Indexed OCR Text
Pages 401-420
١٠١ - ((اَلْحَسَبُ .. الْمَالُ، وَأَلْكَرَمُ .. التَّقْوَى)). الرِّجال ؛ أي : تمنِّيهم الظَّفَر ، ولا تفي لهم ، كالضُّحَكة إذا كان يضحك بالناس . قال العسكري : أراد بالحديث أن المُمَاكرة في الحرب أنْفَعُ مِن الطعن والضرب ؛ والمثل السَّائِرُ : إذا لم تَغْلِبْ فَاخْلُبْ . أي : اخدع . قال العزيزي : وأَصل الخدع : إظهار أمر وإضمارُ خلافه ، يعني : الحرب الكامل إنما هو المخادعة ؛ لا المواجهة ، وحصولُ الظَّفَر مع المخادعةِ بغير خطرٍ . وفيه التحريض على أخذ الحذر في الحرب ، والندبُ إلى خِداع الكُفَّارِ ، إلاَّ أن یکون فیه نقضُ عهدٍ أَو أمان ؛ فلا يجوز . ويقع الخداع بالتعريض والتورية واليمين وإخلاف الوعد ونحو ذلك ؛ قال النووي : اتفقوا على حِلِّ خِداع الكفَّارِ في الحرب كيف كان ، حيث لا نقض عهد ولا أمان . وفي الحديث الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب ، بل الاحتياج إِليه آكد مِنَ الشَّجاعةِ ، فينبغي قدح الفكر وإِعمال الرأي ، واستعمال المكيدة في الحرب حسب الاستطاعة ، فإن ذلك أنفع من الشجاعة ، ولهذا وقع الاقتصار على ما يشير إليه بهذا الحديث ، كما في قوله: «الحَجُّ عَرَفَة )) . والحديث ذكره في (( الجامع الصغير)) مرموزاً له برمز الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي في ((الجهاد)) ؛ عن جابر بن عبد الله ، والبخاري ومسلم ؛ عن أبي هريرة ، والإمام أحمد ؛ عن أنس بن مالك ، وأبي داود ؛ عن كعب بن مالك الأنصاري ، وابن ماجه ؛ عن ابن عباس ، وعن عائشة . والبزَّار في مُسْنَدِهِ؛ عنِ الحسين بن علي؛ والطبراني في ((الكبير)) ؛ عن الحسين بن علي وعن زيد بن ثابت وعبد الله بن سلام وعوف بن مالك ، وعن نعيم بن مسعود وعن النواس بن سمعان . وابن عساكر عن خالد بن الوليد ؛ وهو حديث متواتر . ١٠١ - ((أُلْحَسَبُ: المَالُ، وَالكَرَمُ: التَّقْوَى))) ، أي : الشيء الذي يكون به المرء عظيماً عند الناس ؛ هو المال ، والذي يكون به عظيماً عند الله ؛ هو التقوى ، والتفاخر بالآباء ليس واحداً منهما فلا فائدة له ؛ أو المراد : إن الغني يعظم ما لا يعظم الحسيب، فكأنه لا حَسَبَ إِلّ المال ؛ وإنّ الكريمَ هو المثَّقي ، لا من يجود بماله ويخاطر بنفسه لِيُعَدَّ جواداً شجاعاً. وقال العلقمي: الحسبُ - في الأصلِ - الشَّرَفُ بالآباء، ٤٠١ ١٠٢ - ((حَسْبُكَ بالصِّحَّةِ وَالسَّلاَمَةِ دَاءَ قَاتِلاً لِاِبْن آدَمَ)). وما يعده الإنسان من مفاخِرِهِ ، والمعنى: إنَّ الفقير ذا الحسَبِ لا يُوَقَّرُ ولا يُحْتَفَلُ به ، والغَنِيَّ الذي لا حسب له يُؤَقِّرُ ويجلل في العيون ؛ وقال العامري في شرح الشهاب: أشارَ بالخبر إلى أن الحسب الذي يفتخر به أبناء الدنيا اليوم المال ، فقصد ذمَّهم بذلك حیث أعرضوا عن الأَحْسَابِ الخفية ومكارم الأخلاق الدينية ، ألا ترى أنه أعقبه بقوله : والكرم التقوى ؛ والتقوى تشمل المكارم الدينيّة والشيم المرضيّة التي فيها شرف الدارين . انتهى. من شروح ((الجامع الصغير)). ومما ينسب للإمام الشافعي- رحمهالله تعالى - : ـلٍ وَمَا فِي يَدَيْهِ عِنْدَ الرَّعَاعِ قيمةُ المرءِ فَضْلُهُ عِنْدَ ذِي الفَضْـ كُنْتَ عَيْنَ الزَّمَانِ بِالإِجْمَاعِ فَإِذَا مَا حَوَيْتَ عِلْماً وَمَالاً صِرْتَ فِي النَّاسِ مِنْ أَخَسِّ المَتَاعِ وَإِذَا مِنْهُمَا غَدَوْتَ خَلِيّاً والحديث ذكره في (( الجامع الصغير)) ؛ مرموزاً له برمز الإمام أحمد والترمذي في ((التفسير))، وابن ماجه في ((الزهد))، والحاكم في ((النكاح))؛ عن سمرة بن جندب ؛ وقال الترمذي: حسن صحيح ؛ وقال الحاكم : على شرط البخاري ، وأَقرَّه الذَّهبي. لكن قيل : إِنَّه من حديث الحسن عن سمرة ؛ وقد تكلموا في سماعه منه . انتهى مناوي على ((الجامع الصغير )). ١٠٢ - ((حَسْبُكَ بِالصِّحَّةِ ) في البدنِ، (وَالسَّلاَمَةِ ) عن المنغِّصاتِ ؛ في النفس والأهل والمال ( دَاءٌ قَائِلاً لابْنِ آدَمَ ))) ، لأَنّ ذلك يدعوه إلى الغرور وارتكاب الشُّرورِ ، ويورثه البطر والعُجْبَ، وينسيه الآخرة، ويُحَبِّبُ إِلَيْهِ الدُّنْيا لما يألفه من الشَّهوات ؛ ((وَحُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيَّةٍ ))! والتمتُّع بالشَّهوات المباحات يحجب القلوب عن الآخرة ، وكل ذلك يسقم الدين ؛ وهو دليلٌ على عدم محبّة الله له ، لأنَّالمؤمنَ كخامة الزرع يتكفّؤُها البلاء، وإذا أَحبَّ الله عبداً ابتلاه ليسمع تَضَرُّعَهُ ، ويكره العفريت النّفريت الذي لا یمرض ولا یَزْمَد . فالمؤمن كثيرُ المشوِّشات والمنغِّصات في بدنه وماله وأهله ، فيمرض ويصاب غالباً ، ويخلو من ذلك أحياناً لِيُّكَفِّرَ عَنْهُ سيئاته، ولا يخلو المؤمن من قِلَّة أو عِلَّة أو ذِلَّة . وأمَّا دوام السَّلامة للعبد فيُخشى منه الاستدراج ؛ وهو من علامة الكُفَّار، لأَن الغالب ٤٠٢ ١٠٣ - (( حُفَّتِ الْجَنَّهُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ )). عليهم الصحّة ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة . وهذا لا ينافي طلب العافية المأمورَ به في عدة أحاديثَ ، لأن المطلوب العافيةُ السليمة العاقبة مماذكر . والحديث ذكره في (( كنوز الحقائق)) مرموزاً له برمز الديلمي في (( مسند الفردوس))، وذكره في ((الجامع الصغير)) بلفظ: (( كَفَى بِالسَّلامَةِ دَاءً )» مرموزاً له برمز الديلمي في ((مسند الفردوس))؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وإسناده ضعيفٌ؛ قال الديلمي : وفي الباب ؛ عن أنسٍ رضي الله عنه . ١٠٣ - ( (حُقَّتِ الجَنَُّ بِالمَكَارِهِ ) أي : أحاطت بها . والمراد بالمكاره : ما يكرهه المرء ويشقُّ عليه مِنَ القيام بحقوق العبادة على وجهها ؛ كإسباغ الطُّهر في الشِّتاء وتجرّع الصَّبر على المصائب والتسليمِ لأَمر الله فيها واجتناب المنهيات قولاً وفعلاً، وأطلق عليها مكاره !! لمشقَّتها على العامل وصعوبتها ؛ ( وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ)) ) أي: ما يستلَّذُّ من أمورِ الدُّنيا مما منع الشرع مِن تعاطيهِ ، وهذا تمثيل حَسَن ، ومعناه يوصل إلى الجنَّةً بارتكاب المكاره من الجهد في الطاعة ، والصبر عن الشهوة ؛ كما يوصل المحجوب عن الشيء إِليه بهتك حجابه ، ويوصل إلى النَّارِ بارتكاب الشهوات .... ومن المكاره : الصبرُ على المصائب بأنواعها ، فكلّ من صبر على واحدة قطع حجاباً من حُجب الجنّة ، ولا يزال يقطع حجبها حتى لا يبقى بينه وبينها إِلا مفارقة رُوحِهِ بدنه ؛ فيقالُ ﴿ يَأَيَّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ ﴿ أَرْجِعِىّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٦)﴾ [الفجر]. قال الغزالي : بيَّن بهذا الحديث أن طريق الجنَّةً وَعِرٌ ، وسبيلٌ صعب كثير العقبات شديد المشقّات ، بعيد المسافات عظيم الآفات ، كثير العوائق والموانع ، خفيُّ المهالك والقواطع ، عزيزُ الأعداء والقُطَّع ، عزيز الأتباع والأشياع ؛ وهكذا يَجِبُ أن يكون . قال ابن حجر: وهذا من جوامع كلم المصطفىء وَ له وبديع بلاغته في ذَمِّالشَّهوات؛ وإِنْ مالت إِليْها النُُّوسُ ، والحث على الطاعات؛ وإِنْ كَرِهَتْهَا وشَقَّتْ عَلَيْها . والحديث متفق عليه ؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه . لكن للبخاري (( حُجِبَتْ )) بدل ((حُفَّتْ)) في الموضعين؛ ورواه القضاعي ؛ عن أبي هريرةَ بلفظ مسلمٍ ؛ وأخرج الإمام ٤٠٣ ١٠٤ - ((الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنٍ)). أحمدُ ، ومسلم ، والترمذي ؛ عن أنسٍ رضي الله عنه . وأخرجه الإمام أحمد في ((الزهد))؛ عن ابن مسعود موقوفاً. ١٠٤ - ((الحِكْمَةُ) - التي هي العلم بالأشياء على ما هي عليه ، والعمل كما ينبغي. وقال ابن دريد : كلُّ كلمةٍ وعظَتْك أو زجَرَتك، أَو دعتك إِلى مكرمةٍ ، أَو نهتكَ عَنْ قبيحِ فهي حكمةٌ ( ضَالَّةُ المُؤْمِنِ ))) ؛ أي : بمنزلةِ الضَّالَّة التي هو ناشدٌ لها وساع في طلبها . والحديث ذكره في (( الكشف ))؛ وقال : رواه القضاعي في مسنده مرسلاً ؛ عن زيد بن أَسْلَم رفعه بزيادة: «حَيْثُ مَا وَجَدَ المُؤْمِنُ ضَالَتَهُ فَلْيَجْمَعْهَا إِلَيْهِ » . ورواه الترمذي والعسكري والقضاعي أيضاً ؛ عن أبي هريرةَ رضي الله عنهُ - وفي سندهم إبراهیم بن الفضل ضعيفٌ ۔؛ ولفظ العسكري والقضاعي: «كَلِمَةُ الحِكْمَةِ ضَالَّةُ كُلِّ حَكِيمٍ ، فَإِذَا وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا)). ولفظ الترمذي: ((الكَلِمَةُ الحَكِيمَةُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا)) ؛ وقال : غريب . ورواه العسكري أيضاً عن أنسٍ رفعه بلفظ: ((العِلْمُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ حَيْثُ وَجَدَهُ أَخَذَهُ ». ورواه أيضاً ؛ عن ابن عباس من قوله ؛ بلفظ: خُذُوا الحِكْمَةَ مِمَّنْ سَمِعْتُمُوهَا ، فَإِنَّهُ قَدْ يَقُولُ الحِكْمَةَ غَيْرُ الحَكِيمِ ، وَتَكُونُ الرَّمْيَةُ مِنْ غَيْرِرَامٍ ». وهذا عند البيهقي في ((المدخل ))؛ عن عكرمة بلفظ: خُذِ الحِكْمَةَ مِمَّنْ سَمِعْتَ ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَتَكَلَّمُ بِالحِكْمَةِ وَلَّيْسَ بِحَكِيمٍ ؛ فَيَكُونُ كَالرَّمْيَةِ خَرَجَتْ مِنْ غَيْرِرَامِ » .. وعنده أيضاً؛ عن سعيد بن أبي بردة قال: كان يقال: الحِكْمَةُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ ؛ يَأْخُذُهَا حَيْثُ وَجَدَها . وعن عبد الله بن عبيد بن عمير قال : كان يقال: العِلْمُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ يَغْدُو فِي طَلَبِها ، فَإِنْ أَصَابَ مِنْهَا شَيْئاً حَوَاهُ حَتى يَضُمَّإِلَيْهِ غَيْرَهُ . وفي معناه ما رواه الديلمي؛ عن علي مرفوعاً: ((ضَالَّةُ المُؤْمِنِ العِلْمُ، كُلَّمَا قَيَّدَ حَدِيثاً طَلَبَ إِلَيْهِ آخَرَ )). وللديلمي أيضاً؛ عن ابن عباس مرفوعاً: (( نِعْمَ الفَائِدَةُ الكَلِمَةُ مِنَ الحِكْمَةِ؛ يَسْمَعُهَا الرَّجُلُ فَيُبْدِيهَا لأَخِيهِ ». ٤٠٤ ١٠٥ - ((الْحَلَاَلُ بَيِّنٌ وَاَلْحَرَامٌ بَيِّنٌ)). وَلَهُ أيضاً بلا سند ؛ عن ابن عمر رفعه: ((خُذِ الحِكْمَةَ؛ وَلاَ يَضُرُّكَ مِنْ أَيِّ وِعَاءٍ خَرَجَتْ )) . ويُروى نحو هذا من قول علي رضي الله عنه . انتهى . ولله در من قال : مِنْ أَيْنَ كَانَ، فَإِنَّ العِلْمَ مَمْدوحُ خُذِ العُلُومَ وَلاَ تَنْظُرْ لِقَائِلِهَا أَسْتَ تَأْخُذُهَا؛ وَالزِّبْلُ مَطْرُوحُ !! كَدُرَّةٍ أَنْتَ تَلْقَاهَا بِمَزْبَلَةٍ ١٠٥ _ («الحَلَاَلُ)، ضد الحرام - لغةً؛ وشرعاً - ( بَيِّنٌّ) : ظاهر واضح ؛ لا يخفى حله ، وهو ما نص الله أو رسوله ، أو أجمع المسلمون على تحليله بعينه أو جنسه ؛ ومنه : ما لم يرد فيه منع في أظهر الأقوال . ( وَالحَرَامُ بَيِّنٌ))) واضح لا تخفى حرمته ، وهو ما نص الله أو رسوله ، أو أجمع المسلمونَ على تحريمه بعينه أو جنسه ، أو بورود عقوبة أو وعيد عليه . ثم التحريم . إِمَّا لمفسدة أَو مضرة خفية : كالزِّنا ومذكَّى المجوس ؛ وإما لمفسدة أو مضرة واضحة : كالسُّمِّ والخمر ... وتفصيله يطول . والحديث طويل ، أخرجه البخاري في (( كتاب الإيمان ))، وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسائي في ((البيوع))، وابن ماجه في ((الفتن)) ؛ كلهم من حديث النُّعمانِ بنِ بشيرٍ رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت النبي وَلـ يقول ... فذكره مطولاً . ٤٠٥ ( حَرْفُ الْخَاءِ ) ١٠٦ - (( خُذِ الْحِكْمَةَ، وَلاَ يَضُرُّكَ مِنْ أَيُّ وِعَاءٍ خَرَجَتْ )) . ١٠٧ - ((خَصْلَتَانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ إِلاَّ فِي مُؤْمِنٍ: السَّخَاءُ، وَحُسْنُ ـ و الْخُلُقِ » . ١٠٨ - ((خَصْلَتَانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ: الْبُخْلُ، وَسُوءُ ه وو الْخُلُقِ )) . ( حَرْفُ الخَاءِ ) ١٠٦ - (( خُذِ الحِكْمَةَ؛ وَلاَ يَضُرُكَ مِنْ أَيِّ وِعَاءٍ خَرَجَتْ))) أخرجه الدَّيلمي بلا سند ؛ عن ابن عمر رفعه، وقد تقدَّم في (( الحِكْمَةُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ ». ١٠٧ - ((خَصْلَتَانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ )، مع بلوغ النّهاية فيهما؛ ( إِلَّ فِي مُؤْمِنٍ ) كامل الإيمان (: ١ - السَّخَاءُ) - بالمد -: الجود والكرم والإعطاء بطيب نفس. (وَ ٢ - حُسْنُ الخُلُقِ)))؛ وهو هيئةٌ للنفس تصدر عنها الأَفعال الحسنة بسهولة . والحديث ذكره المناوي في (( كنوز الحقائق )) مرموزاً لَهُ برمز الديلمي في (( مسند الفردوس)). ١٠٨ - ((خَصْلَتَانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ ) ، أي : كامل الإِيمانِ ؛ فلا يرد أن كثيراً من الموحدين موجودتان فيه؛ (: ١ - البُخْلُ، وَ ٢ - سُوْءُ الخُلُقِ))). قال العلقمي: قال شيخنا: قال في (( النهاية)): المرادُ من ذلك : اجتماع الخصلتين فيه مع بلوغ النّهاية فيهما ، بحيث لا ينفكُّ عنهما ؛ ولا ينفكان عنه ، فأمَّا مَن فيه بعضُ هذا وبعض هذا؛ وينفك عنه في بعض الأوقات ! فإنَّه بمعزل عن ذلك . انتهى (عزيزي)). وفي المناوي على ((الجامع الصغير)): ((خَصْلَتَانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ)): مبتدأ ٤٠٦ ١٠٩ - ((أَلْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللهِ، وَأَحَبُّهُمْ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ )» . موصوف ، والخبرُ محذوف، أي: فيما أحدثكم به خصلتان، كقوله ﴿سُورَةُ أَنزَلْنَهَا وَفَرَضْنَهَا﴾ [١/ النور]. أَي : فيما أوحينا إليك. والبخل وسوء الخلق : مبتدأ تقديره : هما . وأَفرد البخل عن سوء الخلق ؛ وهو بعضه ، وجَعْلُه معطوفاً عليه يدلُّ علىْ أَنْه أَسْوَؤْها وأَبْشَعُهَا !! لأَنَّ البخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس . والحديث ذكره في (( كشف الخفا))؛ وقال : رواه الترمذي وأبو داود الطيالسي ؛ عن أبي سعيد الخدري. وذكره في (( الجامع الصغير)) مرموزاً له برمز الترمذي والبخاري في (( الأدب المفرد )) ؛ عن أبي سعيد أيضاً : قال الترمذي : غريب ، لا نعرفه إلاَّ من حديث صَدَقَة بنِ موسى . انتهى . قال الذهبي: وصدقةُ ضعيفٌ ؛ ضَعَّفَهُ ابن معين وغيره . وقال المنذري : ضعيفٌ . انتهى من المناوي على (( الجامع الصغير )). ١٠٩ - ((الخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللهِ) ؛ أي: فُقَرَاؤُهُ ، وهو الذي يعولهم . ( وَأَحَبُّهُمْ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ))) بالهداية إلى اللهِ، والتعليم لما يصلحهم ، والعطف عليهم ، والترحم والشفقة والإنفاق عليهم من فضل ما عنده ... وغير ذلك من وجوه الإِحسان الأخروية والدنيوية . والعادة أَنَّ السَّيِّد يحب الإحسان إلى عبيده وحاشيته ، ويجازي عليه . وفيه حثٌّ على فضلٍ قضاءِ حوائجِ الخَلْقِ ونفعهم بما تَيَشَّر ؛ من علمٍ أو مالٍ أَو جاهٍ أو إرشادٍ أو نصحٍ ، أو دلالةٍ عَلى خيرٍ ، أو إعانةٍ أو شفاعةٍ أو غيرِ ذلك . والحديث ذكره في (( الجامع الصغير)) مرموزاً له برمز أبي يعلى ، والبزار في ((مسنده))، وكذا البيهقي في ((الشعب))؛ عن أنسٍ . قال السيوطي كالزركشي: سنده ضعيفٌ ؛ وأخرجه الديلمي وابن عدي ؛ من حديث ابن مسعود ؛ قال ابن ٤٠٧ ١١٠ - ((خَيْرُ الْأُمُورِ .. أَوْسَاطُهَا ». الجوزي : حديثٌ لا يصح. انتهى مناوي على ((الجامع))، و((درر)). ١١٠ - ((خَيْرُ الأُمُوْرِ أَوْسَاطُهَا))) أي: التوسُّطُ فيها بين الإِفراطِ والتفريطِ في الأخلاق ؛ كالكرم بين التبذير والبخل ؛ والشَّجاعة بين التهؤُّرِ والجبنِ ؛ وفي الأَحوال كالاعتدال بين الخوفِ والرَّجَاء ، والقبضِ والبسطِ ؛ وفي الاعتقاد بين التشبيه والتعطيل ، وبين القدر والجبر ، فكلُّ إِنسانٍ مأمورٌ أن يجتنب كلَّ وصف مذموم بالبعد عنه ، وأبعدُ الجهات والمقادير من كلِّ طرفين وَسَطُهما ؛ فَإِذا كان في الوسط فقد بَعُد عن الأطراف المذمومة . ويَشْهَدُ لما تقدم قوله تعالى ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [٢٩/ الإسراء]. وقوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان]. وقوله تعالى ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَأَبْتَخِ بَيْنَ ذَلِكَ ٦٧ كـ [الإسراء]. وقوله تعالى ﴿بَقَرَّةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرُ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ سَبِيلًا [٦٨/ البقرة]. وكذا حديث الاقتصاد ؛ ولقد أجاد بعضهم حيث قال : عَلَيْكَ بِأَوْسَاطِ الأُمُورِ فَإِنَّهَا نَجَاةٌ وَلاَ تَرْكَبْ ذَلُولاً وَلاَ صَعْبَا وقال الحريري : حُبُّ الَّنَاهِي غَلَطْ خَيْرُ الأُمُورِ الوَسَطْ وقال : خَيْرُ الأُمُورِ عِنْدَنَا الأَوْسَاطُ وَيُكْرَهُ التَّفْرِيطُ وَالإِفْرَاطُ والحديث ذكره في ((الكشف)) باللَّفظ المذكور، قال: وفي لفظ ((أوسطها)) وقال : قال ابن الغرس : ضعيف ، انتهى . وقال في ((المقاصد)) : رواه ابن السَّمعاني في ذيل (( تاريخ بغداد))، لكن بسند فيه مجهول ؛ عن علي مرفوعاً . ٤٠٨ ١١١ - ((خَيْرُ الرِّزْقٍ .. مَا لاَ يُطْغِيكَ وَلاَ يُلْهِيكَ)). ١١٢ - ((خَيْرُ الْعَمَلِ .. أَنْ تُفَارِقَ الدُّنْيَا وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ » . وللدَّيلمي بلا سند؛ عن ابن عبّاس مرفوعاً: ((خَيْرُ الأَعْمَالِ أَوْسَطُهَا))؛ في حديث أَوَّله : ((دُومُوا عَلى أَدَاءِ الفَرائِضِ ». وللعسكري عن الأوزاعي أنَّه قال: ما من أمرٍ أمرَ اللهُ إلَّ عَارَضَ الشَّيْطَانُ فيه بخصلتين ؛ لا يبالي أَّهُما أصابَ : الغلوُّ ، أو التقصير . ولأبي يعلى بسند جيّ؛ عن وهب بن مُنَبِّه قال : إنَّ لكلِّ شيء طرفين ووسطاً ، فإذا أمسك بأحد الطَّرفين مال الآخر ، وإِذا أَمسك بالوسط اعتدل الطَّرفان ، فعليكم بالأوساط من الأشياء . انتهى . ١١١ - ((خَيْرُ الرِّزْقِ مَا) - يعني: الكفاف الذي - (لاَ يُطْغِيْكَ وَلاَ يُلْهِيْكَ)))، لأنَّ ذلك هو الاقتصاد المحمود ، فَإِنَّ الزِّيادة رُبَّما تطغي الإِنسانَ ، والنَّقْص عن ذلك ربما يورثه الشُّخط ؛ والمراد بالرزق : الحلال . والحديث ذكره المناوي ؛ في (( كنوز الحقائق)) مرموزاً له برمز الطَّبرانيِّ . ١١٢ - ((خَيْرُ العَمَلِ أَنْ تُفَارِقَ الذُّنْيَا) يعني تموت ( وَلِسَانُكَ ) ؛ أي : والحالُ أَنَّ لِسَانَكَ ( رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ)))، هذا مَسُوقٌ لِلحَثِّ على لزوم الذُّكْرِ ؛ ولو باللِسانِ مع عُزُوبِ القلبِ ، إذ ذِكْرُ اللِّسانِ خيرٌ ؛ وإنْ كانَ قَلْبُهُ مَشْغولاً، فلا يُشْترطُ حُضُورُ القلبٍ في الذِّكْرِ ، ولذلكَ قال تلميذٌ لأبي عثمانَ البنانيِّ : في بعض الأحيانِ يجري الذِّكرُ على لساني ؛ وقلبي غافلٌ! فقال: أَشكُرِ اللهَ أَن استعملَ جارحةً مِنْكَ في خيرٍ وعَوَّدَكَ الذِّكرَ ، ومَنْ عَجَزَ عَنِ الحضورِ بالقلبِ ، فتركَ تعويدَ اللِّسانِ بالذِّكرِ فقد أَسْعَف الشَّيطانَ ، فتدلَّى بحبلٍ غرورهِ . فتمَّت بينهما المشاكلةَ والموافقةَ . ولهذا قال التاجُ ابن عطاءِ اللهِ: لا تَتْرُكِ الذِّكرَ مَعْ عَدَمِ الحضُوْرِ ؛ فعسى أن يَنْقُلَكَ مِنْهُ إِلى ذكرٍ مع الحضورِ ، ومنهُ إِلى ذكرٍ مع غيبةٍ عما سوى المذكورِ ، ٤٠٩ ١١٣ - (( خَيْرُكُمْ .. خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي)). وما ذلك على الله بعزيزٍ . قالَ ناظمُ (( الحِكَمِ العطائيَّةِ » : فِيهِ مَعَ المَوْلَى الجَلِيلِ الأكْبَرِ لاَ تَثْرُكِ الذِكْرَ إذَا لَمْ تَحْضُرٍ مِنْ غَفْلَةٍ في الذِّكْرِ يا أخَا الرَّشَدْ فَغَفْلَةٌ مِنْكَ عَنِ الذِّكْرِ أَشَدْ لكنَّ أكملَ الذِّكرِ وأَنْفَعَهُ هو ما كان بالقَلب واللِّسَانِ. أي: اسْتِخْضَارُ القلبِ لِمعنى ما يجري على لِسانِهِ ، وأكملُ مِنْهُ : أَنْ يَغِيبَ عَنِ الذِّكْرِ بالمذكُورِ . وهذا الحديث ذكره في ((الجامع الصَّغير)) مرموزاً له برمزِ أبي نُعَيم في ((الحليةِ ))؛ عن عبدِ اللهِ بنِ بُشْرِ - بضمِّ الموحّدة وسكون المهملة - رضي الله تعالى عنه ، وفي ((العزيزي)) : إنَّه حديث ضعيف . ١١٣ - (« خَيْرُكُمْ)؛ أي: من خَيْرِكُمْ ( خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ ) ؛ يعني : مِن خِيارِكُمْ وَأَفَاضِلِكُمْ : مَنْ كَانَ مُعْظَمُ بِّه لأهلِه ، كما يقال : فلانٌ أَعقلُ النّاسِ ، أي : مِنْ أعقَلِهِم ، فلا يصيرُ بذلِكَ خيرَ النَّاسِ مُطْلقاً . والأهل : قد يَخصُّ الزَّوجَةَ وأولادَها، وقَدْ يُطَلقُ على جُمْلَةِ الأَقاربِ ، فَهُم أولى مِنَ الأَجانبِ . قال ابن الأثير : هو إِشارةٌ إلى صلةِ الرَّحِمِ والحثِّ عَليها . قال الحفني : والأولىُ حَمْلُهُ عَلى العُمومِ مِنْ كُلِّ ذي رَحِم . ( وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِيْ))) بِرّاً ونفعاً لهم دِيناً ودُنْياً، وكان أحْسَنَ النَّاسِ عِشْرَةً لهم ، حتى أنَّهَ كانَ يُرْسِلُ بناتِ الأَنصارِ لعائشَةَ يَلْعَبْنَ مَعها. وكانت إذا هَوِيَت شيئاً لا مَحْذُورَ فِيه تابَعَها عَلَيْهِ . وإِذا شرِبَتْ شَرِبَ مِنْ مَوْضِع فمِها، ويُقَبِّلُها وَهو صائمٌ . وأَرَاها الحَبَشَةَ وهم يلعبونَ في المسجدِ ؛ وهي مُتَكثَةٌ عَلى مَنْكِهِ . وسَابَقَها في السَّفَرِ مرتين فسَبَقَها وسَبَقَتُهُ؛ ثم قالَ: ((هَذهِ بِتِلْكَ)). وتَدَافعا في خُرُوجِهما مِنَ المِنْزِلِ مَرَّةً . ٤١٠ ١١٤ - (( خَيْرُكُمْ .. خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي مِنْ بَعْدِي )). وفي ((الصحيح)): أنَّ نسَاءَهُ كُنَّ يُراجِعْنَه ... الحديث. وتَهْجُرُهُ الواحِدَةُ مِنْهُنَّ يوماً إلى الليلِ ، ودَفَعَتْهُ إحْدَاهُنَّ في صَدْرِهِ ؛ فَزَجَرَتْها أمُّها ؛ فقالَ لها : ((دَعيها فإنَّهُنَّ يَصْنَعْنَ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ))؛ كذا في ((الإِحياءِ)). وجرى بَيْنَهَ وبَيْنَ عائِشَةَ كلامٌ ؛ حتى أدْخَلَ بَينهما أَبا بكرٍ حَكَماً ؛ كما في خبرِ ((الطَّبرانيِّ))، وقالت لَهُ عَائِشَةُ مَرَّةً في كلامٍ غَضِبَتْ عِنْدَهُ: وأنْتَ الذي تَزْعُمُ أَنَّكَ نَبِيُّ اللهِ !! فَتَبَشَّمَ ، كما في خبرِ أبي يعلى، وأبي الشَّيخِ ؛ عَنْها . وكانَ يعتني بِهِنَّ ويَهْتَمُّ بِتَفَقُّدِ أحوالِهِنَّ، فَكَانَ إِذا صلَّى العصرَ دَارَ على نسائِهِ ، فدنا مِنْهُنَّ، واستقرأَ أحوالَهنَّ، فإِذا جاءَ اللَّيلُ انقلبَ إلى صاحِبةِ النَّوبَةِ . وكانَ إِذا شَرِبَتْ عائشةُ من الإِناء ؛ أَخَذَهُ فوضَعَ فَمَه على مَوْضِعِ فَمِها . رواه مُسْلِم . ولمَّا أرادَ أنْ يَحْمِلَ صَفيَّةَ بنتَ حُبِيٍّ على بعيرٍ ؛ نَصَبَ لها فَخْذَهُ لِتَضَعِ رِجْلَها عليه ؛ فَلَوتْ سَاقَهَا عليه . فينبغي الاقتداءُ بِهِوَ ◌ّ في تلكَ الملاطَفَةِ. وفي (( تَذْكِرَةِ ابن عراق))؛ عن الإِمام مالك : يجب على الرَّجلِ أن يَتَحَبَّبَ إِلى أَهْلِ دَارِهِ حَتَّى يكونَ أحبَّ النَّاسِ إِليهم . وَذكَرَ نحوه يوسفُ الصَّدَفِي المالِكِي رحمهم الله تعالى . والحديثُ ذكَرَهُ في (( الجامع الصَّغيرِ)) مرموزاً له برمز الترمذي في ((المَناقبِ))؛ عن عائشةَ رضي الله عنها . وابن ماجه ؛ عن ابن عباس . والطبراني في ((الكبير))؛ عن معاويةَ، وصَخَّحهُ الترمذي؛ وتَمَامُ الحديثِ: ((وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ وَلاَ تَقَعُوا فِيهِ)). انتهى مناوي على ((الجامع الصغير)). ١١٤ - ((خَيْرُكُمْ) ؛ أيُّها الصَّحبُ، ( خَيْرُكُمْ لأَهْلِيْ) : زوجَاتي وأَقَارِبي وعِيالي ، ( مِنْ بَعْدِيْ ))) ؛ أي : مِنْ بَعدٍ وفاتي وقَدْ قَبِل أَكثرُ الصحابةِ وصيَّتَه ، فقابَلُوهم بالإِكرامِ والاحترام . ٤١١ ١١٥ - ((خَيْرُ النَّاسِ .. أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ». والحديثُ ذَكَرَه في ((الجامع الصَّغير )) مرموزاً له برمزِ الحاكمِ ؛ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه. قال المناوي: وَرواه أيضا أبو يعلى وأبو نُعَيْم والدّيْلَمي، ورِجَالُهُ ثقاتٌ، ولّكِن شَّ راوِيهِ بِقَولِهِ: ((لأَهْلِي)). والكلُّ إنما قالوه: ((لأَهْلِهِ )) ذَكَرَهُ ابنُ أبي خيثمة . انتهى . ١١٥ - ((خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ)) بالإِحْسَانِ إِليهم بمالِهِ وجاهِهِ ، فإنَّهم عِبادُ اللهِ، وأحَبُّهم إِليه أنفَعُهُم لِعِبادِه، أي: أَشرفهم عِنْدَهُ؛ أكثرهم نفعاً للنَّاس ، بنعمةٍ يسُدْيها ، أو نِقْمَةٍ يزويها عَنْهُم دِيناً ودُنْيا . ومنافِعُ الدِّينِ أشرَفُ قدراً وَأَبْقَى نفعاً، قالَ بعضهم: هذا يُفِيدُ أَنَّ الإِمامَ العادلَ خيرُ الناسِ ؛ أي : بعدَ الأَنبياءِ لأنَّ الأمورَ التي يَعُمُّ نَفْعُها ، ويَعْظُمُ وَقْعُها ؛ لا يقوم بها غيرُهُ ، وبه نَفْعُ العِبادِ والبِلادِ ، وهو القائم بخلافةِ النُّؤَّةِ في إِصلاحِ الخَلْقِ ؛ ودُعَائِهِم إِلى الحقِّ ، وإِقامةِ دِينِهم، وتَقْويم أَوَدِهِم، ولولاه لم يكن عِلمٌ ولا عملٌ. انتهى « مناوي» . والحديث أخرجه القضاعي في ((مسند الشِّهاب))؛ عن جابر رضي الله عنه ، وفيه عمرو بن أبي بكر السَّكْسَكِيّ الرَّمْلِيّ؛ قال في ((الميزان)): واهٍ . وقالَ ابن عَدِيٍّ : لَهُ مناكيرُ ؛ وابن حبَّان : يروي عَنِ التِّقَاتِ الطَّامات . ثم أَورَدَ لَهُ أخباراً هذا منها . انتهى مناوي على (( الجامع الصغير)). وفي ((العزيزي)): إنه حديثٌ حَسَنٌ لِغَيرِهِ . ٤١٢ ( حَرْفُ الدَّالِ ) ١١٦ - ((الدَّاكُّ عَلَى أَلْخَيْرِ .. كَفَاعِلِهِ، وَالدَّاكُ عَلَى الشَّرِّ .. كَفَاعِلِهِ » . ( حَرْفُ الدَّالِ ) ١١٦ - ((الذَّالُّ عَلَىُ الخَيْرِ كَفَاعِلِهِ))) في حُصولِ الثَّوابِ ؛ وإنْ تَفَاوتَ المِقْدَارُ، كما إذا أمَرْتَ شَخْصاً بنحوِ صَدَقَةٍ ، أو صوم يومٍ ، أو صلاةٍ ، أو صِلَةٍ رحمٍ ، أو غيرِ ذلِكَ ؛ فإن حَصَلَ ذَلِكَ الخيرُ فَلَهُ مثلُ ثوابِهَ، وَإلاَّ فَلَهُ ثوابُ دِلالَتِهِ . قال القرطبيُّ : ذهبَ بعضُ الأئمَّةِ إلى أنَّ المِثْلَ المَذكُورَ إنَّما هو بغَيرِ تضعيفٍ ؛ لأَنَّ فعلَ الخير لمْ يَفعلُهُ الدَّالُّ! وليس كما قال !! بل ظاهرُ اللَّفظِ المساواةُ ، ويمكنُ أن يصارَ إِلى ذلكَ ، لأنَّ الأجْرَ على الأعمالِ إنَّما هو بفضل اللهِ ؛ يَهَبُ لِمن يشاءُ على أيِّ فعلٍ شاء، وقد جاء في الشَّرع كثير. انتهى ((مناوي)) . ويدخل في ذلك دخولاً أَوَّليّاً أَولويّاً : مَنْ يُعَلِّمُ النّاسَ العِلْمَ الشَّرعيَّ، ويتحمَّلُون عَنْهُ؛ قاله في شرح ((الإحياء )). (وَالذَّاكُّ عَلَى الشَّرِّ كَفَاعِلِهِ)))؛ أي: لإِعانَتِهِ عَلَيه، فَلَه كَفِعِلِه مِنَ الإِثمِ ؛ وإنْ لم يَحْصُل بمباشرَتِهِ . والحديث ذكرَه في ((الجامع الصغيرِ))، وقال: أَخرجه البزَّار ؛ عن ابن مسعود وعن أنس، والطَّبرانيُّ في ((الكبير))؛ عن سهلِ بنِ سَعدِ السَّاعدي وعن أبي مسعود ؛ وفي إسناده ضعيف [جداً] . وأخرجَه أحمدُ والضِّياءُ؛ عن بُرَيدةَ بنِ الحصيبِ ، وابنٍ أَبي الدُّنيا في (( قضاء الحوائج))؛ عَنْ أنسٍ بِإِسنادٍ حَسَنٍ ، بلفظِ: ((الدَّالُ عَلى الخَيرِ كَفَاعِلِه، واللهُ يُحِبُّ إغاثَةَ اللَّهْفَانِ )) انتهى . ٤١٣ ١١٧ - ((الدُّعَاءُ .. مُخُّ الْعِبَادَةِ)). ١١٨ - ((دَعْ مَا يَّرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَّرِيبُكَ ، ورواهُ ابن عبدِ البَرِّ ؛ عن أبي الدرداءِ من قولِهِ بلفظِ : الدَّالُّ على الخَيرِ وفاعلُهُ شرِيكانِ . ورواهُ التِّرمذيُّ ؛ عن أنسٍ وقالَ : غريبٌ . ورواهُ مسلِمٌ ، وأبو داودَ ، والتِّرمذيُّ، وصحَّحه ؛ عن أبي مسعودٍ البَذْرِيِّ؛ بلفظ : مَنْ دلَّ على خيرٍ فَلَهُ مِثلُ أجرِ فاعِلهِ. انتهى (( كشف الخفا)) . ١١٧ - ((الدُّعَاءُ مُخُ العِبَادَةِ))؛ أي: خالِصُها، لأنَّ الدَّاعي إنَّما يدعو الله عندَ انقطاع أمله ممَّا سِواهُ ، وذلك حقيقةُ التَّوحيدِ ، والإِخلاصِ ، وَلا عبادةَ فوقَها ، فكانَ مُخَّها بهذا الاعتبارِ . وأيضاً لما فيه من إِظهارِ الافتقارِ ، والتَّرِّي مِنَ الحولِ والقوّة وهو سَمْتُ العبوديَّة، واستشعارُ ذِلَّةِ البَشريَّة، ومُتَضمِّنٌ للثََّاءِ على اللهِ ؛ وإضافة الگرمِ والجودِ إليه . وبقيةُ الحديث: ثم قَرَأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [٦٠/ غافر]. ج وهذا استدلال بالآية ، فإِنَّها تدلُّ على أنَّه مأمورٌ به ؛ إذا أتى بهِ المكلَّفُ قُبِلَ مِنْهُ لا محالةَ ، وتَرَتَّبَ عليه المقصودُ تَرَتُّبَ الجزاءِ على الشَّرطِ ، والمُسَبَّبِ على السَّبَبِ ، وَما كان كذلك كان أتمَّ العبادَةِ وأكملَها. انتهى مناوي على ((الجامع)) . والحديث رواه الترمذي في ( الدَّعوات ) ؛ عن أنسٍ رضي الله عنه وقال : غريبٌ ؛ لا نعرفه إلا من حديثِ ابنِ لَهِيعةَ. وفي ((العزيزي)) : إنَّه حديثٌ صحيحٌ . انتهى . ١١٨ - ((دَعْ مَا يُرِيِيُكَ) - بِضِمِّ الْيَاءِ، وفَتْحُها أكثرُ روايةً -؛ أي : اترك ما تَشُكُ فِي كَونِه حَسَناً، أَو قَبيحاً، أو حلالاً، أو حراماً ( إِلى مَا لاَ يَرِيْيُكَ ) ؛ أي : واعدل إِلى ما لا شكَّ فيه؛ يعني: ما تَقَّنْتَ حُسْنَهَ وحِلَّهُ . والأمر للنَّبِ ، لِمَا أَنَّ تَوَقِّي الشُّبهاتِ مندوبٌ لا واجبٌ على الأصحِّ. ((ومَنْ ٤١٤ فَإِنَّ الصِّدْقَ .. طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الْكَذِبَ .. رِيبَةٌ)). اتَّقى الشُّبهاتِ فقد استبرأَ لعِرضِهِ ودِینهِ » . قال القاضي: هذا الحديثُ من دلائلِ النُُّوَّةِ، ومعجزاتِ المصطفى وَِّ، فإِنَّه أخبر عمَّا في ضمير وابصةَ قبلَ أن يتكلم بهِ !. والمعنى : أَنَّ مَنْ أشكَلَ عليه شيءٌ واْلْتَبَسَ ؛ ولم يتبيَّنَ أنَّهُ مِنْ أَيِّ القبيلَيْنِ هو فلْيتأمل فيه ؛ إِنْ كانَ مِنْ أَهلِ الاجتهادِ ، ويسأل المجتهدينَ ؛ إِن كانَ من المقلدينَ ، فإن وجد ما يَسكُنُ إليه نَفْسُهُ، ويطمئِنُ بهِ قَلْبُهُ ، وينشرِحُ صدرُهُ ، فلْيَأْخُذْ بِهِ ، وَإلاَّ! فَلْيَدَعْهُ، وَلْيَأْخُذْ بِمَا لا شُبْهَةَ فِيهِ ولا رِيِبَةَ؛ ( فَإِنَّ الصِّذْقَ طُمَأْنِيْنَةٌ ) ؛ أي : يَطْمئنُ إليهِ القلبُ ويسكُنُ . وفيه إِضمارٌ ، أي : مَحَلُّ طمأنينةٍ أو سَبَبُ طمأنِينَةٍ . (وَإِنَّ الَكَذِبَ رِيْبَةٌ)))؛ أي : يُقْلِقُ القَلبَ ويَضطَرِبُ . وقال الطَّيْيُّ: جاءَ هذا القولُ مُمَهِّداً لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكلام . ومعناه: إِذَا وجَدْتَ نَفَسَكَ ترتابُ في الشَّيء فاتْرُكْهُ، فإِنَّ نَفْسَ المؤمنِ تَطْمَئِنُّ إِلى الصِّدقِ ، وترتابُ من الكذِبِ ، فارتيابك مِنَ الشَّيءٍ مُنِىءٌ عن كونه مَظِنَّةٌ للباطِل فاحذرهُ ، وطمأنِينُكَ للشَّيءِ مُشْعٌ بحَقِيقَتِهِ ؛ فتمسَكْ به . والصِّدَقُ والكَذِبُ يُستَعْملانِ فِي الأَقوالِ والأَفعال ، وما يَحِقُّ أو يَبْطُلُ مِن الاعتقاد . وهذا مَخْصُوصٌ بذوي النُّقُوسِ الشَّريفةِ ، القُدْسِيَّةِ المطَهَّرةِ عَنْ دَنَسِ الذُّنُوبِ ؛ وَوَسخِ العيوبِ . انتهى . والحاصلُ : أَنَّ الصِّدقَ إذا مازَجَ قَلْبَ الكامِلِ ؛ امتزَجَ نُورُهُ بِنورِ الإِيمانِ ، فاطمأنَّ وانْطَفَأَ سِرَاجُ الكَذِبِ ، فإنَّ الكَذِبَ ظُلْمَةٌ ، والظُّلْمَةُ لا تُمازِجُ النُّورَ . انتهى مناوي على ((الجامع الصغير)) . والحديث أخرجَهُ الإِمام أحمد، وأبو داودَ الطَّيَالِسيُّ، وأَبو يَعْلَى في ((مسانيدهم))، والتّرمذيُّ، وابن ماجَه، والحاكم، وآخرون؛ عن الحسن بن ٤١٥ ١١٩ - ((الدُّنْيًا .. سِجْنُ أَلْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ)). علي ، وقالَ التِّرمذيُّ: حَسَنٌ صحيحٌ ، وقال الحاكم : صحيحُ الإسنادِ ، وصحّحَهُ ابنُ حِبَّانَ، وهو طَرَفٌ مِن حديثٍ طويلٍ. انتهى (( كشف الخفاء))، ومناوي على ((الجامع الصغير)). ١١٩ - ((الدُّنْيَا) قال القُرطبيُّ: وزنُها فُعْلَى وَلِفُها للتَّأنيثِ، وهو مِنَ الدُّنُوِّ بمعنىُ القُرْبِ ، وهي صفَةٌ لموصوفٍ مَحْذوفٍ ، كما قالَ تعالى ﴿ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّ مَتَعُ الْغُرُورِ ◌ِ﴾ [آل عمران] غيرَ أَنَّه كَثُرَ استِعمالُها استعمالَ الأسماءِ ؛ فاستُغْنِيَ عَنْ موصوفِها . والمراد : الدَّار الدُّنيا والحياة الدُّنيا الَّتي تقابل الدار الآخرة ؛ أو الحياة الأخرى . انتهى . وقيل : هي ما على الأَرْضِ من الهواءِ والجَوِّ . وقيل: كُلُّ المخلوقاتِ مِنَ الجواهِرِ والأَعْرَاضِ ، ويُطْلَقُ على كُلِّ جُزْءٍ من ذلك مجازاً . انتهى عزيزي على (( الجامع الصغير)). ( ◌ِجْنُ المُؤْمِنِ ) ؛ بالنّسبةِ لما أُعِدَّ له في الآخرةِ من النَّعِيمِ المُقيم . ( وَجَنَّهُ الكَافِرِ)))؛ بالنّسبةِ لِما أَمامه من عذابِ الجَحيمِ ، وعما قريبٍ يحصل في السِّجْنِ المُسْتَدام ؛ نسألُ الله السلامةَ يومَ القيامةِ . وقِيلَ : المؤمِنُ صَرَفَ نَفْسَه عن لذَّاتِها؛ فكأنَّهُ في السِّجْنِ لِمَنْع الملاذٌّ عَنْهُ ، والكافِرُ سَرَّحَهَا في الشَّهواتِ ؛ فهي له كالجنَّةِ . قال السُّهْرَوَرْدِيُّ : والسِّجْنُ والخروجُ مِنْهُ يتعاقبانِ على قَلْبِ المؤمنِ على توالي السَّاعاتِ ، ومرورِ الأَوقاتِ ، لأَنَّ النَّفْس كلما ظهرت صفاتُها أَظلم الوقت على القَلبِ؛ حتى ضَاقَ وانْكَمَدَ. وهل السِّجنُ إلا تَضْيِيقُ وحَجْرٌ من الخروجِ ؛ فكلما هَمَّ القَلْبُ بالتَّرِّي عَنْ مَشَائِمِ الأَهواءِ الدُّنيويَّة ، والتَخَلُّصِ عن قيودِ الشَّهواتِ العاجِلَةِ ؛ تَشَهِّياً إلى الآجِلَةِ، وتَتَزُّهَاً في فَضَاءِ الملكوتِ، ومُشَاهَدَةٌ للجمالِ الأَزَلِي؛ حَجَزَهُ الشَّيطانُ المَردود مِنْ هذا البابِ بالاحتجابِ ، فَتَدَلَّى بحبلِ النَّفْسِ ٤١٦ ١٢٠ - ((الدُّنْيَا .. عَرَضٌ حَاضِرٌ، يَأْكُلُ مِنْهَا أَلْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَأَلْآخِرَةُ .. وَعْدٌ صَادِقٌ ، الأَمَارَةِ إِليه ، فَتَكَدَّرَ صَفْوُ العَيْشِ عَلَيْهِ، وحَالَ بَيْنَهُ وبينَ محبوبٍ طَبْعهِ ، وهذا من أَعْظَم الشُّجونِ وأَضْيَقِها ، فإنَّ مَنْ حِيْلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَحْبُوبِهِ ضاقتْ عَلَيْهِ الأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ، وضاقَت عليه نَفْسُهُ . تتمة : ذكروا أَنَّ الحافظ شهاب الدِّينِ ؛ أحمد بن علي بن حَجْرَ العسقلاني رحمه الله ، لما كان قاضي القُضَاةِ مَرَّ يوماً بالسُّوقِ، في موكبٍ عظيمٍ، وَهَيْئَةٍ جَميلةٍ ؛ فَهَجَمَ عَلَيْه يهوديٌّ يبيعُ الزيتَ الحارّ ، وأثوابُهُ ملطَّخَةٌ بالزَّيتِ ، وهو في غايةِ الرَّثاثَةِ والشَّنَاعَةِ ، فَقَبَضَ علىْ لجام بَغْلَتِهِ ؛ وقال: يا شيخَ الإسلام ؛ تَزْعُمُ أَنَّ نَبِيَّكُمْ قَالَ: ((الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافرِ )) فأي : سِجْنٍ أَنْتَ فيهِ؟ !! وأي : جَنَّةٍ أَنَا فِيها؟ !! فقال: أنا بالنّسبةِ لما أعَدَّ اللهُ لِي في الآخرةِ مِنَ النَّعيم ؛ كأَنِي الآنَ في السِّجْنِ ، وأَنْتَ بالنسبةِ لِما أَعَدَّ لَكَ في الآخرةِ من العذابِ الأليمِ ؛ كأنَّكَ في جَنَّةٍ . فَأَسْلَمَ اليهوديُّ. انتهى مناوي على ((الجامع الصغير)). وقيل : إنَّ صاحِبَ القِصَّةِ هو أبو سَهْل الصُّعْلُوكيّ الفقيهُ الخُرَاساني، وكانَ ممَّن جمع رياسة الدِّينِ والدُّنيا ، وقيل: إنَّه الإِمام الشَّافعي؛ ولا مانعَ من تعدُّدِ الواقِعَةِ . والحديث ذكره في ((الجامع الصغير)) مرموزاً له برمزِ الإمام أحمد ؛ ومسلم في ((الرَّقائق))، والترمذيّ؛ وابن ماجه في ((الزهد ))؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه، والطَّبراني في ((الكبير))، والحاكم في ((المُسْتَدْرَكِ))؛ عن سلمان، والبَزَّار ؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم أجمعين . ١٢٠ - ((الأُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ)؛ أي: مَتَاعٌ عاجِلٌ ( يَأْكُلُ مِنْهَا الْبَرُّ وَالفَاجِرُ ) : الطائعُ والعاصي . ( وَالآخِرَةُ وَعْدٌ) من الله (صَادِقٌ)؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران]. ٤١٧٠ ٩ يَحْكُمُ فِيهَا مَلِكٌ عَادِلٌ، يُحِقُّ الْحَقَّ وَيُبْطِلُ اَلْبَاطِلَ، فَكُونُوا أَبْنَاءَ أُلَآَخِرَةٍ، وَلاَ تَكُونُوا أَبْنَاءَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ كُلَّ أُمِّ يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا )). ١٢١ -((الدُّنْيَا .. كُلُّهَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِهَا: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ». ( يَحْكُمُ فِيْهَا مَلِكٌ عَادِلٌ) ؛ لا يُتَصَوَّرُ منه الجور والظلم؛ ( يُحِقُّ الحَقَّ وَيُبْطِلُ البَاطِلَ . فَكُوْنُوْا أَبْنَاءَ الْآخِرَةِ )؛ أي: عامِلِين بأَعمالِ الآخرةِ ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ◌ِ﴾﴾ [الإسراء]. ( وَلاَ تَكُوْنُوْا أَبْنَاءَ الُّنْيَا ) ؛ أي : مشْتَغلين بها ، مُنْهَمِكينَ فيها ، بحيثُ تَشْغَلُكُمْ عن الآخِرةِ ، وعما يقرُِّكُم إِلى الله تعالى . (فَإِنَّ كُلَّ أُمّ يَتْبُعُهَا وَلَدُهَا))) فمن كان من أَبناءِ الدُّنيا مشتغلاً بهاً مُعْرِضاً عن الله والآخِرَةِ؛ فذلِكَ حَظُهُ وهو في الآخرةِ مِنَ الخاسرين ، ومَنْ كانَ مِن أبناءِ الآخِرَةِ ، مشتغلاً بما يقرِّبُهُ إِلى اللهِ ؛ متزوَّداً لآخِرَتِهِ ؛ فعسى أنْ يَكُونَ مِنَ المفلحين . والله دَرُّ مَنْ قَالَ : وخَفْضٍ لِذِي عِلْمٍ ، فَقَالتْ: خُذِ العُذْرَا عَتَبْتُ عَلىُ الدُّنْيا لِرِفْعَةٍ جَاهِلٍ وأهْلُ الثُّقَى أولادٌ لِلضَّرَّةِ الأُخْرَى بَنُو الجَهْلِ أبْنَائِي لِهَذَا رَفَعْتُهُمْ ١٢١ - ((الدُّنْيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ) أي: شيءٌ يُتَمَنَّعُ به ؛ أي: يُنْتَفَعُ بِهِ أَمَداً قليلاً . وعَبَّر بِلَفْظِ المَتَاعِ! إِفِهاماً لِخِسَّتِها ، لِكَوْنِهِ مِنْ أسماءِ الجِيفَةِ ؛ الَّتِي هِي للمضْطَرِّ يأْخُذُ مِنْهَا قَدْرَ الحاجة والضرورةِ . ( وَخَيْرُ مَتَاعِهَا المَزْأَةُ الصَّالِحَةُ))) التي فُسِّرَتْ في الحديثِ ؛ بقوله : (( الَّتِي إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ ؛ فِي نَفْسِهَا، وَمَالِهِ )) . وقَيَّدَ بالصَّالِحَةِ !! إِيذاناً بأنَّها شَرُّ المتاع ؛ لو لم تَكُنْ صالحةً ، وهو كذلك . ٤١٨ ١٢٢ - ((أَلَدُّنْيَا .. مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ)). فَشَرُّ مَتَاعِ الدُّنيا المرأةُ غَيْرُ الصالحةِ . قال الطِّيُّ : المَتَاعُ من التَمَثُّع بِالشَّيءِ ؛ وهو الانْتِفَاعُ بِهِ، وكلُّ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ عُروضِ الدُّنْيا: مَتَاعٌ. والظَّاهِرُ أَنَّ المصْطَفىّ ◌َهُ أُخْبَرَ : بأنَّ الاستمتاعاتِ الدُّنْيَويَّةَ كُلَّها حَقِيرَةٌ ؛ ولا يُؤْبَهُ لها، وذلك أَنّه تعالىْ لَمَّا ذكر أصْنَافَها ومَلاذَّها في آيةٍ ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ مَتَعُ ﴾ [آل عمران]. انتهى . ١٤ الْحَيَوَةِ الدُّنْيّ﴾. ثمّ قال بَعْدَهُ ﴿ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسُْ اَلْمَئَابِ وفيه إِيماءٌ إلى أَنَّ المرأةَ أطيَبُ حلالٍ فِي الدُّنيا ، أي : لأنَّهُ سُبحانَهُ زَيَّنَ الدُّنيا بسبعةِ أَشياء ذَكَرَها بقوله ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ ... ) الآية؛ وَتِلكَ السَّبعةُ هي ملاذُّها وغايةٌ آمالِ طُلاَّبِها؛ وأَعَمُّها زِينَةً وأعظَمُها شَهْوةَ النِّسَاءُ ، لأنَّها تَحفْظُ زَوجَهَا عنِ الحرامِ ، وتُعِينُه على القيام بالأُمورِ الدُّنيويَّةِ والدِّينِيَّةِ ، وكُلُّ لَذَّةٍ أعانَتْ على لذَّاتِ الآخِرَة فهي محبوبةٌ مُرْضِيَّةٌ للّهِ تعالى ؛ فصاحِبُهَا يَلْتَذُّ بها من جِهَةِ تَتَغُّمِهِ وَقُرَّةِ عِينِهِ بِها ، ومن جهِةِ إِيصالِها إِلى مرضَاةِ رَبِّهِ، وإِيصاله إلىُ لَّذَّةٍ أَكْمَلَ مِنها . انتهى مناوي على ( الجامع )) . والحديث أخرجه الإمام أحمد، ومسلم، في (( الرَّضاع))، والنَّسائي في ((النِّكاح))، وابن ماجه وغيرهُ ؛ عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنهما رفعه . ولم يُخَرِّجْهُ البخاريُّ !!. ١٢٢ - ((الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ))) الحديثُ ذَكَرَهُ المناوي في ((كنوز الحقائق))؛ مرموزاً له برمز الدَّيلميُّ في ((الفردوس))، وذكره العَجْلوني في (( الكشف)). وقال : قال في ((المَقَاصِدِ )): لَمْ أَقِفْ عَلَيهِ . مع إِيرادِ الغزالي له في ((الإِحياء)) !!. وقال القاري : قلت : معناه صحيحٌ ، مُقْتَبَسٌ مِن قوله تعالى ﴿ مَن ◌َانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْئِهِ﴾ [٢٠/ الشورى]. وقالَ ابنُ الغرْسِ: لا يُعْرفُ. وأَنْشَدُوا : ٤١٩ ١٢٣ - « دُورُوا مَعَ كِتَابِ اللهِ حَيْثُمَا دَارَ )). ١٢٤ - ((الدِّينُ .. النَّصِيحَةُ)). إذا أنْتَ لَمْ تَزْرَعْ وأبْصَرْتَ حَاصِداً نَدِمْتَ عَلىُ التَّفْرِيطِ فِي زَمَنِ البَذْرِ ورواه في ((الفِردَوسِ)) بلا سندٍ، عن ابن عمرَ مرفوعاً بلفظِ: (( الدُّنْيَا قَنْطَرَةُ الآخِرَةِ ))، وذَكَرَه الصَّغَانِي بِإِسقاطِ الآخِرةِ (( فاعْبُرُوهَا؛ وَلاَ تَعْمُرُوهَا )). وفي ((الضُّعفاء)) للعُقيلي و(( مكَارِمِ الأخلاقِ)) لابنِ لال؛ عن طارقٍ بن أَشْيمَ رفعه : ((نِعْمَتِ الدَّارُ الدُّنيا لِمَن تَزَوَّدَ مِنْهَا لآخرَتِهِ » ... الحديث. وذكره الحاكِمُ وصَخَّحهُ، ولِكنْ تَعقَّبَهُ الذَّهبِيُّ بأنَّه مُنكَر ، وراويِهِ عبدُ الجَبَّارِ لا يُعْرَف . ولابنِ عَسَاكِرِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سعيدٍ ؛ قال : كَانَ عِيسى عليه الصَّلاةُ والسلام يَقُول: أَعْبُرُوا الدُّنيَا ولا تَعْمُرُوها، وحُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، والنَّظَرُ يَزْرَعُ فِي القَلْبِ الشَّهْوَةَ)). انتهى كلام ((الكشف)). ١٢٣ - (« دُوْرُوْا مَعَ كِتَابِ اللّهِ حَيْثُمَا دَارَ))) المُرَادُ - كما في حديثٍ آخَرَ -: (( أَحِلُوا حَلَاَلَهُ وحَرِّمُوا حَرَامَهُ ، فإنَّهُ الكِتَابُ المبينُ والصراطُ المُسْتَقِيمُ)). وهذا الحديثُ يُوَضِّحُهُ ما رَواهُ الطَّبراني عن مُعَاذٍ: ((خُذُوا العَطَاءَ ما دامَ عَطَاءً ، فإذا صار رَشوةً على الدّين ؛ فلا تأخذوه ، ألا إِنَّ رَحى الإسلام دائرةٌ فدوروا مع الكِتابِ حيثُ دارَ ، ألا وإِنَّ الكتاب والسُّلطان سَيَفْتَرِقَانِ؛ فلا تفارقوا الكتاب)). ·انتھی . والحديث ذكره في (( الجامع)) مرموزاً له برمز الحاكم ؛ عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما. وفي ((العزيزي)) : إنَّه حديث صحيح . ١٢٤ - ((الدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ))) أي: عمادُه وقوامه النَّصيحة، على وزان ((الحَجُّ عَرَفَةُ )) ، فَبُولِغَ في النَّصيحة حتى جعل الدِّين كله ◌ِيَّاها . ٤٢٠