Indexed OCR Text
Pages 341-360
وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((مَنْ رَآَنِي فِي الْمَنَمِ .. فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَخَيَّلُ پي )) . ورُدَّ بأنَّه يأباه قوله ((فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَزَيَّا بِي)) - بالزَّاي المعجمة - أي : لا يظهر في زِيِّي ؛ أي : لا يستطيع ذلك ، لأن الله سبحانه وتعالى ؛ وإن مكَّنه من التصوُّر في أيِّ صورة أراد ؛ فَإِنَّه لا يمكّنه من النَّصؤُّر في صورة النَِّّ ◌َّهِ . ( وَ) أخرج الإمام أحمد، والبخاريُّ، والتُّرمذُّ في ((الجامع)) و((الشَّمائل)): ( عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِوَهِ: ((مَنْ رَآنِيْ فِي المَنَامِ) - أي : في حال النَّم - ( فَقَدْ رَآنِيْ ) حقيقةً؛ أي: رأى حقيقتي كما هي، (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَخَيَّلُ بِيْ))) . أي: لا يمكنه أن يظهر لأَحد بصورتي ، فمعنى التخيّل يقرُب من معنى التصوّر . فَإِنْ قيلَ : كيف يكون ذلك وهو في المدينة المنوّرة ؛ والرائي في المشرِقِ أو المغربِ مثلاً !؟ أجيب : بأنَّ الرُّؤية أَمر يخلقه الله تعالى ، ولا يشترط فيها عقلاً مواجهةٌ ؛ ولا مقابلةٌ؛ ولا خروجُ شعاع ؛ ولا غيره . ولذا جاز أن يرى أعمىُ الصِّين بقَّة أندلس !!. فإنْ قلت : كثيراً يُرى على خلاف صورته المعروفة ، ويراه شخصان في حالة واحدة في مكانين ؛ والجسم الواحد لا يكون إلاَّ في مكان واحد ؟! أجيب : بأنَّه يعتبر في صفاته ؛ لا في ذاته ، فتكون ذاتُه عليه الصلاة والسلام مرئيَّةً وصفاتُهُ متخيَّلة غيرَ مرئيَّةٍ ، فالإدراك لا يشترط فيه تحديقُ الأبصار ، ولا قربُ المسافةِ ، فلا يكون المرئيُّ مدفوناً في الأرضِ ولا ظاهراً عليها ، وإنَّما يشترط كونه موجوداً ، ولو رآه يأمر بقتلِ مَن يحرمُ قتلُه !! كان هذا من صفاته المتخيَّلة ؛ لا المرئيّة. كذا قاله القُسْطُلاَّني في ((شرح البخاري)). ٣٤١ قَالَ: (( وَرُؤْيَا أَلْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِنَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُُّوَّةِ)). ( قَالَ: )؛ أي: أنس - على ما هو ظاهر صنيع المصنِّف - وإلاَّ لقال ((وقال))! لَكنَّه موقوف في حكم المرفوع! ولا يبعد أن يكون الضَّمير له وَلِّ ، بل هو الأقرب ، لأَنَّ الأشهر أنَّ هذا مرفوع في البخاري وغيره . ( (وَرُؤْيَا) - مصدرٌ؛ كالرُّجْعَى - (المُؤْمِنِ) والمؤمنة الصالِحَيْن ، والمراد غالبُ رؤياهما ، وإلاَّ! فقد تكون رؤياهما أَضغاثَ أحلام ؛ أي : أخلاط أحلام فلا يصحُّ تأويلها لاختلاطها ؛ ( جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِيْنَ جُزْءاً مِنَ النَّبُوَّةِ )) ) . وجه ذلك - على ما قيل -: أنَّ زمن الوحي ثلاثة وعشرون سنة، وأَوَّل ما ابتدىء به ﴿ الرؤيا الصالحة، وكان زمنها ستَّةً أَشهر ، ونسبة ذلك إلى سائر المدَّة المذكورة جزءٌ من ستة وأربعين جزءاً ، ولا حرج على أحد في الأخذ بظاهر ذلك . لكن لم يرد أثرٌ أنَّ زمن الرؤيا ستَّة أشهر !! مع كونٍ هذا التوجيه لا يظهر في بقية الرِّوايات غير هذه الرِّواية؟! فَإِنَّمْهُ] ورد في رواية: ((مِنْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِيْنَ)) ، وفي رواية (( مِنْ أَرْبَعِيْنَ))، وفي رواية ((مِنْ خَمْسِيْنَ)) ... إلى غير ذلك، واختلاف الرِّوايات يدلُّ على أنَّ المراد التكثير ؛ لا التحديد . ولا يَبْعُد أَنْ يُحمل اختلاف الأعداد المذكورة على اختلاف أحوال الرَّائي في مراتب الصَّلاح ، وأظهر ما قيل في معنى كون الرؤيا جزءاً من أجزاء النُّوَّة : أنَّها جزء من أجزاء عِلْمِ النُّؤَّة ، لأنَّها يعلم بها بعض الغيوب ، ويطلع بها على بعض المغيَّبات ، ولا شكَّ أنَّ علم المغيَّيات من علم النُُّؤَّة ، ولذلك قال الإمام مالك رضي الله عنه لما سُئِلَ : أيعبِّرِ الرُّؤيا كلُّ أحد ؟ قال : أبِالنُّبُوَّة يلعب !! ثمّ قال : الرُّؤيا جزءٌ من التُّوَة . وليس المراد أنَّها نبوَّة باقية حقيقةً . ويؤيِّد ذلك الحديث الَّذي رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: ((لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّوَّةِ إِلَّ المُبَشِّرَاتُ))، قالوا: وما المبشّرات؟ قال: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ؛ يَرَاهَا ٣٤٢ وَقَوْلُهُ [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]: ( مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي ) قَالَ الْبَاجُورِيُّ : أَيْ : مَنْ رَآنِي فِي حَالِ النَّوْمِ . . فَقَدْ رَآنِي حَقّاً ، أَوْ .. فَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ . فَهُوَ عَلَى التَّشْسِهِ وَالتَّمْثِلِ؛ وَلَيْسَ الْمُرَادُ رُؤْيَةَ جِسْمِهِ الشَّرِيفِ وَشَخْصِهِ الْمُنِيفِ ، بَلْ مِثَالُهُ عَلَى الشَّحْقِيقِ . الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ ، أَوْ تُرَى لَهُ » . أخرجه البخاريُّ. والتعبير بالمبشّرات للغائب ، وإلّ ! فقد تكون من المنذرات . وبالجملة : فلا ينبغي أن يُتَكلَّم في تعبير الرُّؤيا بغير علم ، لما علمتَ من أنَّها جزء من أجزاء النُّبؤَّة . (وَقَوْلُهُ) في الحديث: ( ((مَنْ رَآنِيْ فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِيْ)) !! قَالَ: ) شيخُ الإسلام إبراهيمُ (البَاجُورِيُّ) - رحمه الله تعالى؛ في ((حاشية الشَّمائل)) -: ( أَيْ : مَنْ رَآنِيْ فِي حَالِ النَّوْمِ ) بأيِّ صفةٍ كانتْ ؛ ( فَقَدْ رَآنِيْ حَقّاً) ؛ أي : رَأْىُ حقيقتي على كمالِها ؛ لا شُبْهةَ ولا ريب فيما رأى ، ( أَوْ فَكَأَنَّمَا رَآنِيْ فِي الْبَقَظَةِ ، فَهُوَ عَلَىُ التَّشْبِهِ وَالتَّمْثِيْلِ ) ، لأنَّ ما رآه في النَّوم مثاليٌّ ، وما يرى في عالم الحسِّ حِسِّيٍّ ، فهو تشبيهُ خياليٍّ بحسيٍّ . ( وَ) قال الغزاليُّ: (لَيْسَ المُرَادُ) بقوله: ((فَقَدْ رَآنِي)) (رُؤْيَةَ جِسْمِهِ الشَّرِيْقِ وَشَخْصِهِ المُنِيْفِ ، بَلْ) رؤيةُ ( مِثَالِهِ ) الَّذي صار آلةً يتأَدَّى بها المعنى الذي في نفس الأمر إِليه ، وكذلك قوله : ((فَسَيَرَانِ فِي الْيَقَظَةِ )) !! ليس المُراد أنَّه يرى جسمي وبدني ؛ بل المثال . قال : والآَلَةُ تارةً تكونُ حقيقيّة ، وتارةً تكون خيالية ، والنَّفْس غيرُ المثال المتخيّل، فما رآه من الشَّكل ليس هو روح المصطفى وَّر؛ ولا شخصه ، بل مثال له (عَلَىُ النَّحْقِيْقِ ) . . قال : وَمِثْل ذلك مَن يرى الله تعالى في المنام ، فَإِنَّ ذاته تعالى منزَّهة عن الشَّكل والصُّورة ، ولكن تعريفاته تعالى إلى العبد بواسطة مثالٍ محسوسٍ من نورٍ ؛ أو ٣٤٣ وقَوْلُهُ [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]: (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمثَّلُ بِي) أَيْ: لاَ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىْ جَعَلَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَحْفُوظاً مِنَ الشَّيْطَانِ فِي الْخَارِجِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْمَنَامِ ، غيره ، ويكون ذلك المثالُ آلةً حقًّا في كونه واسطة في التعريف ، فيقولُ الرَّائي ((رأيت الله عزَّ وجل في المنام)) لا يعني أنِّي رأيت ذات الله ؛ كما يقول في حقِّ غيره . وقال الغزاليُّ أيضاً؛ في بعض فتاويه: مَن رأى الرَّسُولَ وَّهـ يعني: في المنَامِ - لم ير حقيقةَ شخصهِ المُؤْدَعِ رَوْضَةَ المدينةِ المُنَوَّرَةِ، وإِنَّما رأى مثالَه؛ لا شَخْصَهُ . ثمَّ قال : وذلكَ المِثَالُ مثالُ روحه المقدَّسة عن الصُّورة والشَّكل . انتهى . ( وَقَوْلُهُ: ((فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ بِيْ)))؛ أي: لا يحصل للشَّيطان مثال صورتي ، ولا يتشبَّهُ بي، ( أَيْ: لاَ يَسْتَطِيْعُ ذَلِكَ، لأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَهُ ◌َهُ مَحْفُوْظاً مِنَ الشَّيْطَانِ فِي الخَارِجِ ) ؛ أي : في حال اليقظة ، ( فَكَذَلِكَ فِي المَنَام ) ؛ أي : فكما منعه الله أنْ يتصوَّر بصورته في اليقظة منعه ذلك في النَّوم ؛ لِئَلاَّ يَشْتَبِهَ الحقُّ بالبَاطِلِ . وأَوردَ الشَّيخ أَكمل الدِّين(١) في ((شرح المشارق)): إنَّ عَظَمة اللهِ تعالى أَتَمُّ من عظمة كلِّ عظيم، مع أنَّ إِبليسَ تَرَاءى لِكَثيرٍ وَخَاطبهم بِأنَّهُ الحقُّ لِيُضِلَّهُمْ، فضَلَّ جمع حتَّى ظنُّوا أنَّهم رأوا الحقَّ وسمعوا خطابَهُ . وأجاب : بِأنَّ كلَّ عاقل يعلمُ بِأنَّ الحقَّ لا صورةَ له معيَّنَةٌ توجب الاشتباه ، بخلاف النَّبيِّ فصورته مُعيَّنة معلومةٌ؛ وبأَنَّ مقتضى حكمةِ الحقِّ أنَّه يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ، وَيَهْدِيْ مَنْ يَشَاءُ ، بخلافِ النَّبِيِّ؛ فَإِنَّه منَّصف بالهداية ظاهرٌ بصورتها ، ورسالَتُه (١) البابرتي الحنفي . ٣٤٤ سَوَاءٌ رَآهُ عَلَى صِفَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ أَوْ غَيْرِهَا عَلَى الْمَنْقُولِ الْمَقْبُولِ عِنْدَ ذَوِي الْعُقُولِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِأخْتِلاَفِ حَالِ الرَّائِيِ، كَأَلْمِرْآةِ الصَّقِيلَةِ يَنْطَبعُ فِيها مَا يُقَابِلَهَا ؛ إنَّما هي لذلك ؛ لا للإِضْلالِ ، فلا يكون منه إِضلالٌ لأحدٍ البتة ، فوجب عصمة صورتِهِ من أَنْ يظهر بها شيطان . وقال القاضي عياض : لم يختلفِ العلماءُ في جَوازٍ صحَّة رؤيةِ اللهِ تعالى في النَّومِ ، وإنْ رُؤِيَ على صفةٍ لا تليق بحالهِ من صفاتِ الأَجسام ؛ لِتَحقُّق أنَّ المرئيَّ غيرُ ذاتِ اللهِ، إذْ لا يجوز عليه التَّجسيمُ ؛ ولا اختلاف الحالات ، بخلاف النَّبِيِّ وَِّ، فكانت رؤياه تعالى في النَّوم من باب التَّمثيل والتَّخييل . وقال ابن العربي: رؤيا اللهِ فِي النَّوم أو هامٌ وخواطِرُ في القلبِ؛ لا تليقُ به الحقيقة، ويتعالى عنها، وهي دلالات للرَّائي على أمرٍ كان؛ أو يكونُ كسائرِ المرئيَّات. وقال غيره : رؤياه تعالىْ مَنَماً حقٌّ وصدقٌ ؛ لا كذبَ فيها في قول ولا فعل . انتهى (( مناوي وزرقاني )) رحمهما الله تعالى . ورؤياه وَّ في المنام حقٌّ، ( سَوَاءٌ رَآهُ عَلَىْ صِفَتِهِ المَعْرُوفَةِ؛ أَوْ غَيْرِهَا عَلَىْ المَنْقُوْلِ المَقْبُوْلِ عِنْدَ ذَوِيْ العُقُولِ ) ، كما هو ظاهر الحديث ، وبه صرَّح النَّوويُّ ، مضعِّفاً لِتَقْيِيد الحَكِيمِ التِّرمِذِيِّ والقاضي عياض وغيرهما بما إذا رَآه على صورتِهِ المعروفة في حياته ، وتبعه عليه بعض المحقّقين . ( وَإِنَّمَا ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِأَخْتِلافٍ حَالِ الرَّائِي ) ، فَإِنْ كانت رؤيته بصورته الحقيقيّة في وقت ما ؛ سواء كان في شبابه ، أو رجولته ، أَو كهولته ، أَو أَواخر عُمُرِهِ ؛ لم تحتج لتأويل ، وإلاَّ! احتيجت لتعبيرٍ متعلَّق بالرَّائي، ومِن ثمَّ قيل: من رَآهُ شَيخاً ؛ فهو في غاية سِلْم ، أو شاباً فهو في غاية حَرْبٍ ، أَو متبسِّماً فهو متمسِّك بستّه ، أو على حالته وهيئَتِهِ ؛ فهو دليلٌ على صلاحٍ حال الرَّائِي وكمال وجاهته وظفره ، لَنَّهَ وَلِ (كَالِمِزْآَةِ الصَّقِيْلَةِ يَنْطَبعُ فِيهَا مَا يُقَابِلُهَا ) ، وإِن كان ذاتها على أحسنِ حال ؛ ٣٤٥ . فَقَدْ رَآهُ جَمْعٌ بِأَوْصَافٍ مُخْتَلِفَةٍ ، قاله المناوي رحمه الله تعالى . وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي رحمه الله تعالى: رُؤيته وَّ بصفتِهِ المعلومَةِ الَّتي كان عليها إذْرَاكٌ له على الحقيقةِ، ورؤيتُهُ على غَيْرِ صفته إِذْرَاكٌ للمثالِ ، فَإِنَّ الصَّوابَ أنَّ الأَنْبِيَاءَ لا تغيّرهم الأَرض، ويكون إدراكُ الذَّاتِ الكريمة حقيقةً ، وإدراكُ الصِّفات إدراكَ المثال ؛ لا الحقيقة . أي : فالأُولى لا تحتاج إلى تعبير ، والثّانية تحتاجُهُ . وللصُّوفيَّةِ ما يوافق معنى هذا ؛ وإن اختلف اللَّفظُ ، حيث قالوا : هنا ميزان يَجِبُ التَّنُّه له؛ وهو: أنَّ الرُّؤْيا الصَّحيحة أن يُرَى بصورتِهِ الثَّابِتَةِ بالنّقْلِ الصَّحِيحِ ، فَإِنْ رآه بغيرِها كطويل أو قصير ؛ أو شيخ ؛ أو شديد السُّمرة !! لم يكن رآه . وحصول الجزم في نفس الرَّائي بأنَّه رآه غيرُ حجَّة ، بل ذلك المرئيُّ صورةُ الشَّرع(١) بالنِّسبة لاعتقاد الرَّائي، أو حاله، أو صفتِهِ، أو حكم من أحكام الإسلام ، أو بالنِّسبةِ للمحل الَّذي رأى فيه تلكَ الصُّورة . قال القونويُّ كابن عربي الحاتمي: وقد جرَّبناه فوجدناه لم ينخرم. انتهى ((زرقاني)). ( وَقَدْ ) عُلم من ذلك صحَّةُ أَنْ ( يَرَاهُ جَمْعٌ ) ؛ في آنٍ واحد ؛ في أَقطار متباعدة ؛ ( بِأَوْصَافٍ مُخْتَلِفَةٍ)، لأَنَّهَ وَّهِ سِراجٌ ونورٌ، والشَّمس في هذا العالم مثالُ نوره في العوالم كلِّها ، فكما أنَّ الشَّمس يَراها كلُّ إنسانٍ في الشَّرق والغربِ في ساعةٍ واحدةٍ؛ وبصفاتٍ مختلفةٍ؛ فكذلك هو نََّ، والاختلافات إنَّما ترجِعُ إلى اختلاف الرَّائين ؛ لا المَرْئِيِّ - كما تقدَّم -. قال أبو سعيد ؛ أحمد بن محمَّد نصر : مَنْ رأى نبيًّا على حالِهِ وهيئتِهِ فذلك دليلٌ على صلاحٍ حَالِ الرَّائي، وكمال جَاهِهِ ، وظفره بمن عَادَاهُ ، ومن رآه متغيَِّ (١) يفهم هذا مما ذكره في ((سعادة الدارين)) ص٤٢٦. ( هامش الأصل). ٣٤٦ ومِثْلُهُ فِي ذَلِكَ جَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ وَالْمَلاَئِكَةِ . كَمَا جَزَمَ بِهِ الْبَغَوِيُّ فِي (( شَرْحِ السُّنَّةِ)) . الحالِ عابِساً مثلاً ؛ فذلك دليلٌ على سُوءِ حال الرَّائي . وقال العارف ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى : من رآه بصورةٍ حسنةٍ ؛ فذلك حَسَنٌ في دين الرَّائي ، وإنْ كان في جوارحه شين أو نقص ؛ فذلك خللٌ في الرَّائي من جهة الدِّين . قال : وهذا هو الحقُّ ؛ فقد جُرِّب ذلك فَوُجِدَ على هذا الأسلوب ، وبه تحصل الفائدة الكبرى في رؤياه حتى يتبيَّن للرّائي : هَلْ عنده خلل ؛ أم لا ! لأَنَّه عليه الصلاة والسلام نورانيٌّ مثل المرآةِ الصَّقيلةِ ؛ ما كان في الناظر إليها من حسن أو غيره تصوّر فيها ، وهي في ذاتها على أحسن حالٍ ؛ لا نقص فيها ، أي : فكذلك النَّبِيُّ ◌َِّ، هو على صفتِهِ الَّتي ليس شيءٌ أَحسنَ منها، والتغير إنَّما هو في صفة الرَّائي ، قال : وكذلك يُقال في كلامه عليه الصلاة والسلام في النَّوم: إنَّه يعرض على سنَّتِّهِ ؛ فما وافَقَها فهو حقٌّ ، وما خالفها ؛ فالخلل في سمع الرَّائي . فَرُؤْيَا الذَّاتِ الكريمةِ حقٌّ ، والخلل إنَّما هو في سمع الرَّائي ؛ أَوْ بصره . قال : وهذا خبر ما سمعته في ذلك . انتهى كلام ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى . (وَمِثْلُهُ ) ◌ِهِ (فِي ذَلِكَ جَمِيْعُ الأَنْبِيَاءِ وَالمَلائِكَةِ. كَمَا ) ذكره بعض شرَّاح ((المصابيح)) احتمالاً، و (جَزَمَ بِهِ) ركن الدِّين محيي السُّنَّة، أبو محمَّد : الحسينُ بن مسعود بن محمد ؛ المعروف بـ ((الفَرَّاء ))، (البَغَوِيُّ ) نسبةً إلى ((بغشور))؛ على غير قياسٍ، ويقال: ((بَغ)) ؛ بلدةٌ من بلاد خراسان بين مروَ وهراة - الفقيهُ الشَّافعي المحدِّثُ المفسِّر ، صاحب المصنَّات ، المبارَكُ له فيها لقصدِهِ الصَّالِحِ، المتعبِّدُ النَّاسكُ الرَّبَّانيُّ، المتوفَّى بـ ((مرو)) في شؤَّال سنة : خمسمائة وستة عشر هجرية . رحمه الله تعالى آمين . (فِي ) كتاب ( ((شَرْح السُّنَّةِ)) )، وهو كتابٌ في الحديثِ مرتَّب على الأبواب الفِقْهِيَّةِ مشتملٌ على السُّنَنِ ، وما هو في حَيِِّهَا ؛ أَوْلَهُ تعلُّقٌ بِهَا . ٣٤٧ وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْقَمَرَيْنِ وَالنُّجُومِ وَالسَّحَابِ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ الْغَيْثُ ، فَلاَ يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِشَيْءٍ مِنْهَا . قال مؤلّفُه في مقدِّمته : هذا كتابٌ يتضمَّن كثيراً مِن علوم الأَحاديثِ وفوائدٍ الأَخبار المرويَّة عن النَّبِيِنَّهِ؛ من حلِّ مشكلها، وتفسير غَرِيِها ، وَبَيَانِ أَحكامِها ، وَمَا يَتَرتَّب عليها من الفقه واختلاف العلماء ، وجملٌ لا يستغنى عن معرفتها ، وهو المرجوعُ إِليه في الأحكام ، ولم أُودِعْ فيه إلاَّ ما اعتمده أَئِمَّةُ السَّلَفِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الصَّنْعَةِ المُسَلَّم لهم الأمر، وَمَا أَوْدَعُوهُ كُتُبَهُمْ، وأمّا ما أَعرضوا عنه ؛ من المقلوب والموضوع والمجهول واتَّفقوا على تركه ؛ فقد صُنْتُ هذا الكِتابَ عنه ... إِلى آخر ما قال. ثمَّ بدأ بكتاب الإِيمانِ . لَكِنْ ذكر المحقُّقون أنَّ ذلكَ خاصٌّ بِ نَّهِ، دُونَ غيرِهِ من الأنبياءِ. وقالوا في حكمة ذلك: إنَّه ◌ِوَهَ وإنْ ظهر بجميع أسماءِ الحقِّ وصفاتِهِ تخلُّقاً وتحقُّقاً ؛ فَإِنَّ من مقتضىْ مَقَامَاتِ رِسَالَتِهِ ودعوته الخَلقَ إلى الحقِّ : أنْ يكونَ الأَظْهَرَ فيه؛ حكماً وَسَلْطَنَةً، مِنْ صفات الحقُّ وأَسْمَائِهِ صِفَةُ الهِدَاية ، والاسْمُ الهَادِي؛ فهو بَّهِ صُورة الاسم الهَادي ومظهر صفة الهدايةِ. والشَّيطان مَظْهرُ اسمِ المُضِلِّ والظَّاهِرُ بصفة الضَّلالة؛ فهما ضِدَّان ، ولا يظهر أحدهما بصفةِ الآخر، ولو ظهر إِبليسُ بصفتِهِ لالْتَبَس على النَّاسِ فَضَلُّوا بما يُلْقِيه إِلَيْهِمْ لِظَنُّهم أنَّه الرَّسولُ بَّهِ، فعصم الله صورَته مِنْ أَنْ يَتَصَوَّرَ بها شَيْطَانٌ . انتهى . والحكمة المذكورة تقتضي عمومَه في جميع الأنبياء وَالملائِكَةِ . قال البغويُّ: ( وَكَذَلِكَ حُكْمُ القَمَرَيْنِ): الشَّمْسُ والقمر ، فهو من باب التَّغليب ، ( وَالنُّجُوْم) المضيئةِ ، ( وَالسَّحَابِ الَّذِيْ يَنْزِلُ فِيْهِ الغَيْثُ، فَلاَ يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِشَيْءٍ مِنْهَا ) . قال : ورُؤية الأَنبياءِ والملائكةِ بمكانٍ نصرةٌ لأَهْلِهِ وفَرَجٌ إِنْ كانوا في کرب . وخصب إِنْ كانوا في جدب . ورؤيةُ الأَنبياءِ شرفٌ في الدُّنيا ، ورؤية الملائكة شرفٌ فيها ٣٤٨ وَنَقَلَ أَبْنُ عَلَّنٍ : إِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ بِاللهِ تَعَالَى كَمَا لاَ يَتَمَثَّلُ بِالأَنْبِيَاءِ ، وَهَذَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَتَمَثَّلُ بِاللهِ ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ لاَ يَتَمَثَّلُ بِالنَّبِيِّ وَيَتَمَثَّلُ بِاللهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ؟ وشهادةٌ في العقبى، لأنَّ الأَنبياءَ كانوا يخاطبون النَّاس والملائكة لا تراهم النَّاس لأنّهم عند ربهم . وقال تعالى في الشُّهداء ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [٢٧٧/ البقرة]. قال: ومن رأى المصطفىْ وَ﴿ كثيراً في المنام لم يزل خفيفَ المالِ مقلاً من الدُّنيا من غير حاجة . انتهى . ( وَنَقَلَ ) العلاَّمة المحقِّق المحدِّث المفسِّرُ ؛ محمد بن علي. ( ابْنُ عَلاَّن: ) - بفتح العين المهملة، وتشديد اللاَّم، وآخره نون - ابن إبراهيم بن محمد علاَّن البكري الصدِّيقي . حافظ عصره وإمام وقته . فارس التَّفسير وجهْبذ الحديث ، وفخر علماء مكةَ المكرمةِ في القديم والحديث . ولد في حدود : الثَّمانين وتسعمائة هجريَّة تقريباً ، ومات سنة ثمانٍ وخمسين وألف هجريَّةَ . له المؤلّفات النافعة الَّتي بلغت أكثر من أربَعِمائة مؤلّف ما بين مطوّل ومختصر ، فهو سُيوطيُّ زمانه ، ودفن بالمعلاة في مقبرة آبائه رحمه الله تعالى . ترجمه الشيخ. حسن العجيمي في « خبايا الزوايا )). ( إِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ بِاللهِ تَعَالىْ كَمَا لاَ يَتَمثَّلُ بِالأَنْبِيَاءِ، وَهَذَا) القول ( هُوَ قَوْلُ الجُمْهُوْرِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَتَمَثَّلُ بِاللهِ) بمعنى أنَّه يتراءى للنَّاس ؛ ويخاطبهم بِأَنَّه الحقُّ ليضلّهم . ( فَإِنْ قِيْلَ: ) عظمةُ الحقِّ سبحانَه أَتَمُّ من عظمةِ كلِّ عظيمٍ فَـ( كَيَّفَ لاَ يَتَمَثَّلُ ) إِبليسُ (بِالنَّبِيِّ) وَِّ؛ أي: لا يستطيع أن يظهر بصورة الشَّيِّ نَّه، (وَيَتَمَثَّلُ) اللَّعين ( بِاللهِ عَلَى هَذَا القَوْلِ؛) الّذي قاله بعضهم - بمعنى أنَّ الشَّيطان تراءى لكثيرين ٣٤٩ أُجِيبَ: بِأَنَّ النَّبِيِّ بَشَرٌ ، فَلَوْ تَمَثَّلَ بِهِ لاَلْتَبَسَ الأَمْرُ ، وَأَلْبَارِي جَلَّ وَعَلاَ مُنَزَّهُ عَنِ الْجِسْمِيَّةِ وَالْعَرَضِيَّةِ ؛ فَلاَ يَلْتَبِسُ الأَمْرُ بِتَمَثُلِهِ بِهِ ؛ كَمَا فِي « دُرَّةِ الْفُنُونِ فِي رُؤْيَةٍ قَرَّةِ اَلْعُيُونِ )) . ـو وَلاَ تَخْتَصُّ رُؤْيَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّالِحِينَ ، بَلْ تَكُونُ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ . وخاطبهم بأنَّه الحقُّ ؛ طلباً لإضلالهم ، وقد أضلَّ جماعةً بمثل هذا حتَّىُ ظنُّوا أنَّهم رَأَوا الحقَّ وسمعوا خطابَهُ ؟ ! . ( أُجِيْبَ ) عن ذلك ( بِ) أمرينٍ : أحدهما: بـ ( أَنَّ النَّبِيَّ) ◌َِّ (بَشَرٌ) له صورةٌ معيَّنَةَ معلومةٌ مشهودةٌ ، ( فَلَوْ تَمَثَّلَ بِهِ لاَلْتَبَسَ الأَمْرُ ) على النَّاسِ فضلوا بما يُلقيه لهم ، لظَنِّهم أنَّه الرَّسول ، فعصم الله صورته من أنْ يتصوَّر بها شيطان . ( وَالبَارِي جَلَّ وَعَلاَ ) كلُّ عاقل يعلم أنَّه ليست له صورة معيَّنةٌ توجب الاشتباه ؛ وهو ( مُنَزَّهُ عَنْ ) صفات المخلوقين ؛ كـ ( الجِسْمِيَّةِ وَالعَرَضِيَّةِ) واختلاف الحالات، (فَلاَ يَلْتَبِسُ الأَمْرُ بِتَمَثُّلِهِ بِهِ ). ثانيهما : أنَّ من مقتضى حكمةِ الحقِّ أنَّه يُضِلُّ من يشاء ويهدي من يشاء ، بخلاف النَّبِيِّ وَِّ، فَإِنَّه منَّصفٌ بالهداية ؛ ظاهر بصورتها ، ورسالَتُهُ إِنَّما هي لذلك ؛ لا للإضلالِ ، فلا یکون منه إِضلالٌ لأحدٍ البَّة ، فوجب عصمةُ صورته من أنْ يظهر بها شيطانٌ لبقاء الاعتمادِ وظهور حكم الهداية فيمن شاء الله تعالى هدايته به ، عليه الصَّلاة والسلام، ولولا ذلك لم يظهر سر قوله تعالى ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى [الشورى] ولم تحصل فائدة البعثة؛ ( كَمَا فِي) كِتاب ( « دُرَّةِ ٥٢ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ الفُنُوْنِ فِي رُؤْيَةِ قُرَّةِ العُيُوْنِ)) : ) كتابٌ مختصر في الرُّؤية ؛ على سِتَّة فصولٍ ، وهو للشّيخ العلاَّمة المؤرِّخ الصُّوفي : عبد الرحمن بن علي بن أحمد بن محمد البسطامي ؛ زين الدين الأنطاكي الحنفي . ولد بإنطاكية ، وتعلم في القاهرة ، وسكن بروسة ، وتوفي بها سنة : ثمان وخمسين وثمانمائة . رحمه الله تعالى . (وَلاَ تَخْتَصُّ رُؤْيَةُ النَّبِيِّ ◌ِ ◌َ) في المنامِ ( بِالصَّالِحِيْنَ؛ بَلْ تَكُوْنُ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ ) ٣٥٠ وَحُكِيَ عَنْ بَعْضٍ الْعَارِفِينَ - كَالشَّيْخِ الشَّاذِيِّ وَسَيِّدِي عَلِيّ وَفَا -: أَنَّهُمْ رَأَوْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقَظَةً ، وَلاَ مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ، فَيُكْشَفُ لَهُمْ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَبْرِهِ ، فَيَرَوْهُ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ ، - كما علم مما مر - . ( وَحُكِيَ) ؛ أي : حكى ابن أبي جمرة ، والقاضي شرف الدِّين البارزي ، وعفيف الدين اليافعيّ وغيرهم؛ (عَنْ بَعْضٍ ) الصَّالحين ( العَارِفِيْنَ ) بالله تعالى : (كَالشَّيْخِ ) أبي الحسن ( الشَّاذِلِيِّ) - كما حكاه عنه التَّاج بن عطاء الله السّكندري - ( وَسَيِّدِي) أبي العباس المرسي، والقطب القُسْطُلاَّنيّ، والشَّيخ عبد القادر الجيلاني ، وسيّدي ( عَلِي وَفَا ) بن سيّدي محمد وفاء ، وغيرهم : ( أَنَّهُمْ رَأَوْهُ وَهِ يَقَظَةً) - بفتح القاف -. وذكر ابن أبي جمرة عن جمع أنَّهم حملوا على ذلك رواية (( فَسَيَرَانِي فِي أَلْيَقَظَةِ)) . وأنَّهم رأوه نوماً فرأوه يقظة بعد ذلك ، وسألوه عن تشويشهم في أشياءَ فأخبرهم بوجوه تفريجها ، فكان كذلك بلا زيادة ولا نقصان . ( وَلاَ مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ ) عقلاً ؛ ولا شرعاً؛ ولا عادةً ، ومنكر ذلك إنْ كان ممن يُكَذِّبُ بكراماتِ الأَوْلياءِ فلا كلام معهُ ، وإِلاَّ! فهذه منها . إِذْ يكشف لهم بخرق العادة عن أشياء في العالم العلويِّ والسُّفليّ . وجرى على ذلك الغزالي ؛ فقالَ في كتابه (( المُنْقِذ مِنَ الضَّلال)): وهم - يعني : أرباب القلوب - في يقظتِهِم يُشاهدونَ الملائكةَ وأرواح الأنبياء ، ويسمعون منهم أصواتاً ، ويقتبسون منهم فوائد . انتهى . (فَيُكْشَفُ لَهُمْ) - وهم بأقصىُ المَشْرِقِ؛ أَو المَغْرِب - (عَنْهُ وَِّ) بِأَنْ لا يجعل بينهم وبين الذَّات الشَّريفة وهي (فِي) محلُّها من (قَبْرِهِ) الشَّريف ساتراً ؛ ولا حاجباً ، بِأَنْ يجعل تِلكَ الحُجب كالزُّجاجِ الَّذي يحكي ما وراءه . ( فَيَرَوْهُ بِعَيْنِ الْبَصِيْرَةِ ) ، وهي قوَّةُ القلبِ المُنَوَّرِ بنور اليقين ؛ ترى حقائِقٍ ٣٥١ وَلاَ أَثَرَ لِلْقُرْبِ ؛ وَلَاَ لِلْبُعْدِ فِي ذَلِكَ ، الأشْياءِ ، ( وَلاَ أَثَرَ لِلْقُرْبِ؛ وَلاَ لِلْبُعْدِ فِي ذَلِكَ)، ونحن نعلم أنَّهُ بَِّ حِيٌّ في قبرِهِ يصلِّي ، فإِذا أُكرم الإِنسانُ برؤيتِهِ يقظَةً فلا مانع من أن يُكْرِمَ بمحادثَتِهِ ومكالَمَتِهِ وسؤالِهِ عَنِ الأَشْيَاءِ ، وَإِنَّه يجيبُه عَنْها .!! وهذا كلُّه غيرُ منكَرٍ شرعاً؛ ولا عقلاً . قال الشُّيوطي : وأكثر مَن يقع له ذلك إنَّما يقعُ له قربَ موتِهِ ؛ أَو عند الاحتضارِ ، ويُكْرِم الله بِهَا مَنْ يشاء . انتهى . وأنكر رؤية النَّبِيِّ وَ ﴿ في اليقظة ؛ أنكرها جماعة ؛ منهم العلاَّمة بدر الدين السَّيِّد: حسين بن عبد الرّحمن الأَهدل، مؤلِّف (( تحفة الزَّمن )) رحمه الله تعالى ، فقال في مسألة الرُّؤية له : إِنَّ وُقُوعها للأَولياءِ قد تواترتْ بأَجناسِهَا الأَخبارُ ، وصار العِلْمُ بِذلكَ قويّاً ؛ انتفى عنه الشَّكُّ ، ومن تواترت عليه أخبارهم لم يبقَ له فيه شبهة . ولكن يقع لهم ذلك في بعض غيبةٍ وحسٌّ وغموض طرفٍ لمورود حال ؛ لا تكاد تضبطُهَا العبارةُ ، ومَرَائِبُهُمْ في الرُّؤيةِ متفاوتةٌ . وكثيراً ما يغلط فيها رُوَاتُها ، فقلَّما تجد رواية مثَّصلةً صحیحةً عمَّن یوثق به . وأَمَّا من لا يوثق !! به فقد يكذب ، وقد يرى مناماً ؛ أو في غيبةٍ حسِّ فيظنُهُ يقظة، وقد يرى خيالاً أَو نوراً؛ فيظنّه الرَّسول وَّيهِ، وقَدْ يَلْبِس عليه الشَّيْطان فيجب التَّحرّز في هذا الباب . وبالجملةِ: فالقول بِرُؤْيته نَّهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِعَيْنِ الرَّأْسِ في اليَقَظَةِ يُدْرَكُ فَسَادُهُ بأوائل العُقول ؛ لاستلزامه خروجه من قبره ، ومشيه في الأسواق ، ومخاطبته للنَّاس، ومخاطبتهم له ، وخُلُوّ قبره عن جسده الشَّريف ؛ فلا يبقى منه فيه شيء ، بحيث يُزَارُ مجرَّد القبر ؛ ويسلّم على غائِب . انتهى . ومنهم : أبو العباس القُرطُبيُّ في ((المفهم)) في الرَّد على من قال ((بأَنَّ الرَّائي له في المنام رؤيا حقيقيّة يراه بعد ذلِكَ في اليقظة)) . قال: وهذه جهالات لا يقول ٣٥٢ فَمِنْ كَرَامَاتِ الأَوْلِياءِ : خَرْقُ أَلْحُجُبِ لَهُمْ ، فَلاَ مَانِعَ عَقْلاً وَلاَ شَرْعاً أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُكْرِمُ وَلِيَّهُ ؛ بِأَنْ لاَ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذَّاتِ الشَّرِيفَةِ سَاتِراً وَلاَ حَاجِباً ) . بشيء منها من له أدنى مَسْكَةٍ من المعقول ، ومُلْتَزِمُ شيء من ذلك مختلٌّ مخبول . انتهى . وهذه الإِلزامات كلُّها ليس شيء منها بلازم ، وقد أَشار للجواب عنها بقوله : ( فَمِنْ كَرَامَاتِ الأَوْلِياءِ : خَرْقُ الحُجُبِ لَهُمْ )؛ يعني: أَنَّ رؤيتَه ◌َلَهِ يَقَظَةٌ لا تستلزم خروجه من قبره ؛ لأَنَّ من كرامات الأولياء - كما مرَّ - أَنَّ الله تعالى يخرق لهم الحجب ، (فَلاَ مَانِعَ عَقْلاً؛ وَلاَ شَرْعاً)؛ ولا عادة: ( أَنَّ اللهَ تَعَالَىْ يُكْرِمُ وَلِيَّهُ بِأَنْ لاَ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيِّنَ الذَّاتِ الشَّرِيفَةِ سَاتِراً؛ وَلاَ حَاجِباً) بأَنْ يجعل تلك الحُجُب كالزُّجاج الَّذي يحكي ما وراءَهُ، وحينئذٍ يقعُ بصره عليه وَِّ. وإذا أُكْرِمَ الإنسان بوقوع بصره على ذاته الشَّريفة ؛ فلا مانع أَنْ يُكْرَمَ بمحادَثَتِهِ ومكالمته ، وسؤاله عن أشياء ، وأنَّه يجيب عنها ، وهذا كلّه غير منكَر شرعاً؛ ولا عقلاً . وممن أَنكرها صاحب (( فتح الباري )) العلاَّمة الحافظ ؛ أَحمد بن علي بن حجر العسقلاني - رحمه الله تعالی ۔ حيث قال : وهذا مُشْكِلٌ جدّاً ، ولو حُمِلَ على ظاهِرِهِ لكان هؤلاء صحابة ، ولأَمْكَنَ بَقَاءُ الصُّخْبَةِ إِلى يوم القيامة !!. ويُرَدُّ بأَنَّ الشَّرط في الصَّحابي أَنْ يكون رآه في حياته ، حتى اختلفوا فيمن رآه بعد موته ؛ وقبل دفنه : هل يسمى صحابِياً ، أَمْ لا؟! علىْ أَنَّ هذا أمْرٌ خارقٌ للعادة ، والأُمور التي كذلك لا تُغيَّر لأجلها القواعد الكُلِّيّة . ونُوزِعَ أيضاً بأنَّه لم يُخْك ذلك عن أَحد من الصَّحابة ، ولا من بعدهم ، وبأَنَّ فاطمة اشْتَدَّ حزنها عليه وَِّ حَتَّى ماتت كَمَداً بَعْدَهُ بستَّةِ أشهر ، وبيتها مجاورٌ لضريحه الشَّرِيفِ وَّر، ولم ينقل عنها رؤيته تلك المدَّة !!. ٣٥٣ ويُرَدُّ أيضاً : بأَنَّ عدم نقله لا يدلُّ على عدم وقوعه ، فلا حجَّة في ذلك كما هو ظاهر ، وكذلك موت فاطمةَ كَمَداً ؛ لأَنَّهُ قد يُكْرَمُ المَفْضُولُ بما لا يكرَمُ به الفاضل . وتَأَزَّلَ الأَهْدَلُ وغيره ما وقع للأَولياء من ذلك : بأنَّه إِنَّما هو في حال غيبتِهِم فيظتُّونَه يقظةً ، وفيه إِساءَةُ ظَنَّ بهم حيث يشتبه عليهم رؤيةُ الغيبة برؤية اليقظة ، وهذا لا يظنُّ بأدوَنِ العقلاءِ فكيف بالأكابر !! . قاله ابن حجر - رحمه الله تعالی ۔۔ وتعقَّبه العلاَّمة علي القاري رحمه الله تعالى: بأَنَّ هذا ليس من باب إِساءة الظَّنِّ ، بل من باب التَّويل الحسن ؛ جمعاً بين المنقولِ والمُشاهَدِ المعقول، فإِنَّهُ لو حمل على الحقيقة ؛ لكان يجب العمل بما سمعوا منه وَّر من أمر ونهي وإِثبات ونفي . ومِنَ المعلوم أَنَّه لا يجوز ذلك إِجماعاً ، كما لا يجوز بما يقع حال المنام ؛ ولو كان الرَّائي من أكابر الأَنام . وقد صرح المَازِرِيّ: بأَنَّ مَنْ رآه يَأَمر بقتل مَنْ يحرُم قتله كان هذا من الصِّفات المتخيّلة ؛ لا المرئيَّة ، فيتعيَّن أن تُحْمَلَ هذه الرُّؤية أيضاً على رؤية عالم المثال ؛ أو عالم الأَرواح - كما تقدَّم تحقيقُه عن الإمام حجَّة الإِسلام الغَزالي ؛ رحمه الله تعالى -. وبعد حملنا على عالم المثال ؛ فيزول الإِشكال على كل حال ، فإن الأولياء في عالم الدُّنيا مع ضيقها قد يحصل لهم أبدان مكتسبة وأجسام متعدِّدة ، تتعلَّق حقيقة أرواحهم بكلِّ واحد من الأَبدان ؛ فيظهر كلٌّ في خلاف الآخر من الأماكن والأزمان، وحينئذٍ لا نقول: بأنَّ النَّبِي ◌َِّ مضيَّق عليه في عالم البرزخ بكونه محصوراً في قبره ، بل نقول : إنَّه يجول في العالم السُّفْلي والعالم العلوي ، فَإِنَّ أرواح الشُّهداء - مع أن مرتبتهم دون مرتبة الأنبياء - إذا كانت في أجواف طير خضر تسرح في رياض الجنَّة ، ثمَّ تعود إلى قناديل معلّقة تحت العرشِ ؛ كما هو مقرَّر في ٣٥٤ محلٌّه محرر ، مع أنَّه لم يقل أحد أَنَّ قبورهم خالية من أجسادهم ؛ وأرواحَهُمْ غير . متعلِّقة بأَجْسَامِهِمْ ، لا يسمعوا سَلاَم من يسلِّم عليهم . وكذا ورد أنَّ الأَنبياء يُلَبُّونَ ويحجُّونَ، فنبينا وَِّ أولى بهذه الكراماتِ، وأمَّته مكرّمة بحصول خوارق العادات ، فيتعيَّن تأويلُ الأهدل وغيره ، فتأَقَل . ومن جملة تأويلاته قولُه في قول العارف أبي العباس المرسي ((لو حُجب عني رسول الله طرفة عين ما عَدَدْتُ نفسي مسلماً )» بأنَّ هذا فيه تجوُّزٌ ؛ أَي : لو حجب عنِي حجابَ غفلة ، ولم يرد أنَّه لم يحجب عن الرُّوح الشَّخصيّة طرفة عينٍ ؛ فذلك مستحيلٌ !! أي : عرفاً وعادةً ، إذ لا يعرف استمرار خرق العادة أصلاً ؛ لا شرعاً ؛ ولا عقلاً. فاندفع قول ابن حجر (( لا استحالة فيه بوجه أصلاً)). انتهى كلام ملاً علي قاري ؛ في (( جمع الوسائل )). وفي ((الفتاوي الحديثيّة)) للإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى ؛ عن ((المدخل)) لابن الحاجّ المالكي: رؤيته وَّ في اليقظة بابٌ ضيِّقٌ؛ قل مَن يقع له ذلك إلاَّ من كان على صفةٍ عزيزٍ وجودها في هذا الزَّمان ، بل عدمت غالباً ، مع أنَّنا لا ننكر من يقع له هذا من الأكابر الَّذين حفظهم الله تعالى في ظواهرهم وبواطنهم ، قال : وقد أنكر بعضُ علماء الظّاهِرِ ذلك، مُحْتَجّاً بأَنَّ العينَ الفَانية لا ترى العينَ الباقيةَ، وهو ◌َّهَ في دار البَقَاءِ؛ والرَّائي في دار الفَنَاءِ !! ورُدَّ بأَنّ المؤمن إذا مات يرى الله ، وهو سبحانه لا يموت ، والواحد منهم يموت في كلِّ يوم سبعين مرَّةً !! وأشار البيهقي إلى ردِّه بأنَّ نبيَّنَا وَّ رأى جماعةً من الأنبياء ليلة المعراج . قال البارزي : وقد سُمِع من جماعة من الأولياء في زماننا وقبلَه أنَّهم رأوا النَِّي ◌َلِّ يقظةً ؛ حیّاً بعد وفاته !! قال ابن حجر رحمه الله تعالى : والحكايات في ذلك عن أولياء الله تعالىٌ كثيرةٌ جدّاً، ولا يُنْكِرُ ذلك إلاَّ معاند أو محروم ، وعُلم ممَّا ٠ ٣٥٥ مرَّ عن ابن العربي أنَّ أكثر ما تقع رؤيته وَّهِ بالقلب ، ثمَّ بالبصر ، لكنَّها به ليست كالزُّؤية المتعارفة ، وإنَّما هو جَمْعِيَّة لحالية وحالة برزخيَّة ، وأمر وجدانِيٌّ ، فلا يدرك حقيقته إلاّ مَنْ باشره ؛ كذا قيل . ويحتمل أنَّ المراد الزُّؤية المتعارفة؛ بأن يرى ذاته ◌َ ﴿ طائفة في العالم، أو تكشف الحجب بينه وبين النَِّي وَلَّ؛ وهو في قبره ، فينظره حيّاً فيه رؤية حقيقيّة، إذْ لا استحالة ، لكن الغالب أنَّ الرُّؤية إنَّما هي لمثاله ؛ لا لذاتِه ، وعليه يحمل قول الغزالي (( ليس المراد أن يرى جسمه وبدنه ، بل مثالاً له صار ذلك المثل آلة يتأدّى بها المعنى الَّذي في نفسه ... )) إلى آخر ما تقدَّم. قال ابن حجر : ثمَّ رأيت ابن العربي صرَّح بما ذكرتُه من أنَّه لا يمتنع رؤية ذات النَّبِي ◌َّهِ بروحِه وجسده؛ لأنَّه وسائر الأنبياء أحياءٌ ردَّت إلَيْهم أرواحهم بعد ما قُبضوا ، وأُذن لهم في الخروج من قبورهم ، والتصرُّف في الملكوت العلويّ والسُّفلي !! ولا مانع من أن يراه كثيرون في وقت واحد ؛ لأنَّ كالشَّمس . وإذا كان القطب یملأُ الکون - کما قاله النّاج ابن عطاء الله - رحمه الله تعالی ۔ فما بالك بالنَّبِي وَ﴿ !!! ولا يلزم من ذلك أنَّ الرَّائي صحابي؛ لأَنَّ شرط الصُّحبة الرُؤيةُ في عالم الملك ، وهذه رؤية ؛ وهو في عالم الملكوت ، وهي لا تفيد صحبةً ، وإلاَّ! لثبتت لجميع أُمَّته لأَنَّهم عرضوا عليه في ذلك العالم ؛ فرآهم ورأوه ، كما جاءت به الأحاديث . انتهى كلام ابن حجر مقتطفاً . وقال العفيف اليافعي في (( روض الرّياحين)) : أخبرني بعضُهم أنَّه یری حول الكعبة الملائكةَ والأنبياء وأكثرَ ما يراهم ليلة الجمعة ، وليلة الاثنين ، وليلة الخميس . وعدَّ لي جماعة كثيرة من الأنبياء ، وذكر أنَّه يرى كلَّ واحد منهم في موضع معيَّن ؛ يجلس فيه حول الكعبة ، ويجلس معه أتباعه من أهله وقرابَتِهِ وأصحابه . وذكر أنَّ نبينا ◌َّ يجتمع عليه من أولياء الله تعالى خلقٌ لا يُحصي عددَهم إلاَّ اللهُ ٣٥٦ تعالى ، ولم تجتمع على سائر الأنبياء . وذكر أنَّ إبراهيم وأولاده يجلسون بقربِ الكعبة بحذاء مقامه المعروف ، وموسى وجماعة من الأنبياء بين الزُّكنين اليمانيَّين ، وعيسى وجماعة معه في جهة الحِجْر ، ورأى نبيّنا ير جالساً عند الزُّكن اليماني مع أهل بيته وأصحابه وأولياء أمَّته . انتهى . وحكي عن بعض الأولياء أنَّه حضر مجلس فقيه ، فروى ذلك الفقيهُ ؛ حديثاً ، فقال له الولي: هذا باطل. فقال الفقيه: من أين لك هذا!؟ فقال: هذا النَّبِي وَل واقفٌ على رأسك ؛ يقول: ((إنِّي لم أقل هذا الحديث)) . وكُشِف للفقيه فرآه. انتهى . وقد ألَّف الإمام الحافظ جلال الدِّين السُّيوطي رحمه الله تعالى رسالة سمَّاها (( تنوير الحلك في رؤية النَّبي والملك)) قال فيها - زيادةً على ما تقدَّم؛ ما ملخصه -: وفي بعض المجاميع أنَّ سيدي أحمد الرِّفاعي رحمه الله تعالى لما وقف تجاه الحجرة النَّبويّة الشَّريفة أنشد : تُقَبِّلُ الأَرْضَ عَنِّي وَهِيَ نَائِتِّي فِيْ حَالَةِ الْبُعْدِ رُوحِي كُنْتُ أُرْسِلُهَا فَأَمْدُدْ يَمِينَكَ كَيْ تَحْظَىُ بِهَا شَفَتِي وَهُذِهِ دَوْلَةُ الأَشْبَاحِ قَدْ حَضَرَتْ فخرجت اليد الشَّريفة مَن القبر فَقَبَّلَهَا ؛ قال : وزاد بعض مَن روى هذه الحكاية - ورآها كلُّ مَن حضر -؛ قال : ولا تمتنع رؤية ذاته الشَّريفة بجسده وروحه ؛ وذلك لأَنَّه ◌َّهِ وسائر الأنبياء أحياء؛ ردَّت إليهم أرواحهم بعد ما قبضوا ، وأُذن لهم في الخروج من القبور ، والتصرّف في الملكوت العلوي والسُّفْلي . وقد ألَّف البيهقي جزءاً في ((حياة الأنبياء))(١)؛ وقال في ((دلائل النُُّوَّة)): الأنبياء أحياء عند ربِّهم كالشُّهداء . وقال الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن (١) مطبوع . ٣٥٧ طاهر البغدادي : المتكلُّمون المحقّقون من أصحابنا على أنَّ نبيّنا ◌َِّ حيٌّ بعد وفاته ، وأنَّهُ يُسَرُّ بطاعة أمّته ، ويحزن بمعاصي العصاة منهم ؛ وأنَّه تبلغه صلاةُ مَن يصلِّي عليه من أمَّته ، وقال: الأَنبياء لا يَبْلَوْن ، ولا تأكل الأرضُ منهم شيئاً ؛ وقد مات موسى في زمانه، وأخبر نبيّنا ◌ِّر أنَّه رآه في السَّماء الرَّابعة، ورأى آدم وإبراهيم !! وإذا صحَّ لنا هذا الأصْل ؛ قلنا : نبينا قد صار حيّاً بعد وفاته ، وهو على نبوّتِهِ . انتهى . وقال القرطبيُّ في ((التَّذكرة)) في حديث الصَّعقة؛ نقلاً عن شيخه: ((المَوْتُ ◌َيْسَ بِعَدَمِ مَخْضٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ أَنْتِقَالٌ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ » . ويدلُّ على ذلك أنَّ الشُّهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء يرزقون ، فرحين مستبشرينَ ، وهذه صفة الأَحياءِ في الدُّنْيا ، وإذا كان هذا في الشُّهداء ؛ فَالأَنبياء أحقُّ بذلك وأولی !! . وقد صحَّ أنَّ الأرض لا تأكل أجسادَ الأَنبياء، وأنَّه وَله اجتمع بالأنبياء ليلةً الإِسراء في بيتِ المقدس ؛ وفي السماء ، ورأى موسى قائماً يصلِّي في قبره !. وأخبر ◌َّ أنّه يرُدُّ السَّلام على كلِّ من يسلم عليه ... إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطعُ بأنَّ موت الأنبياء إنَّما هو راجع إلى أنهم غُيِّبُوا عنَّاً بحيث لا ندركهم ؛ وإنْ كانوا موجودين أَحياءً ، وكذلك الحياة في الملائكة، فإنَّهم موجودون أحياء ، ولا يراهم أحد إلاَّ مَن خصَّه الله تعالى بكرامة . انتهى. وأخرج أبو يعلى في ((مسنده))، والبيهقي في كتاب ((حياة الأنبياء))؛ عن أنس أنَّ النبيِ ◌ّهِ قال: ((الأنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ في قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ ». وأخرج البيهقي ؛ عن أنس أنَّ النبي ◌َّه قال: ((إنَّ الأَنْبِيَاءَ لاَ يُتْرَكُونَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ لَيْلَة ، وَلَكِنَّهُمْ يُصَلُّونَ بَيْنَ يَدَىِ اللهِ تَعَالىْ حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُورِ )) . وروى سفيان الثَّوري في (( الجامع )) قال : قال شيخ لنا : عن سعيد بن المسيب قال : ما مكث نبيٌّ في قبره أكثر من أربعينَ ليلة حتَّى يرفع . ٣٥٨ قال البيهقي : فعلى هذا يصيرون كسائرِ الأَحياء يكونون حيث يُنْزِلُهُمُ اللهُ تعالى . وروى عبد الرَّزَّاق في ((مصنفه)) ؛ عن الثَّوري ؛ عن أبي المقدام ؛ عن سعيد بن المسيب قال : ما مكث نبيٌّ في الأرض أكثر من أربعين يوماً . وأبو المقدام : هو ثابت بن هرمز الكوفي ؛ شيخ صالح . وأخرج ابن حبَّان في ((تاريخه))، والطَّبراني في (( الكبير))، وأبو نعيم في ((الحلية))؛ عن أنس قال: قال رسول الله وَّهُ: ((مَا مِنْ نَبِيِّ يَمُوتُ وَيُقِيمُ في قَبْرِهِ إلّ أَرْبَعِيْنَ صَبَاحاً ». وقال إمام الحرمين في ((النّهاية))؛ ثمَّ الرَّافعي في ((الشرح)): روي أنَّ النَّبِيِِّ قال: (( أنَا أَكْرَمُ عَلَى رَبِّي مِنْ أَنْ يَتْرُكَنِي فِي قَبْرِي بَعْدَ ثَلاَثٍ )) . زاد إمام الحرمين: «أكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ )) . وزاد أبو الحسن الزَّاغوني الحنبلي؛ في بعض تصانيفه حديثَ: ((إنَّ الله تعالى لاَ يَتْرُكُ نَبِيًّا فِي قَبْرِهِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ)). وقال الإمام بدر الدين بن الصَّاحب في ((تذكرته))؛ فصل في حياته و ﴿ بعد موته في البرزخ: وقد دَلَّ على ذلك تصريحُ المشايخ وإيماؤهم . ومن القرآن قولُه تعالى ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْبَلّ [آل عمران]. فهذه الحالة ؛ وهي الحياة في البرزخ بعد أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ الموت حاصلةٌ لآحاد الموتى من الشُّهداء ، وحالُهم أعلى وأفضل مِمَّن لم تكن لهم هذه المرتبة ؛ لا سيَّما في البرزخ . ولا تكون رتبةُ أحدٍ من الأمَّة أعلى من مرتبة النَّبِي وَّر، بل إنَّما حصلت لهم هذه الرُّتبة بتزكيته وتبعيّه . وأيضاً فإنَّما استحقُّوا هذه الرتبة بالشَّهادة، والشَّهادة حاصلةٌ لِلنَََِّّ على أَتَمِّ الوجوه . ٣٥٩ وقال عليه الصلاة والسلام: (( مَرَرْتُ عَلَى مُوسى عليه الصَّلاةُ وَالسَّلاَمُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الكثيبِ الأَحْمَرِ ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ )) . وهذا صحيح(١) في إثبات الحياة لموسى ؛ فإنَّه وصفه بالصَّلاة ، وأَنَّه كان قائماً ، ومثل هذا لا توصف به الرُّوح ، وإنَّما يوصف به الجسد . وفي تخصيصه بالقبر ، فإنَّ أحداً لم يقل : أرواح الأنبياء مسجونة في القبر مع الأجساد ، وأرواح الشُّهداء والمؤمنين في الجنَّةً . وفي حديث ابن عبّاس: سرنا مع رسول الله مَ ل﴿ بين مكَّة والمدينة ، فمررنا بوادٍ؛ فقال: ((أَيُّ وَادٍ هُذَا؟)). فقلنا: وادي الأزرق، فقال: ((كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُؤْسَى وَاضِعاً أُصْبُعَيْهِ فِيْ أُذُنَيْهِ، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِالتَّلْبِيَةِ، مَارَاً بِهذَا أَلَوَادِي)). ثمَّ سِرْنا حتَّى أتينا على ثنيَّةٍ؛ فقال: ((كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُؤْنُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ ؛ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ ، مَارّاً بِهِذَا الْوَادِي مُلَيِّياً !! )) . وسئل هنا : كيف ذكر حَجَّهم وتلبيتَهم ، وهم أموات ، وهم في الأخرى ، وليست دار عمل ؟ !. فأجيب بأن الشُّهداء أحياءٌ عند ربهم يرزقون ، فلا يبعد أن يحجُّوا ويُصَلُّوا ويتقرَّبوا بما استطاعوا ، وأنَّهم ؛ وإنْ كانوا في الأخرى ؛ فإنَّهم في هذه الدُّنيا الَّتي هي دار العمل ، حتَّى إذَا فنيت وأعقبتها الأخرى الَّتي هي دار الجَزاء انقطَعَ العملُ ، هذا لفظ القاضي عياض ؛ رحمه الله تعالى . فَإِذَا كان القاضي عياضٌ يقول : إنَّهم يحُّون بأجسادهم ؛ ويفارقون قُبُورهم ، فكيف يُستنكر مفارقة النَّبِي وَهِ لقبره !! فإنَّ النَّبِي وَلِّ إذَا كان حاجًّا، وإذا كان مُصَلِّياً بجسده في السَّماءِ ؛ فليس مدفوناً في القبر . قال الإمام الحافظ الشُّیوطي - رحمه الله تعالى -: فَحَصَلَ من مجموع هذه النُّقُولِ وَالأَحاديثِ: أنَّ النَّبِي ◌َِّ حِيٌّ بِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ ، (١) لعلها : صريح !. ٣٦٠