Indexed OCR Text
Pages 421-440
وهي - لغةً -: الإخلاص والتَّصفية. و- شرعاً -: إخلاص الرَّأي من الغِشِّ للمنصوح ، وإِيثار مصلحته ، ومِن ثَمَّ كانت هذه الكلمة مع وَجَازة لفظها كلمةً جامعةً ؛ معناها : حيازةُ الخير للمنصوح له . وليس في كلام العرب أجمعُ منها ، ومن كلمة الفلاح لخيري الدنيا والآخرة . ودلت هذه الجملة على أنَّ النَّصيحة تسمَّى ((دِيناً)) و((إسلاماً)) وعلى أنَّ الدِّين يقع على العمل كما يقع على القول . قال ابن بطَّال : والنَّصيحة فرضٌ يجزىء فيه مَن قام به ويسقط عن الباقين . قال : والنَّصيحة واجبةٌ على قدر الطّاقة؛ إذا علم الناصح أنَّه يُقبل نُصحُه ويُطَاع أمره ، وأمن على نفسه المكروه ، فَإِن خشي أذىّ ! فهو في سعةٍ . والله تعالى أعلم . فإِن قيل: ففي ((صحيح البخاري)): أنَّه ◌ِّرِ قال: ((إِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَنْصَحْ لَهُ)) . وهو يدلُّ على تعليق الوجوب بالاستنصاح؛ لا مطلقاً . ومفهوم الشَّرط حجَّةٌ في تخصيص عموم المنطوق !؟ فجوابه : أنَّه يمكن حمل ذلك على الأُمور الدُّنيويَّة ؛ كنكاح امرأة ومعاملة : رجل ... ونحو ذلك. والأوَّل يحمل بعمومه في الأُمور الدِّينِيَّةِ الَّتي هي واجبةٌ على كلِّ مسلمٍ . والله أعلم . وبقيّة الحديث: قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: ((للهِ وَلِكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَأَئِمَّةِ المُسْلِمِيْنَ وَعَامَّتِهِمْ)). أخرجه الإمامُ مسلم في ((صحيحه))؛ من حديث تميم الدَّاريِّ مرفوعاً . ورواه البخاريُّ في الترجمة معلّقاً؛ فقال: باب قول الشَِّي ◌َِّ: ((الدِّيْنُ النَّصِيحَةُ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِيْنَ وَعَامَّتِهِمْ)). وعزاه ابن حجر إلى مسلم ، وأبي داود ، وأحمد موصولاً ، وإلى البخاريِّ . ٤٢١ ١٢٥ - (( دِينُ الْمَرْءِ .. عَقْلُهُ، وَمَنْ لاَ عَقْلَ لَهُ لاَ دِينَ لَهُ ». وعزاه النَّوويُّ في (( الأذكار)) إلى مسلم . ونسبه النَّجم لأَحمد عن ابن عبّاس ، وله ولمسلم وأبي داود والنَّسائي ؛ عن تميم الدَّاريِّ. وللتّرمذيِّ والنَّسائيِّ؛ عن أبي هريرة . وذكره في (( الجامع الصَّغير)) مقتصراً على الجملة الَّتي في المتن هنا رامزاً لها برمز البخاريٍّ في ((التّاريخ))؛ عن ثوبانَ («مولىُ النَّبِيّ ◌َِِّ))؛ والبزَّارِ في ((مسنده))؛ عن ابن عمر بن الخطاب . قال الهيثمي: رجاله رجال الصَّحيحِ ، وهو في ((الأربعين النَّوويَّةِ)) ؛ الحديث السّابع . انتهى من المناوي وغيره . ١٢٥ - ((دِيْنُ المَرْءِ عَقْلُهُ، وَمَنْ لاَ عَقْلَ لَهُ لاَ دِيْنَ لَهُ))) لأنَّ العقل هو الكاشف عن مقادير العبوديّة ، ومحبوبِ الله ومكروهه ، وهو الدَّليل على الرُّشد ، والناهي عن الغَيِّ ، وكلَّما كان حظُّ العبد من العقل أوفرَ فسلطان الدَّلالة فيه أبعد ، فالعاقل من عقل عن الله أَمره ونهيه فَأْتَمَرَ بما أُمر وانزجر عما نهاه ؛ فتلك علامة العقل . وصورة العبادة قد تكون عادة، ومن ثمَّ كان المصطفىُ وَّ إذا ذُكِرَ له عبادة رجل سأل عن عقله . انتهى مناوي على ((الجامع)). والحديث أخرجه أبو الشَّيخ بن حيَّان في كتاب ((الثَّواب على الأعمال))، وابن النجار في ((تاريخ بغداد))؛ عن جابر ؛ ورواه عنه الدَّيلمي أيضاً . وفي (( العزيزي)) : إنَّه حديث ضعيف . ٤٢٢ ( حَرْفُ الذَّالِ ) ١٢٦ - ((ذِكْرُ اللهِ .. شِفَاءُ الْقُلُوبِ)). ١٢٧ - ((الذَّنْبُ لاَ يُنْسَى، ( حَرْفُ الذَّالِ ) ١٢٦ - ((ذِكْرُ اللهِ) من تسبيح وتهليلٍ ( شِفَاءُ القُلُوْبِ))) مِنْ أَمراضِها ، أي : هُو دَواءٌ لَها مما يَلْحَقُها من ظُلْمَةِ الدُّنُوبِ، ويُدَنِّسُها مِنْ دَرَنِ الغَفْلَةِ ، ولهذا كان المصطفى ◌َ﴿ أَكملَ النَّاسِ ذِكْراً، بل كان كلامهُ كُلُّهُ في ذِكْرِ اللهِ وما وَالاَهُ ؛ أَمْرُه ونَهْيُهُ وَتَشْرِيعُهُ وأخْبَارُهُ عن أسماءِ الرَّبِّ ، وصفاتِهِ ، وأحكامِهِ ، وأَفعالِهِ ، ووعدِهِ ووَعِيدِهِ ، وتمجيده وتسبيحه وتحميده ، ورَغْبَتِهِ وَرَهْبَتِهِ ذكراً منه بلسانِهِ ، وصَمْتُهُ ذکرٌ منه بقلبه في كل أحيانه . تنبيه : قال الرَّاغب : ذكر الله تعالى تارةً يكون لعظمَتِهِ فيتولَّدُ منه الهيبةُ والإجلالُ ، وتارةً لقدرتِهِ فيتولَّدُ مِنْه الخوفُ والحزنُ ، وتارةً لفضلِهِ ورحمتِهِ فيتولَّدُ منه الرَّجاءُ ، وتارةً لنعمتِهِ فيتولَّدُ منه العزُّ ، فَحَقُّ المؤمنِ أن لا ينفكَ أبداً عن ذكره على أحد هذه الوجوه . انتهى مناوي على ((الجامع)). والحديث ذكره في ((الجامع الصغير)) مرموزاً له برمز الدَّيلميّ في (( مُسْنَد الفردوس))؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. وفي ((العزيزي)): إنَّه حديثٌ حَسَنٌّ لِغِيرِهِ . ١٢٧ - ((الذَّنْبُ) أي: الإِثْمُ، بمعنى: المُؤْثِم، أي: ما يَحْصُلُ بِهِ لَومٌ، أو إِثْمٌّ على فاعِلِه . (لاَ يُنْسَى)، بل هو محفوظٌ في صُحُفِ الملائكةِ، ولا بدَّ أن يُجازى عليه ؛ إنْ لم يحصل عفوٌ ؛ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا ينسى . ونَّهَ بهِ على شيءٍ دقيقٍ ، يغلطُ النَّاسُ فيه كثيراً؛ وهو أَنَّهم لا يرونَ تأثيرَ الذَّنْبِ ؛ فينساهُ الواحدُ مِنْهُم، ويَظُنُّ أنَّهُ لاَ يَضُرُّه ذلك، وأَنَّه كما قال : ٤٢٣ وَأَلْبِرُّ لاَ يَبْلَىْ ، وَالدَّانُ لاَ يَمُوتُ .. فَكُنْ كَمَا شِئْتَ )). فَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ الوقُوعِ غُبَارُ إِذَا لَمْ يُغَبِّرْ حَائِطٌ فِي وُقُوعِهِ قالَ ابنُ القيِّمِ: وسبحانَ اللهِ ؛ ما أَهْلَكَتْ هذهِ البليَّةُ مِنَ الخَلْقِ ، وكم أزالت من نعمةٍ ، وكم جَلَبَتْ من نِقْمَةٍ !! وما أكثَرَ المُغْتَرِّيْنَ بها من العلماءِ فضلاً عنِ الجُهَّالِ ، ولم يعلمِ المُغْتَرُّ أنَّ الذَّنْبَ يُنْقَضُ؛ ولو بعد حينٍ ، كما يَنْقُضُ السُّمُّ والجرح المندَمِلُ علىْ دَغَلِ . (وَالبِؤُّ) - بالكَسْرِ -: الخَيْرُ والفَضْلُ (لاَ يَبْلَىْ) أي: لا ينقطع ثوابُهُ ولا يَضِيْعُ ، بل هو باقٍ عند الله تعالى . وقيلَ : أَرَادَ الإِحسانَ ؛ وفِعْلُ الخيرِ لا يبلىُ ثناؤُهُ ، وذِكْرُهُ في الدُّنيا والآخرة ، فهو بمنزلةِ الثَّوبِ الجديد الذي لا يفنى ولا يتغيَّر. (وَالذَّيَّانُ لاَ يَمُوْتُ) ، بل هو سبحانَه حَيٍّ باقٍ ، عَالِمٌ بأحوالِ عبادِه فيجازيهم عليها . وإذا عَلِمْتَ هذا ( فَكُنْ كَمَا شِئْتَ))) من أَحوالٍ وأفعالٍ ، خيرٍ ؛ أو شرٍّ، فإنَّ الدَّيَّنَ يجازيكَ عليها ، ففيهِ وَعيدٌ شديدٌ وتهديدٌ ، وفيه جوازُ إِطلاقِ الدَّيَّان علىُ اللهِ لو صَحَّ الخَبَرُ . وفي رواية عبد الرزاقِ وغيره: (( اعمَلْ ما شِئْتَ، كما تَدِينُ تُدَانُ»، أي : كما تُجَازِي تُجَازَىْ. يقالُ: دِنْتُه بما صَنَعَ؛ أي: جَزَيْتُهُ . ذكَرَه الدَّيلميُّ . ومن مواعظِ الحكماءِ : عبادَ الله ؛ الحَذَرَ الحَذَرَ ، فوالله لقد سَتَرَ ، حتى كأنَّه غَفَرَ، ولَقَدْ أَمْهَلَ حتى كأَنَّهُ أَهْمَلَ . انتهى (( زرقاني)). والحديث ذكره في ((المواهب))؛ وقال رواه الدَّيلميُّ في ((مسند الفردوس))، وأبو نُعَيم عن عمر بن الخطاب ، وفيه محمد بن عبد الملك الأنصاري ضعيف . وقد رواه عبد الرزّاق في ((جامعه))، والبَيْهَقيُّ في ((الزُّهد))؛ وفي (( الأسماء والصفات))، له عن أبي قلابة رفعه مرسلاً: ((البِرُ لا يَبْلى ... الخ)). ووصله أَحمد في ((الزُّهد ))؛ فرواه عن أبي قِلابة ، عن أبي الدرداء من قوله لكنَّهُ مُنْقَطِعٌ مع وقفه . ٤٢٤ ١٢٨ - ((ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ». ١٢٩ - (« ذُو الْوَجْهَيْنِ لاَ يَكُونُ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً ». وللدَّيلمي عن أَنَسٍ رفعه: الذَّنْبُ شُؤْمٌ على غيرِ فاعِلِه؛ إِنْ عَيَّرَهُ ابْتُلِيَ ، وإنْ اغْتَابَهُ أَئِمَ ، وإنْ رَضِيَ بِهِ شارَكَهُ » . انتهى زرقاني رحمه الله تعالى . ١٢٨ - ((ذَهَبَ حُسْنُ الخُلُقِ ) الذي جاء تفسيره في حديثٍ آخرَ بقوله : تَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ، وتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ)) ، وقد مرَّ الكلامُ على حُسْنِ الخُلُقِ غيرَ مرَّةٍ . ( بِخَيْرِ الذُّنْيَا وَالآخِرَةِ ))) وهو أنْقَلُ ما يوضع في الميزانِ ، وهو الدّين كما جاء ذلك في أحاديثَ أُخَرَ، وهذا الحديث قالَهُ النَّبِيُّ نَّهِ: لِأُمِّ حَبيبَةَ رَمْلَةَ بنتِ أبي سُفْيان (( إحدى أمهاتِ المؤمنين رضي الله عنها )) حين قالت له : يا رسولَ اللهِ ؛ أَرأيتَ المرأةَ يكونُ لها زوجان في الدُّنْيا ؛ فتموت ، ويموتان ويدخلون الجنة ، لأيهما تكون هي ؟ قال: لأَحسَنهما خُلُقاً كان عندَها في الدُّنيا ؛ يا أمَّ حَبيبةَ ، ذهبَ حُسْنُ الخُلُقِ بخيرِ الدُّنْيَا وَالآخرةِ » . قالَ العراقيُّ: أَخرَجَهُ البزَّارُ، والطبراني في ((الكبير))، والخرائطي في (( مكارم الأخلاق ) بإسنادٍ ضعيفٍ ؛ عن أَنسٍ رضي الله تعالى عنه . ١٢٩ - (( ذُوْ) أي: صاحبُ ( الوَجْهَيْنِ ) : هو الذي يأتي كُلَّ قومٍ بما يُرْضِيهم ؛ خيراً كانَ أو شرّاً ، فَيُظْهِرُ لأهل المُنكَرِ أنَّهُ راضٍ عَنْهُمْ ؛ فَيَسْتَقْبِلُهم ببشرٍ منه وترحيب . ويظهر لأَهْلِ الحقِّ أَنَّه عنهم راضٍ ، فيريدُ إِرضاءَ كُلِّ فريقٍ منهم ، ويظهر أنَّهُ معهم ؛ وإنْ كان ليسَ كَذَلِكَ باطناً. كذا في ((الشهاب الخفاجي)). وقال ابن حجر : ذو اللِّسانين هو : ذو الوجهين الذي لا يكون عند الله وجيهاً . ثم قال : قال الغزالي : ذو اللِّسانين: مَنْ يتردَّدُ بين مُتَعَادِيَيْن ؛ ويُكَلِّمُ كُلاَّ بما يوافِقُهُ ، وقَلَّ مَن يتردّد بين متعاديين إِلَّ وهو بهذه الصفةِ! وهذا عينُ النّفاقِ . ثم قال الغزالي : واتفقوا على أنَّ ملاقاةَ اثنين بوجهين نفاقٌ . وللنفاقِ علاماتٌ ٤٢٥ كثيرةٌ ؛ وهذه من جملتها ، ثم قالَ : فإن قُلْت : فبماذا يصيرُ ذا لسانين! وما حدُّ ذلك ؟ فأقول : إذا دخل على متعادِيَيْن وجَامَلَ كُلَّ واحدٍ منهما ؛ وكان صادقاً فيه لم يكن منافِقاً ، ولا ذا لسانين . فإنَّ الواحِدَ قد يصادِقُ متعاديين ؛ ولكنَّ صداقَتَهُ ضعيفةٌ لا تنتهي إلى حَدِّ الأُخُوَّةِ، إذْ لو تحققت الصداقة لاقْتَضَتْ معاداة الأَعداء . نعم ؛ لو نَقَلَ كلامَ كُلِّ واحدٍ إلى الآخر فهو ذو لسانين ، وذلك شَرٌّ من النّميمةِ لأنَّهُ يصيرُ نَمَّاماً بِمُجَرّدٍ نَقْلِهِ من أَحَدِ الجانبين . فإذا نقل من كُلٍّ منهما ؛ فقد زاد على النميمةِ . وإنْ لم يَنْقُل كلاماً؛ ولكن حَسَّنَ لِكُلِّ واحدٍ منهما ما هو عليه من المعاداة مع صاحبه ؛ فهو ذو لسانين أيضاً . وكذا إنْ وَعَدَ كلّ منهما بأنّهُ ينصرُهُ، أو أثنى على كُلِّ في معاداتِهِ ، أو على أحدهما مع ذمِّهِ له ؛ إذا خرج من عندِهِ ، فهو ذو لسانين في كُلِّ ذلك . انتهى من ((الزواجر)). وفي ((الشهاب الخفاجي)) أنَّهُ يقالُ له ((ذو الوجْهَينِ)) و((ذو اللُّسانين))، ويقال له (( ذو الأَوْجُهِ » كما قالَ : وكَمْ مِنْ فَتَىّ يُعْجِبُ النَّاظِرِيْنْ لَهُ أَلْسُنٌ ولَهُ أَوَجُهُ وهذا القول مجازٌ؛ لأَنَّه عليه الصلاة والسلام لم يُرِدْ تثنيةَ الوَجْهِ الَّذي هو العضو المخصوص على الحقيقة، لأَنَّ استحالةَ ذلك في الإِنْسَانِ معلومٌ ضرورةً . وإنَّما أَراد ذَمَ المُنَافِقِ الَّذي ظاهرُهُ يخالفُ باطِنَهُ، وحاضِرُهُ يُضَادُ غائبَهُ، فكأَنَّهُ يلقى أخاهُ في مَشْهَدِهِ بَصفحةِ الموذَّةِ، ويتناولُهُ في مَغِيبِهِ بِلسانِ الذَمِّ والعَصَبِيَّةِ . فَشَبَّهَ عليه الصلاةُ والسلام هاتين الحالتينِ لاختلافِهِما بالوجهينِ المختلفين ، لتبايُنِ ما بينهما . وقوله (لاَ يَكُوْنُ عِنْدَ اللهِ وَجِيْهاً )))! أي: ذا قَدْرٍ ومَنْزِلَةٍ . يعني : ٤٢٦ أنَّ الله لا يرضاه ولا يُحِبُّهُ لقباحَةِ فِعْلِهِ ، لما يَتَفَرَّعُ عليه من الفسادِ بين العباد. أما لو فعل ذلك لإِصلاحِ ذاتِ البَيْنِ وإِزالةٍ ضغائنِ القلوبِ .. ونحو ذلك ! فهو أمرٌ حَسَنٌ ليس داخلاً فيما مَرَّ . وإذا كانَ ((ذو الوجهين)) هذا حالُهُ فـ ((ذو الأَوْجُهِ )) معلومٌ بطريقِ الأَولى، وبين الوَجْهِ والوَجِيهِ جِنَسُ اشتقاقٍ كقوله تعالى ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِذِينِ اٌلْقَيِّمِ ﴾ [٤٣/ الروم] . والحديث ذكره القاضي عياض في ((الشفاء))، قال الشهاب الخفاجي : هذا حديثٌ رواه أبو داود عن عمَّارِ بلفظِ : (( ذُو أَلوَجْهَيْنِ وَذُو اللِّسَانَيْنِ فِي النَّارِ . وروى أبو هريرة رضي الله عنه؛ عن النّبِي وََّ أنَّه قال: ((إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذَا الوَجْهَينِ ؛ الَّذِي يَأْتِي هَؤلاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤلاءِ بِوَجْهٍ )) أخرجه مسلم . وعن أنس رضي الله عنه؛ عنه وَ ل﴿ أَنَّه قال: (( مَنْ كَانَ ذَا لِسَانَيْنِ في الدُّنْيا ؛ جَعَلَ اللهُ لَهُ لِسَانَيَّن مِنْ نَارِ يَوْمَ القِيَامَةِ )) . انتهى . وفي رواية الطبراني في ((الأوسط)) عن أبي سعيدٍ: (( ذو الوَجْهَينِ في الدُّنيا يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ لَهُ وَجْهانِ مِنْ نَارِ )) . وأخرج الشيخان وغيرهما؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله وَ له: (( تَجِدُونَ النّاسَ مَعَادِنَ؛ خِيَارُهُم في الْجَاهِلِيَةِ خِيَارُهُمْ فِي الإسْلاَمِ إذَا فَقُهُوا ، وَتَجِدُونَ خِيَارَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّانِ أَشَّدَهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةٌ، وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤْلَاءِ بِوَجْهِ وهَؤْلاءٍ بِوَجْهٍ » انتهى. من ((الزواجر)). وَقَدْ عَدَّ ذلك من الكبائر ! فانظره . ٤٢٧ ( حَرْفُ الرَّاءٍ ) ١٣٠ - ((رَأْسُ الْحِكْمَةِ .. مَخَافَةُ اللهِ ». ( حَرْفُ الرَّاءِ ) ١٣٠ - ((رَأْسُ الحِكْمَةِ مَخَافَةُ) - وفي رواية: خَشْيَةُ - ( اللهِ))) ومعنى كون ذلك رأساً أنَّهُ أَصْلٌ ينبغي أنْ يترتَّب عليه الثمرات ؛ أي : أصل الحِكْمَةِ وأُتُّها الخوفُ منه تعالى، لأَنَّ الحكمةَ تمنعُ النَّفْسَ عن المَنْهِيَّات ، والشَّهواتِ ، والشُّبُهاتِ ، ولا يحمل على العمل بها إِلا الخوف مِنْهُ تعالى ، فيحاسب النفس على كل خَطْرةٍ ونَظْرَةٍ وَلَذَّةٍ ، ولأَنَّ الخَشْيَةَ تدعوه إِلى الزُّهْد في الدُّنيا، فَيُفَرِّغُ قلبه ، فَيُعَوِّضُهُ اللهُ فِي قلبه حِكْمَةً يَنْطِقُ بها ، فالخوفُ سَبَبٌ وأصْلٌ لورود الحكم . والحكمة : العلم بأحوالِ الموجوداتِ على ما هي عليه بقدرِ الطَّاقة البَشَرِيَّةِ ، ويطلق على المعلومات ، وعلى إِحكام الأُمورِ وسلامتها من الآفات ، وعلى مَنْع النَّفْسِ من الشهوات .. وغير ذلك . وأوثَقُها العملُ بالطَّاعَاتِ ؛ بحيث يكونُ خَوْفُةً أَكْثَرَ من رَجَائِه ؛ فيحاسب نفسه على كل خطرةٍ ونظرة . ومخافةُ الله تعالى آكَدُ أَسباب النَّجاةِ . قال الغزالي : وقد جمع الله تعالى للخائفين الهدى والرَّحمة والعلم والرُّضوان، وناهيك بذلك !! فقال تعالى ﴿ هُدًى [الأعراف]، وقال ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْأَ﴾ ١٥٠ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِهِمْ يَرْهَبُونَ [٢٨/ فاطر]، ﴿رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ ( [البينة] . انتهى شروح ٨ ((الجامع الصغير)) . والحديث ذكره في (( الجامع ))؛ وقال أخرَجَهُ الحكيم الترمذي ، وأبو بكر بن لال في ((المكارِم))، والقُضَاعِيُّ في ((الشِّهابِ)) ، عن ابن مسعود رضي الله عنه. ورواه عَنْه أيضاً البَيْهِيُّ في ((الشُّعَبِ)) وضَعَّفَهُ، انتهى من المناوي. وفي العزيزي : إنَّهُ حديثٌ حَسَنٌ لِغيره . ٤٢٨ ١٣١ - (( رَأْسُ الدِّينِ .. الْوَرَعُ)). ١٣٢ - ((رَأْسُ الْعَقْلِ بَعْدَ الإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَىُ .. التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاس )». ١٣١ - ( ((رَأْسُ الدِّيْنِ)؛ أَي: قُوَّةُ الدِّينِ واستحكامُ قواعِده الَّتي بها ثَبَاتُهُ ( الوَرَعُ))) بالكَفِّ عن أسباب التوسُّع في الأُمور الدُّنْيُويَّة؛ صيانَةً لِدِينِهِ ، وحِراسةً لِعِرْضِهِ، ومروءَته والمُتَوَرِّعُ دَائِمُ المُرَاقَبَةِ للحقِّ؛ حذراً من مَزْجِ حَقِّ بباطل ، وبذلك قِوَامُ الدِّينِ وِنِظَامُهُ . قالَ يحيى بن معاذ: كيفَ يَكُونُ زَاهِداً من لا وَرَعَ لَهُ !!. تَوَرَّعْ فيما ليس لَكَ ثُمَّ ازهَدْ فیما لَكَ ! والحديثُ ذكره في (( الجامع الصغير )) مرموزاً له برَمز ابن عَدِيٍّ ؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه . وفي ((العزيزي)) إنَّه حديثٌ حَسَنٌ لغيره . ١٣٢ - ((رَأْسُ العَقْلِ) ؛ أي: ثمرة العقل الكامل ( بَعْدَ الإِيْمَانِ بِاللهِ تَعَالَى: التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ ))) ؛ أي : التَسَبُّب في محبّة النَّاسِ له ؛ ولو عَدُوّاً بالبِشْرِ، والطَلاَقَةِ ، والهِدَايَةِ، والإحسان ، والزَّيَادَةِ ، ولا يكون قصده ذلك ؛ أَي المحبة ؛ بل الأكمل أنْ يَقْصِد بالتودُّدِ القيامَ بحقُّهم ، وإنْ ترتب عليه محبتهم له وتعظيمهُ ، لكِنَّهُ يكون في غايةِ الحَذرِ من العَدُوِّ باطناً ، ورُبما كانَ إِكرامُهُ والتَوذُّدُ إليه سبباً في انقِلابِ عداوتهِ محبّة . قال الشاعر : واجْعَلْ لَهُ فِي الْحَشا جَيْشاً يُحَارِبُهُ إِلْقَ العَدُوَّ بِوَجْهٍ بَاسِمٍ طَلْقِ والحديث ذَكَرَهُ في ((كَشف الخفاء))، وقال: رواه البيهقيُّ في ((الشعب)) والعسكريُّ والقضاعيُّ عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه، ورواهُ أبو نُعَيْمٍ ؛ عن أَنْس وعليٍّ . ورواه البَيْهقيُّ؛ عن علي بن زيد مرسَلاً، وزاد فيه: (( وما يستغني رَجُلٌ عن مشورة ، وإِنَّ أهل المعروفِ في الدُّنْيا هم أَهْلُ المعروفِ في الآخِرَةِ ، وإنَّ أَهْلَ ٤٢٩ ١٣٣ - «رَحِمَ اللهُ عَبْداً قَالَ خَيْراً .. فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ .. فَسَلِمَ )). المُنكَرِ فِي الدُّنيا هم أَهْلُ المُنكَرِ في الآخِرَةِ ». قال البيهقي: إنَّه المحفوظُ . ورواه العسكري أَيضا عن علي بن زيد بن جَدْعَانَ بلفظِ : و ((لن يَهْلِكَ)) بَدَلَ قَولِهِ: ((وما يَسْتَغْنِي)). وقال الغذَّانيُّ: إنَّ هُشَيماً حدَّث به الرَّشيد فأمر له بعشرة آلافٍ درهم . ورواه العسكري أيضاً عن جابر بن عبد الله رفعه مثل الذي قبله ، وزاد : (( وَمَا سَعِدَ أَحَدٌ بِرَأْيِهِ؛ وَلاَ شَقِيَ عَنْ مَشُورَةٍ، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْراً فَقَّهَهُ فِي دِينِهِ ؛ وَبَصَّرَهُ عُيُوبَهُ )) . انتهى ملخّصاً. ثمَّ قال : وقال ابن العرس : قال شيخُنا : حديثٌ حسن لغيره . قلت: وأورده في (( الجامع الصغير )) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وعزاه للبزَّار والبيهقي . زاد الطَّراني؛ من حديث علي: ((وَاصْطِنَاعُ الخَيرِ إلى كُلِّ بَرِّ وَفَاجِرٍ )) . وعند الطَّبراني ؛ من حديث علي أيضاً بلفظ: (( رَأْسُ العَقْلِ بَعْدَ الإِيمَانِ الثَّحَيُّبُ إِلى النَّاسِ )) . انتهى. ورواه الدَّيلمي عن ابنِ عباس بلفظ: رَأْسُ العَقْلِ التَّحَبُّبُ إِلى النَّاسِ فِي غَيْرِ تَرْكِ الحَقِّ )). انتهى كلام (( كشف الخفا )) مع حذف شيء منه . ١٣٣ - ((رَحِمَ اللهُ عَبْداً قَالَ خَيْراً) ؛ كالذِّكر والعلم والموعظة والأمر بالمعروف والنَّهي عنِ المنكر ، ( فَغَنِمَ ) الأَجر والذِّكر الجَميل ، (أَوْ سَكَتَ ) عن شوءٍ ؛ ( فَسَلِمَ ))) من وباله وما يندم عليه بسبب صمته . قال الماوردي : يُشيرُ به إلى أنَّ الكلام ترجمان يعبِّر عن مستودَعات الضَّمائِرِ ، ويخبر بمكنونات السَّرائِر ، لا يمكن استرجاع بوادره ، ولا يقدر على دفع شوارده ، فحقٌّ على العاقل أنْ يحترزَ من زَلَلِهِ بالإِمساكِ عنه ؛ أَو الإِقلالِ منه . قال علي - كَرَّم الله وجهه - : اللِّسان معيار إطاشة الجهلِ وأرجحة العقلِ . ٤٣٠ ١٣٤ - (( رَضِيتُ لِأُمَّتِي مَا رَضِيَ لَهَا أَبْنُ أُمِّ عَبْدٍ)). قال ابن عربي : أمراض النّفس قوليّة وفعليَّةٌ ، وتفاريع القولية كثيرةٌ ، لكن عِلَلَها وأدويتها محصورةٌ في أَمرين : الأَوَّلُ : أَنْ لا تتكلّم إذا اشتهيتَ أَن تتكلّم . والثَّاني : أنْ لا تكلم إلا فيما إنْ سكَتَّ عنه عَصَيْتَ، وإلاَّ! فلا ، وإِيَّاك والكلامَ عند استحسانِ كلامِكَ ، فَإِنَّه حالَتَئِذٍ من أكبر الأَمراض، وماله دواء إلاَّ الصَّمت، إلاَّ أَن تُجبر على رفع السّتر، وهذا هو الضَّابط. انتهى من المناوي على ((الجامع)). والحديث ذكره في ((الشِّفا)) للقاضي عياض، و((الجامع الصغير)) للسيوطي، وقال: أخرجه ابن المبارك في ((الزُّهد))، وكذا الخرائِطي في (( مكارم الأخلاق )) ؛ عن خالد بن أبي عمران مرسلاً . ورواه أبو الشَّيخ ابن حيان ؛ عن أبي أمامة رضي الله عنه . ورواه عنه أيضا الدَّيلمي ، ثمَّ قال : وفي الباب عن أنس . ورواه البيهقي في (( شُعبِ الإِيمان )) ؛ عن أنسٍِ بنِ مالكِ رفعه ، وعن الحسن البصري مرسلاً بلفظ: (( رَحِمَ الله أمْرَأَ تَكَلَّمَ فَغَنِمَ؛ أَوْ سَكَتَ فَسَلِمَ )). قال الحافظ العراقي في سند المرسل : رجاله ثقاتٌ ، والمسند فيه ضعفٌ . قال الشِّهابُ الخفاجي : وله شواهِد ورواياتٌ تُقَوِّيهِ وتصحّحه . ١٣٤ - (( رَضِيْتُ لأُمَّتِي مَا)؛ أي: كل شيء ( رَضِيَ لَهَا ) به أبو عبد الرحمن عبد الله ( أبْنُ ) مسعود الهُذليّ ، ويقال له : ابن ( أُمِّ عَبْدٍ ) الهُدْليَّة ؛ أسلم قديماً ، وشهد المشاهد كلَّها ، وهاجر الهجرتين ، وصلى إلى القبلتين . وكان النَّبِي ◌َّهِ يُقرِّبِهُ؛ ولا يحجبُهُ ، وهو صاحب سواكه ونعليه وطهوره ، وبَشَّرَهُ بالجنَّة . ٤٣١ ١٣٥ - ((ريَاضُ الْجَنَّةِ .. الْمَسَاجِدُ)). ولكونه شبيهاً به وله في سمته وأَخلاقه ورحمته على الأُمة وبذْلِ النُّصح لها رضيَ بما يرضاه للأُمَّة ، وكان نحيفاً قصيراً جداً ، طوله نحو ذراع . ولي قضاءَ الكوفةِ وما يليها في خلافة عمر ، ومات بها ؛ أو بالمدينة سنة : اثنتين وثلاثين، عن بضع وستين سنة. انتهى مناوي على ((الجامع)). والحديث ذكره في (( الجامع الصغير )) مرموزاً له برمز الحاكم ؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه . ورواه عنه البزَّار وزاد: « وَكَرِهْتُ لَهَا مَا كَرِهَ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ ». قال الهيثمي : وفيه محمد بن حميد الرَّازي ، وهو ثقة ، وبَقِيَّة رجاله وثقوا . وفي العزيزي : إسناده صحيح . ١٣٥ - ((رِيَاضُ الجَنَّةِ)؛ جمع روضةٍ: وهي الموضع المعجب بالزَّهر ، سُمِّيت به لاستراضةِ الماء السَّائل إليها ( المَسَاجِدُ))) ؛ لأنَّ العبادة فيها سببٌ للحصولِ في رياض الجَنَّةِ . والحديثُ ذكره المناوي في (( كنوز الحقائِقِ)) مرموزاً له برمز أبي الشَّيخ ( ابن حيان ) ، وله شاهد عند التِّرمذي ؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه رفعه : ((إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الجَنَّهِ فَارْتَعُوا)) قِيل: وما رياضُ الجنَّةً؟ قال: ((المَسَاجِدُ)). قيل: وما الرَّتع؟ قال: (( سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَلاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَالله أَكْبَرُ)). ٤٣٢ ( حَرْفُ الزَّايٍ ) ١٣٦ - ((زُرْ غِبّاً .. تَزْدَدْ حُبّاً)). ( حَرْفُ الزَّائِ ) ١٣٦ - ((زُرْ) ؛ يا أبا هريرة أخاك ( غِبّاً) - منصوب على الظرفية - أي: وقتاً بعد وقتٍ ، ولا تلازم زيارته كل يوم ( تَزْدَدْ) عنده ( حُبّاً ))) . ويقدر الملازمة تهون عليه و ((حبّاً )) : منصوب على التَّمييز. قال بعضهم : فالإكثار من الزِّيارة مُمِلٌّ، والإِقلالُ منها مُخِلٌّ . ونَظَمَ البعضُ هذا المعنى ؛ فقال : إِذَا كَثُرَتْ كَانَتْ إِلىَ الهَجْرِ مَسْلَكا عَلَيْكَ بِإِغْبَابِ الزِّيَارَةِ إِنَّهَا وَيُسْأَلُ بِالأَيْدِي إِذَا كَانَ مُمْسِكًا فَإِنِّي رَأَيْتُ الغَيْثَ يُسْأَمُ دَائِماً وقال آخر : ((إِذَا زُرْتَ الحَبِيبَ فَزُرْهُ غِبًّا)) وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ وَكَانَ يَزْوِي : وقال آخر : ــقَ يَكُونُ كَالثَّوْبِ اسْتَجَدَّهُ أقْلِلْ زِيَارَتَكَ الصَّدِيـ أن لاَ يَزَالَ يَرَاكَ عِنْدَهُ وَأَمَلُّ شَيْءٍ لا مْرِىءٍ والحديث ذكره في ((الجامع)) مرموزاً له برمز البزَّار في ((مسنده»، والطَّبراني في ((الأَوسط))، والبيهقي في (( شعب الإيمان))؛ عن أبي ذر . والطّبراني في (( الكبير)) والحاكم ؛ عن حبيب بن مسلمة الفهري . والطَّبرانِي في ((الكبير))؛ عن ابن عمرو بن العاصي . والطَّبراني في (( الأوسط))؛ عن ابن عمر بن الخطاب ، والخطيب ؛ عن عائشةَ رضي الله تعالى عنهم أجمعين . ٤٣٣ زاد في ((الكشف)): وأخرجه أبو نُعَيْم، والعَسْكري في ((الأمثال))؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه . ورواه أيضاً أنس وجابر وابن عباس وعلي وأبو الدرداء وغيرهم ، حتى قال ابن طاهر : إن ابن عَدِي أورده في أربعة عشر موضعاً من ((كامله)) كلها معلَّلة، وضعَّفها كلَّها ، وأفرد أبو نُعَيْم طرقه . ثمَّ الحافظ ابن حجر في ((الإِنارة بطرق غبِّ الزيارة)). وقال في ((المقاصد )) - وتبعه النَّجم بعد ذكرهما طرقه -: وبمجموعها يتقوَّى الحديث؛ وإن قال البزَّار: ((إنَّه ليس فيه حديث صحيح))، فهو لا ينافي ما قلناه . انتهى ونحوه في المناوي على ((الجامع الصغير)). ٤٣٤ ( حَرْفُ السِّينِ ) ١٣٧ - ((السَّعِيدُ .. مَنْ وُعِظُ بِغَيْرِهِ)) ( حَرْفُ السِّيْنِ ) ١٣٧ - ((السَّعِيْدُ) المبارك المَرضيُّ عند الله وعند الناس (مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ))) ؛ أي : تصفّح أفعال غيره فاقتدى بأحسنها ، وانتهى عن سيِّها . انتهى مناوي على ((الجامع )) . وقال الزُّرقاني : أي تأمَّلَ عواقب الأمور فلم يفعل ما يضرُّه لما رأى ما أصاب غيره من فعلها . قال الشّاعر : إنَّ السَّعِيدَ لَهُ مِنْ غَيْرِهِ عِظَةٌ وَفِي التَّجَاربِ تَحْكِيمٌ وَمُعْتَبَرُ وَقَالَ حُجَّةُ الإِسلام الغزاليُّ : المراد أنَّ الإنسان يشاهد من خبائِث من اضطر إلى مرافقته وأحواله وصفاته ما يستقبحه فيجتنبه . قيل لعيسى عليه الصّلاة والسّلام : من أدَّبك ؟ فقال : ما أدَّبني أحدٌ ، رأيت جهْلَ الجاهل فجانبته . قال الحجَّة : ولقد صدَقَ ، فلو اجتنب النَّاس ما يكرهونه من غيرهم لكملت آدابهم ؛ واستغنوا عن مؤدِّب ، فاطَّلِعْ في القبور واعتبر بالنُّشور ، وانظر إلى مصارع آبائِكَ وفناء إخوانك. انتهى ((مناوي)). قال الزُّرقاني: ومفهومه : والشَّقيُّ مَنْ وُعِظَ بِهِ غَيْرُهُ . وهذا الحديث رواه الدَّيلمي ؛ عن عقبة بن عامر ، والعسكريُّ ؛ عن زيد بن خالد بهذا اللفظ مختصراً ، وصحَّحه الحافظ وشيخه العراقيُّ ؛ خلافاً لقول ابن الجوزي في أمثاله (( لا یثبت )) !! وأخرجه العسكري والقضاعي والبيهقي في (( المدخل))؛ عن ابن مسعود رفعه بزيادة: ((وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ)). ورواه ((مسلم)) عنه موقوفاً بالزِّيادة. ٤٣٥ ١٣٨ - ((السَّفَرُ .. قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَاب)). ١٣٩ - ((سَيِّدُ اَلْقَوْمِ .. خَادِمُهُمْ)). وللبزَّار بسندٍ صحيحٍ ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه رفعه: ((السَّعيدُ مَنْ سَعِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ » . انتهى كلام الزرقاني . ١٣٨ - ((السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ)))؛ أي: جزء منه؛ لما فيه من الشَّعب ومعاناة الرِّيح والشَّمس والبرد والخوف والخطر وأَكل الخشن وقِلَّة الماء والزَّاد وفراق الأَحِبَّة . ولا تعارض بين هذا الحديث وحديثٍ ابن عمر مرفوعاً: ((سَافِرُوا تَصِخُوا))؛ لأَنَّه لا يلزم من الصِّحَّة بالسَّفر ؛ لما فيه من الرِّياضة ؛ أنْ لا يكون قطعةً من العذابِ ؛ لما فيه من المشقَّةِ !! فصار كالدَّواء المُرِّ المُعقب للصِّحَّة ، وإن كان في تناوله الكراهة !. انتهى (( عزيزي)) . وبما تقرَّر عُلِمَ أنَّ المراد العذابُ الدنيويُّ الَّذي هو الأَلم النَّاشىء عنِ المشقَّةِ : لما يحصل بذلك من تركِ المَألوفِ أو نقصِهِ؛ يدل له بقيَّةُ الحديث: (( یمْنَعَ أحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ ، فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وَجْهِهِ ؛ فَلْيعجِّلِ الرُّجُوعَ إلى أَهْلِهِ » . أخرجه الإمام مالك في آخر «الموطَّأ)»، والإِمام أحمد، والشَّيخان ، وابن ماجه : كلهم ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه . ولله درٌّ من قال : وَلاَ هِمَّةٍ يَسْمُو بِهَا لَعَجِيبُ وَإِنَّ اغْتِرَابَ المَرْءِ مِنْ غَيْرِ خُلَّةٍ وَنَالَ الثُّرَيَّا : أَنْ يُقَالَ غَرِيبُ وَحَسْبُ الفَتَى ذُلاًّ؛ وَإِنْ أَدْرَكَ العُلاَ لطيفة : لمَّا جلسَ إِمام الحرمين للتَّدريس محلَّ أبيه بعد موته سُئِلَ : لم كان السّفر قطعةً من العذابِ ؟! فَأجاب على الفور: لأنَّ فيه فراقَ الأحباب . انتهى شروح ((الجامع الصغير)) . ١٣٩ - ((سَيِّدُ القَوْم خَادِمُهُمْ)))؛ لأنَّ السَّيِّد هو الّذي يُفزع إِليه في النَّوائب ٤٣٦ ١٤٠ - ((السُّيُوفُ .. مَفَاتِحُ الْجَنَّةِ)). فيحمل الأثقال ، فلمَّا تحمَّل الخادم عنهم الأمور وكفاهم المؤنة وقام بأعباء ما لا يطيقونه ؛ كان سَيِّدهم بهذا الاعتبار . فـ ((خادم)): مبتدأٌ مؤخّر، وأصله : خادم القوم كسيِّدهم ، فبولغ فيه بالقلب المكاني ، وبحذف أداةِ التَّشبيهِ ؛ حتَّى جُعل السَّيِّد خادماً . قال الزُّرقاني : رواه أبو عبد الرحمن السُّلمي في كتاب (( آداب الصُّحبة )) له ؛ عن عقبة بن عامر رفعه ، وفي سنده ضعفٌ أو انقطاع ، ورواه غيره أيضا كابن عساكر ؛ من حديث ابن عبّاس ؛ عن جرير مرفوعاً، وأبو نُعَيم في (( الحليةِ )) بسندٍ ضعيفٍ جدّاً مع انقطاعه؛ عن أنس رفعه بلفظ: (( وَيْحَ الخَادِمِ في الدُّنْيَا ! سَيِّدُ القَوْمِ في الآخِرَةِ!)). والحاكم في (( تاريخه)). ومن طريقه البيهقي والدَّيلمي ؛ عن سهل بن سعد رفعه: (( سَيِّدُ القَوْم في السَّفَرِ خَادِمُهُمْ، فَمَنْ سَبَقَهُمْ لِخِدْمَةٍ لَمْ يَسْبِقُوهُ بِعَمَلٍ إِلَّ الشَّهَادَةَ ». وعزاه الديلميُّ للتِّرمذيّ وابن ماجه ؛ عن أبي قتادة فَوَهِم ؛ أفاده السَّخاوي . انتهى زرقاني على ((المواهب)». ١٤٠ - ((الشُّيُّوْفُ) ؛ أي: سيوف الغُزاةِ في سبيل اللهِ ( مَفَاتِيْحُ الجَنَّةِ))) ؛ أي : سَبَبٌ لِفَتْحِ الجنَّةِ يوم القيامَةِ والدُّخول فيها، ومعناه: أنَّ الضَّربَ بها ينتج دخولَ الجنَّةُ مع السَّابقين ؛ لأنَّ أبواب الجنَّةً مُغْلقةٌ لا يفتحها إلاَّ الطّاعة ؛ والجهاد من أعظمها . والحديث ذكره في (( الجامع الصغير)) وقال : أخرجه أبو بكر الشَّافعي في كتاب ((الغيلانيَّات))، وابن عساكر في ((تاريخه))؛ عن يزيد بن شجرة الرّهاوي ؛ صحابيّ مشهورٌ من أمراء معاوية، وفي سنده بقيّةٌ(١) !. وأخرجه أيضاً الحاكم في (( المستدرك )) عن يزيد المذكور ؛ قاله المناوي . (١) ابن الوليد: عَلَم . ٤٣٧ ( حَرْفُ الشِّينِ ) ١٤١ - ((الشَّاهِدُ .. يَرَىُ مَا لاَ يَرَىُ الْغَائِبُ)). ( حَرْفُ الشِّيْنِ ) ١٤١ - ((الشَّاهِدُ)؛ أي: الحاضر (يَرَى مَا لَ يَرَىُ الغَائِبُ))). قال ابن جرير : أراد رؤيةَ القلبِ لا العين . أي: الشَّاهد للأمر يتبيَّن له من الرَّأي والنَّظر فيه ما لا يظهر للغائب ؛ لأنَّ الشَّاهد للأمر يتّضح له ما لا يتّضح للغائِب عنه ! فمعه زيادة علم . والحديث ذكره في (( الجامع الصغير)) و((الكشف))، وقال : رواه الإمام أحمد ؛ عن علي قال: قلت : يا رسول الله ، إذا بعثني أكون لأمرك كالسِّكَّة المحمَّاة، أو الشَّاهد يرى ما لا يرى الغائِب، قال: ((بَلِ الشَّاهِدُ ... الخ)) .. ورواه الضِّياءُ في ((المختارة))، والعسكري في ((الأمثال))، وأبو نُعيم؛ عن علي . ورواه العسكريُّ أيضاً ؛ عن ابن مسعود ، ورواه القضاعي بسندٍ فيه ابْنُ لَهِيعَةً ؛ عن أنس مرفوعاً . انتهى . ٤٣٨ ( حَرْفُ الصَّادِ ) ١٤٢ - ((الصَّبْرُ .. خَيْرُ مَرْكَبٍ » . ١٤٣ - ((الصَّبْرُ .. مِفْتَاحُ اَلْفَرَجِ، وَالزُّهْدُ .. غِنَى الأَبَدِ )). ( حَرْفُ الصَّادِ ) ١٤٢ - ((الصَّبْرُ خَيْرُ مَرْكَبٍ))) يوصل إلى المقصود، فالتَّحقُّق بالصَّبر يفتح بابَ الوصول إلى الله تعالى، وينتج النَّجاحَ وحُسن العواقِبِ ، ثُمَّ هذا مطلق فيما يُصَبَرَ عليه من المصائِب في النُُّوس والأَموالِ ومشَاقِ التَّكليف ، ومقيَّد بما إذَا صبر ابتغاءَ وجه الله تعالى؛ لا ليقال: (( ما أَصْبَرَهُ وأحْمَلَهُ لِلنَّوَازِلِ وَأَوْقَرَهُ عِنْدَ الزَّلاَزِلِ )) ! وَلاَ لئلاَّ يعابَ بالجزع! ولا لئلاَّ يشمت به الأعداء ! كقوله(١): وَتَجَلُّدِي لِلشَّامِتِينَ، أُرِيهِمُ أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لاَ أَتَضَغْضَعُ والحديث ذكره المناوي في (( كنوز الحقائق )) مرموزاً له برمز الدَّيلمي في ((مسند الفردوس)). ١٤٣ - ((الصَّبْرُ) على المكروه، وتركُ الشِّكايةِ (مِفْتَاحُ الفَرَج ) ؛ أي : سبب في حصول الفرج من الله ، فإِن النَّصر مع الصَّبر ، والفرج مع الكرب ، وهذا حيث لا مخلص ولا مفزع إِلا بالصَّبر . أما مَن جعل اللهُ له إلى الخلاص طريقاً !! فليسلكها متوكِّلاً على الله أنْ يُؤَدِّيه ذلك إِلى الخلاص مِمَّا هو فيه ؛ ألا ترى أنَّ الأسير لو أمكنه الانفلات من الكفَّارِ فعليه الانفلات . ويتوكّل على الله !؟ وكذا نحو المحبوس على ظلم ؛ إذا أمكنه الهرب لزمه ذلك . ولا يقال له : اصبر ؛ فالصّبر مفتاح الفرج !. ( وَالزُّهْدُ ) الَّذِي هو خلوُّ القلب من الدُّنيا (غِنَى الأَبَدِ)) )؛ لأَنّه يتفرغ لعمارة (١) الشاعر أبو ذؤيب الهذلي رضي الله تعالى عنه الصحابي الجليل . ٤٣٩ ١٤٤ - ((الصَّلاَةُ .. عِمَادُ الدِّينِ)). وقته ، ويجتمع قلبه على ما هو بصدده من الاشتغال بعبادة الله ، ويتعلَّق قلبه بالله عز وجل في جميع الأوقات . والحديث ذكره المناوي في (( كنوز الحقائق )) مرموزاً له برمز الدَّيلمي ، وذكره في ((الكشف)) ؛ وقال : رواه الديلمي بلا إسناد ؛ عن الحسين بن علي مرفوعاً . ورواه القضاعي عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ: ((انتِظَارُ الفَرَجِ بِالصَّبْرِ عِبَادَةٌ »، ورواه ابن أبي الدُّنيا في ((الفرج بعد الشِّدَّة))، وأبو سعيد الماليني ؛ عن ابن عمر ، بلفظ : ((انْتِظَارُ الفَرَجِ عِبَادَةٌ )) . انتهى . ١٤٤ - ((الصَّلاَةُ عِمَادُ الدِّيْنِ)))؛ أي: أصله وأتُّه، وهي أمُّ العبادات ومعراج المؤمنين ومناجاة ربِّ العالمين، وفيها أسرار لأَجلها كانت عماداً، منها : ما فيها من التَّواضع بالمثول قائماً بالرُّكوع والسُّجود ، وهي خدمة الله في الأرض ، والملوك لا تُخدم بالكسل والتَّهاون !! بل بالجدِّ والتَّذلُّل ؛ فلذلك كانت عماداً . ولذا كان سعيد بن المسيِّب دائمَ الإقبال على الصَّلاة ، حتَّى قيل فيه ((لو قيل له : إنَّ جهنم لتُسْعَر لك وحدك)» ما قدر على أن يزيد في عمله شيئاً ! وكان يقول لنفسه إذا دخل اللَّيل: ((قومي إلى خدمة ربِّك ؛ يا مأوى كلِّ شرِّ، تريدين أن تَغْفُلي بالنَّهار وتنامي باللَّيل !! والله لأَدعنَكِ تزحفي زحف البعير)) فيصبح وقدماه منتفختان ؛ وصلَّى رضي الله عنه الصُّبْحَ بوضوء العِشَاء خمسين سنة . وكان ثابت البنانيّ يقومُ اللَّيل كلَّه خمسين سنةً، فإذا جاء السَّحر قال: اللَّهمَّ إِنْ كنت أعطيت أحداً أنْ يصلِّي في قبره فأعطني ذلك. فلمَّا ماتَ وَسَدُّوا لَحْدَهُ وقعت لبنٌ ؛ فإذا هو قائِمٌ يُصلِّي حالاً ! وشهد ذلك من حضر جنازته . وكان يقول : الصَّلاة خدمة الله في الأرض ، ولو كان شيءٌ أفضل منها لما قال تعالى ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِ اَلْمِحْرَابِ﴾ [٣٩/ آل عمران] . انتهى مناوي على (( الجامع )). ٤٤٠