدَّارين))؛ فإِنَّه أَتَى فيها بما يَشْفِي العَليل ، ويُرْوِي
الغَليل ، واستوعب نُقُول العلماء في ذلك بما لم يوجد قبله مجموعاً في كتاب ،
فجزاهُ اللهُ خيرَ الجزاءِ ، ورحمه رحمة الأبرار . آمين .
٣٦٢

الْخَاتِمَةُ
تَشْتَمِلُ عَلَى سَبْعِينَ حَدِيثاً، أَكْثَرُهَا صِحَاحٌ وحِسَانٌ مِنْ أَدْعِيَتِهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
( الخَاتِمَةُ ) ،
وهي - لغةً -: آخرُ شيءٍ، وـ اصطلاحاً -: اسم لأَلفاظِ مخصوصةٍ ، دالَّة على
مَعانٍ مخصوصةٍ ، جُعِلَت آخرَ كتابٍ أَو باب ، ( تَشْتَمِلُ ) ؛ أي : تحتوي ( عَلَى
سَبْعِيْنَ ) - بتقديم السِّين على الموحّدة - ( حَدِيْئاً ) .
الحديث - لغةً -: ضدُّ القَديم، واصطلاحاً -: ما أُضِيْفَ إلى النَّبيِّ ◌َّ من
قولٍ؛ أَو فعلٍ ؛ أو تقريرٍ ؛ أَو وصفٍ خُلُقَيِّ .
( أَكْثَرُهَا ) أَحاديث ( صِحَاحٌ ) : جمع صحيح ؛ ككريم وكرام .
والحديثُ الصَّحيح هو : ما اتَّصَلَ سَنَدُهُ بنقلِ العَدْلِ الضَّابطِ ضَبْطاً تاماً ؛ عَنِ
العَدْلِ الضَّابِطِ ضَبْطَأَ تَامّاً ... وهكذا إلى منتهاه؛ من غيرِ شذوذٍ ، ولا علَّة قادحة.
( وَحِسَانٌ) : جمعُ حَسن ؛ كجبل وجبال .
والحديث الحَسَن هو: ما اتَّصل سَنَدُهُ بنقلِ العدل الضَّابط ؛ عن العدل الضَّابِط
إِلى مِنْتُهَاهُ ، مِنْ غَيْرِ شُذوذٍ ؛ ولا علَّةٍ قادحة . فهو على هذا مساوٍ للصَّحيح في
شروطه ، إِلَّ في الحفظ والضَّبْطِ، فإِنَّ رجال الصَّحيح في غاية الحفظ والضَّبْطِ ؛
وإِن كان رجال الحسن يشترط فيهم الحفظ والضَّبط ، ولكن دون ضَبْطِ رجال
الصحيح .
( مِنْ أَدْعِيَتِهِ وَلِهِ)، وهذه الخاتمة مشرع الظمآن إِلى موارد الكرم العذبة ،
ومفزع الحَيْران إذا ألَمَتْ به الضَّائِقةُ وحصرته الكُرْبَةِ ، فبالدُّعاء يُتَوَسَّل إِلى الله تعالى
في مطالب الدُّنيا والآخرة ، ويتوصَّل إِلى النِّعم الوافية والخيرات الوَافرة ، كيف لا ؛
وقد أَمَرَنا الرَّبُّ العظيم بالدُّعاء والإِنَابة !! ووعدنا؛ وهو الوافي الكريم بالقَبُول
٣٦٣

والإِجابة !! وترادفت بفضله الأخبار الصَّحيحة ، وجاءت بشرفه الآثار الصَّريحة ؛
على ما ستقف على ذلك إِن شاء الله تعالى واضحاً ، وتعوّل عليه مقيماً وظاعناً ؛
وغادياً ورائحاً ، فلازمه في سائر أحوالك ، وتعاهَدْه في بُكَركَ وآصالِكَ ، فستجني
منه إنْ شاء الله تعالى ثمارَ غرسك ، وتجد حلاوة ذلك في قلبك ، وأُنْسَه في
نفسك . تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا ومنك؛ وفينا وفيك صالح الدَّعوات ، وجعلنا وإيّاك ممن
اعتمد على كرمه ومِنَّتِّهِ في الحركات والسَّكنات ، ووفَّقَنا للتَّضرُّع والسُّكون إلى
فضله ، وعاملنا بما هو مِن أهله ؛ لا ما نحن من أهله . آمين .
واعلم - رحمك الله تعالى - أنَّه عندنا معاشر أهل السُّنَّةَ:
أنَّ الدُّعاء ينفع الأَحياء والأَموات ؛ إنْ دعوتَ لهم، ويضرّهم إن دعوتَ
عليهم ؛ وإن صدر من كافر - على الرَّاجح - لحديث أنسٍ رضي الله تعالى عنه :
((دَعْوَةُ المَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ؛ وَلَوْ كَافِراً » .
وأمَّا قوله تعالى ﴿ وَمَا دُعَلُواْ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَلٍ
لا يستجاب لهم في خصوص الدُّعاء بتخفيف عذابٍ جهنّم عنهم يوم القيامة .
[غافر] . فمعناه أنَّه
٥٠
وروى الحاكم - وصحَّحه - أنَّهَ وَلِهِ قال: ((لاَ يُغْنِي حَذَرٌ مِنْ قَدَرِ، وَالدُّعَاءُ
يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ؛ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، وَإِنَّ البَلاَءَ لَيَنْزِلُ وَيَتَلَقَّهُ الدُّعَاءُ فَيَتَعَالَجَانِ إِلَى يَوْمِ
القِيَامَةِ )).
والدُّعاء ينفعُ في القَضَاءِ المُبْرَمِ والقضاء المعلق .
أمَّا الثَّاني: فلا استحالة في رفع ما عُلِّقَ رَفْعُه منه على الدُّعاء ، ولا في نزول
ما عُلِّق نزوله منه على الدُّعاء .
وأمَّا الأَزَّل : فالدُّعاء ؛ وإنْ لم يرفعه ؛ لكنَّ الله تعالى ينزل لطفه بالدَّاعي ، كما
إِذَا قضى عليه قضاءً مبرماً ؛ بأنَّه يُنزل عليه صخرةً ، فإذا دَعا الله تعالى حصل لَهُ
الُّطْفُ ؛ بأنْ تصيرَ الصَّخْرَةُ مُتَفَتَتَةً كالرَّمل وتنزل عليه .
٣٦٤

وانقسام القضاء ؛ إلى مبرم ومعلَّق !! ظاهرٌ بحسب اللَّوح المحفوظ . وأمّا
بحسب العِلْم !! فجميع الأشْياءِ مُبْرمةٌ ، لأَنَّه إنْ عَلِمَ الله حصولَ المعلَّق عليه حَصَل
المعلَّق ؛ ولا بدَّ . وإنْ علم الله عَدَمَ حصوله لم يحصل ؛ ولا بدّ . لكن لا يَتركُ
الشّخصُ الدُّعاءَ اتِّكالاً على ذلك ، كما لا يترك الأكل اتِّكالا على إبرام الله الأمرَ في
الشِّبَع .
واعلم : أنَّ للدُّعاء شروطاً وآداباً ؛
فمن شروطه : ١ - أَكلُ الحلال ، و٢ - أن يدعو ؛ وهو موقنٌ بالإجابة ،
و٣ - أن لا يكون قلبه غافلاً، و٤ - أن لا يدعوَ بما فيه إثمٌ؛ أو قطيعةُ رحمٍ ؛ أو
إضاعة حقوق المسلمينَ ، و٥ - أنْ لا يدعو بمُحَالٍ ؛ ولو عادةً ، لأنَّ الدُّعاء به يشبه
التَّحكُّم على القدرة القاضية بدوامها ، وذلك إساءة أدب على الله تعالى .
ومن آدابه : ١ - أن يتخيَّر الأوقات الفاضلة؛ كأن يدعو في السُّجود ، وعند
الأذان والإقامة ، ومنها : ٢ - تقديمُ الوضوء؛ والصَّلاةِ، و٣ - استقبالُ القبلة ،
و٤ - رفع الأيدي إلى جهة السَّماء، و٥ - تقديم الثَّوبة، و٦ - الاعتراف بالذَّنب،
و٧ - الإخلاصُ، و٨ - افتتاحه بالحمد، و٩ - الصَّلاةِ على النَّبي ◌ِهِ،
و١٠ - ختمُه بها، و١١ - جعلُها في وسطه أيضا .
قال ابن عطاء الله السَّكندري : واعلم أنَّ للدُّعاء أركاناً وأَجنحةً وأسباباً وأوقاتاً .
قال : فإنْ وافق أركانَةُ : قَوِيَ، وإِنْ وَافَقَ أجنحته : طارَ في السَّموات ، وإنْ
وافق مواقيته : فازَ ، وإنْ وافق أسبابه : نجح .
فأركانه: ١ - حضور القلب، و٢ - الرّقة، و٣ - الاستكانة ، و٤ - الخشوع،
و٥ - تعلّق القلب بالله ، و٦ - قطعه من الأسباب .
وأجنحته: الصِّدق. ومواقيته: الأَسحار، وأسبابه: الصَّلاة على النَّبِي وَلِهِ.
انتهى .
٣٦٥

وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي الْخُطْبَةِ أَنَّهَا خَمْسُونَ ، وَظَهَرَتْ لِيَ اُلزِّيَادَةُ بَعْدُ
فَزِدْتُهَا، وَذَكَرْتُ أَسْمَاءَ مُخَرِّجِيهَا بِرَمْزِ (( الْجَامِعِ الصَّغِيرِ))؛ لأَنَّ
أَكْثَرَهَا مَوْجُودَةٌ فِيهِ ، وَفِي ((كِتَابِ الْمَصَابِيحِ )) .
وَقَدْ قَسَمْتُهَا قِسْمَيْنِ :
واعلم أنَّ الإجابة : تتنَزَّع ؛ ١ - فتارةً يقع المطلوب بعينه على الفور ،
و٢ - تارةً يقع ؛ ولكن يتأَخَّر لحكمةٍ فيه، و٣ - تارةً تقعُ الإجابة بغير المطلوبِ؛
حيث لا يكون في المطلوب مصلحةٌ ناجزةٌ ؛ وفي ذلك الغير أصلحُ منها .
على أنَّ الإجابة مقيّدة بالمشيئة ، كما يدلُّ عليه قوله تعالى، ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ
إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾ [٤١/ الأنعام] فهو مقيِّد لإطلاق الآيتين الأخريين، وهما قوله تعالى
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [٦٠/ غافر] وقوله تعالى ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا
دَعَانٍ﴾ [١٨٦/ البقرة]. فالمعنى: ادعوني أسْتجب لكم إن شئت، وأجيب دعوة الدَّاع
إنْ شئت ، والله أعلم .
( وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي الخُطْبَةِ ) المتقدِّمة في أوَّل هذا الكتاب ( أَنَّهَا خَمْسُوْنَ )
حديثاً ، ( وَظَهَرَتْ لِي الزِّيَادَةُ بَعْدُ ) - بالبناء على الضمِّ ؛ لنيَّة معنى المضاف -؛
أي : بعد ذلك، ( فَزِدْتُهَا) إلى أن بلغت سبعين حديثاً، (وَذَكَرْتُ أَسْمَاءَ
مُخَرِّجِيْهَا ) ؛ أي: رواتها، مرموزاً لهم ( بِرَمْزِ: ((الجَامِعِ الصَّغِيْرِ))) ؛ أي :
إشاراته الدَّالة على رواة الحديث من أهل الأثر، فإنَّ الرَّمز : الإشارةُ بعين أو حاجب
أو غيرها، وأصله الثَّحرُّك، ثمَّ توسَّع فيه المصنّفّ ؛ فاستعمله في الإِشارةِ
بالحروف الَّتي اصطلح عليها في العَزو إلى المخرجين ؛ تبعاً لغيره .
وإنَّما اختار رموز ((الجامع الصَّغير)) !! (لأَنَّ أَكْثَرَهَا) أي : هذه الأحاديث
السبعين ( مَوْجُوْدَةٌ فِيْهِ)؛ أي: في (( الجامع الصغير )) ( وَ) موجودة ( فِي كِتَابٍ
((المَصَابِيْحِ))) للإمام محيي السُّنَّةُ البَغويّ - رحمه الله تعالى -.
( وَقَدْ قَسَمْتُهَا قِسْمَيْنِ ) ؛ أَي : رتَّبتها على قسمين :
٣٦٦

اُلأَوَّلُ : اِسْتِعَاذَاتٌ. وَأَلَّانِي: دَعَوَاتٌ. مُعْتَبراً أَوَّلَ اٌلْحَدِيثِ:
إِنْ كَانَ أَسْتِعَاذَةً .. جَعَلْتُهُ فِي أَلْقِسْمِ الأَوَّلِ، وإِنْ كَانَ دُعَاءً ..
جَعَلْتُهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي ،
القسم ( الأَوَّلُ: إِسْتِعَاذَاتٌ) جمع ((استعاذة))، وهي مصدر (( استعاذَ))،
بزيادة السِّينِ والتَّاء اللَّتين هما للطّلب ؛ والاستعاذة ؛ والتعوُّذ، وما تصرَّف منها
كلُّها معناها واحد : وهو الالتجاء والاعتصام .
( وَ) القسم (الثَّانِي: دَعَوَاتٌ) - بفتح الدَّال، والعين ، المهملتين - جمعُ
دَعوةٍ - بفتحِ أوَّله -: مصدرٌ يرادُ به الدُّعاء ، وهو هنا السُّؤال ، يقال : دعوت الله،
أي : سألتُه .
وفي ((شرح الأسماء الحسنى)) للقشيري ما ملخّصه :
الدُّعاء جاء في القرآن على وجوه :
١ - منها العبادة؛ نحوُ ﴿ وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنَفَعُكَ وَلاَ يَضُرٌُّ﴾
[١٠٦/ يونس] .
و٢ - منها الاستعانة؛ نحو ﴿وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَكُمْ﴾ [٢٣/ البقرة].
و٣ - منها السُّؤَالُ؛ نَحوُ ﴿أَدْعُونِي أَسْتَجِبَّ لَكُمْ﴾ [٦٠/ غافر].
ج
و٤ - منها القول؛ نحو ﴿دَعْوَئِهُمْ فِيهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ﴾ [١٠/ يونس].
و٥ - منها النِّداء ؛ نحو ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ [٥٢/ الإسراء].
و٦ - منها الثَّناء؛ نحو ﴿ قُلِ ادْعُواْ اللَّهُ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ﴾ [١١٠/ الإسراء]. انتهى.
( مُعْتَبِراً) ؛ أي : مراعياً في كونها دعوة ؛ أو استعاذة ( أَوَّلَ الحَدِيثِ ) ، أي:
الحرف الأول منه .
(إِنْ كَانَ) أوَّلُ الحديث (اسْتِعَاذَةً؛ جَعَلْتُهُ فِي الْقِسْمِ الأَوَّلِ)، أي: قسم الاستعاذات؛
ولو كان مشتملاً على دعاءٍ بعد الاستعاذة، فإنَّ الاعتبارَ إنَّما هو بأوّل الحديث .
(وَإِنْ كَانَ) أوَّلُ الحديث (دُعَاءً؛ جَعَلْتُهُ فِي الْقِسْم الثَّانِي) أي: قسم الدَّعوات .
٣٦٧

وَأَفْتَتَحْتُهَا بِالدَّعَوَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ ؛ لأَنَّهَا كَلَامُ اللهِ تَعَالَىُ .
وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ ،
( وَأَفْتَتَحْتُهَا) أي: هذه الأدعية؛ أي: ابتدأتها ( بِالدَّعَوَاتِ القُرْآنِيَّةِ ) ؛ أي :
الأدعية الَّتي في القرآن ، ( لأَنَّهَا كَلاَمُ اللهِ تَعَالَى ) .
و(( القرآن)) : يطلقُ على كلٍّ من النَّفْسي واللَّفظي؛ والأكثرُ إطلاقه على اللَّفظي.
وأمَّا (( كلام الله تعالى)) فيطلق أيضاً على كلٍّ من اللَّفظي والنَّفَسي ؛ والأكثرُ
إطلاقه على النّفْسي ، بمعنى أنَّه صفة قديمة قائمة بذاته تعالى .
وإطلاقه على اللَّفظي؛ بمعنى أنَّه ليس لأحد في تركيبه كسب . وعلى الإطلاق
اللَّفظي يُحمَلُ قولُ السَّيِّدة عائِشة (( ما بين دَفَتي المصحف كلام الله تعالى)).
وإطلاق (( كلام الله)) عليهما !! قيل : بالاشتراك ، وقيل : حقيقيٍّ في النَّفْسي ،
مجازٌ في اللَّفظي (١)، وعلى كلِّ؛ من أنكر أنَّ ما بين دفَّتي المصحف كلامُ الله تعالى
فقد كفر . إلاَّ أَنَّ يريد أنَّه ليس هو الصِّفة القائمة بذاته تعالى ؛ ومع كون اللَّفظ الَّذي
نقرؤُه حادثاً لا يجوز أن يقال ((القرآن حادث)) إلاَّ في مقام الثَّعليم ، لأَنَّ يطلق على
الصِّفة القائمة بذاته تعالى أيضاً مجازاً - على الرَّاجح _(٢)، فربَّما يتوهّم من إطلاق أنَّ
القُرآن حادثٌ أنّ الصِّفة القائمة بذاته حادثة ، ولذلك ضُرِبَ الإمام أحمد ابن حنبل ؛
وحبس على أنْ يقول بخلقِ القرآن فلم يرضَ ؛ قاله الباجوري ، رحمه الله تعالى .
( وَتَقَدَّمَ) في الباب الخامس ( أَنَّهُ بَِّ كَانَ خُلُقُهُ) - بضمتين - (القُرْآنَ ) يرضى
لرضاه ويغضب لغضبه .
(١) فيه نظر، لأن الحقيقة والمجاز لا يجتمعان، والمجاز هنا لا يصحُّ نفيه . ولا يقال بعموم
المجاز !!.
والتحقيق ههنا أن يقال: إن ((كلام الله تعالى)) اسم مشترك بين الكلام النفسي القديم ، وبين
اللفظي الحادث المؤلف من الآيات والسور . فتنبه ( عبد الجليل ) .
(٢) وقيل : الراجح خلافه . فتنبه ( عبد الجليل ) .
٣٦٨

وَهِيَ خَارِجَةٌ عَنِ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ .
﴿ رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّاً إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧].
رَيَّنَآ ءَاتِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَّةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَّةً
رواه الإمام أحمد ، ومسلم ، وأبو داود ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها .
قال البيضاوي : أي : خُلُقه كان جميعَ ما حصل في القرآن ، فَإِنَّ كلَّ
ما استحسنه وأثنى عليه ودعا إلَيْهِ قد تحلَّى بِهِ وَله؛ وكلُّ ما استهجنه ونَهى عنه تجنّه
وتخلَّى عنه، فكأَنَّ القرآنَ بيانُ خُلُقه . انتهى .
( وَهِيَ)، أي: الدَّعوات القرآنية (خَارِجَةٌ) ؛ أي : زائدة (عَنِ العَدَدِ
المَذْكُوْرِ ) ؛ أي : غير داخلة في حساب السَّبعين حديثاً .
قال الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة (﴿رَبَّنَا﴾)؛ أي: يا ربنا (﴿نَقَبَّلْ
مِثَّاً﴾ ) ما عملنا لك، وتقبّل طَاعَتَنا إياك وعبادتنا لك (﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾ )
لدعائنا ( ﴿اٌلْعَلِيمُ﴾) بِنِيَّاتِنَا، وَهَذا وإِن كان وارداً في بِنَاء إِبراهيم الكعبةَ؛ لكنَّهُ
يطلب الإِتيان بِهِ بعد كلِّ عمل صالحٍ يفعله المسلم .
قال الإِمام النوويُّ في ((الأَذكار)): يُسْتَحَبُّ لمن دفع زكاةً ، أو صدقة ، أو
نذراً، أَو كفارةً أو نحو ذلك، أن يقول ﴿ رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّأْ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
١٢٧
[البقرة]. فقد أخبر الله سبحانه وتعالى بذلك عن إِبراهيم وإسماعيلَ صلّى الله عليهما
وسلم ، وعن امرأةٍ عمرانَ . انتهى .
وقال تعالى في سورة البقرة أيضاً (﴿رَبَّنَآَ﴾) يا ربنا (﴿ءَاثِنَا فِ الدُّنْيَا
حَسَنَةً﴾ ) نعمةً؛ كالعافية، والزَّوجة الحسنةِ ، والدَّارِ الواسعةِ ، وغير ذلك مما
يعين على الدَّار الآخرة ؛ فكلُّ أمر في الدُّنيا يوافق الطَّبع ويعين على الدَّار الآخرة فهو
من حسنات الدنيا ( ﴿وَفِ اَلْأَخِرَةِ حَسَنَّةً﴾ ) هي الجنَّةَ ؛ أي : دخولها بسلامٍ ،
بحيث يموت على الإسلام ، ولا يلحقه حساب ولا عذاب ، ويرى وجه الله
الكريم . وهذا أحسن ما فسّر به حسنة الدُّنيا والآخرة ، وهو معنى قوله في الحديث
٣٦٩

وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١].
رَبَّكآَ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠].
لعائشة: ((سَلِي الله العَافِيَةَ فِي الدَّارَيْنِ)).
﴿ ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾) بعدم دخولها أصلاً ، فلا ندخلها ولا نراها . وهو من
عطف اللازم على الملزوم .
قال الشَّيخُ عماد الدِّين ابن كثير : الحسنةُ في الدُّنيا تشمل كلَّ مطلوب دنيويٍّ ؛
من عافيةٍ ، ودارٍ رَحْبَةٍ ، وزوجة حسنة ، وولدٍ بارِّ ، ورزق واسع ، وعلم نافع ،
وعمل صالح ، ومركب هَنِيٍّ ، وثناء جميل ... إلى غير ذلك مما شملته عباراتهم؛
فإِنَّها كلَّها مندرجة في الحسنة في الدُّنيا .
وأما الحسنة في الآخرة !! فأعلاها دخول الجَنَّهِ وتوابعه ؛ من الأمن من الفزع
الأكبر في العرصات ، وتيسير الحساب ، وغير ذلك من أمور الآخرة .
وأمَّا الوقاية من عذاب النَّار !! فهو يقتضي تيسيرَ أسبابه من اجتناب المحارم
وترك الشُّبهات . انتهى ذكره ابن علان في ((شرح الأذكار )).
وقال تعالى في سورة البقرة (﴿رَبَّنَاَ أَفْرِغْ﴾): أصبب (﴿عَلَيْنَا صَبْرًا﴾)
كَصَبِّ الماء على الأَرض الجُرُز (﴿وَتَيِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ ) بتقوية قلوبِنَاً على
الجهاد، فالمرادُ بـ(( تثبيت الأقدام)) كمالُ القوَّة ، والرُّسوخ عند المقارعة ، وعدم
التَّزلزل عند المقاومة، وليس المراد تقرّرَها في مكان واحد ( ﴿ وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
اُلْكَفِينَ﴾) : أعِنَّاً عليهم .
وفيه ترتيب بليغٌ ؛ حيث وقع أوَّلاً سؤال إفراغ الصَّبر على القلوب الَّذي هو ملاك
الأَمر ، ثمَّ ثبات القدم في مداحض الحرب المسبّب عنه، ثمَّ النَّصر على العدوِّ
المترتّب عليهما غالباً .
٣٧٠

سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ اَلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
﴿ رَبَِّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنًا .
وقال تعالى في سورة البقرة (﴿ سَمِعْنَا﴾) ما أمرنا به سماعَ قبول ، وفيه
تعريضٌ بالردِّ على من قال: سمعنا وعصينا. (﴿وَأَطَعْنَاْ﴾ ) ؛ أي : أنقدنا
للطّاعة؛ ولو بالعزم عليها. نسألك (﴿غُفْرَانَكَ﴾) .
ومعنى الغفران : سَتْر الذُّنوب ؛ كبيرها وصغيرها ، جليِّها وخفيِّها . فالإنسان
يطلب المغفرة ؛ ولو في حالة الطَّاعة ؛ بسبب ما يطرأ عليها من العجب وحُبِّ
المحمدة ، وغير ذلك من الآفات الَّتي تذهبها ، فالعارف لا يعتمد على أعماله أبداً ،
وعلامةُ ذلك كونُهُ يُجدِّدُ الثَّوبة والاستغفار ، ولو كان متلبِّساً بأكبر الطَّاعات.
﴾ ) : المرجع
(٢٨٥)
(﴿رَيَّنَا﴾)؛ أي: يا ربَّنا منك مبدؤُنا (﴿ وَإِلَيْكَ اَلْمَصِيرُ
بالبعث .
(﴿رَبََّا لَا تُؤَاخِذْنَآَ﴾ ) : لا تُعاقبنا، وهو تعليم مِنَ الله لعباده كيفيَّة الدُّعاء ،
وهذا من غاية الكَرمِ حيث يعلمهم الطَّلب ليعطيَهم المطلوب .
وجاء بالمفاعلة، وهو فعلُ واحدٍ ؛ وهو الله !! لأنَّ المُسيءَ قد أمكن من نفسه
وطرق السَّبيل إليها بفعله ، فَكَأَنَّه أعان مَن يعاقبه بذنبه ، ويأخذ به على نفسه ؛
فحَسُنت المفاعلة .
(﴿إِن ◌َسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ) ؛ أي: تركنا الصَّواب لا عن عمد؛ كتأخير الصَّلاة
عَنْ وقتها في حال الغيم ؛ جهلاً بالوقت ، وكقتل الخطأ ، فلا تُؤَاخِذْنَا يا ربَّنا بذلك
كما آخذت به مَن قبلنا. قيل: كان بنو إسرائيل إذَا نسو شيئاً مما أُمروا به أو أَخطأوا ؛
عُجِّلت لهم العقوبة ، فيحرم عليهم شيء مِمَّا كان حلالاً لهم ؛ من مطعم ، أو
مشرب ــ على حسب ذلك الذَّنب ــ فأمر الله المؤمنينَ أنْ يسألوا رفع مؤاخذتهم بالخطأ
والنِّسيانِ ، وقد رفع الله ذلك عن هذه الأمَّة المحمَّدية ، كما ورد في الحديث ، وهو
قوله ◌َله: ((رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ، والسِّنْيَانُ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ)).
٣٧١

رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَّاً.
فالقصدُ من سُؤالِ هذا الرَّفع وطلبه الإقرارُ والاعتراف بهذه النِّعمة ، أي :
﴾ [الضحى] .
١١
إظهارها والتَّحدُّث بها على حدٍّ ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
﴿﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآَ﴾) معطوفٌ على ﴿لَا تُؤَاخِذْنَآَ﴾، وتوسيطُ النِّداء
[ربنا] (١) بين المتعاطفين !! لإظهار مزيد الضَّراعة والالتجاء إلى الرَّب الكريم ،
وكذا يقال في قوله ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا﴾؛ فهو معطوف على ﴿لَا تُؤَاخِذْنَآَ﴾ إلى آخر
ما تقدَّم .
(﴿ إِصْرًا﴾ ) : أمراً يَثْقُل علينا حمله .
وفي (( أبي السُّعود )»: الإِصر: العَناءُ الثَّقيل الَّذي يأصِر صاحبه ؛ أي : يحبسه
مكانه ، والمراد به : التّكاليف الشَّاقة .
وفي ((السّمين)): الإصر - في الأصل -: الثَّقَلُ والشِّدَّة ، ويطلق على العهد
والميثَاق لِثِقَلِهِمَا، كقوله تعالى ﴿ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌ﴾ [٨١/آل عمران] ؛ أي :
عهدي وميثاقي ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [١٥٧/ الأعراف]؛ أي: التّكاليف الشَّاقة ،
ويطلق على كل ما يثقل على النَّفْس ؛ كشماتة الأعداءِ .
﴿﴿ كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ ) ؛ أي : بني إسرائيل.
ومن الإِصر الَّذي حملوه قتلُ النَّفَس في الثَّوبة ، فإنَّهم لمَّا عبدوا العجل كانت
توبتهم قتل طائِعهم العاصيّ منهم ، وأما توبتنا ؛ فالنَّم .
ومن ذلك إخراجُ ربع المال في الزَّكاة ... وأمَّا الزَّكاة في هذه الأمَّة ؛ فربع
العشر في النََّدين ، والعشر ؛ أو نصفه في الحبوب .
ومن ذلك قَرضُ(٢) موضع النَّجاسة من الثَّوب والبدن .
(١) للإيضاح (عبد الجليل ) .
(٢) قَطعه بالمقراض وهو المقصّ ( عبد الجليل).
٣٧٢

رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةً لَنَا بِهِءٌ وَاعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَئِنًا
فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ومن ذلك أنَّ من ارتكب منهم الخطيئةَ تصبح خطيئته مكتوبةً على بَابِهِ ، وغير
ذلك من التّكاليف الشّاقةِ الَّتي رفعها الله عن هذه الأمَّة بفضله ورحمتِهِ ، فله الحمدُ
والمنَّةَ .
(﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ﴾): قدرة (﴿لَنَا بِهٌِ﴾) منَ التكاليف والبلاء ،
فلم يكلِّفنا بالحجِّ من غير استطاعة ؛ مثلاً ، ولا بالصَّلاة من قيامٍ ، مع كونه مريضاً
لا يقدر عليه ، ولا باستعمال الماءِ مع عدم القدرة عليه ، وقد كان ينزل بمن قبلنا
الطّوفان والجراد والفُمَّل والضَّفادع والدَّم والصَّيحة والخسفُ والمسخُ ، وغير ذلك
من أنواع البلايا العامة الَّتي لا تبقي ولا تذر .
(﴿وَأَعْفُ عَنَّا﴾): امحُ ذُنوبنا من الصُّحف (﴿ وَأَغْفِرْ لَنَا﴾ ) ؛ أي : استر
ذنوبنا عن أعين المخلوقات، (﴿ وَأَرْحَمْنَاً﴾) في الرّحمة زيادة عن المغفرة ؛ لأَنَّ
الرَّحمة الإحسان ، وهي تشمل المغفرة الَّتي هي غفر الذُّنوب ، وإيصالُ النِّعم في
الدُّنيا والآخرة .
(﴿أَنْتَ مَوْلَئِنَا﴾ ): سيدنا، ومتولِّي أمورنا، (﴿فَأَنصُرْنَا﴾) . أتى هنا
بالفاء !! إِعلاماً بالسّبيَّة ، لأَنَّ الله تعالى لما كان مولاهُمْ ومالكَ أمورهم ، وهو
مدبِّرهم ، تسبَّب عنه أنْ دعوه بأنْ ينصرهم على أعدائهم ، كقولك (( أنْتَ الجواد
فتكرَّم علي )) و(( أنْتَ البطل؛ فاحم حومتك)).
﴾) [البقرة])، بإقامة الحجّة والغلبة في قتالهم،
٢٨٠
(﴿عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ
فإنَّ مِن شأنِ المولى أنْ ينصر مواليه على الأعداء .
والحكمة في زيادة قوله ((القوم)) ولم يقل ((الكافرين)) !! لأنَّه لا يلزم من
النُّصرة على أفراد الكُفَّار النُّصرة على الهيئةِ المجتمعَةِ؛ لأنَّ الشَّخْصَ قد يكون غالباً
على كلِّ أحدٍ ؛ ولا يكون غالباً على المجموع .
٣٧٣

رَّنَا لَا تُزِعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ﴾ [آل
عمران : ٨] .
﴿رَيِّنَآ إِنَّنَاَ ءَامَنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:
١٦ ] .
﴿رَبَّنَآَ ءَامَنَا بِمَآ أَنْزَلْتَ
وفي الحديث: لمَّا نزلت هذه الآية؛ فقرأها وَّهِ، قيل له عقب كلِّ كلمة: قد
فعلتُ . رواه مسلم ، أي : قال الله له عقب كل كلمة من كلمات الدَّعوات ، وهي
سبعٌ ، أوَّلها : لا تؤاخذنا ، وآخرها : فانصرنا على القوم الكافرينَ ، فيكون قوله :
((قد فعلت )) وقع سبعَ مرَّات، والمرادُ : قد أجبتُ دُعاءَك ومطلوبَك .
وقال تعالى في سورة آل عمران (﴿رَبَّنَ لَ تُخْ﴾): لا تُمِل (﴿قُلُوبَنَا﴾) عَن
الحقِّ (﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ ) ؛ أي : أرشدتنا إليه ، أي : بعد وقت هدايتك إيَّانا
(﴿ وَهَبْ لَنَا﴾)؛ أي: أعطنا (﴿مِن لَّدُنْكَ﴾): من عندك (﴿رَحْمَةٌ﴾) ؛ تَثَبيتاً على
الحقِّ، (﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَضَّابُ﴾) الَّذي تعطي النَّوال قبل السُّؤال .
وفيه دليل على أنَّ الهدى والضَّلال من الله تعالى ، وأَنَّه متفضِّل بما يُنعم به على
عبادِهِ ؛ أي : لا يجب عليه شيء . أي : لأَنَّه وهَّاب .
وقال تعالى في سورة آل عمران أيضاً (﴿ رَبَِّآَ إِنَّنَاَ ءَامَنَا﴾): صدَّقنا بك
وبرسولك ؛ إجابةً لدعوتك، (﴿فَأَغْفِرْ لَنَاذُنُوبِنَا﴾)؛ إنجازاً لوعدك، (﴿وَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ﴾ ) بفضلك .
وفي ترتيب هذا السُّؤال على مجرَّدِ الإِيمان دليلٌ على أنَّه كافٍ في استحقاق
المغفرة ، وفيه ردٌّ على أهل الاعتزال، لأنَّهم يقولون: إِنَّ استحقاق المغفرة
لا یکون بمجرَّد الإيمان .
وقال تعالى في سورة آل عمران أيضاً (﴿رَيََّآَ ءَامَنًا﴾): صدَّقنا (﴿ بِمَآ أَنْزَلْتَ
٣٧٤

وَأَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣].
رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنْصُرْنَا عَلَىَ اُلْقَوْمِ
اَلْكَفِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧].
﴿رَبَّنَامَا خَلَقْتَهَذَا بَطِلًا
وَأَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾)؛ أي: امتثلنا ما أتى به منك إلينا (﴿فَأَكْتُبْنَا مَعَ
الشَّهِدِينَ﴾ ) ، لك بالوحدانيَّة ، ولرسولك بالصِّدق؛ أي: أثبت أسماءنا مع
أسمائهم ، واجعلنا في عِدادِهم ومعهم فيما تكرمهم به .
وقال تعالى في سورة آل عمران أيضاً (﴿ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ ) صغائِرنا
(﴿وَ إِسْرَافَنَا فِيَ أَمْرِنَا﴾) ؛ أي : تجاوزنا الحدَّ في ارتكاب الكبائِر.
(﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ ) عند جهادِ أعدائِك بتقوية قلوبنا ، وإمدادنا بالمدد
الرَّوحاني من عندك، ( ﴿ وَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾) بالغلبة؛ وقَدَّم الدُّعاء
بالمغفرة على طلب تثبيت الأقدام ، وعلى طلب النَّصر على الأعداء !! تقريباً له إلى
حيِّ القَبول، فَإِنَّ الدُّعاء المقرونَ بالخضوعِ الصَّادر عن زكاء وطهارة أقربُ إلى
الاستجابة .
وقال تعالى في أواخر سورة آل عمران (﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا﴾) الإشارة إلى
السَّموات والأرض ، لما أنَّهما باعتبار تعلُّق الخلق بهما في معنى المخلوق .
والعدول عن الضَّمير إلى اسم الإِشارة !! للإِشارة إلى أنَّها مخلوقاتٌ عجيبةٌ يَجِبُ أنْ
يعتنى بكمال تمييزها ؛ استعظاماً لها .
(﴿بَطِلَّاً﴾): عبثاً، كَأنَّه قيل: ما خلقتَ هذا المخلوقَ العجيبَ عبثاً
وضائِعاً؛ من غير حكمة ، بل خلقته لِحِكَمٍ عظيمةٍ ، من جملَتِها أنْ يكون مَبْدأً
لوجود الإنسان، وسَبَباً لمعاشه، ودليلا يدلُّه على معرفتك، ويحثُّه على طاعتك ،
لينال الحياة الأَبديَّة ، والسَّعادة السَّرمديَّة في جوارك .
٣٧٥

سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١].
رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَنِ أَنْءَامِنُواْ بِرَبَّكُمْ
وقوله (( باطلاً))، حال من المفعول به ، وهو هذا، وهو الأحسن في إعرابه ،
وهي حال لا يستغنى عنها ، إذ لو حذفت لَلَزِمَ نفي الخلْقِ ؛ وهو لا يصحُّ ، كما في
قوله تعالى ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِبِينَ!
٢٨﴾ [الدخان].
(﴿ سُبْحَتَكَ﴾)؛ تنزيهاً لك عن الوصفِ بخلق البَاطِلِ؛ (﴿فَقِنَا عَذَابَ
النَّارِ﴾)؛ تعليم لعباده كيفية الدُّعاء، فمن أراد أنْ يدعو فليقدِّم الثَّناء على الله أوَّلاً ،
ويدلُّ عليه قوله ﴿ سُبْحَنَكَ﴾، وبعد ذلك الثَّنَاءِ يأتي بالدُّعاءِ ، ويدلُ عليهِ قولُه
﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ .
( ﴿ رَبَّنَآَ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ ) ؛ أي : داعياً ، وهو على حذف مضاف ؛ أي :
نداءَ منادٍ (﴿يُنَادِى﴾): يدعو النَّاس (﴿ لِلْإِيمَانِ﴾).
قال ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، وأكثر المفسّرينَ : المنادي هو
محمّد ◌َد .
ويدلُّ على صحّة هذا قولُه تعالى ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [١٢٥/ النهـ
وقولُه ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ [٤٦/ الأحزاب].
وقال محمد بن كَعْب القُرظي : المنادي هو القرآن ؛ قال : إذ ليس كلُّ أحدٍ لَقِيَ
النَّبِيَّ ◌َِّ .
ووجه هذا القولِ: أنَّ كلَّ أحدٍ يسمعُ القرآن ويفهمه ، فإذَا وَفَّقَهُ اللهُ تعالى
للإِيمانِ به فقد فازَ به ، وذلك لأَنَّ القرآنَ مشتمل على الرُّشْدِ والهُدى وأنواع الدَّلائِل
الدَّالة على الوحدانيّة ؛ فصار كالدَّاعي إليها ، فعلى القولِ الأَوَّل: إِسناد النِّداءِ إليه
حقيقيٌّ، وعلى القول الثَّاني: إِسناد النِّداء إليه مجازي، واللَّم في ﴿لِلْإِيمَانِ﴾
بمعنى ((إِلى)) ؛ يعني : ينادي إلى الإيمان.
( ﴿أَنْ﴾ ) ؛ أي: بأن (﴿مَامِنُواْ بِرَبِّكُمْ﴾ ) ؛ أي : صَدِّقوا بأَنَّه یجب له كل
٣٧٦

فَكَامَنَّا رَبَّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَقَّنَا مَعَ
اُلْأَبْرَارِ
(١٩٣
رَبَّنَا وَءَائِنَا مَا وَعَدَتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تَخْلِفُ
المِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٣-١٩٤].
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنْفُسَنَا
كمالٍ ، ويستحيل عليه كلُّ نقصٍ ، ( ﴿ قَامَتَّاً﴾ ) به .
(﴿رَبَّنَا فَأَغْفِّرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾)؛ أي: كبائر ذنوبنا (﴿وَكَفِرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ ):
صغائِر ذُنُوبِنَا، (﴿وَتَوَقَّنَا﴾): اقبض أرواحَنا (﴿مَعَ﴾): في جملة
(﴿اَلْأَبْرَارِ﴾): الأنبياء والصَّالحين ، أي : احشرنا معهم واجعلنا في زمرتهم ،
(﴿ رَبَّنَا﴾) حَقِّقْ لَنَا ما ذكر، (﴿وَءَائِنَا﴾): أعطنا (﴿ مَا وَعَدتَّنَا﴾) به
(﴿عَ﴾) أَلْسِنَةِ (﴿رُسُلِكَ﴾) من الرَّحمة والفضل، أي: ربَّنا اجعلنا مِمَّن يستحقُّ
ثَوابَكَ ، وتؤتيهم ما وعدتهم به على ألسنة رسلك ، لأَنَّا لم نَتَيَقَّن استِخْقَاقَنَاَ لتلك
الكرامة ، فنسألُكَ أنْ تجعلنا مستحقِّينَ لها .
وتكرير لفظ ﴿ رَّبَّنَآَ﴾ مبالغةٌ في التَّضرُّع، ولما قيل: إنَّه الاسم الأعظم .
وعن جعفر الصَّادق: مَنْ حَزَبَهُ أمْرٌ ؛ فقال خمس مرَّات (( رَبَّنَا))، أنْجَاهُ اللهُ مِمَّا
يخافُ، وأعْطَاهُ ما أرادَ . قيل: وكيفَ ذلِكَ !؟ قال: اقرأوا قوله تعالى ﴿ إِنَّ فِى
خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ... ﴾.
وهي مِن أوراد الصَّالحين تقرأ إلى آخر السُّورة عند الاستيقاظ من النَّوم ، فمن
لازم عليها تحقَّق بما فيها ، وحصل له ثواب مَن قام اللَّيل ؛ قاله الصَّاوي .
(﴿ وَلَ ◌ُِنَايَوْمَ اٌلْقِيَمَةِ﴾) ظرفٌ لقوله ﴿ وَلَا تُخْزِنَا﴾؛ أي: لا تَفْضَخْنَا في ذلك
اليوم ؛ لأَنَّ الإِنسانَ ربَّما يظن أنَّه على عمل ويبدو له في الآخرة ما لم يكن في
حسبانه ؛ فيفتضح ، فلا تكرار فيه مع قوله ﴿ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
(﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ لَلِيعَادَ﴾) مصدرٌ بمعنى الوَعد بالبعث والجزاء .
وقال تعالى في سورة الأعراف (﴿ رَبَّنَاظَلَتْنَآ أَنْفُسَنَا﴾): أضررناها بمخالفة أمرك
٣٧٧

وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
﴿ رَبَّنَا اُفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩].
﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦].
﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ اَلَّالِمِينَ ﴾
وطاعة عدوِّنا وعدوِّك، فإِنْ لم تَتُبْ علينا نستمرَّ عاصينَ (﴿ وَإِن ◌َّمْ تَغْفِرْلَا﴾ ): تمحُ
مِا عملناه عيناً وأثراً ، (﴿ وَتَرْحَمْنَا﴾) فَتُعْلِيَ درجاتِنا؛ (﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ )
في الأرض .
وقال تعالى في سورة الأعراف أيضاً (﴿ رَبَّنَا أَفْتَحْ﴾): احكم (﴿ بَيْنَنَا وَبَيْنَ
قَوّمِنَا﴾): الكفّار؛ (﴿بِأَلْحَقِّ﴾): بالعدل الَّذِي لا جَوْرَ فيه ولا ظلم ولا حيف ،
(﴿ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِحِينَ﴾ ) : الحاكمين .
(﴿ رَبَّنَآَ أَفْرِعْ﴾): أَصْبِب (﴿عَلَيْنَا صَبْرًا﴾) كاملاً تامًّا، (﴿ وَتَوَقَّنَا مُسْلِمِينَ﴾
[الأعراف]) ؛ أي : اقبضنا على دين الإسلام ثابتين عليه غير مفتونين .
وفي الآية فوائدُ ؛
الأولى: أنَّ التعبير بـ ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أكملُ من التَّعبير بـ(( أنزل علينا صبراً))؛
لأَنَّ إفراغ الإناء هو صبُّ ما فيه بالكُليّة ، فكان المطلوب من الله تعالى كلّ الصَّبر ؛
لا بعضهُ .
الثانية : أنَّ لفظ ﴿صَبْرًا﴾ مذكورٌ بصيغة التَّنكير، وذلك يدلُّ على تمام
الكمال ، أي : صبراً تامًّا كاملاً .
الثَّالثةُ: أنَّ ذِكْرَ الصَّبْرِ من قيل الذَّاعي ومن أعماله ، ثمَّ إنَّ مطلوب من الله
تعالى ؛ وذلك يدلُّ على أنَّ فعل العبد لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى وقضائِه .
* وقال تعالى في سورة يونس (﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ) ؛ أي :
لا تظهرهم علينا فيظنُّوا أنَّهم على الحقِّ فيفتتنوا بنا ، لأنَّك لو سلَّطتهم علينا لوقع في
٣٧٨

وَجِّنَا بِرَحَتَكَ مِنَ الْقَوْمِ اَلْكَفِرِينَ﴾ [يونس: ٨٥-٨٦].
﴿رَبِّ إِنِّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلٌَّ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِ وَتَرْحَمْنِىّ
أَكُن مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧].
﴿ فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَنَتَ وَإِّ، فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا
وَأَلْحِقْنِىِ بِالصَّلِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
﴿رَبِّ اجْعَلِ مُقِيمَ الصَّلَوةِ وَمِن ذُرِّيَّتِىّ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ*
قلوبهم أنْ لو كنا على الحقِّ لما سلَّطهم الله علينا ؛ فيصيرُ ذلك شبهة قويَّة في
إِصرارهم على كُفْرِهِمْ ؛ فيصير تسلُّطهم علينا فتنةً لهم .
(﴿وَجِّنَا﴾): خلصنا (﴿بِرَحْمَتِكَ))؛ أي: إحسانك وإنعامك، (﴿مِنَ
اٌلْقَوْمِ اَلْكَفِرِينَ﴾ ) الجاحدين لآياتك .
وقال تعالى في سورة هود (﴿رَبّ إِّ أَعُوذُ بِكَ﴾) من (﴿أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَيْسَ لِىِ
بِهِ، عِلْمٌ﴾ ) بصخَّتِهِ، هل هو صواب أَوْ لاَ !! (﴿وَإِلَّ تَغْفِّرْ لِ﴾) ما فرط مِنِّي ،
(﴿وَتَرْحَمْنِىّ﴾) برحمتك الَّتِي وَسِعَتْ كلَّ شيءٍ (﴿أَكُن مِنَ الْخَسِرِينَ﴾)
أعمالاً .
وقال تعالى في سورة يوسف ( ﴿ فَاطِرَ﴾)؛ أي: يا فاطر (﴿السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِ﴾ ) ؛ أي: خالقهما، (﴿ أَنَتَ وَإِ ﴾ ) ؛ أي : متولِّي مصالحي ( ﴿فِي
الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ تَوَفَّنِ مُسْلِمًا﴾)؛ أي: اقبضني إليك مسلماً (﴿ وَأَلَّحِقْنِ بِالصَّلِحِينَ﴾)
بعامَّتهم في الرُّتبة والكرامة .
وقال تعالى في سورة إبراهيم ( ﴿رَبِّ اجْعَلْنِ مُقِيمَ الصَّلَوْةِ﴾) : مواظباً عليها
بشروطها وأركانها وآدابها، ﴿وَ﴾ اجْعل (﴿مِّنَ ذُرِّيَّقِيْ﴾)، من يقيمها؛
(﴿ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾) بإثبات الياء وصلاً ووقفاً، وحذفها كذلك ، قراءتان
سبعيتان ، أي : استجب دعائي .
٣٧٩

رَبَّنَا أَغْفِرْلِ وَلِوَلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤٠-٤١].
﴿رَّبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَىَّ﴾ [نوح: ٢٨]. و﴿رَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَمَا رَبِّيَانِى
صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤].
﴿رَّبِ أَدْخِلْنِىمُدْخَلَ صِدْقٍ وَاخْرِجْنِی مُخْرَجَ صِدْقٍ
(﴿ رَبَّنَا أَغْفِرْ لِ وَلَوَلِدَكَّ﴾): أبي وأمي ( ﴿ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ﴾ ) : يوجد
(﴿الْحِسَابُ﴾ ) .
وقال تعالى (﴿رَّبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَنَ﴾)؛ هذا مأخوذٌ من [٢٨] سورة نوح ،
وهو توطئةٌ لقوله: (﴿رَبِّ أَرْحَمْهُمَا كَا﴾) رحماني حين (﴿ رَبََّنِى صَغِيرًا﴾ ) ؛ لأنه
مأخوذ من سورة الإسراء .
ولفظ الآية في الإسراء ﴿﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّ تَعْبُدُوَاْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِأَلْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاْ إِمَّا
يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَهُمَا فَلَا تَقُل لَّكُمَا أُنِّي وَلَا نَنْهُرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلًا
كَرِيمًا ﴿ وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَبِّ أَرْحَمْهُمَا كَا رَبََّانِىِ صَغِيًا
(٢٤
انتهى .
والمصنف قدَّم قوله ﴿رَّبٍّ أَغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَكَ﴾. المأخوذ من سورة نوح
توطئةً ؛ ليكون عود الضَّمير على مذكور ؛ وعطف على ذلك آية الإسراء ،
وهو صنيع حسن .
وقال تعالى في سورة الإسراء (﴿رَِّّ أَدِْى﴾) في كلِّ مقامٍ تريدُ إِدخالي
فيه ، حسِّيٍّ ومعنويٌّ؛ دُنيَا وَأُخْرَى (﴿ مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾) يَسْتَحِقُّ الدَّاخل فيه أنْ
يقال له : أنْتَ صادقٌ في قولِكَ وفعلك، فإِنَّ ذَا الوجهين لا يكون عندَ الله
وجيهاً .
(﴿ وَأَخْرِجْنِى﴾) مِنْ كلِّ ما تخرجني منه، (﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾) والمُدخل
والمُخرج - بالضمِّ - مصدران بمعنى الإدخال والإِخراج، فهما كالمُجْرى
٣٨٠